المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : |+*| لن تعود لتكفكف دموع الشمس |*+|



شمعة
24-10-2008, 04:26 PM
|+*| مقدمة |*+|


|| شمعة || :"الشمس تختفي لتكبت دموعها المتراكمة..."
|| شجرة الكرز|| :" فتنحجب خلف الغيوم السوداء..."
|| شمعة|| :"شمسٌ اشتاقت للظهور"
|| شجرة الكرز|| :"فأبت أن تعلن الحرب بالدموع..."
|| شمعة || :"وتربع في كبد السماء..."
|| شجرة الكرز|| :"قلبٌ مدمى وسيفٌ قاتل..."
|| شمعة || :"رياح الغدر أدمتها... وشوق الحرية يداعب خيالها... فتوارت خلف السحاب المعتمِ... لتخفي دمعها الحارق..."
|| شجرة الكرز|| :"تنال الصبر من دمعةٍ تنتظر يداً تكفكفها
تنتظر قلباً يؤنسها... ويداً تمد لها الحرية... وتمد لها السلام... ... فأين!؟. ..."
|| شمعة || :" يا حرية سيفك؟.."
|| شجرة الكرز || :"وأين أنت أيها السلام؟!."
|| شمعة || :"عن ناظريها... "
|| شجرة الكرز|| :"غبت ورحلت..."
|| شمعة|| :"عن ناظريها...
|| شجرة الكرز|| :" هاجرت..."

|| شمعة|| :"في يد عدو غاشمِ..."
|| شجرة الكرز|| :" فرحاً... طرباً... بنصرٍ مؤقتِ...
فمتى العلم يرفرف...؟ فوق أرضكَ يا وطني؟!."

|| شمعة|| :"فلولاك ما اهتدينا إلى الحريةِ...
فيا شمس أشرقي وكفكفي دمعك..."

شجرة الكرز
24-10-2008, 05:09 PM
قلمين اندمج حبرهما ليشكل لوحةً رأت النور...
فانتشر الحبر على الصفحات...
ليغوص في ثناياها...
ويقتحم ظلامها الحالك...
فتنير تلك الشمعة درب الكلمات...

وتنبت الورقة تلو الورقة على الأغصان...



*** ***



نلقاكم بحفظ الله عزوجل


*** شمعة ***

|+*| شجرة الكرز|*+|

شمعة
25-10-2008, 06:06 AM
أعزاء القراء ...
ترقبوا الجزء الأول اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــو م باذن الله ...
في شوق لردوكم التي سوف تلون لوحتنـــــــــــــــــــــــــــــــــــا...


*** شمعة ***
|+*| شجرة الكرز|*+|

شجرة الكرز
25-10-2008, 02:24 PM
|| الورقة الأولى من غصن الحرية ||
** * **




الشمس تختفي خلف السحاب... تنشر القليل من أشعتها الذهبية في الكون... لكنها لا تبعث الدفء مع أنها تعدت الواحدة والنصف ظهراً... ذلك بسبب يومٍ شتويٍ ممطر...


حيث كنت أحمل في يدي اليمنى رزمة الكتب التي اعتدت حملها، وأنا أسير في مثل هذا الطريق يومياً... أما يدي الأخرى فتقبض على ذراع المظلة التي تحمي ثيابي من سيول الأمطار المثلجة نوعاً ما...


لا حت أسوار المدرسة العالية والسيارات الملونة تقف بين فينةٍ وأخرى أمام البوابة... فتخرج إحدى الفتيات مسرعة هاربة من الأمطار متجة إلى السيارة التي ستقلها إلى منزلهم... بعد يومٍ مكلل بالدراسة والتعب...


ابتسمت لنفسي وأنا أرى البراءة في هذه التصرفات... ففي الأمس كن يقفن خارج أسوار المدرسة يلعبن ويجرين خلف بعضهن البعض... وأصوات ضحكاتهن تملأ الفضاء في مثل هذا الوقت من كل يوم...


يا للبراءة الجميلة... التي أعتبرها وساماً تتزين به كل فتاة...
لم تبق سوى خطواتٌ قليلة وتبدأ المشادة الكلامية بيني وبينها على التأخير... ماذا أفعل لها ياترى؟!. إن كنت لا أستطيع المجيء قبل هذا الوقت فما ذنبي؟!.
ومشاكستها لي تجعلني أتأخر عمداً لأرى ملامحها الغاضبة مني... فهي رغم ذلك تضل رائعة في كل شيء... حتى بتعقيد حاجبيها ومد شفتيها للأمام بضيقٍ شديد تضل جميلةٌ ورائعة...


اعتليت الدرجات الصغيرة قبل البوابة... لتدخلني إلى استراحة الطالبات... كانت أصواتهن تملئ المكان، لكن بدخولي عم الصمت وتقافزت النظرات إليّ... وكأنني فتىً من المريخ... تقافزت نظراتي أنا الآخر بين وجوه الفتيات أبحث عن ذلك الوجه العبوس كما في كل تأخير... صوتٌ نسائي قطع تلك القفزات...


_:" مالذي تريده أيها الشاب المحترم؟!."


كان اسلوبها سخرية أكثر منه لباقةً... التفت إليها لأرى إحدى المعلمات تقف بجانب مكتب الحارس...


فقلت لها:"أتيت لأخذ ابنة عمتي إلى المنزل... أهناك اعتراض؟.."
قلتها بسخرية... مما أغاضها بشدة فقالت:"نعم... لا يمكن أن يأخذ الفتيات من المدرسة في هكذا وضع إلا أحد الوالدين أو الإخوة أو الأعمام... وأنت لست واحداً منهم..."


اغتضت من ردها، وكأني لأول مرةً آتي لأخذها... ولكن في نفس الوقت علت قسمات وجهي الاستغراب لهكذا حديث... فقلت بخوف:" مالذي حدث لها؟!. أين هي الآن؟!. أجيبي أين هي؟!."
نظرت إلي وكأنها لم تفهمني... وقالت:"وما أدراني!.. إنك لم تقل حتى اسمها أيها الشاب؟.."


_:" لقد أتى لأخذها والدك..."


كان صوتاً طفولياً أكثر منه أنثوياً... التفت إلى من كانت تتحدث، وعلامات التساؤل تغلفني، فأسرعت في السؤال:"أقلتي والدي؟!. متى؟!."


هزت رأسها بالإيجاب وقالت:"نعم، لقد أتى مع انتهاء الدوام المدرسي... وذهبت معه..."
سألت المعلمة قائلة:"هل تعرفينها يا هدى؟!."
_:"نعم، إنها بتول... وأخته صديقتي أيضاً ذهبت..."



أسرعت بالخروج من البوابة دون أن أنتظر رداً من أحد... لأول مرةٍ يأتي والدي ليأخذها من المدرسة... يا ترى ما السبب؟!. هل حصل مكروه ما؟!. إنه لا يعود من العمل إلا الساعة الثانية بعد الظهر... يا إلهي سترك ورحمتك...


*** ***



الخامس والعشرين من شهر نوفمبر/ الساعة الواحدة والربع ظهراً...




_:"نعم هو دائماً ما يتأخر... ليست بالمرة الأولى يا خالي..."
_:"لكنك تعلمين بأنه لا يستطيع الخروج من مدرسته إلا في هذه الساعة..."


كانت تجلس حزينة تمد شفتيها بضيقٍ شديد... وتستمع لكلام خالها الذي يجلس بجانبها يهدأ عليها الغضب الذي تكبته... لكنها ليست معه في هذا العالم... بل تاهت بخيالها ورحلت عن المنزل... بقت جسداً بلا روح... حتى رن في أذنها صوته وهو يقول لها...


_:"حسناً، بما أنك مصرة على هذا الحزن والضيق... فـ سأخبر السيدة فاطمة أن تقلك من المدرسة كل يوم... فليس باليد حيلة يا بتول..."


فصرخت وكأن أحدهم قد أخبرها بشيء خطير جداً... :"لا... لا أريد... لا أريد العودة مع الخالة فاطمة..."


نظر إليها متعجباً, وقالت لها المرأة التي دخلت للتو إلى الصالة...
_:"بتول، ما بك؟.. هل هناك شيء؟.."
_:"لا شيء خالتي..." قالتها بهدوء متناقض مع تلك الصرخة التي خرجت منها قبل ثوانٍ...


فقال لها ثانية:" ما الأمر؟!. ستأخذك السيدة فاطمة إلى بيتهم وهو قريب من المدرسة... و من ثم يأتي أحمد لتأتيان معاً، أو إن كنت تريدين المكوث هناك حتى المغرب فلا مانع لدي، كما تفعل ريم دائماً..."


_:"لا أريد لا أحب المكوث مع بناتها... مع احترامي لك يا خالتي... صحيح أنهن بنات أختك إلا أنني لا أطيق الجلوس معهن..."


ابتسمت السيدة غيداء التي كانت تجلس بالقرب منها وقالت لها بلطف:"لا عليك عزيزتي... إن غدير ابنتي لا تحبهن كذلك... وأنا أقول لك الصراحة هن مغرورات حقاً... لكنهن طيبات جداً..."
أعادت لها الابتسامة بابتسامة واسعة... وساد الصمت لثوان... ثم نهضت تحمل حقيبتها لتخرج من الصالة... لكن صوت خالها هجم على سمعها وهو يقول...


_:" إذا الحل الوحيد هو..."


التفتت إليه تنتظر أن تسمع منه كلمة أو حلاً ما لمشكلتها...
فأكمل هو يقول... :" أن تأخذك أمك من المدرسة وتأخذك إلى بيتها... وفي المساء أحمد يأخذك..."
اتسعت حدقتا عينيها وهي تستمع إلى كلام خالها... وقفت فترة تحرك الجملة في عقلها وتديرها يميناً وشمالاً لعلها تجد معنا آخر لها لكن ضل الأمر مثلما هو...


فقال لها مستدركاً... :"إنها أمك يا عزيزتي... ولك حقوق عندها... ولها هي كذلك... إلى متى ترفضين الذهاب إليها؟.. أو ترفض هي الجلوس معك؟.."


_:"خالي... أرجوك أغلق الموضوع..." كانت مطرقة برأسها وهي تجيبه... بدأت الدموع ترسل جنودها إلى عينيها... وبعدها قفزت الجنود معلنةً تلك الحرب التي لن تنتهي... أرادت الخروج من الصالة لكن هذه المرة يدٌ استوقفتها...


التفتت لترى صاحب تلك اليد... فرأته يقف بجانبها لا يعرف ما يقول... لا يعرف ما يفعل ليوقف هذا الحزن الذي يغلفها... لكن أخيراً أسعفه لسانه ونطق...


_:" أنت مثل ابنتي... وهي أختي التي أحبها... ولكن ما العمل هي أخطأت في تصرفها ولابد لها من أن تتحمل خطأها... أما أنت فما ذنبك لتعاقبي نفسك بالحزن... صدقيني لو أنها رأتك الآن وأنت تبكين لما ترددت لحظةً واحدة من أن تأخذك معها لتعيشان معا..."


ازدادت دموعها على وجنتيها... قالت وهي تنظر إلى وجهه من بين تلك الأنهار... :"أنا لا أم لي... لا أم لي يا خالي... أنت أبي... وزوجتك هي أمي... أرجوك لا أريد رؤيتها... لا أريد..."
ضمها بين ذراعيه... و إلى صدره لم يستطع أن يسمع كلامها الذي مزق فؤاده... كيف للفتاة أن تقول لا أريد أمي؟!. كيف للفتاة أن تقول ليس لي أمٌ حملتني؟!.


أكملت من بين دموعها وصوتها الناحب... :"إنها لم تتعب نفسها أبداً... لم تسهر ليلةً واحدة بجانبي... لم تحزن على مرضي... هل هذه هي الأم؟!. كيف للأم أن تكون بهذه القسوة؟.. كيف؟!. أرجوك خالي... أرجوك... لا تجبرني على شيء لا أريده... أنا ليس لي أحدٌ في هذه الدنيا غيرك أنت... أنتم عائلتي الوحيدة .... أرجوك..."



مسح على رأسها ودموعه تهدده بالانهيار ألماً على هذه الفتاة التي اعتبرها قطعةً منه... اعتبرها ابنتاً له... وليست ابنةً لأخته...
قال لها بعد أن أحس بهدوئها... :"حسناً يا عزيزتي... أيمكنك أن تحرريني من قيودك؟!. إنني لم أغير هذه الثياب المتسخة..."


رفعت رأسها لترى وجهه المبتسم رغم الحزن الذي يفيض من عينيه... وقالت له بطيف ابتسامة... :"لا أريد... أخشى أن لا أراك مجدداً قبل الغداء... ثم إن ثيابك تنصع بالنظافة والروائح الطيبة..."


_:"أووو... هل أعتبر هذا إطراءً أم مجاملة؟.."
_:"لا بل فتاة تتغزل بخالها الحبيب..." كانت نبرة صوتها تتسم بالسعادة الحزينة...


حين سمع كلامها, اتسعت ابتسامته وقال لها مازحاً :" لكنني لا أستحق كل هذا الغزل حبيبتي... هيا أنت أيضاً اذهبي لتغيري ثيابك واغتسلي... حتى نجتمع على مائدةٍ واحدة..."


_:" أمرك مطاع أيها الخال العزيز..."
_:"ما هذا الغزل والحب... هيا انهضا وإلا لن تجدا الطعام على المائدة اليوم..."


جاءهما صوت السيدة غيداء التي كانت تقف قريباً منهما...
ابتعدت بتول عن خالها سريعاً... واتجهت إلى الباب وهي تقول... :"يبدو أنني سأنهي دروسي وأنا لم أتناول شيئاً منذ الصباح..."


واختفى طيفها خلف الباب... وبقى الاثنان متسمرين في مكانهما... ينظران إلى بقايا الهواء الذي تبعها... تنهد السيد مصطفى بقوة وقال:"ليحفظها الله تعالى من كل مكروه..."


_:"وأنت ألا تريد أن تغير ثيابك لنتناول الطعام..."
_:"بلى يا عزيزتي... ولكن أين أحمد وغدير؟!.. ألم يأتيا بعد..."



نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط وقالت:"إن غدير هذه آخر محاضرة لديها... وربما في طريق العودة... أما أحمد فمؤكد أنه في بداية الشارع..."


هز رأسه وقال بصوتٍ ممزوج بالحزن و مصحوبا بالخوف... :"إنني أخشى عليهم كثيراً... لا أعلم ما الذي سيحدث في المستقبل، يا غيداء..."


_:"ماذا هناك؟!. تبدو مهموماً جداً... أهناك مشكلةٌ في الشركة؟!."


جلس على الكنبة التي كانت خلفه... واضعاً رأسه بين يديه... ضل ثوانٍ معدودات صامتاً ثم قال... :"العالم تغير عما كان عليه في السابق... تغيرت أشياء كثيرة جداً... لم أعد أعرف هل أنا على صوابٍ أم خطأ؟.. الناس من حولي أراهم يبيعون أنفسهم من أجل المال والشهرة... من أجل السيطرة والنفوذ... من أجل المصالح..."


جلست بقربه... وربتت على كتفه تطمئنه... :"لا عليك عزيزي... ابق صامداً على مبدئك فهو الصواب وليس هناك مجالٌ للمناقشة..."


_:"أعرف... أعرف... لكن أتعرفين أن هناك شخصاً حبس قبل أسبوع.."
بعينين مفتوحتين على مصراعيهما قالت :
_:" بسبب ماذا؟!."


نظر إليها قليلاً... ثم أردف... :"لقد تعاقد مع الغرب... تعاقد معهم ليسطوا على وطننا هذا... ليسلبوا الحرية منا... ليسرقوا منا الشرف والأمانة..."


_:"إذن جيد... يستحق ذلك..."
_:" لكنك لا تعرفين ما الذي حدث؟... لقد أفرج عنه صباح الأمس... لأن الأدلة غير كافية..."
_:" يا عزيزي، ربما لم يكن في وعيه حين ارتكب هذا الذنب... ربما كان في حالة ضعفٍ أو إكراه..."


نهض من مكانه وهو يشعر بالاختناق من هذا الموضوع... :"كيف؟!. إنهم أنذال... أصبح العربي يشي بأخيه العربي... يمسك بأخيه ليضعه بين يدي الأجنبي... لا أعلم متى يفيق العرب من هذه القيلولة التي دامت سنين عدة... وربما تصبح قروناً وهم مازالوا في سباتٍ عميق..."


*** ***



دخلت إلى غرفتي وبعضاً من الحزن يغلف كياني... أغلقت الباب وأسندت ظهري عليه... لعله يمتص مني ذلك الحزن الذي ينتابني كلما ذُكر اسم أمي أمامي... إن آخر مرةٍ رأيتها كانت في الشهر الماضي عندما جاءت لتزور خالي وليس لزيارتي أنا... أنا التي أعتبر قطعة منها... وتعطيه مصروف الشهر لي... رغم ذلك لم تفعل لي شيئاً سوى أنها أنجبتني وحملتني في أحشائها تسعةَ أشهر وربما أقل... لم تتعب في تربيتي أبداً...


آآآه يا ربي لم كل هذا العذاب الذي يسود حياتي... لماذا تفعل بي هكذا؟.. هل أنا ابنتها حقاً أم عدوةٌ لها؟!. أم أن لا أصل لي ولا أهل؟..


يا الله ما هذه الوساوس... عفوك يا الله عن هذه الأفكار الشيطانية التي يبثها إبليس في عقلي...
تنحيت عن الباب وذهبت لأغير ثيابي وألحق بعائلتي الصغيرة التي أحبها أكثر من أي شيء في الدنيا... فاجتماع العائلة ضروري جداً بالنسبة لنا على مائدةٍ واحدة...


*** ***



كنت أجري في الطريق وأنا غير مكترث بالأمطار والهواء البارد... كان عقلي مشغولاً بالذي حدث لهما... لا أعلم ما الذي أصابني لدرجة أني لم أكن أشعر ببرودة الجو من حولي... لم أشعر بشيء من حولي بتاتاً... لم أهتم أبداً لنظرات الاستغراب والتساؤل من عيون الناس في سياراتهم...
لم أجد نفسي إلا وأنا أقف في ردهة المنزل وأمام باب الصالة المفتوح على مصراعيه حيث يجلس والداي يتحدثان في أمرٍ ما... كنت ألهث من كثرة الجري في الطريق... رأيتهما ينظران إليّ باستغراب شديد... لم تهمني تلك النظرات بل نبرة الخوف في حديثهم قبل دخولي... فقلت بين أنفاسي المتلاحقة...


_:"ما الذي حدث؟!. ... أين هي؟!. ... هل أصابها مكروه؟!. "


ألقيت أسئلتي دفعة واحدة... ونظرات التعجب والاستغراب تسيطر عليهما... فقالت لي أمي وهي تقف مقتربة مني...


_:" ماذا بك يا أحمد؟!. من هي التي تتحدث عنها؟!. ولم كل هذه السرعة؟!. "


وهي كانت أسئلتها تلقى عليّ دفعةً واحدة كذلك... لم أنتظر المزيد من الوقت والأسئلة... ألقيت بكتبي والمظلة على الأرض وقفزت على درجات السلم إلى أعلى... كانت قطرات المطر الذي بللني تتقاطر من ثيابي بل من جسدي كله أيضاً... وقفت عند باب غرفتها وأنا أهم في فتحه... لكن رحمة الله أنقذتني من الاستعجال حين تذكرت بأنها قد تحجبت في بداية هذه السنة... أخذت نفساً عميقاً وطرقت على الباب بقوة... وصرخت أنادي عليها...


_:"بتول!.. بتول!.. أيمكنني الدخول؟!. "


لم يأتني جواباً أو رداً منها... خفت بأن تكون تلك الفتاة مخادعة... وضعت كفي على مقبض الباب لأديره... لكن صوت أبي جاءني مؤنباً...
_:"ما الذي تريد فعله؟!. "


التفتت إليه وعيني تريد أن تسرق جواباً من عينيه... لكن لا شيء صدر منه... غير كلماتٌ قليلة...


_:"اذهب وغير ثيابك المبللة لنتغدى سوياً..."
هم بالانصراف... فقلت متسائلاً... :"هل أحضرتها يا أبي؟!."


_:"نعم... وهل تريدني أن أتركها لوحدها في الجو الممطر... بعد أن أرادت ريم الذهاب إلى بيت خالتك..."


جاءت جملته إلى أذني وهو يتوجه إلى غرفته... أراحتني بشدة, كانت مثل كأس ماءٍ أثلج صدري وأخمد الخوف الذي كان يسيطر عليّ...


نظرت إلى الباب وتمنيت لو أستطيع أن أخترقه لأطمئن عليها ولو بنظرة واحدة... لكن القلب يشاء والعين قد حرمت عليها هذه النظرة...


سرت بخطواتي إلى الباب الذي بجانب باب غرفتها... طرقته ثلاث طرقات ولم يأتني من خلفه جوابٌ أيضاً... قلت أكلم الهواء الذي في داخلها... :"غدير... سأفتح الباب... هل أنت في الداخل؟!. "
ولم أسمع رداً كذلك... فتحته قليلاً وأدخلت رأسي في الفتحة التي انفرجت عنه... ألقيت بنظرة سريعة... ولم أجد غير السكون والهواء المنعش الذي تتميز به غرفتها...



دخلت إلى غرفتي ونزعت عن جسدي تلك الثياب المبللة... كم كنت أتمنى رؤيتها وهي غاضبة مني... أو أن تشاكسني مثل كل مرة...


*** ***



جلسوا حول المائدة... ينتظرون أطباق الطعام الشهي الذي أعدته لهم السيدة غيداء... وكانت بطونهم تقرع بشدة من الجوع... نظر السيد مصطفى إلى الكرسي الخالي في طرف المائدة على يمينه وقال... :"أين أحمد؟!. ألم ينتهي بعد؟!. "


_:"بلى أبي... لكنه يصلي... فأنت تعلم بأنه لا يحب الصلاة أمام الطلاب في المدرسة لأنه يحب أن يؤديها على مهل... "


جاء صوت غدير من على يساره... فهز رأسه قائلا... :"لا أعلم متى يترك هذه الطبائع الغريبة... إن الواجب أن يؤديها في وقتها... وليس بأن يطيل فيها أو يعقبها بالمستحبات..."


سمع صوته من عند باب المطبخ وهو يحييهم وهو مقبل عليهم... :"السلام عليكم جميعاً..."
رد الجميع عليه... ثم قال له والده... :"الحمد لله أنك تذكرت السلام... فعندما دخلت قبل قليل نسيت كل شيء حتى السلام..."


قبل أن يجلس أحمد على كرسيه... انتبه لهذه المعلومة التي غفل عنها... فاتجه مسرعاً إلى والده وقبل رأسه معتذراً... :"أعتذر منك يا أبي... لكن لم أكن أتصور بأنك أتيت لأخذ بتول اليوم من المدرسة... فخفت أن يكون قد حصل شيءٌ ما..."


_:"وإن أنا قلت لك ذلك تتذمر من قولي... وتتأخر عليّ أكثر في اليوم الذي يليه..."
خرج صوتها من بين شفتيها غاضباً... فالتفت إليها الجميع... وانتبه أحمد لتلك الكلمات الغاضبة منها... لكنه أحب أن يغيضها أكثر... فذهب يقبل رأس والدته واعتذر... :"إنني أعتذر عن عدم تقبيل رأسك الغالي... يا أمي الغالية..."


ربتت على كفه التي على كتفها وقالت... :"لا بأس بني... إنني أعلم بأنك تخشى عليهن جميعاً..."
جلس على كرسيه أخيراً... ونظر إليها بعدم اكتراث... مما زادها غضباً...
ثم سأل غدير قائلاً... :"كيف هي محاضراتك لليوم؟!."


كانت غدير تسكب له بعضاً من الطعام في طبقه وقالت... :"على أحسن حال... لكن هناك مجانين يجعلوني أكره الدوام برمته..."


_:" لا عليك منهم... اهتمي بدراستك فقط... "
_:"شكراً على النصيحة..."


قالتها بمزاح وجلست تأكل من طبقها... حين جاء صوت أبا أحمد يشق الصمت الذي دام للحظات... :"كيف حال دراستك أحمد؟.. "



كانت هناك لقمةٌ في فمه... فتأخر في الرد قليلاً قبل أن يقول... :"ممتازةٌ يا أبي... أنت تعلم لم يبقى سوى السنة القادمة على نهاية الثانوي..."


_:"ليوفقك الله، أريد معدلاً جيداً... بل أكثر من جيد... وأعلى من الممتاز حتى تلتحق بالجامعة التي تريدها..."
_:"شكراً لك يا أبي... لكن لا أريد الدراسة هنا..."


جاءت هذه الكلمات مثل كابوسٍ على الجميع إلا أبا أحمد الذي قال:"مثلما تريد... فأنا أريد أن أرفع رأسي مفتخراً بك يا عزيزي..."


_:"كيف تسمح له بالذهاب إلى الخارج؟!."


كانت هذه كلمات أم أحمد التي لم تكن تتوقع مطلقاً بأن ابنها سيتركها يوماً ما ويذهب للخارج...
_:"ماذا في الأمر يا أمي؟!. كلها سنوات قليلة وتنتهي كأنها أيامٌ قلائل... ثم إن لديك سنةٌ أخرى لتشبعي مني..."


_:"لا يشبع الإنسان من أبنائه يا بني... الجامعات تملئ الدولة فلما تذهب إلى الخارج!.."
_:"إنني أريد أن أتخصص في تخصص ليس موجوداً في وطننا..."


_:"دعيه يا غيداء... على راحته، ربما يغير رأيه في العام المقبل... أو يكون التخصص الذي يريده قد فتح في وطننا..."


ابتسم أحمد لأبيه ممتناً... فهو علم أن أباه لا يعني ما يقول... إلا ليهدأ على أمه الحزينة على فراقه... أكملوا طعامهم بهدوء...


لكنها لم تستطع أن تضع لقمةً واحدة في فمها... وضعت الملعقة على الطبق ونهضت وهي تقول خاتمة الطعام... :"الحمد لله... لقد شبعت!.."


فقاطع مسيرها أبو أحمد بقوله... :"بتول إلى أين؟!. أنت لم تكملي طعامك بعد..."
_:"لا أريد خالي... لم أعد أستطيع أكل المزيد..."
_:"أجلسي ولا تتدلعي... ما الذي أكلته حتى تشبعي..."


جاءها صوته وهو يحاول أن يعرف ما الذي بها... ألقت عليه نظرتها الحزينة وانصرفت إلى غرفتها... تبادل الجميع النظرات... فقالت غدير تستدرك الأمر... :"لابد أنها أكلت في المدرسة... فهي دائماً ما تفعلها... "



*** ***




الساعة السابعة من مساء الخامس والعشرين...



اتجه ناحية الباب بعد أن سمع رنين الجرس يعلو في جنبات المنزل... فتح الباب ليكشف عمن خلفه... فإذا وجهه يعلوه قسمات الدهشة والاستغراب...
_:" أختي!!. "


وبوجهها الجامد الذي يخلو من المشاعر .... و يطغى عليه البرود ... قالت:
_:" ماذا بك كأنك رأيت شبحا !.."
_:" كلا ... ليس هكذا .... لكن ...."


بترت جملته بقوله بنبرة صوت متضايقة ...
_:" لكن ماذا ؟.."
_:" لا شيء ... لا شيء.... تفضلي أختي ...... تفضلي يا أم بتول ... "


تقوس حاجبيها و تحرك ذلك الجليد ليشكل معالم الغضب ...
_:" كم مرة قلت لك إن اسمي أم وسام... "


عكر صفاء مزاجه كلامها ... فقال:
_:"أنا آسف ... لقد نسيت ... تفضلي ...."


وهو يشير لها بالدخول ... فدخلت تمشي كطاووس .... ينفشُ ريشه بتعال و تكبر ...
وما أن جلست على الكنبة استدار هو ليخرج من الصالة فاستوقفته...


_:" إلى أين أنت ذاهب ؟.. "
_:" ذاهب لأخبر أم أحمد بأن تحضر لك القهوة ... "
_:" ليس هناك داعٍ لذلك... فأنا جئت لأقول كلمتان وأرحل... "


رفع أبو أحمد حاجبيه إلى أعلى في حركة تنم عن الاستغراب... وقال_:"ألم تأتِ لك تري ابنتك؟!! "


هزت رأسها بنفي ... عقبتها بــ :" كلا ...... لقد جئت حتى أعلمك بأنها سوف تتزوج ..."
الصدمة كانت قوية... لدرجة أن العقل أبى أن يصدق الذي دخل يقتحم طبلة أذنه...
فقال فوراً ...


_:" ماذا قلت ؟!.. تتزوج !!! "
_:"نعم... ستتزوج.. "


_:" ما هذا الكلام؟!. إنها مازالت صغيرة... "
_:" كلا هي ليست صغيرة... هي كبيرة كفاية لكي تكون أسرة..."


_:" سارة أتعين ما تقولينه؟!."
أجابت بنفاذ صبر... :" نعم , أعيه جيدا ...."


ثم قامت من الكنبة و دنت من أخيها ... و وقفت أمامه تماما ...لتواجهه بعينيها


المصممتين ...الحازمتين قرارهما ... :"الرجل مقتدر وعلى شفا حفرةٍ من الموت... يعني أنها سوف ترث الكثير منه ... و تعيش طوال عمرها بهناء وترف... "


ثار بركان الغضب في داخله ... فصرخ في وجهها قائلا:" لابد أنك قد جننت... أتزوجيها لعجوز؟!.
واجهت صراخه بصوتها المرتفع ...


_:" هذا العجوز هو الشخص الوحيد الذي قبل بها... أنا أفكر بمصلحتها يا أخي... من سوف يقبل بـ... "


ألزمت لسانها و توقفت عن إكمال جملتها... وعضت شفتيها... لتمتص غضبها الذي كاد ينفجر...



*** ***





|+*| تدقيق نحوي وإملائي || معلم لغة عربية |*+|


|+*| فكرة وإعداد || شمعة _ شجرة الكرز |*+|


|+*| بقلم || شجرة الكرز |*+|


|+*| ترقبوا الضوء الثاني من درب الكلمات |*+|

حسين نوح المشامع
25-10-2008, 04:57 PM
ان ما اثلج صدري هو وجود اللغة العربية
التي اصبح البعض يعجز عن الاتيان بها

ندعو لكم بالتوفيق والنجاح
انها سنبلة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء

خادمكم حسين نوح

شموع الولاية
25-10-2008, 09:08 PM
لتشعروا أننا في الجوار..

شجرة الكرز
26-10-2008, 02:42 PM
ان ما اثلج صدري هو وجود اللغة العربية
التي اصبح البعض يعجز عن الاتيان بها

ندعو لكم بالتوفيق والنجاح
انها سنبلة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء

خادمكم حسين نوح


أرجو أن نوفق في بيان اللغة هنا... وتدوينها بشكلٍ جيد وممتاز...

لكن بشكل لا يثلج قلبك كثيراً... حتى لا نفتقد نبضه هنا...
وشكراً على هذه الدعوة الطيبة التي أعلم أن منبعها من القلب...
فهي تمدنا في الاستمرار...

أختيكـ
شمعة _ شجرة الكرز



لتشعروا أننا في الجوار..


نعم أختي الغالية ((شموع الولاية))
نود الشعور بوجودك دوماً...

تحياتنا لكـ
شجرة الكزر _ شمعة

سيهاتي الهوى
30-10-2008, 02:14 PM
أنا هنا
لكن كيف أعقب على النص
بشكل عام ممتاز
هناك بعض الملاحظات اللغوية والنحوية سوف أصححها حسب معرفتي

ملاحظة: لابد أن تدخلا عنصر الخيال
حيث يتم المعنى في صورة جميلة وليس مباشرا
والمزج بين الأسلوبين أفضل
لأن الخيال ركن من أركان الأدب

سأكون بالجوار

شجرة الكرز
30-10-2008, 02:36 PM
أنرت الصفحة بوجودك...
وأنا على استعداد تام لتلقي كل ملاحظاتك^^

شموع الولاية
04-11-2008, 08:37 PM
أول مرة أسويها....

عادةً إذا الرواية مو كاملة ما أقراها..

ما احب الانتظار..

بس هنيه صديقتي..

يعني غير..

لا تخليني انتظر وايد..

ترى أكره شي علي الانتظار..

نتابع باهتمام..

مجهود رائع..

شمعة
05-11-2008, 10:12 PM
(2)


|+*| الضوء الثاني في درب الكلمات |*+|






صباح الخامس والعشرين من نوفمبر ... ((عدنا للخلف قليلاً ))

في مثل ذلك اليوم الذي يرفع راية الحزن , ليرفرف في سماء وطن قطع جزء منه , على يد عدو همه المال لا غير ....
وفي ذلك البرد الجاف والقارص... يقف في مواجهته رجال أقوياء... وبيد كل منهم بندقية... كانوا في إحدى تلك المناطق النائية... بعيداً عن العمران والمناطق السكنية... وفي هذا الجو حيث لا يرى من وجوههم سوى أعينهم التي تخرج من خلف اللثام...
عند انتهائهم من بعض التدريبات... ابتعد اثنان منهما عن البقية... وألقى أحدهما ببندقيته التي لم تهجر يده في الآونة الأخيرة على الأرض بقوة... وأخذ ينفث الهواء من رئتيه بضيقٍ شديد...
ومن ثم قال بغضب يغلف كلمات وجهه الذي اختفت معظم ملامحه وراء ذقنه و شاربه الكثيفين ذوات اللون الأسود...
_:" إلى متى سوف أضل هكذا؟!. تدريب... تدريب... متى سوف نشارك في إحدى المهام؟.. متى ؟!. "
و ألقى بنظرة إلى ورائه بحركة سريعة... لتعكس عينيه صورة شخص ذا ذقن أسود طويل وشارب خفيف... كان الهدوء سمته...
_:" صبراً يا صديقي... صبراً... ذهب الكثير و لم يبق إلا القليل..."
فرد عليه بنفس درجة الصوت...
_:" لقد نفذ الصبر مني يا سالم... لقد نفذ... لم أعد أقوى على فراق أمي وأختي أكثر من ذلك... لم أعد..."
قال جملته هذه وعيناه تنذران بدمع مرير... اقترب سالم من صاحبه... و أسند يده على كتف صاحبه... وقال...
_:" كن قويا يا خالد... ولا تكن ضعيفاً... فعملنا هذا لا يقبل الضعفاء... ومن ثم لقد سمعت بأن المهمة القادمة سوف تكون على مجال أوسع... أي أنها كبيرة جدا... هذا يعني بأنهم سوف يحتاجون إلى أشخاص كثر لتنفيذها... ومن أنسب مني ومنك لهذه المهمة!.. نحن قد مضى على انضمامنا عام كامل... فتفاءل يا رجل... قريباً ستفرج... وبإذن الله سنلحق بالعدو الغاشم خسائر كبيرة... وسوف ترى أمك و أختك الصغيرة... "
سكت قليلاً ثم أردف :" لهذا تمالك أعصابك ...وإياك إن رأيتك في هذه الحالة مرة أخرى... مفهوم!.."
وقطب حاجبيه... ووجه أصبعه ناحية خالد... فأخذ الأخير نفساً عميقاً... وأخرجه بزفرة قوية...
ثم قال... :" إن شاء الله... لكن أرجو أن يكون كلامك هذا صحيحاً..."
هز سالم رأسه بالإيجاب مطمئناً... و خط ابتسامة على شفتيه... وقال... :"سوف يحصل... سوف يحصل ونعمل ما لم تستطع الأمة عمله..."


** * **


السابعة والنصف من ذلك المساء ...

_:"هيا مابكما توقفتما؟!."
نظرت الفتاتان إلى السيارة القابعة أمام بيتنا فقالت بتول... :"لا أريد الدخول!.."
فتحت عينيّ قدر استطاعتي مستغرباً... :" ماذا؟!. ماذا قلت؟!."
_:"لا أريد الدخول... لقد أتت..."
فردت ريم قائلة... :" ولا أنا كذلك... إنها مزعجة بحديثها وليس لديها موضوع غير أين وصلتم بالدراسة... وكأنها لا تعرف... أو تأتي لتتباهى بما اشترت وباعت... لن أدخل..."
نظرت بدوري إلى السيارة، ثم إليها وقلت:" إلى متى لا تريدين رؤيتها؟!. إنها أمك وليس لك غيرها في الدنيا..."
أعادت النظر إليّ والدموع بدأت تغزو عينيها... أرادت أن تنطق بكلمة ما... لكنني صددتها... :"حسناً... إنني آسف... اذهبا من الباب الخلفي... وانتظرا في المطبخ لحين أن أناديكما..."

دخلنا من الباب الرئيسي، وهما انطلقتا عبر الممر على يمينه، حيث الباب الخلفي في نهايته... وأنا دخلت إلى ردهة البيت، كنت أنزع معطفي لأعلقه على حاملة الثياب عند الباب، فقد توقفت الأمطار... وأصبح الجو أكثر برودة... جاءني صوت والدي يحدث عمتي بغضب... لأول مرةٍ أراه يتحدث معها بهذه الطريقة...
_:"اسمعيني جيداً... إن أقدمت على مثل هذه الخطوة فسأخبر زوجك بالحقيقة... وإن نطقت مرةً أخرى بأن بتول ليست... ... يا إلهي إنك ستقتليني بأفعالك هذه... لابد وأنه أصاب عقلك شيء... لأول مرةً في حياتي أرى إمرأة تقر بجريمتها المشينة ولكن تقول بأن السبب هو هذه الفقيرة.. ابنتك يا سارة أمانة لديّ... أفهمتي..."
_:"إنني من ائتمنك عليها... فأرجوك لا تتدخل بشؤوننا الخاصة!.."
_:"وأي شؤون تلك؟!. ها.. .. أخبريني أي شؤون؟!. لقد ربيتها أنا مذ كانت طفلة... وساعدتك على إخفاء حقيقتها... ومسحت بكرامتي في الأرض من أجل أن أسترك أنت، وأسترها... مالذي تقولينه الآن... شؤون خاصة... ألم تفكري بتلك الشؤون عندما ذهبت إلى... "
هنا لم أستطع الوقوف على قدمي أكثر... شلتني الصدمة تماماً عن فعل أي شيء... حتى عن السمع والكلام... نظرت حولي بعد برهة لأرى إن كان هناك أحدٌ سمع ما سمعت أم أنني الوحيد... أريد أن أسأل أحدهم هل هي الحقيقة أم لا؟!. مؤكد لا...
وأنا وسط الذهول والتعجب والحيرة... خرجت عمتي من الصالة كانت مسرعة ومباشرة إلى الباب الخارجي... وبعدها أبي الذي وقف ينظر إليّ هو الآخر في ذهول تام... وسأل:" هل سمعت ما قلته؟!."
أطرقت برأسي خجلاً مما فعلت... لقد كنت أستمع إلى حديثٍ بين أبي وعمتي... لم يكن عليّ أن أسمعه... فأعاد أبي سؤاله زاجراً... :"هل سمعت حديثي مع عمتك؟!."
خرج الصوت من حنجرتي مرتجفاً :"نعم... لكن... "
لم يجعلني أفيق من تساؤلاتي فقال بصوتٍ منخفض وهو يقترب مني... :"لا تخبر أحداً... كنا أنا وأمك وعمتك الذين نعرف الحقيقة... والآن أنت معنا... أرجوك يا أحمد لا تخبر أحداً... وخصوصاً بتول... فإنها ستفقد كل شيء بمعرفتها لهذا الشيء... أرجوك بني..."
لم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة... فأومأت برأسي واتجهت إلى غرفتي في الأعلى... لا أعلم كيف حملتني قدمي إلى هناك... جلت في الغرفة أبحث بين جنباتها عن الحقيقة المرة... أبحث عن شيء يبطل صحة ماسمعت... لكن ليس هناك شيء غير المرارة... كنت أحادث نفسي بصوتٍ منخفض... :" مستحيل ........ لا أصدق ما سمعته ....... أمعقول......... أمعقول.... أن بتول ....... ليس.... ليس لديها أب...... وهي .........استغفر الله .......استغفر الله ...."
لم أتحمل أكثر من ذلك، فألقيت بنفسي على السرير وغلفت وجهي بكلتى يدي المرتعشتين...


*** ***


اتسعت حدقتا عينيها لما دخلت كلمات زوجها إلى مسمعها .... وبتعجب غلف كلماتها ... أجابت...:
_:" أجنت أختك... إنها في الخامسة عشر !.. "
أخذ يحك كلتى يديه ببعضهما البعض... ومن ثم شيئا فشيئا غمس رأسه فيما بينهما...
_:"لا أعرف ماذا أفعل!.. ... أنا لا سلطة لي على بتول... "
بسرعة البرق جلست بجواره على السرير ... وقالت ...
_:"كيف لا سلطة لك على بتول... إنها ابنتنا... نحن أهلها... نحن ربيناها مذ كان عمرها أشهرٌ قليلة... هي التي ليس لها سلطة و لا حقوق على بتول... الآن بعد كل تلك السنين تذكرت أن لها ابنة... مستحيل لن نسمح لها بأن تدفن بتول بالحياة... إنها فقط تريد أن تنتقم من أفعالها بأي وسيلة... فهي تلومها على أخطاء لم ترتكبها..."
فقال لها وقد أفلت أعصابه من مكانها... وانفجر البركان الخامد في داخله...
_:"كفى يا غيداء... أرجوك..."
وسكت لثوان ينظر إليها بغضب:" كفى... أتضنين أنني أريد أن أزوجها هذه الزيجة..."
وعاد للسكوت مرةً أخرى ومن ثم أردف...:" أنا لا أريد ذلك... لكن... لكن....
و أفرغ غضبه بضربةٍ بقبضة يده على السرير... وأكمل... :" القانون يعطيها الحق... إنها لم تعطني الوصاية عليها... آآآه لو أجد ذلك الحقير الآن... فربما كان أرحم منها على بتول..."
أغمضت السيدة غيداء عينيها... و انطلقت من فمها تنهيدة... ومن ثم قالت...
_:"يا لهى من مسكينة... سوف تعيش الشقاء و البأس و لم تزل صغيرة غضة العود..."


*** ***




على مائدة العشاء ... اجتمعت العائلة كعادتها ... لكن هناك شيء مفقود ....ألا وهو روح المرح و الابتسامة الصافية .... فالهدوء فرض نفسه عليهم ...كضيف ثقيل ...
دنت بتول برأسها ناحية غدير الجالسة بجوارها , وبصوت بالكاد يسمع قالت ...
_:" ماالذي دهى خالي وأمك؟.. و كذلك أحمد؟!. لم ينطقوا بكلمة واحدة حتى الآن... و الأطباق أمامهم لم تلمس؟!. "
بصوت خافت ردت عليها غدير ...
_:" علمي علمُك... أنا أيضاً مستغربة من هذا الأمر... "
أخذت بتول نفسا عميقا، و اعتدلت من جلستها... و مررت عينيها على خالها وزوجته ومن ثم أحمد... وأخيراً إلى ريم التي كانت منهمكة في طعامها، وبصوت تجمعت به الشجاعة والتوتر، قالت ...
_:"ماذا هناك؟!.. لم أنتم صامتون هكذا ؟!! "
رفع الثلاثة رؤوسهم المنكسة... و أخذ يلقي كل منهم نظرته على الآخر... بابتسامة صفراء باهتة... قالت السيدة غيداء...
_:" لا شيء!.. لا يوجد شيء يا حبيبتي... "
قبل أن تفتح بتول فمها لترد عليها ... جاءها صوت الخال... المكبل بأغلال الأحزان...
_:" بل هناك شيء يا بتول..."
وسكت ثوانٍ قليلة ثم أردف... :" شيء يخصك..."
حركت السيدة غيداء رأسها بسرعة ووجهته ناحية زوجها, وهي تضع يدها على يده الممتدة على المائدة... وقالت برجاء...
_:" كلا يا أبا أحمد... لا تقل لها... ليس الوقت مناسباً... "
أخذ الجميع ينظر إليهما باستغراب...
بصعوبة إلتفت ناحية زوجته... وقال لها بعينين حزينتين... متألمتين... :
_:" لا فائدة من التأخير... لا بد بأن نخبرها الآن... "

بتول المتعجبة مما تراه و تسمعه ممن تعتبرهما كـ والديها... قالت بصوت ينم عن الاستغراب...
_:" ماذا هناك يا أبي... ما الذي يجري ؟!! "
بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها ... كمحاولة أخيرة قالت أم أحمد...
_:" أرجوك لا تقل لها... "
وشدت من قبضة يدها على يده... فـألقى عليها نظرة أخيرة... ومن ثم إلتفت ناحية بتول... التي تعيش على جمر متقد هذه اللحظة ...
_:" بنيتي!.. لقد أتت أمك اليوم... وقد أخبرتني بأنك...بأنك........ "
هنا أبت الكلمات أن تخرج من فمه, لكنه ضغط على نفسه... وأجبرها على الخروج من حنجرته... :" إنها تنوي تزويجك... "
لا إراديا خرج من فمها صوتٌ يمتلكه الذعر والخوف... : "ماذا ؟!! "
قالتها بأعلى طبقة من صوتها... في حين أن البقية الصدمة قد ألجمت لسانهم... إلا أحمد فقد كان يعلم... فلم تهتز شعرة من رأسه عندما سمع كلمات والده ...
فجاءها صوت أبا أحمد مطمئناً لكنه قلق:" بنيتي! أنا لا أريد أن يحصل هذا الأمر... لكن..."

وقفت بسرعة... لدرجة أن الكرسي قد اختل توازنه و هوى على الأرض... وقالت بصوت حائر تائه بين كلمات خالها الأخيرة...
_:" أبي ما الذي قلته منذ قليل ؟!. إنني لم أفهم كلمة مما قلت!!. "

فعقلها من شدة الصدمة... يعيش في حالة نكران... وعدم تصديق... كان الموقف ليس سهلا على أبا أحمد...
أخذ نفسا عميقا... تبعه بزفرة ساخنة... تعكس ما في داخله من غضب...
_:" إنها السبب!.. أمك هي التي حكمت عليك بهذا الحكم... بأن تتزوجي برجل عجوز..."
فكانت الصدمة أقوى هذه المرة... كالصاعقة التي أصابتها... لم تعد تقوى على النطق ...
لم تعد تستطع أن تمسك أنفاسها المتسارعة... بدأ العالم من حولها يدور... ويدور... حتى احتلت الظلمة مصدر الصورة...
هب الجميع إليها... و ارتسم الخوف يداً تشد قبضتها على قلوبهم...
إلا أحمد... الذي بقى على حاله... ساكناً... لا ينطق ولا يتحرك...


*** ***



كانت أصوات الصراخ تعلو وتعلو كنت أسمع صوته، ومن ثم صوتها... أحسست بأنه يود لو يمزقها أو أن يقتلها... فهي ليست بإنسان بل جماد... وحتى الجماد بدأ يشعر ويتألم... حتى الجماد يفهم ويئن...
جاءني صوت خالي وهو يصرخ بها عالياً ...:"انظري ماذا فعلت بها؟!. انظري... إنها ممددة على الفراش بسببك... بسبب تصرفاتك غير المسؤولة..."

عمن يتحدث خالي، فأنا لا أستطيع الحراك لأرى من هي الممدة... يا إلهي مالذي أصابني... إنها أنا الممدة... ولابد أنها أم... آآآه أجمل كلمة في العالم لا أستطيع قولها أمي... لم هذه التأففات منك؟!. لم تصرخين على خالي؟!. وهو الذي رباني واعتنى بي...
_:" ماذا بك تصرخ في وجهي هكذا ؟.. أنا لم أخطأ بل فعلت ما هو لمصلحتها... ومن ثم انتظر قليلاً... ألهذا السبب اتصلت بي وقلت أن هناك موضوعا مهماً؟!. أتظن أن لا عمل لي أقوم به... أنا إمرأة مشغولة... ليس لي وقت لأدلل هذه الفتاة..."
هل أنا مجرد فتاة في حياتك؟!. لا يمكن أن أكون ابنتك... لابد أن يكون لي أمٌ أخرى غيرك أنت... أين أنت ياأبي؟! أين أنت؟!. لم تركتني مع امرأة ليس بقلبها الرحمة؟!.
أحسست بخالي من صوته الذي زاد من حدته... بأنه قد وصل لمرحلةٍ من الغضب لا يمكنه كتم غضبه أكثر من ذلك...
_:"اسمعي يا سارة!.. اسمعيني جيداً... أنا لم يعد يهمني شيء... بتول هي ابنتي... فأنا من ربيتها وكذلك غيداء... ولن نسمح لك بأن ترميها هكذا... و تدمرينها..."
_:" مصطفى لا تهددني... فأنا لا أتهدد..."
خرجت من بين أنفاس خالي زفرة قوية... وتلاه صوته الحاد...
_:"أرى أن شوكتك قد قويت، بعد زواجك من ذلك المخادع..."
دوى صوت والدتي في الغرفة... لا بل في المنزل كله... وأنا مازلت لا أستطيع الحراك ولا التكلم... أريد أن أصرخ و أقل لهما كفى... أريد أن أخرجهما من هنا... فأنا لم أعد أحتمل... ودموعي المنسكبة بصمت خلف اللحاف لا يراها سوى المعبود الأوحد...
_:"كفى يا مصطفى إلى هنا ويكفي... لقد تماديت كثيراً... سعيد أشرف منك ومن أمثالك حتى..."

لم أسمع بعدها سوى صوت لطمة... قطعت الصراخ والأحاديث... تركت خلفها صمت مطبق إلا من صدى تلك اللطمة... وأنفاس ثائرة... و نبرة صوت مشبعة بغضب...
_:"أتجرئين على أن تقولي هذا الكلام في وجهي؟.. ألآن ذلك المخادع... ذلك الذي باع ضميره من أجل المال... أصبح أحسن مني... مني أنا أخوك الذي رباك..."
وساد الصمت قليلاً وكأن خالي يريد أن يسمع منها جواباً... هنا أردت النهوض لكنني لم أستطع جسدي لا يحملني...
_:" أنا المخطأ... نعم أنا المخطأ... كان يجب أن أقتلك منذ زمن... عندما جئتني تتوسلين بأن أنقذك من ذلك العار الذي لطخت به سمعتنا... ... أغربي عن وجهي قبل... قبل أن أرتكب بك جريمة... أخرجي..."

عن أي عارٍ يتكلم خالي؟!. سمعت صوت الباب ينفتح بقوة... وبمن بعده بثوانٍ سمعته يغلق بهدوء... عرفت بأن خالي خرج من غرفتي... صرخت أناديه... بل همست فصوتي لم يعد يريد أن يسمعهم نبراته... أرجوك خالي عد... أرجوك لا تتركني وحدي أصارع الأفكار... أجبني خالي ما هو العار الذي جلبته أمي...


*** ***


بضربات قبضة يده التي كادت تثقب الجدار المسكين... أخذ يقول بغضب لم يهجره...
_:" أنا المخطأ ليتني لم أقل شيئا... و لم أخبرها بأمر الزواج... لماذا فعلت هذا ,لماذا؟! "

وضعت يدها على كتفه و بصوت حان قالت ...
_:"لا تلم نفسك يا مصطفى... فأنت لم يكن بيدك خيار آخر... "
التفت ناحية زوجته ... وقال:" لماذا تفعل بي سارة هكذا؟!. مالذي فعلته أنا لأستحق كل هذا؟ .. أنا في حياتي لم أسئ إليها بشيء... رغم الأخطاء التي ارتكبتها... إلا أنني عفوت عنها... وسامحتها.... لأنني كنت ألوم نفسي على أخطائها... فأنا الذي ربيتها بعد وفات والديّ .... ظننت أن الخطأ خطئي... بأنني لم أحسن تربيتها..."
قاطعته بقولها: ...
_:"كفى يا عزيزي... لا تلم نفسك على جرم لم تفعله... أنت أديت واجبك وزيادة ... لكن سارة .... سارة هي المخطئة... هي الجاحدة... هي أساس المصائب كلها... هي اللئيمة التي تمردت..."
بقلة حيلة واستسلام قال :...
_:"ماذا سنفعل الآن... كيف سنحل هذه المشكلة؟!."



*** ***


بقيت تحت الغطاء أبكي بألم وحسرة... فمستقبلي قد ضاع للأبد... كنت أتمنى النهوض والذهاب إليها أتوسلها بأن تقتلني لترتاح هي... أتوسلها بأن لا تلقي بي كقلمٍ انتهى حبره... أتوسلها بأن تتركني فأذهب بعيداً عن حياتها...
وأخيراً استطعت أن أمسك دموعي وأعيدها إلى مضجعها... أحسست بأن الأبواب تغلق عليّ من كل جانب... ويحاصرني الظلام... وتضيق الدنيا لتصبح زجاجةً صغيرة... نهضت من فراشي إلى حيث الجناح الممتلأ بالعطف و الحنان و الدفء و الأمان...
وقفت أمام الباب أقرع الباب... قرعته مرةً وإثنتين وثلاث... انتظرت ذلك الصوت الذي يشعرني بالأمان...
فأتاني صوتٌ مبحوح... لم أعتد سماعه من هذه الأوتار...
_:" من هناك؟! "
بصوت شابه البكاء... أجبت:" أنا بتول..."
بقيت أنتظر رده... لكن انتظاري طال... ولم يردني أي جواب...
فسألت:" هل يمكنني الدخول يا أحمد؟!. "
جاءني أخيراً رده... :"كلا فأنا متعب وأريد النوم... "

فوجئت من رده ... فليس من عادته أن يمنعني من الدخول... مهما كان مشغولاً... كان لا يمنعني من الدخول و التحدث إليه...
قلت بصوتٍ يرجوه ويتوسله:"أحمد أرجوك لبضع دقائق... يجب أن أكلمك... فأنا أود ان أكلمك لأشعر بالراحة قليلاً... أرجوك... أريد أن أتكلم معك..."
جاءني صوته ولم أتوقع بأن يكون كذلك... جاءني صوته يصرخ عليّ...
_:"قلت لك بأني متعب وأريد النوم... فاغربي عني..."
كان هذا رده الذي أكمل عليّ مسلسل الأحزان و الآلام لهذا اليوم الأسود... فصدمات لا تنتهي ... و الجرح لا يجد من يداويه... هوت من عينيّ دموعاً غزيرة... ومن هول ماسمعت ومنه هو بالذات لم أكن أتوقع أن يردني بهذه الطريقة أبداً... مالذي يحدث؟!. لم الجميع اليوم متوتراً ؟!.. كانت عيناي تبحلقان في الباب...
فهذا ليس أحمد الذي أعرفه... أحمد الطيب العطوف... الحنون المتسامح... الذي يبرأ الجروح... واليوم يدمي عليّ الجراح... أحمد ذلك الملاك الذي يمسح على رأسي يطمئنني... اليوم يزجرني... ليس هو... ليس أحمد من كلمني... ليس هو...


*** ***


في ذلك اليوم لم تذق عيني طعم النوم... فقد مزقت وردتي بيدي هاتين... فتلطخت يديّ بدمائها... كم يدمي قلبي... و يعذبني هذا الحال...
لماذا ؟!. لماذا ؟!. لم أعد أقوى على الكتابة؟!.فدمعي ينسكب كسيول... أريد أن أكبت حتى أرتاح من هذا الذي يجثو على صدري ويخنقني...
أنا آسف... أنا آسف ياوردتي... يا أطهر وردةً عرفتها... ما فعلته كان رغماً عني... رغما عني...

نهضت من مكاني علي أجد مهرباً منه... من ذلك الحزن الذي بدأ يخنقي ومن تلك الحقيقة التي أرقت نومي...
كم رغبة في تلك الليلة بأن أقرع الباب... وتفتحه... فأضمها بين ذراعيّ المتعطشة لها... بين روحي التي تود أن تضمها في وسط جوفي... وأمدها بالحب و الحنان الذي سلبته منها أمها... و أدمل جرحها... لكن يدي تعلقت بين الأرض والسماء... وهي على بعد بضعة إنشات عن هذا الباب...
وها هو صوت نحيبها يقطع أوصالي... يقطع أحشائي مئة قطعه... و يفجر مقلتي لتنزف دمعاً حارقاً... لماذا أيها العقل اللعين تجبرت عليّ... و فرضت أمرك عليّ... ءأصبحت دكتاتورياً... القلب يريد و العقل يأبى...
هذا عنوان حالي في هذه اللحظة القاتلة... أود أن أفتح الباب وأطفئ لهيب أنينها... أود لو أدخل إليها وأربت على ظهرها... أود لو أضمها إلى قلبي فأكفكف دمع قلبها...

قاطع معاناتي وصراعي الداخلي الذي شتتني صوت أختي غدير المقبلة ناحيتي... أو بالأحرى ناحية بتول... لتطمئن عليها...
رفعت أحد حاجبيها الرفيعين وقالت بصوت يعكس التعجب الذي رسمت علاماته على محياها...
_:"ماذا بك واقفاً هكذا؟!. "
سؤالها المباشر هذا قابلته برد أبله... فأنا لم يعد فكري ملك لي... فباتت الكلمات التي خرجت من حنجرتها طلاسم تريد أن تنفك عن بعضها البعض...
_:" آآآآ !... " قلتها كالأبله...
مما زاد حيرتها و تعجبها, فقالت مستفسرة... :"ماذا بك يا أخي , يبدو وجهك شاحبا ؟!. "
ما بها هذه الطلاسم لا تنفك شفرتها؟!. صرخة دوت في داخلي... وعجزي عن الفهم و الرد ... جعلني أختار الانسحاب...
_:"يجب أن أذهب الآن... عن إذنك..."
فمشيت .... بل هرولت هرباً من عيني أختي الكبرى التي تحمل ألف سؤال... ولا أملك لهم أي جواب..."



|+*| التدقيق | سيهاتي الهوى |*+|



(( فكرة وإعداد: شمعة و شجرة الكرز ))



|+*| بقلم | شمعة |*+|


|+*| الورقة الثالثة من غصن الحرية بين أحضان القلم |*+|

شجرة الكرز
06-11-2008, 08:57 AM
أول مرة أسويها....

عادةً إذا الرواية مو كاملة ما أقراها..

ما احب الانتظار..

بس هنيه صديقتي..

يعني غير..

لا تخليني انتظر وايد..

ترى أكره شي علي الانتظار..

نتابع باهتمام..

مجهود رائع..


أنت الأروع من هذا يا((شموع الولاية))
وإنشاء الله لن نجعلك تطيلين الانتظار...
وها هو الجزء الثاني بين يديك...
والثالث بين يديّ...
انتهي منه ويدققه المعلمين^^ ومن ثم يكون بين يديك^^

وشكراً على هذه الثقة التي جعلتك تقرأئين روايتنا^^

تحياتيـ لكـ غاليتيـ
شجرة الكرز

وتحية أكبر منها من صديقتنا ((شمعة))

red ruby
11-11-2008, 10:41 PM
سيبقى الحزن اساس و مرسى لحياتي


يرسم طريقي بتعثر


بالآهات المدمرة
ويطحن فؤادي
بلا رحمة
وتبقى السعادة ضيف عابر بدربي


والحزن سحابة دائمة على صحراء قلبي


ترويه بالعطش


فيحصد


الألم والانزواء


عن العالم الذي لايعرف له احتواء


ليبتعد ويتلاشى


كزبد البحر..

سطور في غاااااية الروعه ممزوجه بالحزن ،،
ففي بعض الاحيان يشتاق المرء أن يعيش بحزن ،،
ويذكر ماضيه ومايحمل بين طياته كالفراق ، كالظلم ،،
أنا من ناحيتي أحب أن أذكر احدى ساعات الم ايامي التي مضت بالظلم وأبكي لوحدي وبغرفة مظلمه وأذرف من الدموع الى أن أحس براحه في جوفي ، بعدها يكون النوم هو سلطاني ويؤخذني بعالمه الواسع ،،
أتمنى أن تعذروني لطول خربشاتي ،،



من يكتب بمشاعر الحزن ينال النصيب الاكبر من الابداع .. فأنتم دوما مبدعين كما عاهدتمونا ،، فاستمروا بمثل هذا الابداع ولا تحرمونا من نور شمعتكم ولا من ورقة غصن الحرية ،،



إن الأحزانُ تبقى في فؤادي ...
سأشكوهـا إلـى الله المجـيـدِ ..
كي يبدلها بسرور ينير حياتي .



تمنياتي أن أرى جديدكم ،،


خليصتكم الغالية ،،
الياقوته الحمراء،،،

شجرة الكرز
23-11-2008, 02:11 PM
غاليتي ((الياقوته الحمراء))

دائماً ردودك تخجلني... وهنا تزيدنا ثقة...
تزيد ثقة أختي الغالية ((شمعة))
وثقتي كذلك...
وتشد من عزمنا على مواصلة الطريق...

شكراً لك على إطرائك الرائع كما أنت...


أياماً قليلة وتكون الورقة الثالثة من غصن الحرية بين يديكم...





تحياتيـ التي تعطرت بعبير الكرز لك...
|+*|شجرة الكرز|*+|

باسم آل خليل
26-11-2008, 06:48 PM
جميل جدا لغة غنية بالصور والابداع والاحداث مشوقة
استمتعت بالقراءة

شجرة الكرز
26-11-2008, 08:41 PM
جميل جدا لغة غنية بالصور والابداع والاحداث مشوقة
استمتعت بالقراءة


أخي الكريم ((باسم آل خليل))
سعدت كثيراً بمرورك على صفحتنا المتواضعة...

واطرائك نعتز به أنا وصديقتي كثيراً...

أرجو أن ينال اعجابك ما سيخطه قلمنا في الأجزاء القادمة...


|+*| شجرة الكرز|*+|

شجرة الكرز
26-11-2008, 08:50 PM
|+*| الورقة الثالثة من غصن الحرية |*+|




الخميس: السابع والعشرين من نوفمبر/ التاسعة وخمس دقائق، صباحاً...


استيقضت في صباح ذلك اليوم ولم أهنأ في نومتي ليلتها.. كنت أتقلب على فراشي طوال الليل كأني سمكةٌ قد أخرجت من المحيط الواسع ووضعت في حوضٍ بلا ماء... أحاول أن أجد النعاس في إحدى الجهات التي في غرفتي... لكن لم أجد ايَّ ذرة منه في أي زاوية... فحديث الأمس مع أمي أقلقني كثيراً... وطلبها الذي أعجز عن فعله... إنه صعب صعبٌ جداً...

_:" هل مازلت نائما بني؟!."
اخترق صوتها عالم التفكير وأنا على تلك الحال من القلق والتوتر.أخذت نفساً عميقا والتفتُّ إليها أجيبها... :"لا أمي... للتو استيقظت..."

ابتسمت لي وهي تقف عند باب غرفتي وقالت لي:" إذا... قم واغتسل حتى تتناول الفطور معنا..."
مددت جسدي على السرير بتعب ورغبة جامحة في النوم وأنا أجيبها...:" حسناً... إنني قادم خلفك أمي..."

خرجت وتركت الباب خلفها مفتوحاً، ووصلني صوتها وهي تتجه ناحية غرفة أختي... :"هيا لا تتأخر... أريد أن أكمل حديث الأمس..."

خرجت من غرفتي وأنا أتجه إلى دورة المياه في الجانب الأيمن من باب غرفتي، وراودني الخوف من ذلك الحديث الذي ينتظرني... هل ستعاقبني إن لم أفعل ما تريد؟!. أم هل ستغضب مني كما تفعل دائماً إن لم ألبِّ طلباتها؟!. إلهي أعنّي على طاعة أمٍّ مثلها...


| +* +* +* +* |

مر يومان على زيارة أمي إلى بيتنا... أعني بيت خالي!.. ولا زال الصمت يخيّم على أجواء البيت كلّه... خالي لا يريد أن يتطرّق للحديث، وخالتي غيداء كذلك... أما أحمد فمنذ أن لم يأذن لي بالحديث معه لم أره ولم أتكلم معه... أحمد ذلك الشخص الذي أحبّ الحديث معه... وأن ألجأ إليه لحل كل مشكلة تعترضني... لماذا كان غاضباً في تلك الليلة؟!. و لم يذهب أمس إلى المدرسة بسبب زكامه الذي أصابه عندما جاء ذلك اليوم بعد نهاية الدوام وهو مبلل كأنه قد خرج من حوض الاستحمام...

دخلت ريم إلى غرفتي وهي تحمل كتبها بين يديها... نظرت إليها متسائلة فقالت لي... :"لقد مللت المكوث في غرفتي أريد أن أنهي دراستي معك... هل يمكنني؟!."

هززت رأسي لها بالإيجاب ولكن شبح الحزن لازال يقبع معي... رفعت حاجبيها وهي تقول...:"ما هذا الحزن أيتها العروس؟!. لم أر في حياتي فتاةً مثلك... ستنتهي سنوات التعب والسهر خلف الكتب و الاستيقاظ مبكراً بزواجك... وأنت لا تريدين الزواج!.."
ريم تصغرني بعامين... ورغم أنها لا تحبّ الدراسة إلا أنها متفوقة دائماَ... ابتسمت لها دون أن أنطق بكلمة واحدة... فقالت متذمرة وهي تلقي بكتبها على الأرض...:" أنت بلهاء... تزوجيه اليوم فربما يموت غداً... وترثين الأموال التي سيخلفها..."

نظرت إليها بتعجب كبير... هل من المعقول أن هذه ريم التي أعرفها؟.. إنها الفتاة الأكثر كرهاً للزواج... والآن تقول لي بأن أتزوج من ذلك العجوز...

تنهدت ثم جلست على الأرض وفتحت كتبها... أعادت النظر إليّ وكأنها تنتظر مني إجابةً ما... كانت مثل طفلٍ صغير يترقب بشوق كلماتٍ تبهجه... أعدت نظراتي إلى كتبي وأكملت حل مسائل الرياضيات التي بين يدي... فقالت بسأم...: "إنك عنيدة... عنيدة جداً..."

ازدردت ريقي وأحسست بسمٍ يسري من حلقي إلى حنجرتي... حاولت أن أوقف النزيف الذي في قلبي... وأجمع بقايا أشلائي التي تناثرت منذ أيام... مضت بضع ثوان قبل أن أقول...:"لو كان خالي سيجبرك على زواج كهذا... فهل ستوافقين؟!."

كان في صوتي شيءٌ من الدموع وشيئاً من مسلسل جروحي الذي لم ينتهِ بعد...

أحسست بأنها صعقت من سؤالي هذا... بل أحسست بأن تياراً كهربائياً سرى في أطرافها... لم أكن أنظر إليها بل مطرقةٌ برأسي بانكسار... ثم رفعت رأسي أنظر إليها، وقبل أن تجيب هي أطرقت برأسها لمدة من الزمن... ثم ألقت بالقلم الذي كانت تمسكه بين أناملها ...:"لا أدري... فأبي لا يفعل ذلك..."

تجمعت الدموع في عيني لتحجب الرؤية... وتكون حاجزاً بيني وبينها... لم أرغب في البكاء الآن... ضغطت على شفتي بأسناني ونهضت من على السرير... اقتربت من مكتبي الصغير وأمسكت بتلك الصورة التي تجمعنا _نحن جميعاً_ أنظر إليها... علها تقنعني أنني كنت في حلم طوال يومين... لكن صوت ريم خرج من حنجرتها واخترق الحاجز الذي غلفني... :"لا أدري حقاً... إن أبي رافض أن يزوجك وأنت مازلت في الخامسة عشرة... فكيف به يزوجني وأنا سأدخل الثالثة عشرة في الشهر المقبل؟!. لكن إن كنت لا تريدين المشاكل فـ... فـ... فوافقي..."

التفت إليها وأنا في غاية الذهول مما قالت... إنها كلماتٌ مزقتني... قطعتني إلى أشلاء عدة... تمنيت لحظتها لو أستطيع أن أصرخ في وجهها وأقول لها أنني لست لعبة أينما يحلو لأمي رمت بها... لكن عتبت عليها مجرد عتاب... :"هل أنا فعلاً سأسبب المشاكل برفضي؟!. إنني فقط أريد أن أكمل دراستي لا غير... إنني أريد أن أبقى بجانبكم فقط... فأنتم عائلتي ريم!.. أنتم عائلتي التي ليس لي غيرها... لا أم لي سوى أمك، وأبي هو أبوك..."

وكأنها أحست بما يفتتني إلى قطع صغيرة... فأجابت :"إنني آسفة بتول... لكن أنت لم تر عمتي وهي تخرج من غرفتك في تلك الليلة وهي غاضبة... وتهدد أبي... إنني أرجوك بأن تفعلي شيئاً... أنظري إلى والدي كيف يعاني من هذا الخبر مذ سمعه!.."

كانت كلماتها تصل إلى قلبي مثلما يصل السم إليه... فعادت الدموع تحكي آلامي وتحجب عني رؤيتها... وعبرت أهدابي وهي ترتجف خوفاً من المستقبل الذي ينتظرني...
حين رأت ريم دموعي قامت من مكانها وضمتني بين ذراعيها وهي تحاول أن تخفف عني ... لكني أبعدتها عني وارتميت على سريري أضم وسادتي وأجهش في البكاء...

ربتت على ظهري... وهي تقول... :"آسفة... سامحيني بتول..."
صرخت عليها...:"أخرجي من الغرفة... اتركيني بمفردي..."


| +* +* +* +* |


دخل عليه ببدلته الرسيمة... يخفي نصف وجهه خلف نظارة سوداء... ألقى بتحية يغلفها الاحترام... فأومأ له الرجل الذي يجلس خلف مكتبٍ فخمٍ جداً... وجلس على الكرسي أمام المكتب ودس نظارته في جيب سترته...


ساد الصمت برهةً من الزمن... وكأنهم في جلسة استرخاء... كانت نظرات ذلك الرجل وهو يمعن النظر في الأوراق التي أمامه نظرات ثاقبة... يطغى عليها الكبرياء والغرور... نفض سيجارته في تلك المطفأة المركونة على طرف المكتب... ثم أسند ظهره على الكرسي بارتياح شديد... وابتسامة النصر علت وجهه... فردت له الابتسامة من الرجل الذي دخل قبل قليل بابتسامة حيرة...


أخذ نفساً عميقاً من دخان السيجارة التي تلفها أنامله... وقال بصوت مليء بالنشوة :"لقد أتت الأوامر العليا... بتنفيذ العملية الكبرى..."
_:"حقاً يا سيدي!.. وأين سيكون التنفيذ؟!."
_:" في تلك المنطقة التي ستربك العالم بأسره... إنها أمنية لطالما حلمت بها... وها هي تتحقق..."


سكت الرجل الآخر وهو ينظر إلى ذلك الفرح بتحقق حلمه... وهو لا يعلم عن أي حلم أكثر من وصوله إلى هذا المنصب الذي يستلم زمام أموره...
قطع عليه تفكيره في معرفة تلك المنطقة التي تحدث عنها... بكلماته... :"مابك؟!. إنها منطقة الأمير..."


حدق به لبضع ثوانٍ... غير مصدق ما تلقفته أذناه... ازدرد ريقه بصعوبة شديدة... وكأنه لم يذق طعم الماء منذ زمن... وخرج من بين أوتاره صوتٌ هلعٌ... :"أتعني... منطقة الأمير السكنية..."
جاءته ابتسامة خبث... ولحق بها صوتٌ مشبع بدخان السجائر... :"نعم... إنها هي بعينها..."
رد عليه بتوتر وضيق... :"لكن هناك المئات من الأطفال والنساء... وكذلك كبار السن... ماذنبهم؟!."


_:"ذنبهم!.. ذنبهم أنهم يؤيدون الحكومة وهي لا تستحق كل هذا التأييد... إنها تستحق التدمير..."
_:"هل تسمح لي بأن أطرح عليك رأياً أفضل؟!."
_:"قل ما عندك... لكن لن يتغير شيء..."
_:"أعلم يا سيدي... لكن أيمكنك أن تؤجل هذه المهمة!.."


رفع أحد حاجبيه... وهو يدفن سيجارته في المقبرة الجماعية... وقال:" ولم نؤجل المهمة؟!. جمال! إنها الضربة التي ستؤدي إلى هلاك هذا الحاكم..."


نهض ذلك المدعو جمالا من مكانه وتقدم إلى النافذة... ضرب بقبضته على إطارها... مما زاد من تعجب ذلك الرجل... فنهض واتجه إليه وقال له... :"ما بك؟!. لم أعهدك بهذا الضعف والخوف..."
التفت إليه جمال وقال له بصوت هامس...:"إن هناك الكثير من الأطفال... لم لا نوجه إنذاراً في البداية؟.. نحاول أن نفجر مكاناً نعلم بعدم وجود الأطفال فيه... ومن ثم يفزع السكان فيخرجون أهلهم!.."


هز رأسه نفياً... وهو يجيب... :"لا يمكن... صدر الأمر من الرئيس... هذا الأمر يجب أن ينفذ بعد الغد... وإن لم ننفذه... فلا فائدة من وجودنا..."


أطرق برأسه إلى الأرض... ثم رفعه ناحية السماء التي تطل عليهما من النافذة... وقال بصوت مهزوم... :"حسناً... أعطني ما يجب علينا فعله يا سيد يوسف..."
ضربه على كتفه مشجعاً...:"هكذا أريدك دوماً..."


واتجه ناحية مكتبه... ثم وكأنه تذكر شيئاً فعاد بوجهه إلى حيث يقف يوسف... :"هل لك أقرباء هناك؟!."
_:"نعم!.."


أظهر يوسف تماسكه وثباته... :"حسناً... اليوم أعطيك إجازة من العمل... اذهب وأخرج أقرباءك من هناك... وخذهم إلى منطقة الاستقلال..."


وأمسك ببضع وريقات وقدمها إليه... مكملاً حديثه...:" هناك لن تطالهم أيدي أحد... لا رجالنا ولا حتى رجال الحكومة... وادرس هذه الأوراق جيداً... وغداً في مثل..."


سكت هنيئة... ونظر إلى ساعته وهو يكمل... :" لا! الوقت متأخر، الحادية عشرة ظهراً... لن ينفع الاجتماع بهم... بل في التاسعة من صباح الغد يجب أن نكون هناك... حتى نصدر لهم الأوامر..."
مشى جمال ناحية الباب... وهو يعيد نظارته السوداء على عينيه ليخفي بقايا المهمة التي هم عازمون على فعلها... لكن صوت يوسف جعله يستدير بوجهه إليه... :"ما أخبار أكرم؟!."
بسط كفه وهو يجيب... :"بأفضل حال... خاصة في هذه الأيام الأخيرة..."


هز له يوسف رأسه وهو يقول... :"جيد... لكن نبهه بأن المهمة هذه لن يكون له يد بها..."
_:"لماذا؟!. إنك تعلم بأنه ماهر في أداء مثل هذه المهمات..."


انكب على أوراقه التي تنتظره على المكتب، وهو يجيب...:" ولأنه ماهر وبارع... فإن السيد إدوارد لا يريد أن نخسره هذه المرة... يكفي وقوعه في الحبس مدة أسبوع..."
أومأ له جمال وانصرف سريعاً... ليقوم بما عليه فعله...


| +* +* +* +* |


خرجت من المنزل وأنا لا أعلم في أي اتجاه أسير... سوى أن الغضب الذي حل بي من طلبات أمي وأبي لا تطاق... ما هذا الذي يطلبونه؟!. أيريدون مني أن أقنع فتاة لا أعرفها بالزواج من رجلٍ عجوز؟!. إنه رجلٌ طيب وكريم... لكن لا يعني أن نزوجه لفتاة في عمر بناته...


أين أجدك يا أحمد!.. حتى أنت لا أعرفك جيداً... سوى أنك ابن خالي... وأختي لم أرها في حياتي أبداً بسبب قسوة أمي عليها... حرمتنا حتى من معرفتها...


ألسنا مسلمين؟!. أصبحنا كما الغرب... لا نعرف من هم أهلنا ولا إخوتنا... ربما لو رأيت أختي في مكان ما لن أعرفها أبداً...


كنت أسير كـتائهٍ في وسط الصحراء... أتلفت يميناً وشمالاً... لعلي أجد خيطاً أو بصيص أمل يوصلني لحل المشكلة... لم اختارتني أمي لهذه المهمة... إنها تكبرني بعامين تقريباً... وأمي تخضعني لأوامر صارمة... وكأنني عسكري في الجيش...


متى يتم الإفراج عني وعن أختي حوراء... تلك أيضاً سيأتيها الدور كذلك... فأبي مثل أمي لا يختلفان أبداً...


عدت إلى البيت بعد مضي ساعة ونصف الساعة وأنا أمشي في الشوارع التي تخلو من المارة إلا القليل...


استقبلتني حوراء كعادتها عندما أخرج بلا هدف... سألتني... :"أين كنت؟!."
خلعت معطفي وأنا أجيبها بسؤالٍ آخر... :"أين أمي وأبي؟!."
_:" بابا لقد خرج... وماما ذهبت إلى غرفتها... ما الأمر وسام؟!."
ابتسمت لها ابتسامة مطمئنة... :"لا شيء..."


احترت في أمري، لا أدري هل أخبرها بأختنا التي ظهرت فجأة لنا... أم ماذا؟!. إنني حتى لا أعرف من هو والدها الذي كان زوج أمي قبل أبي... إنه حملٌ ثقيل على فتى في عمري... وأثقل حملٍ ستحمله تلك الأخت التي في شرايينها تسري دماءٌ كدمائي... ولا يمكنني أن أفعل لها شيئا... ولا أن أمدّ لها يدي تحمل معها أي نوعٍ من المساعدة...


توقفت على السلم لدقائق أفكر... وجاءت حوراء لتقف أمامي وهي تمعن النظر في وجهي... ثم سألت... :"ما بك اليوم؟!. لست أخي الذي أعرفه!!."


لمعت في ذهني فكرة لم ألحظها من قبل... :" هل ريم مصطفى معك في المدرسة؟!."
_:"نعم، ولم السؤال؟!."


أجبتها بسؤالٍ آخر كذلك...:" وهل معكما بنت العم سلمان؟!."
فكرت بقليل من الحيرة ثم قالت... :"أتعني زينب التي تكبرنا؟!."
_:"نعم..."
_:"إنها في السنة الأخيرة والسنة القادمة ستذهب للمرحلة الثانوية... لم تسأل أخي؟.."
قبلتها على رأسها من الفرحة... :"شكراً أختي..."


ثم اعتليت درجات السلم المتبقية بسرعة... ومن ثم إلى غرفتي... إلى حيث يمكنني التفكير بهدوء دون أن يزعجني أحد... وبخاصة أمي التي تخطط لهدم حياة تلك الفتاة المسكينة... نعم فتاة... فأنا لم أعتد حتى الآن على وجود أختٍ أخرى لي...


| +* +* +* +* |

شجرة الكرز
26-11-2008, 09:05 PM
السادسة والربع من مساء السابع والعشرين من نوفمبر...


إنّ الحياة لم تعد كما هي... تتغيّر في لحظات وأنا لا أشعر بأن الزمن يجري وأنا أخطو خطوات بطيئة جداً... إلى متى سنبقى ننام في هذا المكان؟!. إلى متى سنقف مكتوفي الأيدي؟!. ولا نقدم على خطوة إيجابية واحدة!.. دائماً ما نتخذ الحل الذي لا يكلفنا الكثير... دائماً ما نختار الحل الذي نكون فيه صفراً في جهة الشمال... لا في اليمين... وإن أصبحنا نقطةً فإننا نكون تلك النقطة التي تختم الموضوع... وليست النقطة التي تختم الجملة الأولى أو مابين كلمتين...

وها أنا حالي اليوم هكذا... أسمع أنين قلبي ولا أستطيع أن أهدأ عليه... أرى جراحات روحي ولا أستطيع أن أضمدها... بل أمسك بفرشاتي لأرسم طريق ضياعي... وأختم دوري برسمةٍ تعبر عن هلاكِ... أمسك بالمنبه وأوقف رنينه المتواصل... الذي لطالما أيقظني من الغفلة ليضعني أمام الحقيقة... ويجعلني أتحرك إلى الأمام وأغير ما تم فعله... لكني أوقفه الآن حتى لا يخبرني بما عليّ فعله... إني لا أستطيع أن أغير شيئاً في الواقع ولا في الماضي حتى سيل أفكاري... أوقفته... وطريق فرشاتي الذي أخطه على الورقة التي تقف أمامي... أزلت منه النور... بطرقات على الباب انقطع كل شيء...

عرفت منها أنها غدير... فقلت مباشرة...:" تفضلي..."
أطلت برأسها من خلف الباب بعد أن فتحته... وقالت...:"أيمكنني الحديث معك لبضع دقائق؟.."
ابتسمت لها وتركت فرشاتي... أجبتها... :"لك كل وقتي..."

أتت لترى ما قد خطته فرشاتي في لوحتي الجديدة... تأملتها وكأنها عرفت ما كان يدور في عقلي من تلك الخطوط التي لونتها بألوانٍ مظلمة...
_:" ألم تكمل لوحة المدرسة؟!."
_:"ليس بعد... أحسست برغبة في رسم هذه أولاً..."

نظرت إليّ في حين كنت أنا أمسح آثار الألوان على كفي... ثم عادت بنظراتها المتألمة إلى اللوحة وقالت... :"لم كل هذا الحزن أخي؟!. لم ترسم طريقاً طويلاً لا نهاية له؟!. إنها تشعرني بأنه لن يصل إلى نهايته... أعني هذا القابع في بدايته..."
_:"لأنها تمثل حالي، يا غدير... إنني أسير في طريقٍ كنت معتقداً بأنني سأصل إلى نهايته... لكن أنظري أظلم الطريق وسلب ذلك الأمل الذي كان في نهايته..."

وضعت كفها على كتفي... وشدت عليه... أحسست بأن كل طاقتها خرجت من كفها الصغير... لكنها لم تؤثر فيّ... قالت لي مشجعة...:"بل ستصل يا أحمد... إنني واثقة من وصولك إليه..."
_:"لن أصل... فأنت تعلمين ما هو ذلك الأمل وما هو ذلك الطريق... وها هم يسلبون مني الأمل... وبقيّ طريقي مظلماً برحيله..."

تنهدت بعمق وقالت...:" إنه حب الطفولة... مازلتم في بداية حياتكما... فلم تعجلت وأفرغت شحنة حبك كلها في بتول..."

نظرت إليها بتعجب مما أسمع... :"لماذا تقولين هذا؟.. وأنت تعلمين بأنها لا تريد هذه الزيجة... أنت تعلمين بأن أبي لا يرضى لها مثل هذا الزواج... هل ترضين لنفسك أن ترتبطي بعجوز في سن أبيك؟!. وربما يفوقه سناً!.. هل ترضين بأن تكوني سلعةً يباع ويشترى فيها على حساب سعادتك؟.."

كان الألم يتدفق إلى عينيها... من قسوة كلماتي التي أرسلتها إلى أذنيها... أجابتني وصوتها بدأ يعاتبني... :"لا يا أخي... إني لا أرضى لها هذا... لكن إن كان في ذلك سعادتكما فأنا مستعدة لأن أذهب إلى عمتي أطلب منها أن... أن تحيد عن بتول و... و... وتأخذني أنا لـ..."

بترت جملتها بقبضي على ذراعها... :"لا تكملي... هل جننت؟!. هل أنت مجنونة إلى هذا الحد يا غدير؟.."

اعتصرني الألم وأنا أرى جراحاً وآهات في صوتها... :"لأجلك فقط يا أخي... لأجلك فقط أتحمل كل شيء... وكذلك الجنون الذي يصيبني... على أن لا أراك تعيساً لحظة واحدة في حياتك..."

إنها مجنونة... نعم أختي جنت في ذلك اليوم... ما ذنبها هي الأخرى بأن تزج في مشاكل الكبار... أأقول لها سبب زواج بتول؟.. ولم عمتي تريد أن تلقي بها هكذا؟!. لا... لا لن أتفوه بكلمة... فأنا قد وعدت أبي بأن يبقى سر بتول في بئري... ومدفوناً في أعماق روحي... روحي التي تتعذب لأجلها...
سحبت غدير ذراعها من بين قبضتي... وقالت:" أرى صمتك يا أحمد... أهو علامة الرضا على ما أريد..."

_:"أيتها الحمقاء... كيف أرضى لأختي أن تفعل بنفسها ما تقولين؟.. كيف أرضى لأختي بأن تعيش بقية حياتها مع رجلٍ عجوز بقي له من الحياة أياماً قليلة؟!."

صرخت في وجهي وهو ما لم أعتاده منها...:" وما أدراك بأنه سيموت؟!. ربما تكون حياته أطول من حياتي أنا... وما أدراك أنني لن أسعد معه؟!. أنت وبتول من لن يسعد إن أنا لم أقدم على هذه الخطوة.."
_:"لا... لا تفعلي... أرجوك لا تفعلي..."

اتجهت ناحية الباب... وهي تلقي عليّ بآخر متفجراتها...:"إنني ذاهبة إلى أبي لأخبره... اسمع يا أخي أحمد أنا انتهت حياتي منذ عام مضى.... لقد رحلت روحي معه... أما أنتما فلازلتما هنا ... روحاكما اتحدت فلا تفرقاها بسبب ضعفكما ... "

كم كان كلامها و منظرها يقطع القلب....
خرجت كلمات الذهول من فمي مبعثرة وواهية ...
_:"لكن....لا....أنت...."

رن هاتفي في هذه اللحظة التي لم أكن أود فيها الحديث مع أحد سوى أن أمسك بأختي وألغي تلك الأفكار التي تسطير عليها... لكن الاسم الذي على الشاشة ظهر هو ما جعلني أرفع الهاتف وأجيب...

_:"مرحبا أحمد... إنني وسام..."

أجبته وكلي لهفة في معرفة ما يمكن أن يخبرني به... :"أهلاً وسام... هل من جديد؟!."
رد عليّ وبنبرة صوته القليل من التعجب... :"إن لديّ فكرة ستنقذ... آآآ مااسمها... بتول أليس كذلك؟.."
_:"وما هي الفكرة قلها بسرعة..."

تردد قليلاً... لا أدري هل كان خائفاً من صوتي الغاضب أم من شيء آخر؟!.. فقلت مشجعاً :" أرجوك لا وقت لدينا... "
_:" إن زينب ابنة السيد سلمان، مع أختي وأختك ريم في المدرسة... لكنها في سن بتول..."

قاطعته...: " أرجوك ارحمني وأخبرني ما هي فكرتك..."
_:"أن نقول لزينب بأن والدها سيتزوج من إحدى فتيات المدرسة... وهي ستجعل والدها يعدل عن هذه الفكرة... وأنت تعلم ستخبر والدتها وهنا ستحل المشكلة..."

لا أدري كيف يفكر وسام... فكرته لمعت في ذهني... لبعض الوقت... والصمت قبع فينا...
_:"مابك؟!. ألن تقول لي شيئا؟!."
_:"وسام... إنها فكرة جيدة... لكن مخاطرها كثيرة... ما أدراك إن هو حقاً عدل عن الزواج!.. وما أدراك إن كانت ابنته ستصدق ما ستقوله لها الفتيات؟!. أو ربما زوجته لن تصدق... نحتاج لشيء أقوى..."

_:"رغم أنني لم أعرف بأن لي أختاً أخرى إلا الأمس... إلا أنه ليس أمامي سوى حلٍ واحدٍ.."
يا إلهي ما بهم اليوم... في كل دقيقة يظهر لي نابغة من نوابغ العصر... ويريد أن يخبرني بحلول لمشكلة بتول...
_:" وما هو هذا الحل؟.."
_:"ستعرف لاحـ...."

قطع جملته وأكملها بصورة مختلفة... :"سأذهب إليه بنفسي... وأخبره بأنها لا تريده..."
أحسست بأنه طفلٌ في هذه اللحظة...:"وإن لم يولك أي اهتمام..."
_:"سأقتله..."

حاولت أن أستسيغ الفكرة في عقلي... أو أبدل حروفها... لكن لا جدوى... حين أفقت من صدمتي... لأقنعه بعدم فعل شيء من هذا الجنون... كان قد قطع الاتصال... عاودت الاتصال به مرةً ومرات... لكن دون جدوى لقد أغلق هاتفه...

هنا تذكرت غدير تلك المجنونة الأخرى... ما الذي ابتليت به في دقائق معدودة؟.. اثنان مسهما الجنون... خرجت من غرفتي... وعندما فتحت باب غرفتها لم تكن هناك... ذهبت إلى غرفة والدتيّ ولم تكن كذلك هناك... رأتني أمي فخرجت خلفي تسألني عما حل بي... لكن حرفاً واحداً لم ينطق به لساني... ومن السلم مباشرة إلى الصالة... حيث رأيت غدير تبكي وهي تجلس عند قدم أبي... تتوسله بأن يوافق على طلبها...

وأبي مثل المصقوع لا يعرف ما يفعل... ولا يدري ما يقول... فقط كلماتها هي التي كانت تهزه وتهز والدتي...
_:"أرجوك أبي... إنها صغيرة على الزواج... مازالت الحياة أمامها...فلم تقتلونها في الحياة... أما أنا فقد أكملت دراستي ولم يبق لي شيء على استلام الشهادة... أرجوك أبي... أرجوك كلم عمتي..."

أمي لم تتمالك أعصابها... فصرخت على غدير...:" يكفي يا غدير... ما هذا الكلام الذي لا معنى له... أتريدين أن تمضي بقية حياتك مع عجوز..."

نهضت غدير من مكانها واتجهت ناحية أمي... وفعلت ذات الشيء... جلست على ركبتها وأمسكت بيمين والدتي... :"أرجوك أمي... إنها لا تستحق ما يحدث لها... انظري إلى حالها... منذ ذلك اليوم وهي لم تتحدث إلا ولجأت إلى البكاء بعد ذلك... لا تأكل شيئاً سوى قطعٍ قليلةٍ من الخبز... أمي أرجوك إنني راضية ومقتنعة تمام الاقتناع..."


| +* +* +* +* |


كنت في غرفتي عندما سمعت صوت جرس الباب الخارجي يقرع... وكنت على وشك الخروج منها... فتحت الباب لأرى ريم وهي تجلس على أولى درجات السلم... ويبدو عليها الإنصات التام للأصوات التي تأتي من الطابق السفلي... وكأنها طفلٌ صغير يسترق السمع لفضوله الشديد... تقدمت إليها... أحسست بدموعها التي تسري على وجنتيها... فهذه وضعيتها التي اعتادت أن تجلس فيها وتبكي... تضم رجليها بين ذراعيها...
_:"ريم مابك؟!."

انتفضت فزعة من سؤالي الذي لم تكن تتوقعه... ولم تتصور بأنني سأخرج من الغرفة اليوم... التفت إليّ ونظراتها تحوي الكثير من الكلام... والكثير من الفيضانات والبراكين... أعدت السؤال... فلم تجب... بل نهضت تصرخ في وجهي... :"كله بسببك... إن أختي ستعرض نفسها للموت بسببك..."

أجبتها وأنا أشعر بنفسي تائهة في طريق حالك الظلمة... :"ماذا تعنين بالموت؟!. إلى أين ستذهب؟.."

فجاءني الجواب منها... مثل السم الذي سرى في بدني طوال الأيام الفائتة... :"إنها تتوسل أبي لأن تتزوج من ذلك العجوز... أيتها الأنانية... انظري ماذا ستفعلين أنت وأمك..."

لم تأت في ذهني مسألة الزواج أبداً... بل حقاً كنت تائهة... وما زادني ضياعاً كلماتها التي كانت قاسية جداً... ما الذي فعلته أنا لأستحق كل هذا؟!... سألتها لأفهم شيئاً... :"ماذا تعنين بذلك؟!."
دفعتني بيديها وراحت تجري إلى غرفتها ودموعها تضربني... بل تلكمني بعنف... لم أستطع فهم الأمر جيداً... لم أستطع أن أعِي ما يحدث من حولي... تناهى إلى سمعي صوت أمي... أو التي يطلق عليها اسم والدتي...

_:"أين بتول يا مصطفى؟!."
صوت خالي الذي رد عليها كان متعباً جداً...:" ماذا تريدين منها؟!."
_:"أريد أن آخذها الآن... فيجب أن تتجهز للعقد..."
رد عليها صوت أحمد متسائلاً... :"أين وسام عمتي؟!."
_:"وما شأنك به؟!."

فأعاد أحمد سؤاله بغضب... :"أين هو يا عمتي؟!."
وكأن غضب أحمد أخافها، أو هز من كبريائها شيء... :"لماذا تسأل عنه؟!."
_:"إن وسام في خطر أين هو؟!."

لم أشعر بخوف أمي على أحدٍ إلا اليوم... عندما نزلت بضع درجات من السلم لأراها وهي تسأل هلعة...:"ما به؟!. لماذا؟.. ماذا به؟!."
_:"يا إلهي صبرك... أخبريني أين ذهب؟!."
_:"لا أدري... خرج قبل أن أخرج من المنزل... أخبرني ما به؟!."

رأيت أحمد يتجه ناحية السلم ويصعد... نظر إلي وهو يقول مهدداً إياي ...:"إياك أن تنزلي..."
لا أدري لِم لَم أهتم لذلك التهديد... أكمل هو طريقه ودخل غرفته ومن ثم نزل خارجاً من المنزل... ولم تهدأ العاصفة التي في الأسفل... أمي تسأل عني... وخالي يحاول أن يؤخرها... وكأنهم في إحدى جلسات مؤتمر مجلس الشعب، أصواتهم تعلو وتعلو...

نزلت بضع درجات أخرى... فإذ بي أرى غدير وهي تتجه ناحية خالي تمسك ذراعه... نظر إليها وكأنه يتوسلها بأن لا تنطق بشيء... كل ما خرج من بين شفتيه... :"اذهبي إلى غرفتك..."
غدير هزت رأسها نفياً... ودموعها تجري من مقلتيها... :"لن أذهب..."
خالتي أم أحمد حدثتها بهدوء...:"غدير أرجوك بنيتي اسمعي كلام أبيك..."

لم تأبه غدير بتاتاً بما يقولون... اتجهت ناحية أمي وقالت لها كلماتٌ صدمتني... شلتني عن فعل أي شيء...:"عمتي... بتول لن تتزوج... أنا من سيتزوج لأجلها... إنها مثل أختي وأكثر من أختٍ لي... إنها لا تستحق ما تفعلين... أرجوك عمتي..."

أمي زادت حدة غضبها...:"لست بلهاء لأزوجك أنت من رجلٌ غني... وأترك ابنتي..."

خالي لم يتمالك نفسه فأمسك بذراع غدير وسحبها باتجاه السلم كي تصعد... لكنها أصرت وعادت إلى أمي... وأمي بدأت تنادي عليّ من مكانها... وأنا لازلت كالتمثال الذي يقف في إحدى دور العرض... لا أدري ما الذي يدور من حولي... توسلات غدير لخالي... كلمات ريم لي... وأحمد الذي هددني بعدم النزول... ماذا أفعل؟!. أستمع لمن؟!. وأنصت لمن؟!.

لم أدع التفكير يقتلني أكثر مما فعل بي... نزلت ووقفت أمامهم... فلم يكن من خالي إلا أن صرخ في وجهي...:"ما الذي أتى بك إلى هنا؟!. عودي لغرفتك..."

جمعت بضع حروف وبضعاً من أشلاء صوتي... :"لن أعود!.. سأرحل!.."
نظر إليّ خالي وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما... وغدير التي لم تهدأ من بكائها أتتني لتكمل عليّ وتقتلني... :"أيتها الغبية، لن أدعك ترحلين... إنك ستبقين هنا..."

هززت رأسي أنفي ما تقول... ودموعي تجيبها... لم أشعر بها إلا ويداها تهزانني بشدة... ستبقين يا بتول... ستبقي هنا لأجلي... لأجلي أنا أكملي دراستك... وأكملي حياتك هنا... مع من يحبونك..."

كلماتها لا أدري بماذا أصفها!.. هل سمٌ أتجرعه؟!. لا بل أشد من ذلك... إنها جزءٌ من هذه العائلة... أما أنا فمجرد ابنة لعمتهم... فتاةٌ تربت بينهم... لم أتحمل تلك الدموع التي تغسل تسيل كما تسيل الأنهار في الوديان... أبعدتها عني... وأشحت بوجهي عنها... نظرت إلى أمي... التي لم ألحظ منها أي اهتمام... أو أي مشاعر اهتزت بداخلها... بل مجرد حجرٍ يقف أمامي... :"سأذهب معك أمي... سأغير ثيابـ.."

لم أكمل جملتي... حتى أحسست بخدي يصبح جمرةً ملتهبة... لقد أتتني ضربةٌ من كف أحدهم... بكل ما أملك من قوة حاولت الوقوف على قدميّ... رفعت رأسي لأنظر إلى تلك اليد التي ضربتني... تلك اليد كانت... كانت يداً حنونة دوماً... يداً لطالما مسحت على رأسي... وضمت جسدي إليها... وضمدت جراح عيني... واليوم... تلطم خدي لتجعله شعلة ملتهبة...
_:"هل جننت؟!. أتريدين أن تدفني نفسك بالحياة؟!."

أطرقت برأسي خجلاً من كلماتها... أبحث بين قطرات دمعي عن جواب لسؤالها... لم أجد سوى كلمات ستؤلمها لا محال من ذلك... ستجرحها...
_:"وماذا أنت فاعلة؟!. ألن تدفني نفسك كذلك!.. ألن تضيعي نفسك لأجلي!.."

تدخلت أمي في هذه اللحظة ومدت يدها إلى ذراعي... أمسكتها بعنف... جرتني خلفها وهي تقول... :"هيا!.. لا وقت لدينا... فعمك في الخارج ينتظرنا..."

وكأنها كانت تقول لا وقت لدينا لمراسم عزائك... لا وقت لدينا لدفنك قبل أن تفوح منك رائحة نتنة... لا وقت لدينا لنخرج روحك من جسدك... فقد أتى أمر الله بموتك...

التفت إلى أبي وأمي الحبيبة وغدير أختي... وريم التي أتت تطل علينا من السلم... هنا حقاً أحسست بروحي تخرج من بدني... أحسست بها تجر مني الحياة جراً...

سمعت صوتاً ينعاني... صوتاً يودعني... أصواتاً باكية على رحيلي... وأصواتاً تندب حظي... ووداع لم يتم إلا بالدموع... لم يكن به عناق أو تقبيل... لم يكن بها وصايا... وحفظ الأمانة...
لقد انتهت الحياة... رحل النور والأمل... وأغلقت أبواب الجنة فلن يسمح لي بدخولها...


| +* +* +* +* |

لم يعد قادرا على كبت بركان الغضب في داخله أكثر من ذلك .... فهي ابنته ..... ولن يسمح لسارة بأن تقتل طفلتها و براءتها أمام ناظريه.... فانفجر بركان الغضب.... وأخرج الحمم التي في جوفه....
_:"توقفي سارة!.."

قالها بأعلى طبقة من صوته... فتوقفت و التفتت ناحيته ورمقته بتلك النظرة الباردة... و بنفاذ صبر:
_:"ماذا هناك بعد يا مصطفى؟!. "
_:" بتول لن تغادر من بيت أبيها إلا بإرادتها..."
كان ردها هذا حازماً... فخرجت من حنجرتها ضحكة استهزاء, ومن ثم قالت:
_:"لقد قالت لك بعظمة لسانها بأنها تريد الذهاب معي..."

بخطى واسعة توجه ناحيتهما... أمسك بذقن بتول... ورفعه ناحية أمها متحجرة القلب ... و صرخ بوجهها قائلا...

_:" أهذا وجه فتاة راغبة بالذهاب معك .... سارة بتول لا تريد أن تتزوج ذلك العجوز ...و أنا كذلك لا أريد ..."
وصوب أبهامه ناحيتها...

هنا رحلت عنها موجة الصقيع... وهبت رياح الغضب الملتهبة... وقالت بحنق :
_:" أنت ...! وما دخلك أنت؟ أنت لست أباها و لا وصيا عليها ... أنا أمها ...أنا التي لها الحق بتصرف بها كما تشاء..."

استفزته جملتها الأخيرة... فانفجر بها قائلا...
_:" ما هذا الكلام يا سارة ؟ ..أهي سلعة ... هذه ابنتك من لحمك و دمك ... ومن ثم تعالي هنا ... أنت صحيح أنجبتها لكن في حياتك لم تكوني بجوارها ... رميتها علينا و ذهبت لملذاتك الخاصة ... لم تضحي لأجلها .... أنت التي ليس لك الحق بها ... نحن الأحق..."
_:" الورق يثبت بأن لي الحق... "

بتر جملتها بكلمات لم يعرف كيف خرجت من حنجرته ... فالغضب أعماه تماماً...
_:" إذا الآن تتحججين بالورق .... و تقولي أن ليس لنا الحق بها ... حسنا .... بتول سوف تتزوج من أحمد .... هكذا لن يصبح لك الحق في التصرف بشأنها... "



| +* +* +* +* +* |

شجرة الكرز
26-11-2008, 09:14 PM
|+*| التدقيق | سيهاتي الهوى / معلم لغة عربية |*+|




|+*| فكرة وإعداد | شمعة / شجرة الكرز |*+|


|+*| بقلم | شجرة الكرز |*+|



|+*| الضوء الرابع في درب الكلمات بين أحضان القلم |*+|

القلم الحر
27-11-2008, 12:14 PM
روايةٌ رائعةٌ بكل ما تحمله الكلمةُ من معنى ، شجرةُ الكرز وشمعة أتمنا أن تتعاونا في رواياتٍ أخرى لنستمتع في قراءةِ رواياتكم.

تقبلوا تحياتي / ابن سيهات .

شجرة الكرز
03-12-2008, 05:38 PM
روايةٌ رائعةٌ بكل ما تحمله الكلمةُ من معنى ، شجرةُ الكرز وشمعة أتمنا أن تتعاونا في رواياتٍ أخرى لنستمتع في قراءةِ رواياتكم.

تقبلوا تحياتي / ابن سيهات .


شكراً لك أخي على المرور في صفحتنا المتواضعة...
وإنشالله تعجبك بقية الأوراق والأضواء...

تحياتي وتحيات أختي العزيزة لك...
|+*| شجرة الكرز |*+|

شمس المستقبل
04-12-2008, 01:12 AM
اعجز عن التعبير لما خطيتموه
اكثرمن حلوة ويعطيكم الف عافيه
وياليت احمد يتزوج بتول

شموع الولاية
10-12-2008, 10:44 PM
رواية رائعة ومؤثرة..

أراني متشوقة لمعرفة النهاية..

لا تطيلوا الغيبة..

فأنا متأثرة كثيرا بالرواية ومتحمسة لمعرفة القادم..

نتابع بشوق ..

:)

شجرة الكرز
14-12-2008, 10:53 AM
اعجز عن التعبير لما خطيتموه
اكثرمن حلوة ويعطيكم الف عافيه
وياليت احمد يتزوج بتول


|| شمس المستقبل ||
شكراً لمرورك الطيب أختاه...
تابعي معنا حتى النهاية... لتكتشفي ما خفي في الأضواء والأوراق...

شجرة الكرز
24-12-2008, 06:49 PM
|| شموع الولاية ||
لن نطيل بإذن المولى عزوجل...

متابعتك للأضواء والأوراق تفرحني...
وتسرني كثيراً...

أخيتي ||شمعة ||
مشغولة بالدراسة هذه الأيام...
لذلك ربما نتأخر... خاصة وأننا على أبواب التخرج...

دعواتكم أختي حتى تنتهي الدراسة بسلام ^^

واعذرونا جميعاً... إن تأخرنا عليكم

Nadalita
10-01-2009, 03:38 PM
بداية رائعة و موفقة حقا لكن لا تطيلو اكتر من هدا من فضلكم

شجرة الكرز
30-01-2009, 07:41 PM
||Nadalita||
إن شاء الله لن نطيل عليكم...

الآن الجزء بين يدي أخي الأكبر ||سيهاتي الهوى|| ...
وأستاذي الفاضل ||معلم اللغة العربية|| ...

حالما يصل إلينا ستضعه صديقتي وأختي الغالية بين أيديكم^^

تحياتي لك ولمرورك الطيب...

شمعة
02-02-2009, 04:02 AM
|+*| الضوء الرابع في درب الكلمات |*+|


الخميس: السادسة والربع من مساء السابع والعشرين من نوفمبر... / في مخيم التدريب...

كنت أجلس منفرداً عن البقية، أنظر إلى صور عائلتي التي تركتها قبل فترة طويلة، بسبب الأوضاع السياسية في البلاد... حين سمعت صوت صديقي العزيز يقتحم أذني...:" إلى ماذا تنظر ياخالد؟ "
بسرعة البرق أعدت ما في يدي إلى جيب بنطالي و قلت بصوت أحاول فيه أن أخفف معه من توتري... :"لا شيء... لا شيء..."
جلس بجواري وأنا مازلت مذعوراً من قدومه إليّ فجأة... وضع يده على كتفي, يحاول أن يمدني بقليل من القوة والطمأنينة، ثم قال بصوت هادئ...
_:"لا داعي لتخفي الصور عني, فأنا كذلك أحتفظ بصور لصغيرتي..."
لم ينه جملته حتى وضع يده في جيب بنطاله, و انتشل شيئاً منها...
_:" انظر إنها ابنتي الصغيرة... البارحة أكملت عامها الأول..."
أحسست بشيء ما يسري في داخلي، وكأن إحساس الأبوة قد راودني أنا الآخر... تلاشى الخوف من قلبي وحل مكانه التعاطف مع صديقي العزيز الذي بدأت معه هذا المشوار...
_:"إنها جميلة حقاً..."
قلت جملتي وأنا أرغم شفتيّ على الابتسام... حتى أخفف عن صاحبي, الذي غطّى وجهه الحزن... وبنبرة صوتٍ هزه الحزن, قال:
_:"لم أرها عندما ولدت... بسبب سفري خلف لقمة العيش... ولم أرها الآن بسبب أولئك السفاحين..."
وأخذ يمسح بإصبعه على صورة صغيرته ذات الابتسامة الصافية و العينين الصغيرتين اللتين تلمعان فرحا... أخذ يحبس دموعه المتربصة له... فوضعت يدي على فخذه أمده بما أنا محتاجٌ إليه أكثر منه... و قلت بصوت متحمس أخفي خلفه الكثير من الآلام...
_:"لا تحزن يا سالم... هنا سوف نستطيع أن نحقق ما لم تستطع أمتنا أن تفعله..."
وجعلت شفتيّ تبتسمان حتى أُؤكد له كلامي...
فرد عليّ سالم الابتسامة بابتسامة باهتة... فالجرح الذي في قلبه عاود النزف... حاولت أن أوقفه بأي طريقة أملكها... :"غداً اجتماعنا مع القائد جمال... ربما لديه مهمة تستحق كل هذا التعب.."
ولكن هذه المعلومة لم تؤثر به بأي شكل من الأشكال... سوى أنه هز رأسه قائلاً... :" ليكن الله في العون... دائماً ما يأتينا بأخبار مخيبة للآمال..."


| +* +* +* +* |

اتصلت به عدة مرات ولكن هاتفه لا زال مغلقاً... توجهت سيراً على الأقدام إلى منزلهم الذي لا يبعد كثيراً عن منزلنا... وبعد أن ضغطت على زر الجرس ردت عليّ أخته حوراء...
_:"نعم... من هناك؟!."
_:"هل وسام هنا؟!."
فأجابتني... :"لا... لقد خرج قبل فترة... من أنت؟!."
تساءلت قليلاً مع نفسي هل يمكنها أن تعطيني عنوان السيد سلمان أم لا؟!. سألتها وأنا أتحرق شوقاً لمعرفة جوابها... وجاءني الجواب بعد أن ترددت قليلاً في إعطائي العنوان... :"نعم، أعرفه... لكن من أنت!.."
لم أجبها خوفاً من عدم معرفتها بي... بل قلت... :" ألا تعلمين إن كان قد ذهب إليهم أم لا؟!."
_:"ربما... لأني سمعته يتحدث مع أحدهم عن العم سلمان..."
_:" أعطني العنوان لو سمحتِ!.."
_:" ليس قبل أن تقول لي من أنت؟!."
نظرت إلى الشارع خلفي... وأنا أتساءل هل ستعرفني أم لا؟!. وما يهمني أن عرفتني!.. إني لم أرها أبداً في حياتي... ولم نلتق في مكان واحد...
جاءني صوتها عبر السماعة متسائلاً... :"ألا زلت موجوداً يا هذا؟!."
_:" نعم... إني أحمد ابن خالك!.."
ساد الصمت عليها... أحسست بأن صمتها هو الاستغراب... والتعجب... أسرعت أقطع عليها ذلك الصمت... :"هل ستعطيني العنوان أم لا؟!."
_:" حسناً... هل يمكنك الانتظار لدقائق ريثما أحظر دفتر والدي؟.."
_:"نعم، لكن أسرعي أرجوك... فالأمر طارئ..."
غابت لدقائق معدودات... ومن ثم رأيت الباب الخارجي يفتح... وتظهر فتاة صغيرة من خلفه... كانت تشبه لحد كبير بتول ابنة عمتي... حملقت بها متعجباً لذلك الشبه... طأطأت رأسها خجلاً وألقت التحية بصوت منخفض... رددت عليها سريعاً وسألتها عن العنوان...
_:"هل وجدته؟!."
مدت يدها لي بورقة بيضاء صغيرة... :"تفضل هذا هو العنوان..."
أخذت الورقة منها... ونظرت إلى ما دون عليها وأنا فرح بما حصلت عليه... وازددت فرحاً عندما رأيت أن منزل السيد سلمان لا يبعد كثيراً ... فهو في المنطقة المجاورة... رفعت نظري إليها... شكرتها على ذلك... وانصرفت سريعاً دون أن أنتظر منها أي جواب...


| +* +* +* +* |

كنت أقف أمام منزل العم سلمان... أخطو تارة ناحية اليمين بضع خطوات... وتارة ناحية الشمال... أحاول بأن أجد حلاً أو أي شيء يناسب الموقف الذي أنا فيه... إنها أخت لي... حتى وإن لم يكن أبوها أبي... فهي تضل أختي... خرجنا من بين الأحشاء نفسها... حملتنا نفس الأم... وأرضعتنا نفسـ... لا، لا أعتقد بأن أمي أرضعتها... لو فعلت لما تركتها عند خالي وزوجته... لو فعلت لما استطاعت أن تترك من تعبت لأجلها... لكن كيف سأتحدث مع العم سلمان... إنه رجل طيب... وأنا فتى أحمق... لا أعرف التصرف في مواقف صعبة... لو أنك يا أحمد وافقتني وأتيت معي!...
لم أعرف كيف أتصرف!.. لم أجد أي تصرف جيد في هذه البقعة أو تلك!.. سوى الظلام لم أجد أي شيء... سوى ضياع صبية صغيرة لم أجد شيئاً آخر...
فجأة اقتحم صوت طبلة أذنيّ... :"هل أنهيت المهمة بسلام؟!."
نظرت إلى مصدر ذلك الصوت... ووقفت مدهوشاً في مكاني... ابتسم صاحبه لي بارتياح... فقلت بعد أن نظرت حولي كمن أفاق من حلم عجيب...
_:"ماالذي أتى بك؟!."
أشار إلى سيارة الأجرة التي كانت خلفه... وقال مستهزئاً... :" أتيت بسيارتي الخاصة..."
أجبرت نفسي على الابتسام... وربما شعرت برغبة بالضحك لكني اكتفيت بابتسامة متعبة... فقال لي... :"أخبرني ماالذي حدث؟!."
_:"لاشيء منذ نصف ساعة وأنا واقف هنا... أحاول فعل شيء ولكن لا أستطيع... أخشى من ـ ارتكاب خطأ يوقعنا جميعاً في هاوية العم سلمان..."
_:"سأخبرك بشيء... أمك في منزلنا... وأخشى أن تجبر بتول على الذهاب معها..."
أجبته مقاطعاً... :"لن يحدث... فأبوك سيمنعها..."
رفع رأسه ينظر إلى ظلام السماء ولمعان نجومها... ثم وجه نظراته إليّ... :"لن يقدر... فأبي لا يملك الوصاية... إنما فقط رعاها مذ كانت طفلة في المهد... أما أمك التي يطلق عليها لقب عمتي... كأنها كانت تحسب حساب هذا اليوم... فلم تعطه الوصاية... حتى وإن أعطته... فلها الحق اليوم بأن تلغي ذلك..."
رأيت في نبرة صوته خوفٌا وهلعا... يبدو أنه يخشى على أختي أكثر مما أنا أخشى عليها... له الحق في ذلك... فهي تربت معهم وليس معي... لم أعرف أن لي أختا إلا منذ أيام فقط... ولم أشعر بحنان الأخوة تجاه أحد سوى حوراء... قطع عليّ تفكيري ثانية...
_:"مابك هكذا ساكناً!.. ألن تدخل إلى السيد سلمان تحدثه؟!."
هززت رأسي... وعقبت بقولي... :" لا... فأخشى أن يحدث ما لا تحمد عقباه..."
_:"إنني واثق منك... إنك أصبحت شاباً يعتمد عليك... خوفك على أختك لن يجعلك ترتكب أي حماقة تودي بها..."
فكرت قليلاً... ثم استرسلت... :"ماذا يمكن أن يحدث لها؟!. إنها صغيرة كيف لها أن ترتبط برجل يكبر أبي بأعوام عدة... رجل أبناؤه في سن الزواج... وصغيرته في سن بتول... آآآه يا أحمد الأمر يؤرقني كثيراً... لم أعرف للنوم طعما في الأيام الأخيرة..."
ابتسم لي ابتسامة باهته تحمل معها آلاماً وآهات... وبعد ثانية من الصمت... :"أ و تعتقد أنني عرفت السبيل للنوم؟.. إن كنت لم تعرف للنوم طعما... فأنا لم أعرف له سبيلا ... لم أستطع حتى أن أريح دماغي من التفكير... إنني لم أحصل على دقائق من النوم..."
_:"لماذا يا أحمد؟!. السهر يضرّ صحتك..."
تلعثمت الحروف بين شفتيه... :"لأن... لأن... لا لشيء... نعم... لا لشيء..."
شعرت بأنه يخفي خلف حروفه المبهمة فقرات ممتلئة بالحديث... وأشياء لم أكتشفها... سألته... :"أيهمك أمر أختي بتول لهذه الدرجة؟.."
نظر إليّ... نظرات عميقة... نظرات رأيت بها عالماً غريباً... عالماً لا أعرف عنه أي شيء... عالماً من المشاعر المكبوتة... والمقيدة... رأيت مشاعر قابعة خلف قضبان صمت...
أحسست برغبة في أن أعانقه أخفف عنه الألم... كما كانت تفعل حوراء حينما تراني حزيناً أو ترى أحداً يقبع في همه... لكنه أسرع بابعاد عينيه عني... واستدار ليوليني ظهره... نكس رأسه وقال... :"إنها أغلى من الأخت بالنسبة لي..."
خرج مع صوته حزن عميق... وجراح خلفتها الأيام... اقتربت منه وربت على كتفه... لم يتحرك ولم يصدر أي صوت يدل على الحياة في جسده الضخم...
_:"ألا تود العودة إلى بيتكم..."
هنا رفع رأسه ونظر إليّ... لازالت ابتسامته تنير شيئاً من وجهه... أخذ نفساً عميقاً ومن ثم قال... :" هيا سآخذك إلى منزلك ومن ثم أعود إلى منزلنا..."
_:"لا لن أذهب إلى منزلنا... إنك قلت بأن أمي عندكم... أريد أن أذهب معك..."
رفع حاجبيه متعجباً من طلبي... فقلت له... :"لا تتعجب ياأخي... أو ليس من حقي أن أتعرف على عائلتي التي لم أرها في حياتي..."
اتسعت ابتسامته... وتعدلت ملامح وجهه... وحلت علامات من الراحة النفسية عليه... أشار لي حتى أركب السيارة التي تنتظرنا... هممت إليها وهو فعل ذات الشيء... لم نتحرك سوى بضع خطوات حتى توقف هو... التفت إليه... :"مابك توقفت؟!."
أجاب مسرعاً... :"أريد أن أطلب منك طلباً..."
_:"اطلب ماشئت... فأنت الآن بمثابة أخي..."
نظر إلى الأرض... ومن ثم إليّ... :"شكراً لك ياوسام... إن طلبي هو..."
رأيت التردد في كلماته... فقلت له مشجعاً... :"إن ما تطلبه سيكون أمراً عليّ... قل ولا تخجل..."
قال بعد أن ازدرد ريقه... :"إن أخذت أمك بتول... وزوجتها للسيد سلمان... أرجوك أن تعتني بها... إنها... بحاجة لمن يستمع لها... وأنا... وأنا انتهى دوري في حياتها... وجاء دورك أنت... أنت أخوها الذي يستطيع أن يقترب منها دون أن يؤذيها... أرجوك يا وسام... ألا تتركها بمفردها مهما حصل..."
كلماته هذه حركت فيني روح الأخوة... أشعلت في داخلي رغبة جامحة في رؤية بتول... ومعانقتها والوقوف بجانبها... قلت له... :" إني أحفظها في عيني... وأمانة في عنقي... ومذ عرفتها أصبحت جزءاً مني... لهذا سوف أذهب معك... أريد أن أرى أختي التي حرمت منها..."


| +* +* +* +* |

موقف صعب... مستحيل ما أراه و أسمعه... مستحيل... ربما هو حلم... نعم حلم!.. أمي لم تزرنا... ولم ترغمني على الزواج من شخص لم أره من قبل... وبعمر خالي... خالي!.. لم ينطق بالكلام الذي نطق به منذ قليل... لم يعرض زواج أحمد بي... نعم أنه حلم!.. كلا ليس حلماً... بل هو كابوس... كابوس مزعج... فليوقظني أحدكم أرجوكم... أرجوكم...
_:"سوف أتصل الآن بأحمد وأطلب منه المجيء..."
جاءني صوت أمي ليوقظني أو بالأحرى يصدمني بالواقع... و أن كل الذي يحصل ليس حلماً بل واقعي المؤلم الذي لا مفر منه... أخذت تقول لخالي :" كفى يا مصطفى لقد صبرت عليك كثيرا... هيا بتول!.. تعالي سوف نذهب... "
أمسكت بيدي وأخذت تجرني... كأنني دابة... لكن خالي لم يقف متفرجاً بل صرخ بها قائلا...:" سارة توقفي... لن تخرج بتول من هذا البيت أبداً... و الآن سيحضر أحمد... وينتهي كل شيء... لن تكون لك كلمة على بتول أبداً... "
ردت عليه أمي بنفس الحدة التي كلمها بها خالي , لكنه لم يعرها بالاً بل أخذ يضغط على أزرار هاتفه النقال بسرعة ....


| +* +* +* +* |

رن هاتفي... فانتفض معه قلبي... كأنه ينذرني من القادم... أخرجت هاتفي النقال من جبي... و تعينت الرقم... لأجده أبي... شل أصبعي و ظل متعلقاً بين السماء والأرض... لم أقدر على ضغط ذلك الزر ... إلى أن قال لي وسام الجالس بجواري...:" ماذا بك؟ ألن ترد على الهاتف؟.. "
قلت له بعد أن ازدرت ريقي بصعوبة... :" بلى سأرد... "
و ضغطت أخيراً على ذلك الزر أخضر اللون... وقلت بصوت بالكاد يسمع... :" نعم أبي..."
لم يرد عليّ... و لم يلقِ السلام حتى... بل قال على عجل... :" أين أنت يا أحمد؟.. "
أخذت أفكر بماذا أرد عليه!.. لا أعرف لماذا قلبي مقبوض هكذا؟.. وجاءني صوته من جديد و هو يقول...:" ماذا بك يا أحمد لا ترد , قل لي أين أنت؟.."
رددت عليه بكلمات مبعثرة... :" أنا ... كنت ... أنا ... في ... "
قاطعنا صوت وسام و هو يسأل...:" أين بيتكم؟.."
وجاءني من الخط صوت أبي وهو يقول...:" أأنت قادم إلى المنزل؟.. هذا جيد... نحن في انتظارك..."

شمعة
02-02-2009, 04:05 AM
أغلق الخط قبل أن أرد عليه... وتركني في دوامة من الأسئلة... بل هو إعصار يفتك بجمجمتي... أنقذني منه وسام الذي كان يحدق بي باستغراب... :"ماذا بك يا أحمد تغير لون وجهك عندما تكلمت بالهاتف... أهناك مشكلة؟.. "


| +* +* +* +* |

_:"الآن سوف يحضر أحمد... و سينتهي كل شيء ..."
قالها خالي... و هو مصوب عينيه ناحية أمي التي كانت كالبركان في أي لحظة تهدد بالانفجار....
دنا مني خالي بخطى واسعة... ومسح على شعري وبابتسامة واسعة قال...:"كل شيء سيكون على خير ما يرام... فلا تقلقي ياصغيرتي..."
قتلت أمي تلك اللحظة التي تعبق بالحب و الحنان الأبوي... لقد سحبت بيد خالي بعيداً عن رأسي... و أخذت تقول بصوت عالٍ...:" كفى!.. لقد اكتفيت من هذه المسرحية السخيفة... هيا يا بتول!.. هيا..."
وعادت تجرني جراً... وأنا كا الدمية بين يديها لا أنطق و لا أسمع و لا أتحرك... مستسلمة لها بكل جوارحي...
قبل أن تمسك بمقبض الباب... تحرك الباب... ليكشف عن أحمد... و صبي يصغرني بعامٍ أو عامين... لم أره من قبل... تشابكت عيني بعين أحمد... فرأيت الدهشة مرسومة عليهما... دخل طبلة أذني صوت خالي وهو يقول... : " الحمد لله أنك وصلت..."
وأقبل ناحية أحمد... و وضع يده على كتف أحمد... و قال...:"بني أريد أن أطلب منك طلباً واحداَ ... طلباً سينهي هذه المهزلة... بني أحمد أنا أعلم كم أنت تعز بتول... و هي كذلك تعزك كثيراً و تحترمك... لهذا يا بني لماذا لا تتزوج بها؟.. "
مباشرة رفعت رأسي ناحية أحمد... لأتعين ردت فعله... و ليتني لم أفعل....


| +* +* +* +* |

ماذا أسمع؟.. أحقاً الذي دخل سمعي؟.. أحقا أبي يريد مني أن أتزوج بتول؟..
لا ... مستحيل ... مستحيل ... جاء صوت أبي من جديد لقطع الشك باليقين...:"ها بني ما رأيك؟.. بزواجك من بتول؟.."
ماذا يا أبي؟ كيف ترض لي بأن أتزوج بــــ ؟.. أستغفر الله... أستغفر الله... أحسست بشيء يسحب قميصي من الخلف... فألتفت ناحيته... و وجهي يعكس الدهشة و عدم التصديق التي بداخلي ... وجدت وسام ... و يده ممسكة بقميصي... همس لي قائلا...:" هكذا سننقذها... فوافق!.. "
هجم على مسمعي صوت عمتي المشحون بالضيق...:" ألن تنتهي هذه المهزلة؟.. فقد اكتفيت مما سمعت و رأيت... وأنت يا وسام أين كنت؟.. "
أقترب منها وسام... و بوجه يرسم الرجاء... قال..:" أمي أرجوك!.. أرجوك أتركي بتول و شأنها... أنها لا تريد أن تتزوج برجل أكبر منك و من أبي أيضا... فأر..."
بترت جملته بصراخها...:" ما هذا الكلام؟.. من سمم أفكارك أنت أيضا؟.. أهو أحمد الذي سمم أفكارك... لماذا يظنني الجميع بأني أنا الظالمة هنا؟.. لماذا لا تفكرون بأني أنا الوحيدة التي أفكر بمصلحة بتول؟.. هي ستعيش في رخاء و هناء لبقية عمرها بزواجها هذا... أنا أفكر بمصلحتها فافهموا!.. "
وجهت بصري ناحية بتول... فوجدتها مطأطئة رأسها... و ساكنة بلا حراك... المسكينة هي في موقف أكبر منها... موقف لا تحسد عليه... حقاً أريد مساعدتك... فلا أستطيع أن أراك تتألمين... لا أستطيع... لكن... لكن ماضيك.... ماضي أمك....
_:" أترينني أحمقاً... أم لا أفهم؟!. كل هذه التخطيطات لمصلحتك... بالتأكيد أنت تطمعين بمال هذا العجوز... أنا متأكد من ذلك... فأنت أختي... تربيتي أنا...لكن للأسف ذهب تعبي فيك هباءً منثوراً... إني أعرفك أكثر مما أعرف نفسي..."
ألتفت عليّ بسرعة... و بصوت عالٍ صرخ في وجهي...:" ما قرارك يا أحمد؟.. قله وأنه الأمر ..."
كل الأعين أخذت تحدق بي... ماعداها هي... لازالت منكسة برأسها... إنهم يصعبون المهمة عليّ... آآآآآآآآآآآآآآآآآه... ماذا أقول؟.. و ماذا أفعل؟...
هجم من جديد صوت أبي على مسمعي و هو يقول...:" أحمد قل ما هو قرارك؟.."
فسرت رعشة في جسدي .... تبع ذلك صوت وسام وهو يقول...:" وافق يا أحمد!.. وافق... "
يا الهي أشعر بضيق في التنفس... أنظارهم تخنقني... هربت بعيني بعيداً عن أعينهم التي تشد الخناق على عنقي...
فربت صوت أمي الحاني على سمعي... وهي تقول...:" بني رد علينا وأرحنا... "
أخيراً رددت و لا أعرف كيف قلتها... و كيف تحرك لساني لينسجها للعلن... نطق لساني بها من غير تفكير... من غير شعور أو إحساس ينبض...:" لا أستطيع ..."
نعم قلتها و قلبي في داخلي يصرخ بأعلى صوته لا... وألف لا كذلك...
رفعت رأسي لتصطدم عيني بعينيها المفتوحتين على مصراعيهما... فهربت منهما... لم أقدر أن أتحمل النظر إليهما... يا الله لم أتخيل يوماً بأني أنا الذي سيجرحها... أنا الذي سيخذلها... ياالله... لم كل هذا العذاب؟!.
_:" ماذا؟!. لكن لماذا لا تستطيع... بتول!.. أحمد... إنها بتول التي تحرص عليها... و تحبها..." كان هذا صوت أبي المصدوم من ردي...
بجهد جهيد رددت عليه قائلا : " أحبها... أحبها... كأخت... لكن... لكن..."
بتر جملتي صوت قادم من خلفي... و هو يقول...:" سارة... سارة..."
ألتفت الجميع إلى ما وراء الباب , ليجدوا زوج عمتي واقف على عتبة الباب... وفي قسمات وجهه الذهول... ركضت ناحيته عمتي... وهي تسأله...:" ماذا هناك؟.. "
قرب شفتيه من أذنيها ....



| +* +* +* +* |

_:" مستحيل ما تقول؟.. " قالتها و عيناها يكادان يخرجان من محجريها...
هز رأسه ومن ثم قال :" بلى يا سارة أنها الحقيقة... سلمان الآن بات في السجن..."
_:"لكن كيف؟!. و لماذا؟.. "
_:" الذي فهمته بأنه متورط بقضية اختلاس... هذا كل الذي أعرفه... لهذا أنا يجب أن أذهب الآن لأرى الأوضاع... وأنت كذلك يجب أن تذهبي للبيت..."
_:" و بتول؟!.. "
_:"ماذا بها؟!. "
_:"ألن نأخذها؟!."
قال لها وهو يهزأ بالأوضاع من حوله...:" وما نفعها الآن إذا كان سلمان في السجن؟!."
ترددت...:" لكن..."
فقاطعها بقوله... :" سارة أنت هنا منذ ساعة , وكما أرى أنها ليست في يدك... إنهم متعلقون بها... فدعيها معهم... ريثما نرى ما الذي سيحل بسلمان... هيا بنا!.. هيا... صحيح ما الذي يفعله وسام هنا؟!. "
هزت رأسها و قالت...:"لا أعلم... "
أخذ يمشي ناحية سيارته الفاخرة و هو يقول لها... :" حسنا... هيا فلنذهب ونادي وسام كذلك..."
ألتفتت إلى خلفها... لتجد أعينهم مصوبة ناحيتها... و علامات الاستفهام مرسومة عليها...
كان واضح وضوح الشمس الصدمة و عدم التصديق على قسمات وجهها الجامد... لكنها سرعان ما نفضتها من وجهها... و نشرت الصقيع على تعابير وجهها... و نادت وسام...:" وسام هيا فالنذهب..."
ألتفتت وسام ناحية أحمد... و أخذ يحدق به... لكن أحمد ظل منكساً بصره ناحية الأرض...
بصوت حاد قالت...:" هيا يا وسام!.. فلنذهب..."
أنصاع لندائها و أقبل ناحيتها... و عيون الجميع... ما عدا بتول و أحمد... تتبعهما...


| +* +* +* +* |

الخامسة وعشرة دقائق من عصر يوم الثامن والعشرين من نوفمبر...

لم أذق طعم النوم ليلة البارحة , و متى ذقته ؟ لم أنم قريرة العين مذ بدأت هذه المشكلة... آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه لكن ليلة البارحة كانت مختلفة... طعنت فيّ في الصميم... أحمد... أحمد لايحبني... تخلى عني... لَم أتألم قدرما تألمت لما سمعت رده ذاك... أنت الذي كنت البلسم الشافي لأحزاني... أصبحت الآن السكين التي تسبب آلآمي و أحزاني... لا أعلم أأفرح لأن أمي لم تأخذني معها أم أبكي على الشخص الذي سكن قلبي و باعني...
لا أعلم ... آآآآآآآآآآآآآآآآآه أشعر بحرقة في صدري... و بضيق يكتنز نفسي... يا الله!.. لا أعلم لمن أشتكي!.. لمن أتكلم؟.. حتى أزيح هذا الذي يثقل على صدري... كنت أنت المصغي لأحزاني... كنت أنت القلب الكبير الذي يمتص أحزاني و آهاتي... بت الآن أنت الذي أطلق كلمة آآآآآآآآآآآآآآآه من شفتي...
لمن ألجئ أمي و أبي يكفيهما الذي جاءهما بسببي, غدير المسكينة لقد ورطتها بما فيه الكفاية... ريم!.. إنها تكرهني الآن.... آآآآآآآآآآآآآآآآآه لمن أشكو!!.. لمن أتكلم؟..
أكاد أختنق ... أختنق...
تعالى صوت رنين الهاتف... اقتربت منه بخطى متثاقلة... رفعت السماعة... ليردني صوت صديقتي العزيزة هدى... :" السلام عليكم و رحمة الله و بركاته... "
قلت لها بصوت أعياه البكاء...:" و عليكم..." و لم أقو على إكمالها فدموعي انهمرت لتقاطع كلامي...
قالت هدى بخوف غلف صوتها... :" ماذا بك يا بتول... لماذا تبكين؟!. "
من بين شهقاتي و آهاتي قلت... :" أنا... أنا مختنقة... مختنقة أريد أن أتنفس... أتنفس... "
بصوت شخص فطر قلبه لما سمع...:" عزيزتي ماذا بك؟.. ما الذي جرى؟!."
قلت لها بصوت ملهوف للخلاص...:" أريد أن أتكلم... أريد حضنا يستقبلني... كل ما حولي ينهار... أنا نفسي أنهار... لم أعد أحتمل... لم أعد أحتمل... "
قالت هدى... :" بتول أنا قادمة إليكم... ثوانٍ وسأكون بجانبك... "
قلت لها ممانعة... :" كلا ... أنا سآتي إليك... فأنا أريد أن أخرج من هذا المنزل... أريد أن أتنفس ..."
فأجابتني هدى بنبرة حزن وحنان... :" حسنا عزيزتي... سأنتظرك... "
أغلقت سماعة الهاتف بيد... و باليد الأخرى سحبت حجابي الذي يفترش سريري... ووضعته على رأسي... هرولت ناحية الباب... فأنا لم أعد أقدر التحمل أكثر من ذلك... أريد أن أتنفس... أخرج كل الذي في صدري... فتحت الباب على عجل... خرجت لكن اصطدمت بشيء ضخم جعل توازني يختل... وكدت أهوي إلى الأرض... إلا أن يداً انتشلتني... و سحبتني... لأصتدم بنفس ذلك الجسد الضخم... رفعت رأسي إلى أعلى... لتفتح على مصراعيهما لهول ما رأت... إنه هو ... هو ...
دخل طبلة أذني صوته... و هو يقول...:" أأنت بخير؟.. "
سحبت جسدي من بين يديه... و أبعدت أنظاري عن وجهه... لأجيبه...:" نعم بخير "
وشرعت بالمشي بعيداً عنه... لكن صوته استوقفني...
_:" بتول!.. لحظة... "
رددت عليه قائلة... :" ماذا تريد ؟.. "
أخذ صوت خطواته يقترب مني... و كذلك نبض قلبي الصارخ بأعلى صوته قائلا... [[ أرجوك دعني و حالي... كفى جراحاً... كفى!..]]
توقف أخيراً... كما يبدو بأنه ورائي مباشرة... فصوت أنفاسه يشق أذني...
قال بعد طول انتظار...:" بتول ... أنا... أنا... أنا آسف لما جرى البارحة... لكن... أنت... تعلمين ... أأني... وأنت..."
كانت كلماته المتقطعة... المبعثرة مصدراً آخر لعذابي... فبترت جملته لأنهي عذابي و عذابه في البحث عن تبرير يغفر له... فقلت له بعد أن التهمت الهواء التهاماً...:" لا داعي لأن تعتذر و لا لأن تبرر رفضك الزواج بي... أتعلم لماذا؟.. سوف أقول لك لماذا... البارحة الجميع أخذ يخطط مصيري دون أن يطلبوا مني رأي... لو سئلت البارحة هذا السؤال... سؤال إذا كنت أقبل أزواج بك... أتعلم ماذا سوف أجيبه..."
قلبي ينبض بكلمة لا تقولي... و كبريائي يحرضني على قولها... فقد أهنت بما فيه الكفاية... فاخترت وضع قلبي أسفل قدمي والدعس عليه... فقد استمعت له كثيراً... ولم يأتنِي منه إلا الألم و الحزن و الدموع... أكملت جملتي... :"... لقلت لهم بأني لا أريد الزواج بك... فأنت بمثابة أخ لي... و لا أرى فيك إلا صورة الأخ لا غير..."
لم أرد أن أسمع المزيد... و لا أن أقول المزيد... فدمعي يتربص لي... وأنا لا أريد لها تنهار أمامه...
أخذت أتقدم مبتعدة عنه بخطى واسعة... ولم أسمع منه شيئاً... و لم أرَ شيئاً... بالتأكيد لن يقول أو يفعل شيئاً... فها أنا أعتقه مني... الآن بالتأكيد يرقص فرحاً لأنه تخلص من همي... نعم تخلص مني...
شعرت بشيء دافئ ينساب على خدي... فرفعت يدي لأتحسسه... لأجد أنه دمعتي قد أنسكبت... لترثي حالي... رفعت يدي الأخرى لأمسك بمقبض الباب... وأتحرر لأتنشق هواءً عليلاً... لكن صوت أمي حال دون ذلك...
_:" بتول .."
التفت إلى يميني لأجدها واقفة أمام باب المطبخ... و حاجباها مرفوعان إلى الأعلى...
بسرعة أنزلت رأسي لم أرد أن ترى الدمع الذي في عيني... فرددت عليها بصوت جاهدة في سبيل أن يظهر للعلن طبيعيا...
_:" نعم أمي..."
فسألتني...:" إلى أين أنت ذاهبة؟!. "
_:" إلى هدى... "
فعادت تسأل...:" في هذا الوقت!.. لماذا؟!. "

شمعة
02-02-2009, 04:06 AM
ارتبكت لم أعرف ماذا أقول لها... فأخذت أتلعثم في كلامي... :" آآآ.. لأنه... لأنه... الواجب... نعم هناك مسألة صعبة لم أعرف كيف أحلها... لهذا سأذهب لهدى لكي تساعدني في حلها ..."
لأول مرة أكذب عليك ياأمي... فسامحيني أرجوك...:" حسنا... اذهبي لكن تعالي قبل صلاة المغرب... مفهوم!.. "
_:" حسنا أمي... عن إذنك..."
همست بحنان...:" إذنك معك حبيبتي... "
أخيراً غلفت يدي بالمقبض... و فتحت الباب... لأخرج خارج هذا البيت الذي يجمعني به... لأتحرر منه... لأتحرر منك يا أحمد... نعم أريد التحرر من حبك الذي في قلبي...



| +* +* +* +* |


لا أعلم كيف أعبر عن مشاعري... أهي فرح؟.. حزن؟... لا أعلم كيف؟... أيجب أن أفرح لأنها ليست متضايقة لأني لم أقبل الزواج بها... أم أحزن لأنها لا تبادلني نفس المشاعر التي كانت تنمو في قلبي... ولازالت تنمو لتكبر... لا أعلم أشعر بحيرة و ضياع... عاصفة المشاعر التي في داخلي ستفتك بي... آآآآآآآآآآآآه يا بتول!.. ماذا يجري لي بسببك... ماذا يجري لي؟!..
عيناها كانت تحكي الكثير... لكني لم أفهم ما قالت... نعم لم أفهمها كما كنت أفعل دوماً... كانت نظرتها لي كنظرة شخص يفارق أهله... يفارق أحبته... ولن يلتقي بهم مجدداً... لكنها ستعود... فهي لن تبتعد كثيراً عن المنزل... فمنزل هدى صديقتها خلف منزلنا... وهي دائماً تذهب أو تأتي هي إلينا... المكان آمن إذن...
لكن نظرتها تلك إليّ وإلى أمي نظرة غريبة!.. لماذا سمحت لها بالخروج ياأمي؟!. لماذا لم أرافقها إلى هناك؟!. لا... إنها ستعود... ستعود لنا... بل تعود لي أنا وحدي... سيحفظها الله في عينه التي لاتنام...


| +* +* +* +* |

دخلت إلى الغرفة التي أعياها الزمن... و خط عليها شقوقه و غباره... و كساها باللون الأسود... دخلت و نيران الغضب تشتعل في عيني... قلت بصوت شحذته بالضيق و عدم التصديق... :" كيف هذا؟ هذا غير معقول!.. غير معقول!.. "
و هويت بقبضتي يدي على الجدار المتداعي...
جاءني صوت سالم محاولاً أن يخفف من حدة غضبي... :" ماذا بك يا رجل؟!. أهدأ قليلاً..."
التفتُ ناحيته بسرعة البرق... و انفجرت عليه قائلاً... :" كيف أهدأ؟.. ألم تسمع ذلك المجنون ماذا قال؟!. و نحن الذين كنا نحسبه سوف يعيد حقوقنا لنا... يبدو بأنه يريد أن يزيد الأمر سوءاً... "
اقترب مني سالم... و أسند يده على كتفي... و قال... :" خالد!.. ألم تسمع ما قال؟.. قال بأن الخونة مختبئون هناك... لهذا لا بد أن نباغتهم..."
من شدة غضبي مما سمعت من سالم... بحركة سريعة أبعدت يده عن كتفي... و صرخت به... :" ما هذا الكلام يا سالم؟!.. أنسيت أن هناك أناسا أبرياء في تلك المدينة؟!. ما ذنبهم؟!. قل لي ماذنبهم؟!.."
قال سالم... بعد أن أدخل في رئتيه الأكسجين... وأخرجه منها بقوة... :" لن يتأذوا... فنحن سنهاجم على مناطق تقوقع العدو بها... و ليس على منازل السكان... ماذا بك؟!. كأنك لم تسمع شيئاً من الاجتماع... "
صوبت سبابتي ناحية سالم... و زمجرت عليه قائلاً...:" أنت الذي يبدو بأن جمال هذا غسل مخك بكلامه... "
هنا فقد سالم رباطة جأشه... وأخذ يصرخ بوجهي قائلاً... :" خالد... أتظن أنك الوحيد الذي يريد أن ينتهي هذا؟.. جميع من في هذه الغرفة يريد ذلك... و الطريقة الوحيدة لتحقيق الآمان من جديد هو هذه الهجمة... بهذه الطريقة سنقضي على هؤلاء الخونة... و سنعود لمن أحببنا... لقد انتظرنا بما فيه الكفاية... و حان وقت الحصاد... فلا تسمح لأفكارك الغبية هذه بأن تردعك عن الوصول إلى النصر... و رؤية من نحب... هذه هي الفرصة يا صاحبي لنقضي على بؤرة الفساد... و نحضن أحبتنا... هذه هي الفرصة!.. "
أمسك بيدي... و غلفها بيده الأخرى... و رسم ابتسامة عريضة و هو يقول... :" سوف نرى أحبتنا من جديد..."
لم أعرف ماذا أقول... أو ماذا أفعل... فأنا مشتاق لأمي و أختي من ناحية... و من ناحية أخرى ربما سيتضرر أبرياء بهذا الهجوم... لكن... لكن ربما لن يصيبهم شيء... نعم... مستحيل أن يؤذوا الأبرياء... يا الله ماذا أفعل؟..
هجم على مسامعنا صوت أحدهم و هو ينادي قائلا... :" يا أنتم القائد يريدكم في الساحة فوراً... "
و اختفى بلمح البصر... ليتركنا أنا و سالم نتبادل نظرات التعجب و الاستغراب... يا ترى ماذا يريد بنا القائد؟!.
ذهبنا إلى حيث اجتمع البقية... وبعد المقدمات المعتادة... أخذ يخطو بخطى واسعة ذهباً وإياباً أمامنا... ونحن منتصبون كلوح شامخ مغروس في الأرض... أخذ يقول بصوت يهز الجبال كما تهتز نفسي الآن...
_:" أيها الرجال!.. لقد زكاكم قادتكم لدي... لهذا اخترتكم لهذه المهمة... إنها مهمة ستحدد مصير الخطة القادمة... باختصار هي التي سوف تحدد نجاح أو فشل هجومنا... لن أطيل عليكم وسوف أخبركم ما هي هذه المهمة... المهمة عبارة عن حملة تقصي... جس نبض العدو... ما أقصده أنكم أيها الرجال... ستنتشرون في أنحاء مدينة الأمير... و تراقبون الأجواء.. إذا كان العدو يشعر بشيء... يحس بشيء... أم أنهم لازالوا نائمين... لهذا بعد ساعة تقريباً أريد كل رجل منكم أن يستلم أحد مناطق مدينة الأمير... و في الغد تعودون إلى هنا في نفس هذا الوقت و تقدموا لي تقريراً مفصلاً عما رأى...
لكن قبل أن تذهبوا هناك بعض المحظورات التي يجب أن أقولها لكم... ممنوع منعاً باتاً أن تستخدموا هواتف نقالة أو أي وسيلة اتصال... و أيضا ممنوع عليكم مقابلة بعضكم البعض... وكذلك أي احتكاك بالآخرين ممنوع كذلك... أي باختصار كأنكم أجساد بلا أرواح... أجساد لا تسمع لا ترى و لا تتكلم... هل هذا مفهوم؟!. "
ردوا عليه دفعة واحدة... :" مفهوم سيدي..."
إلا أنا الذي أطبقت شفتي ولم أنطق بكلمة... كيف أفهم ما يقوله هذا المعتوه؟!. يريدنا أن نهجم على منطقة إسكانية... منطقة مليئة بالأطفال وكبار السن... مدارس ومستشفى...
رسم ابتسامة رضا على شفتيه اللتين يعتليهما شارب كثيف... وأردف قائلاً :" جيد... وكذلك إن أتت إليكم أوامر بالقيام بتغيير هذه الخطة... فنفذوا الأوامر... ومن يرفض سيكون عقابه أليماً... هيا اذهبوا و استعدوا للمهمة... انصراف..."
علت نبرة صوته بكلمته الأخيرة... وانصرف الجميع... أيحسبنا حمقى أم ماذا؟!. ابتسامة الرضا هذه دليل على سخريته منا... يأخذنا اليوم إلى هناك لمراقبة الأوضاع... وفي الغد يضرب ضربته ويأمرنا بالتفجير والقتل... هذه سياستهم دوماً... وإن عصينا أوامره... كانت حياة أهلنا بين يديه...


| +* +* +* +* |

بصوت حمل المواساة والتعاطف قلت لبتول التي أحطتها بيدي و جعلتها تزور حضني لعلها تلتمس بعض الهدوء... : " اهدئي عزيزتي... بتول اهدئي!.. اسمعي لربما الذي تشعرين به ليس حباً... ربما إعجاب... أو أمر عابر..."
ردت علي بصوت أعياه البكاء... :" كلا إنه حب... أتعلمين لماذا يا هدى؟!. لأنه إذا كان إعجاباً... أو أمراً عابراً لما آلمني كما يؤلمني الآن... " و عادت تبكي بحرقة ...
لم أجد كلاماً يشفي ألمها... لم أجد سوى أن أضمها أكثر ناحية صدري... تعالى صوت الأذان في أرجاء المنزل... رفعت رأسها بعيداً عن صدري... و التفتت ناحية الساعة المعلقة على الجدار... و شهقت... ومن ثم قالت... :" أنها الساعة السابعة... يا الله لقد تأخرت!.. "
قامت بسرعة... وأخذت تمسح دموعها السخية التي تأبى التوقف... و أخذت تصرخ بهسترية... :" توقفي عن النزول... توقفي... توقفي..."
قمت من على السرير... و طوقتها بكلتى يدي... و دفعتها ناحية حضني... و أنا أقول لها... :" عزيزتي لا بأس... كل شيء سيكون على ما يرام... فقط لا تتعبي نفسك... اهدئي..."
كانت تبكي... تبكي بحرقة و لوعة... كم آلمني رؤية أعز صديقاتي بهذا الحال... لو كنت مكانها لجننت... كان الله في عونها... ظللنا على هذا الحال لبضع دقائق... حينها بدأت حدة بكائها تقل... حتى توقفت... أبعدتها عن حضني... لأرى وجهها الذي أصبح أحمر كالدم من كثرة البكاء... قالت بصوت أقرب منه إلى الهمس... :" يجب أن أذهب... "
قلت لها... :" ابقي قليلاً... وأنا سأكلم..."
قاطعتني بقولها... :" كلا!.. يجب أن أذهب فقد قلت لأمي بأني سأعود قبل أذان المغرب... وها هو الأذان... لقد تأخرت سلفاً... "
قلت لها... :" لكن..."
عادت لتبتر جملتي... :" شكرا لك هدى على كل شيء... و عذرا على الإزعاج..."
رفعت يدي و وضعتها على كتفها... بابتسامة باهتة قلت لها... :" لا عليك... المهم أنك بخير..."
بابتسامة صفراء لم تدم على شفتيها أجابتني... :" الحمد لله... أشعر بأني أفضل... مع السلامة أراك غدا... "
_:" سوف أذهب معك... "
أشارت لي بلا , ومن ثم قالت... :" كلا لا داعي... أنت يجب أن تصلي ومن ثم أن تحضري العشاء لأبيك... لقد أخرتك بما فيه الكفاية... ومن ثم منزلنا ليس بعيداً... "
_:" لكن بتول..."
كالعادة قاطعتني بقبلة طبعتها على خدي الأيسر... تبعته قائلة... :" مع السلامة... "




| +* +* +* +* |

خرجت من بيت هدى... كان الظلام قد بدأ ينشر عباءته على السماء الزرقاء... وأضواء الطرقات تضيء الواحدة تلو الآخرى... ظننت أن بكلامي مع أحدهم سيخف هذا الألم... هذا الوجع الذي في صدري... لكنه لم يخف... و لم يركد... لازلت أنزف في داخلي و بغزارة... أخذت أمضي ناحية منزل خالي بقدمين متثاقلتين... لا تريدان أن تدخلا لمنزل أنت ساكنه يا أحمد...
خرجت من البوابة الرئيسية لمنزل هدى ... وأنا مطأطئة رأسي ناحية الأرض... و دمعي على حاله لا يود فراقي... أخذت أمشي وأنا مكسورة الجناح... دخل إلى مسمعي صوت أحدهم و هو يقول... :" أهذه أنت بتول؟!."
التفت إلى خلفي... لأجد أبا هدى واقفاً... بعد جهد جهيد أجبته... :"نعم... هذه أنا ياعم!.. "
رد ليسألني... :" أتبكين؟!. "
هززت رأسي... و تبعته بكلماتي... :" كلا يا عمي أنا لا أبكي..." لكن دموعي خذلتني ...لتكشف عن كذبتي...
اقترب مني... وأمسك بذقني... و رفعه... وأخذ يتعين وجهي الذي أعياه الحزن... ورسم لوحته عليه... ثم قال... :" صغيرتي!.. ما الذي جرى لك؟!. "
سحبت ذقني من يده... و هربت بوجهي في الجهة المعاكسة له ... لأقول...:" لا شيء... لاشيء مطلقاً..."
قال... :" أتكذبين عليّ يابتول!.. هذا الوجه يؤكد أن هناك شيئاً... وشيئاً كبيراً أيضاً..."
حاولت إلى آخر نفس أن أقنعه بأن ليس بي شيئا... :" عمي أنا لا أشكو من شيء... هذا لأني تعبة قليلا... عن إذنك يجب أن أذهب إلى المنزل... فقد تأخرت..."
والتفتت إلى الوراء وفي نيتي المضي ناحية المنزل... لكنه منعني بقوله... :" لا و الله لن تذهبي لوحدك و في هذا الوقت... وأنت في هذه الحالة... أنا سأوصلك... "
يالها من ورطة... حاولت أن أتملص منه... :"عماه!.. لا داعي إن بيتنا قريب... "
_:" لقد حلفت ياعزيزتي... فلا تجعليني أنكث به..."
لم أجد مفراَ من أن يذهب معي... فوافقت مجبرة... رغم أني في هذه اللحظة لا أريد أن أرى و لا أسمع أحدا... أخذنا نمشي معاً... على خطين متزاويين... شرع بالقول :" ألن تخبريني بالذي جرى لك؟!. "
أكدت له بقولي... :" قلت لك يا عمي انه مجرد تعب لا غير... "
_:" و التعب يجعل وجهك بهذا الحال... و يجعلك تبكين؟!. "
ازدرت ريقي... و أخذت أهز رأسي بإشارة معناها نعم... فجأة توقف... وأخذ يتطلع إلى السماء , وأنا بجانبه أتفرج عليه باستغراب...
_:" أتعلمين يا بتول بأنك فتاة طيبة... و حنونة... عطوفة... وذكية..."
ثم أنزل رأسه... ليصوب عينيه ناحيتي... وكانت عيناه مصبوغتين بنظرة لم أرها في عينيه قط... وأكمل قائلاً...
_:" وجميلة... و لكن للأسف الناس لا يقدرون جمالك... و لا حتى أخلاقك..."
أخذ يسترسل بكلامه... وأنا أحدق به باستغراب... لا كلامه و لا نظراته تعجبني... أخذ يقترب مني... وأنا أخطو إلى الخلف... هو يدنو... و أنا أبتعد... حتى قطع طريقي الجدار الذي اصطدم بظهري... فقدت جميع حواسي بعدها... لم أعد أسمع... ولم أفهم مايدور من حولي... أشياء كثيرة عقلي لم يستسغها أبداً... ولم أشعر بنفسي إلا وأنا في مكان آخر... في وسط مكان أجهله تماماً... في مكان لفة الظلام والعتمة... عالم آخر... عالم أرحم بكثير من عالم الدنيا هذا... فيه النسيان أسهل بكثير...
سأرحل... ولن أعود... أنا اليوم راحلة بلا عودة!...


| +* +* +* +* |





|+*| التدقيق | سيهاتي الهوى |*+|


|+*| بقلم | شمعة |*+|



|+*| الورقة الخامسة من غصن الحرية ستكون بين أحضان القلم |*+|

شجرة الكرز
16-02-2009, 04:44 PM
|| الضوء الرابع يقع على أعينكم الكريمة... وننتظر آراءكم لتستمر الحكاية ||

Childish Dream
18-02-2009, 03:50 AM
عجزتُ بحق أن اصف مدى روعة هذه الكلمات ..
أحداث في قمة الروعة ..
مُشوِقة .. و رائعة ..
طرحٌ مميز بحق ..

تابعن .. فأنا بالإنتظار ..

:inlove:

شمعة
11-03-2009, 06:53 PM
عجزتُ بحق أن اصف مدى روعة هذه الكلمات ..

أحداث في قمة الروعة ..
مُشوِقة .. و رائعة ..
طرحٌ مميز بحق ..


تابعن .. فأنا بالإنتظار ..


:inlove:

أختي childish dream...
سلمت أناملك على هذا الرد الجميل و الذي يعني لنا الكثير و يدفعنا على الاستمرار و المثابرة على تقديم المزيد و المزيد في ثنايا هذه القصة ...
في شوق لردودك المميزة على الأجزاء القادمة...
دمتي بخير...

شمعة
12-03-2009, 06:02 PM
|+*| الورقة الخامسة من غصن الحرية |*+|



في طريق منقطع تماماً... ومع وداع الشمس...

نزلنا من السيارات الخاصة بالمعسكر... وكل منا استقل طريقاً خاصاً... سرت مع سالم في طريق غير ممهد... وانطلق كل اثنان من المجموعة في طريق مختلف عنا...
بعد صمت وسير دام نصف ساعة ونحن على طريق لا يمر به إنسي... وصلنا إلى طريق ممهد ولكنه منقطع نوعاً ما... تمر به سيارة واحدة كل عشرة دقائق... وبعد أن مضت نصف ساعة أخرى... وصلنا إلى مناطق مأهولة بالناس...
كنا قريبين من مدينة الثريا التجارية... كانت مزدحمة تقريباً... إلا أن الزحام قد قل بسبب الأوضاع المضطربة... دخلنا إلى أحد شوارعها... لنستقل سيارة أجرة وننطلق إلى وجهتنا...
في الساعة السادسة تقريباً كنا في مدينة الأمير السكنية... حيث ذهبنا أنا وسالم إلى إحدى البنايات المخصصة للتأجير... أخذنا شقة صغيرة تكفينا ليومين...
بمجرد أن دخلنا الشقة... اتجهت ناحية الهاتف الموضوع على المنضدة في زاوية الصالة... وأدرت أرقام منزلنا... في الجهة الجنوبية للبلد... وإليها يكون طريقي طريق سفر... ولله الحمد أن الجهة الجنوبية لم تصل إليها يد الأوغاد حتى الآن...
رُفعت السماعة في الطرف الآخر ليأتيني صوت أخي...:"مرحباً..."
كم فرحت بسماع صوته... لقد نسيت هذه النبرة الطيبة طوال هذه الأشهر... :"أهلاً حبيب... كيف حالك يا أخي؟!."
ساد الصمت قليلاً... فقلت...:"حبيب!.. إنه أنا خالد... مابك أخي؟!. هل أنتم بخير؟!."
هنا قال بعدم تصديق...:"خالد!.. هل حقاً هذا أنت ياخالد؟!."
اغرورقت عيني بالدموع وأنا أجيبه...:"نعم ياعزيزي إنه أنا... خالد!... كيف حالكم وكيف هم أمي و بدور..."
صرخ منادياً أمي...:"أمي!.. بدور!.. إنه خالد على الهاتف..."
ثم وجه كلامه إليّ...:"إن كنت بخير فنحن كذلك... أين أنت يارجل؟!. نحاول الاتصال بك ولا فائدة من ذلك..."
_:"إنني بخير أخي... لقد التحقت بعمل جيد جداً... لكني لا أجد متسعاً من الوقت لمهاتفتكم..."
لم أنهِ جملتي هذه حتى سمعت صوت أمي يسألني...:"خالد!.. ياقرة عيني!.. كيف حالك بني؟!."
أجبتها والحروف تحشرجت في حنجرتي...:"إنني بخير أماه!.. طمئنيني على صحتك!.. هل أنت بخير؟!."
_:"نحن بخير ياعزيزي... لم كل هذه الغيبة!.. متى تود العودة إلينا؟!."

نظرت إلى سالم الذي كان قد انتهى من صلاته للتو... ووقف ينظر إليّ بعتاب... أجبتها بتوتر أخفيته عنها...:"لاأدري... لكن أعدك بأنني سأعود حالما أنتهي من عملي..."
_:"على خير إن شاء الله... اشتقت إليك يابني..."
نزلت دمعة من عيني وأنا أجيبها...:"وأنا كذلك أمي... أين هي بدور؟!. هل هي بخير؟!."
بعد لحظات قليلة سمعت صوت أختي...:"كيف حالك يا أخي؟!."

يا الله!.. كم اشتقت إليكم... وأنت يا أختي اشتقت إليك كثيراً ولشقاوتك... :"إنني بخير يابدور... أنت كيف حالك أخيتي؟!."
_:"أنا!.. أتسأل عن حال أخت لم ترَ أخيها منذ أشهر عدة؟!."
كم آلأمتني جملتها هذه... لدرجة جعلت دموعي تخرُ من عينيّ لتجري إلى حتفها الأخير... وتبلل لحيتي الخفيفة...
لم أجد كلمة أقولها لها... كيف أواسي قلبها الصغير؟.. إنني لم أسمعها تقول هذه الجملة لأبي حينما آخذها سابقاً إلى قبره تزوره... ولكنها قالت لي هذه الجملة...
_:"مابك لاتجيبني؟!. إنني اشتقت إليك يا أخـ... اشتقت إليك بابا!.."

أخذت نفساً عميقاً... بعد كلمتها هذه... لقد تغيرت كثيراً... تسع شهور مضت على فراقي لهم... أشعر بها الآن تسع سنين... لقد كبرت فيها أختي وأنا بعيدٌ عنها...
بقيت أبكي في صمت... دموعي تغسلني... وهي تبكي في الطرف الآخر... وتعاتبني على فراقي لهم... عذبتني في عشرون دقيقة من العتاب... وصوت أمي الباكي يرجوها بعدم ذلك...

_:"متى ستعود؟!. لقد مللت الانتظار... خالد أرجوك عد إلينا الآن... أريد أن أراك... إنني بحاجة إليك يا خالد... متى ستعود؟!."
أمسكت زمام بكائي وقطعت صمتي بصوت مهزوز...:"لايمكنني الآن..."
صرخت عليّ...:"لماذا؟!. إنني أود رؤيتك!.. أنا بحاجة إليك يا أخي... لم لا تجيبني؟!."


أخذت نفساً أكبت ما في داخلي من ضيق وألم... أحاول أن أجمع شيئاً من شتاتي... لكنها سبقتني وفاجأتني بسؤالها الغريب...:"خالد!.. هل تزوجت؟!. أخبرني هل تزوجت بعيداً عنا؟.. هل كنت تخشى أن تخبرنا أنك تزوجت فهربت بعيداً؟!."

لقد كانت ترفض فكرة الزواج سابقاً... لم تكن تريد مني أن أرتبط بأيٍ كانت... فهي كانت تخشى من ألا أهتم بها... وأصب اهتمامي فيمن أقترن بها...
أتتني رغبة في الضحك على تفكيرها... لكنني بقيت في صمتي وابتسمت للفراغ أمامي... بينما سالم يشاهد تقلبات مزاجي بهدوء... :"مابك؟!. لابد وأنك تزوجت...إنني أكرهك ياخالد!.. لماذا فعلت ذلك؟!."
_:"بدور!.. ليس الأمر كما..."
قاطعتني بحدة...:"الآن لن أمانع زواجك ياخالد!... لكن أرجوك عد!.. أرجوك..."

رمت بالسماعة بعيداً عنها... ليصلني صوت أمي يناديها بأن تعود... ثم حدثتني...:"ما الأمر ياخالد؟!. هل فعلاً تزوجت؟!."
أمسكت نفسي عن البكاء... وقلت لأمي...:"أماه!.. ماهذا الكلام؟!. إنني لو أردت الزواج لتزوجت وأنا عندكم... لماذا آتي إلى الشمال وأتزوج... إن الاضطرابات قائمة في الشمال أكثر من أي منطقة أخرى... ومركز البلاد مهددة بالحرب... فكيف آتي إلى هنا وأتزوج؟!. من يفكر بالزواج في مثل هذه الأوضاع؟!. إنني هنا من أجل الوطن يا أمي..."
أتاني صوتها المُطمأن بعد حديثي هذا...:"الحمدلله يابني... إنني سأفرح لو تزوجت... لكن أنت تعلم مدى تعلق بدور بك... كان الله معك إن كنت هناك من أجل الوطن..."
_:"أمي!.. اعلمي بأني لن أفعل شيئاً دون أن آخذ رأيك فيه... لكن مسألة الوطن ليست مسألة تحتاج لإذن من أحد..."
_:"إنك سترفع رأسي بعملك المشرف بني..."
أشار لي سالم على الساعة بأنني تأخرت في صلاتي وكذلك أطلت الحديث مع أهلي... فقلت خاتماً المكالمة...:"أمي يجب أن أذهب الآن... لقد أطلت كثيراً... وهناك غيري يريد مكالمة أهله..."
_:"ليكن الله معكم بني!.. انتبه لنفسك..."
_:"أبلغي سلامي لحبيب... وقبلي بدور نيابة عني... أخبريها أنني سأعود مع عودة الوطن... مع السلامة..."

أغلقت الهاتف بعد أن ودعتني هي الأخرى... وتركتني في حفظ الله كما قالت... غصت في أفكاري التي أوصلتني إلى حيث بدور وأمي وحبيب... فانتشلني منها سالم وهو يقول...:"لقد أخطأت بإخبار أمك عن عملنا هنا!.."
نظرت إليه متسائلاً... فأجاب...:"الآن ستخبر الجيران بأنك مجاهد في سبيل الوطن... ونحن لاندري حتى الآن عن أي وطن ندافع... ومع أي فئة نحن... ستخبر الجيران أنك مجاهد... وسينتشر اسمك بين الناس... حتى يصل إلى العدو ليبحثوا عنك... أو يؤذوا أهلك حتى يبلغوا عن مكانك... وأنت تعلم بأنهم لا يعلمون أين نحن... بل نحن لانعرف في أي مكان كنا..."

أخذت نفساً وأجبته...:"لاتقلق!.. أمي ليست غبية لتحدث الناس عن بطولاتي... كانت دوماً تتكلم بأننا شيء تفخر به... لكنها لا تقول أي شيء منا فخر لها... بل نحن كلنا على بعضنا البعض تعتبرنا مصدراً للفخر..."
ثم نهضت لأصلي... صلاتي التي أخرتها... بعد أن أكمل سالم عتابه لي على محادثتي لأهلي... قائلاً بأنه ضرر على حياتنا نحن الاثنين.. ولكني لم أعطِ الموضوع أهمية كبيرة...
وقد فاجأني حين لم يتصل بزوجته يطمأن عليها وعلى ابنته التي تركها طفلة صغيرة في المهد...
وحينما أنهيت صلاتي قال...:"يجب أن نأخذ جولة في أنحاء المنطقة هذه... خاصة تلك التي خلف المدارس..."
_:"متى سنذهب؟!."
نظر إلى ساعته... كانت قد تجاوزت السابعة... فقال...:"الآن إن شئت!.."
رحبت بالفكرة لنذهب إلى هناك نمشي وسط الشوارع والأزقة التي تفصل البيوت عن بعضها البعض... كانت المنطقة هادئة جداً... إلا من أصوات الرياح الخفيفة... وأغصان الأشجار التي تتحرك بفعلها...


| +* +* +* +* |


الجمعة: الثامن والعشرين من نوفمبر... مركز البلد... مدينة الأمير الإسكانية...

جلست في غرفتي طوال اليوم... أفكر في حيرة من أمر أحمد... لقد رأيت في عينيه الخوفٌ والقلق على بتول... لكنه رفض أن ينقذها من الهلاك... رفض أن يمد لها يد العون... لكن أمعقول بأنه يحبها كأخت فقط...

إنني رأيتها في الأمس... كانت في مثل جمال الورد المحمدي... لكنها ذابلة من هذا الموضوع... كيف له أن لا يحبها؟.. أو حتى لا يحمل لها ذرة مشاعر من الحب...
ورأيت عليه التوتر حينما قال له خالي بأنه يحبها... صدم بأنه قال ذلك... لابد وأن في الأمر شيئاً لا أعلمه... إنني حتى الآن غير مقتنع بما قاله... يحبها مثل أخته... مستحيل!.. لقد كان في عينيه بريق غريب حينما كان يتكلم عنها... وهي كذلك... لمعت عينيها عندما رأته... لكنني لا أستطيع تفسير ذلك البريق في عينيهما...


دخلت عليّ أختي حوراء وأنا في خضم معركة أفكاري... وكتبي متناثرة حولي... لا أعرف سبيلاً للدراسة... :"هل كنت تدرس؟!."
_:"لا... تفضلي ماذا هناك؟!."
تقدمت إليّ وجلست بجانبي على الكنبة التي كنت أجلس عليها... ثم قالت لي...:"مابك أنت ووالديّ؟.. منذ يومين وأنا أرى تقلب حالكم جميعاً..."

لم أدرِ بما أجيبها حدقت في الكتب التي أمامي... شعرت بنفسي بعد هذا الموضوع بأني كبرت خمسة أعوام أخرى... وكأني أحمل على كاهلي جبلاً ثقيلاً بسببه... :"لاشيء أختي..."
_:"بل هناك شيئاً... وذلك الشيء يؤلمك... ويقلقك... حتى أنك لم تنم طوال الليل..."
نظرت إليها متعجباً وسألتها...:"ماذا؟!. وكيف عرفت؟!."
_:"لقد خرجت لأشرب كأساً من الماء... وحينما وصلت إلى المطبخ التحضيري سمعتك تتكلم مع أحدهم... ربما في الهاتف!.. مابك ألن تخبرني؟!."

ابتسامتها وحديثها هذا جعلني أضحك وكأنني لم أضحك من قبل... فقالت متسائلة...:"هل قلت شيئاً مضحكاً؟.."
بعد أن قطعت ضحكي بصعوبة قلت...:"نعم!.. إنكِ قلت بأنني كنت أتحدث مع أحدهم في الهاتف... لكني كنت أحادث نفسي... فهاتفي كان موضوعاً هنا طوال الليل..."
_:"هل جننت!.. تحادث نفسك في منتصف الليل!.. حقاً اعتقدت بأن لديك مشكلة مع صديقك... أو أحمد ابن خالنا الموقر..."
رفعت حاجباي أسألها...:"أحمد!.. ومن أين تعرفينه؟!."
_:"في الأمس أتى يسأل عنك... أخبرني ماذا كان يريد منك؟!."

تذكرت بأن أحمد لا يعرف عنوان منزل العم سلمان... لذلك أتى إلى هنا... فقلت لها بصوت حازم...:"اسمعي يا حوراء... أريد أن أخبرك بموضوع مهم جداً... فأرجو أن تلزمي الصمت وتسمعيني لحين أن أختم حديثي..."
فأجابت...:"سمعاً وطاعة... أخبرني وسيكون الموضوع سراً بيننا..."
_:"هو ليس سراً... أو بمعنى أدق كان سراً وأصبح شيئاً معروفاً..."
رن هاتف غرفتي يقطع عليّ الحديث... رفعت السماعة لأجيب... فكان أبي يطلبني لحديث ما... اعتذرت من حوراء ووعدتها بأن أخبرها بالموضوع بعد أن أرى ما يريده أبي...


| +* +* +* +* |



كنت أقف أمام لوحتي الأخيرة... ممسكاً بفرشاة ألواني... أكمل لوحة ضياعي...
حين دخلت غدير غرفتي كما تفعل دوماً... نظرت إليها وهي تأتي لتجلس على حافة السرير خلفي... تنهدت قبل أن تقول...:"لم فعلت ذلك يا أحمد؟!."
استدرت ناحية لوحتي ثانية... وأعدت فرشاتي لأغرقها في سواد حياتي... عاد صوت غدير يؤنبني...:"إنك تحبها... وأنا أعلم مدى حبك لها!.. وأبي أعطاك الفرصة لتنال ما تريد... أعطاك الفرصة لتصل إلى محبوبتك..."
خرج صوتي من بين الضياع... خرج صوتي من خلف ستار الظلمة...:"وما الفائدة إن كان حباً من طرف واحد؟!."
وقفت بجانبي وعينيها تتسائلان...:"ماذا؟!. أي حب من طرف واحد؟!. عمن تتحدث؟!."
وضعت فرشاتي في كأس الماء الذي على قائم اللوحة...:"حبي لبتول... حبٌ من طرف واحد... أنا أحبها كما تعلمين... لكنها تشعر بي كأخ لها..."
حدقت بي في ذهول... فقلت لها...:"نعم يا غدير!.. إنها تحبني كأخ لها لا غير..."
_:"أيها المعتوه!.. كل تصرفاتها تجاهك تدل على شيء واحد والجميع يعلم ذلك... والآن أنت تقول لي حبٌ من طرفك فقط!.. أي ضربٍ من الجنون هذا يا أحمد؟!."
اتجهت ناحية السرير لأجلس... ولأبتعد من شباك عيني أختي وأقول...:"لقد قالتها اليوم قبل ذهابها إلى هدى صديقتها... قالتها لي [[لا أرى فيك إلا صورة الأخ...]] وهذا ما أراحني..."
_:"إنها تكذب عليك... ولكن أراحك من ماذا؟!. بل أراك تنغمس في الظلام أكثر وأكثر... لقد أهنتها أنت في الأمس بنكرانك لحبها... واليوم هي تفعل ذات الشيء بك... ألم ترَ عينيها حينما قلت لأبي [[ أحبها كأخت...]] لقد تساقطت الدموع منهما... أحسست بأنها صدمت منك... طوال الليل لم تنم... كانت تبكي بصمت... حاولت جاهداً الحديث معها ولكن لم أستطع... كنت أعتقد بأنك ستذهب إليها تعتذر منها... أو أنك تذهب إلى أبي تخبره بأنك أخطأت في رفض طلبه... إنك معتوه حقاً... لقد طعنتك اليوم لأنك طعنتها في الأمس..."
إنني حقاً لم أرَ دمعتها التي سقطت من عينيها كما قالت غدير... لابد وأنني أعمى...
_:"مابك جامدٌ هكذا؟!. ألن تخبرني سبب رفضك طلب أبي؟!."
ماذا أقول لك يا غدير؟.. كيف للساني أن ينطق بذلك؟!. لو قلتها سأهين بتول أكثر مما أهنتها... يا الله!.. أعني على صد إلحاح غدير...
_:"لاأدري... قلتها دون قصد..."
قالت مصرة...:"إنك تكذب كذلك... كان يبدو عليك الصدمة من طلب أبي... ورفضك للزواج من بتول كان يدل على أنك قد فكرت مسبقاً... وأنت الوحيد الذي لم يصدم حينما أخبرنا أبي بزواجها من ذلك العجوز المتشبب..."
_:"لقد سمعت عمتي وأبي يتحدثان وأنا أخلع معطفي عند الباب... ورآني أبي فطلب مني عدم البوح بما قد سمعت..."
_:"وماذا سمعت؟!."
نظرت إليها لقد زل لساني بما يجب عليّ عدم قوله... لكني أكملت قائلاً...:"ما قد سَمعتِه... بتول يريدون تزويجها من عجوز متشبب... غني جداً... وأنا أقول لك شيئاً عمتي لن توافق على زواجي من بتول..."
سألتني مباشرة...:"ولم لا؟!."
_:"لأنني لن أوفر لها عيشة الأغنياء... بل حياة عادية كما هي حياتنا..."
هزت رأسها بتذمر... ثم قالت لي...:"نصيحة مني لا تقبل الهزيمة منذ البداية... حاول أن تعترف بحبك لبتول... فأنا متأكدة من حبها لك..."
تركتني بعد أن سمعنا صوت أمي يناديها من الأسفل... وحينما بلغت الباب استدارت لتقول... :"أحمد! لا تستسلم..."
خرجت بعد كلمتها هذه وتركتني تائهاً وسط حروفها... صحيح ما قالت... لماذا أستسلم بهذه السرعة؟.. يجب أن أحاول ثانية... لكن ما العمل وهذا السيد سلمان عثرة في طريقنا... يجب أن أذهب لأعتذر من والدي... وأحاول إقناع بتول بأنها مسألة وقت... حتى تنسى عمتي هذا الجنون الذي تهذي به... ومن ثم أعترف لها بما خبأته خلف جدار هذه الغرفة... وأبقي حقيقة مولدها مدفونة في قلبي...


| +* +* +* +* |


الثامن والعشرين من نوفمبر... المناطق الغربية...

ابتسم ذلك القابع على أريكة مستديرة قليلاً... من الطراز الأوربي الفخم... وسط الأضواء الخافته جداً...
وأكمل الجالس أمامه حديثه قائلاً...:"جاءني الاتصال من جمال قبل ساعة تقريباً... وأخبرني بأنهم في طريقهم إلى هناك..."
بصوته الممتلأ بدخان السجائر قال...:"هذا جيد!.. وإلا جميعنا سنفقد رقابنا... وأنت يا أكرم مابالك واقفٌ هناك؟!."
انتفض ذلك الرجل الواقف عند الباب الزجاجي المنفرج قليلاَ... كان ينظر إلى تلك النافورة الضخمة في وسط الحديقة التي تطل عليها غرفة الاستقبال هذه...
التفت إلى مصدر الصوت... لقد بدى عليه عدم التركيز فيما قيل قبل قليل... فرد عليه يوسف الذي كان يتحدث معه منذ ثوانٍ فقط...:"أكرم!.. ألا زلت تريد أن تشارك في هذه العملية أيضاً؟!."
فرد عليه أكرم...:"ولم لا!.. إني كنت أطمح في كسر تلك الرقاب... كنت أتمنى لو أعبر ذلك السور الضخم لأمسك به بنفسي وأبعده عن العرش... فهو لا يستحقه..."
قهقه يوسف قبل أن يقول...:"وهل تعرفه أكثر مما يعرفه أبناء البلد؟!. إننا جميعاً نعلم أيهم أحق بالجلوس على ذاك الكرسي... لو نظرنا إلى مصلحة البلد فسيكون الجواب موحداً... أليس كذلك؟!."
_:"إنك مثلي يا أكرم!.. تنظر إلى ما تلطخت به أجزاء الذاكرة من أحداث مريرة..."
وبعد أن رسم الخبث ابتسامة على وجهه أردف...:"فإجابتنا تكون موحدة..."
ضحك أكرم رغماً عنه... وقال...:"إذن مصلحة البلد هي إزالة وجوه الخير منه... وكلها متجمعة في مركز البلاد... يحاوطون الأمير كظله..."

قطع تلك المناقشة المفروغ منها سلفاً يوسف بسؤاله...:"إسماعيل!.. أخبرني كيف حال والدك اليوم؟!. ألم تصلك أخبارٌ عنه؟.."
تردد الشاب الجالس على الكنبة الصغيرة أمامه... ثم قال...:"إنه بخير... ولكن أخبرني ياسيد يوسف لماذا تناقلت عنه الشائعات؟!. بأنه قد اختلس أموالاً من الحكومة..."
ضحك السيد يوسف... وهو يدفن سيجارته وسط مثيلاتها... قبل أن يقول...:"إنها شائعة سرعان ما تخمد... إنه الآن يخضع للتحقيق أليس كذلك؟.."
_:"نعم!.. لقد أخذ إليهم مساء الأمس... وإلى اليوم لم يفرج عنه كما أخبرتني أمي... هل تعتقد بأنهم سيفرجون عنه؟!."
أجاب بثقة تامة وهو يقف متجهاً ناحية الطاولة الصغيرة في زاوية ليست ببعيدة عنهم... _:"مؤكد!.. فالسيد سلمان لم يرتكب شيئاً يا إسماعيل... إنني واثق منه تماماً... لقد عمل معهم زمناً طويلاً... وبما كسب من أموال عن طريق الحلال كما يقولون صنع لكم هذه الشركة التي هي باسمك وباسم إخوتك... لو قيل لي غير ذلك لصدقت لكن هذا يستحيل..."
_:"كلامك مقنع سيدي... حتى سعيد يقول ذلك..."
التفت أكرم إليه وسأل...:"سعيد!.. من هو سعيد يا إسماعيل؟!."
نهض إسماعيل من مكانه واقترب من السيد يوسف ليأخذ من يده كأس الشراب الذي مُد باتجاهه... وقال مبتسماً...:"شكراً لك..."
ثم توجه إلى أكرم بجوابه...:"إنه الذراع اليمنى لوالدي... لايمكن الوصول لأبي إلا عن طريقه... توقع ياسيد يوسف حتى أنا... ابنه البكر لايمكنني الحديث معه إلا عن طريق سعيد هذا..."
رفع يوسف حاجباه قليلاً... وقال معقباً...:"يبدو أنه شخصاً موثوقٌ به... لذلك يأتمنه والدك على كل شيء... كما أفهم من حديثك..."
_:"لا ليس لهذه الدرجة... لكن أبي يعرفه منذ أمد بعيد... لذلك وظفه في الوزارة سكرتيراً خاصاً له... ثم أنني قد أتيت لأعيش قريباً من الشركة في غرب البلاد ولابد أن تكون علاقتي بوالدي أقل قوة من علاقته بسعيد..."
بعد أن رشف يوسف من كأسه قال...:"يجب عليه أن يحتاط منه... حتى وإن عرفه منذ زمن..."
وتوجه إلى الكنبة ومدد رجليه أمامه... وبيده كأس الشراب... شرب ما كان في قاعه برشفة واحدة ثم قال...:" دعنا من ذلك الآن... واسمعني جيداً يا إسماعيل وكذلك أنت يا أكرم اترك حواسك معي!.."


| +* +* +* +* |

شمعة
12-03-2009, 06:04 PM
مركز البلاد... مدينة الأمير الإسكانية...

دخلنا إلى تلك الشوارع... نسير في طرقاتها والظلام يخيم عليها تماماً... والسكون يسكنها... لكن فيما بين الشوارع كنا نسمع أصوات السيارات المارة بين فينة وأخرى... ومواء قطط مشردة أو حتى عراكها بين الأزقة...
قال سالم معلقاً على الأوضاع...:"المنطقة هادئة جداً... ولايبدو أن من سكانها خونة للوطن..."
ابتسمت بسخرية وأنا أعقب...:"ليس هناك خونة للوطن غيرنا!.."
غضب مني سالم وقال...:"ما الذي تهذي به؟!. أجننت ياخالد!.. نحن نسعى لخلاص البلاد من أيدي الغرب... وأنت تقول بأننا خونة!.."
ركلت حجراً صغيراً بحافة قدمي... وقلت له باستياء...:"وما الذي يؤكد لنا ذلك؟!. ألا ترى أننا في منطقة سكنية مأهولة بالناس... أحقاً صدقت بأنها تحوي أوغاداً؟!. أم أنك صدقت بأننا سنعود في الغد إلى المعسكر؟.. دون أن نقتل أحدهم أو ندمر بيتاً يسكنه أبرياء!.. لا أصدقهم ولن أصدقهم بتاتاً..."

لم أنتهِ من جملتي حتى أتتني لطمة على خدي... تمالكت نفسي من الغضب... وسمعت سالم يؤنبني...:"ماهذا الحديث؟!. يبدو أنه قد جرى لعقلك شيء أيها الأبله!.. إننا لن نقتل ولن ندمر شيئاً... إننا أتينا لندرس الأوضاع في المنطقة..."
صرخت عليه وأنا أقول...:"إنك الأبله... ألا ترى الوضع... ألا ترى المنطقة هادئة خالية من أي كائن سوانا نحن... وانظر هناك... ألا ترى في نهاية الشارع ذاك اثنان مثلنا يجولون في المنطقة منذ ربع ساعة كما نجول نحن... نحن الخونة والأوغاد... نحن من سيقضي على أمن وسلامة المنطقة..."
هز رأسه بيأس شديد...:"لقد يأست منك ياخالد!.. يبدو أن عقلك لن يعمل مطلقاً... أتضن بأن الخائن سيقف في وسط الشارع ليصرخ قائلاً إنني خائن لوطني!.. كما تفعل أنت الآن؟!."
سكتَ ينتظر ردي على حديثه... لكني لم أجبه بشيء... فكرت قليلاً... كان حديثه مقنعاً... لكن لماذا اختاروا منطقة الأمير... إن قصر الأمير لا يبعد إلا خمس أو ستة كيلو مترات عن هذا المكان... لابد وأنهم يريدون أن يقلبوا النظام على الحاكم... أو أنهم يريدون كسر يده بقتل الأبرياء وتفجير هذه المنطقة بالكامل...
التفت سالم ليمشي عائداً إلى الشقة...وهو يقول لي...:"هيا لنعد إلى المنزل!.. فالجو يزداد برودة... وفي الغد نكمل الجولة..."
أردت أن أمشي قليلاً... لكن هناك صوت جذب سمعي... وجعلني ألتفت ناحية مصدره... توقفت أرخي السمع لأعرف ماهو؟!. لكن صوت سالم عاد يستعجلني...:"هيا ياخالد!.. إلى متى ستقف هناك هكذا؟!."
طلبت منه السكوت لكنه رفض بأن تقدم إليّ يسألني...:"مابك؟!. ماذا هناك؟!."
_:"هناك صوت أنين أو شيءٌ من هذا القبيل؟!.."
فعل كما فعلت... وصمتنا قليلاً نحاول معرفة مصدر الصوت وسببه... لكن لاشيء سوى السكون... تقدمت ناحية ذلك الزقاق المظلم... أحاول الدخول إليه... فلعل مصدر الصوت من هناك... عندما اقتربت أكثر سمعت الأنين بشكل أفضل... وبعده بثوانٍ قليلة قفزت في وجهي قطة سوداء صغيرة وهي تموء... أخافتني فرجعت للوراء... وكذلك فعل سالم... لكنه ضحك عليّ وهو يقول...:"إنها قطة صغيرة تلهو بالقمامة... وأنت تقول لي أنه أنين أو بكاء... هيا دعنا نعود ونخلد للنوم... فقد تعبت كثيراً..."
لم أقتنع بما قاله سالم... وهممت بدخول ذاك الزقاق... لكنه أمسكني من ذراعي وقال...:"أمجنون أنت؟!. تدخل إلى هذا الزقاق المظلم في هذا الوقت!.."
قلت له مصراً...:"نعم... فربما يكون شيئاً علينا رؤيته..."
_:"دعه لصباح الغد ياخالد..."
وجذبني من ذراعي ناحية الطريق... وسرنا معاً إلى أن وصلنا شقتنا... وبعد أن أعددنا وجبة خفيفة للعشاء خلد سالم سريعاً في نومه... لكني لم أستطع النوم وصوت ذلك الأنين لازال يرن في أذنيّ...


| +* +* +* +* |


كانت أمي قلقة جداً... مما جعلها تسير في البيت بأكمله تبحث عنها... وكأنها تبحث عن إبرة ضائعة... أو أنها تخرج خارج المنزل لتنظر إلى الطريق بحثاً عنها... ومرة تجلس تحادث نفسها عن سبب غيابها...
أما ريم التي عادت للتو من بيت خالتي مع عليٍ وياسمين... فكانت ساكنة في مكانها والدموع تهدد مقلتيها... وعليّ مع ياسمين ينتظران معنا بقلق...
تقدمت ياسمين من أمي تحاول أن تبث في نفسها الاطمئنان لكن لاجدوى من ذلك... فبتول لم تفعلها مطلقاً بأن تأخرت لهذا الوقت... وأمي قلقة جداً عليها...
أبي و أحمد خرجا منذ ساعة للبحث عنها... بعد أن اتصلتُ على هدى التي أخبرتني بأن بتول خرجت من عندها مع صلاة المغرب... ولا تدري أين هي...

أخذت الأفكار تلطمنا لطماً... وكلما مرت ثانية ازددنا قلقاً عليها... مرت نصف ساعة ونحن لم نحرك ساكناً في مكاننا... وأحمد لم يتصل ليطمأننا... نهضت من مكاني لأتصل عليه وأستفسر عما حدث معهم... وقفت على مبعدة منهم عند الباب الرئيسي...
رد عليّ أحمد بصوت متلهف...:"هل عادت؟!."
ازدردت ريقي وأنا أكتشف الجواب من سؤاله...:"لا!.. ألم تصلا لشيء كذلك؟!."
جاءتني أنفاسه المتعبة تلفح أذني...:"لازال الحال كما هو... ليس لها أثر في المكان... حتى الجيران سألتهم عنها ولم يرها أحد!.. سأجن ياغدير أين يمكنها أن تذهب؟.."

مرت أمام عيني ذكرى مريرة... حدثت قبل عام في عمليات الهجوم على المناطق الشمالية... عندما ذهب إلى هناك حسن في مهمة عمل... قطع عليّ هذه الذكرى صوت أحمد...:"هل مازلت على الخط غدير؟!."
أجبته بعد أن ألقيت بدمعتي بعيداً...:"نعم إني أسمعك!.. لكن هل تعتقد بأنها... ..."
ولم أكمل جملتي التي ستؤلمه كثيراً... فسمعته يقول...:"بأنها ماذا؟!. هربت!.. هل يمكنها أن تفعل ذلك؟!. لكن لا أعتقد لو أنها كذلك لأخذت معها شيءٌ ما... لكنها خرجت وهي لاتحمل شيء معها سوى ثيابها التي تلبسها..."
حمداً لله أنه لم يعرف ماكنت أريد قوله... لكن استنتاجه ربما يكون صحيحاً... ربما هربت من هذا العذاب الذي ستلقيها فيه عمتي... فقلت لأحمد...:"ألم تخبروا عمتي؟!. ربما تستطيع أن تجدها..."
_:"لا يمكن!.. إنها لو وجدتها ستزوجها من ذلك العجوز... ثم إننا الآن متجهين إلى مركز الشرطة في المنطقة وسنبلغ عن اختفائها..."
_:"حالما تصلان لشيء أخبرني أرجوك!..."
أجاب بسرعة...:"حسناً... حسناً... سأفعل... مع السلامة..."
أودعته في حفظ الرحمن وأغلقت الهاتف... والتفت لأعود إلى الصالة... لكن فاجأني وجود عليّ يقف خلفي عند باب الصالة ينظر إليّ...
قال معتذراً...:"عذراً لم أقصد الاستماع لمكالمتكِ... لكن هل وصلا لشيء ما؟!."
هززت رأسي بأن لا شيء... فقال...:"لا تقلقي لابد وأنها ستعود... فليس لها أحد غيركم..."
_:"إن شاء الله... ليسمع الله منك..."

عدت إلى مكاني بجانب ريم الخائفة والمتوترة جداً... عدت لأسبح في ذاكرتي التي كنت أحاول نسيانها لكنها مازالت راسخة في عقلي...
عندما أتاني حسن ذلك اليوم يخبرني بأنه سيسافر في مهمة عمل... ترجيته كثيراً بأن لايذهب... لكن لا فائدة من رجائي... فالعمل كان بالنسبة له شيئاً مهماً... لأنه لطالما حلم بهذه الوظيفة... وعندما نالها لايمكنني إن أبعده عنها... وكان هذا اليوم بعد شهر من خطوبتنا... بعد شهر من اليوم الذي طوق فيه إصبعي بخاتمه...
[[ يجب أن أذهب... فعند عودتي بعد هذه الدورة سيكون لنا مستقبل زاهر...]] ... [[ إنها أمنيتك ولا يمكنني ردعك عنها... سأنتظر!..]]
رحل إلى تلك المنطقة التي بدأت فيها الحرب واشتدت ولازالت على حالها... لقد خفت عليه كثيراً فكنت أتصل به في اليوم أكثر من عشرة مرات... وفي كل مرة يقول لي بأنه يتحمل هذه الاضطرابات لأجلي... [[ الأوضاع تزداد سوءاً... لكني أتحمل لأجلك ولأجل مستقبلنا...]] ... [[ ليكون الله معكم... كم بقي لك حتى تعود؟!.]] ... [[ ليس الكثير!.. مرت ثلاثة أشهر وبقي مثلها... ستنتهي بسرعة...]]
هذه آخر مكالمة بيني وبينه...كم كانت فترة طويلة... كنت أعد بها الليالي والأيام... ولكن عدي ذاك لم يطل كثيراً... اسبوع واحد... وعاد لي...

أيقظني من أفكاري صوت علي يحادث أمي...:"خالتي يكفي دوراناً... فأنتم أهلها الوحيدون ولن تذهب بعيداً عنكم!.."
وعقبت عليه ياسمين...:"خالتي أرجوك اجلسي قليلاً... فقد دار عقلي معكِ!.."
كانت أمي تفرك كفيها ببعضهما... وتمشي في الصالة ذهاباً وإياباً... وتارة تتوقف أمام النافذة لتنظر للشارع عبر الستائر المنسدلة... وتارة عند الباب... فلم تجبهما وهي تفتح باب الصالة لتخرج إلى الباب الخارجي...

نظرت ياسمين إليّ وهي تقول...:"ساعدها الله... حقاً إنها مشكلة..."
_:"ألا تعلمين إلى أين يمكنها أن تذهب؟!."
نظرت إلى علي الذي سأل هذا السؤال... كان ينظر إليّ بترقب للإجابة... لكني لاأعرف الإجابة كذلك... :"إنني لا أعلم... هي لا تطيق رؤية عمتي... ولا ترتاح من قرب أحد غير هدى ونحن..."
لوى شفتيه وهو يفكر بصوت هامس لكنه وصل لمسمعي...:"لابد وأن أحمد في دوامة الآن... مشكلة ستؤرقه كثيراً..."
رفعت حاجباي في تساؤل... إذن فعليٌ كذلك يعلم بما بين بتول وأحمد... وما الذي يمكن أن يخفي مشاعر كهذه واضحة وضوح الشمس...
كنت في صغري أعتقد بأنها أخوة لاغير كعلاقتي بعلي... كنا دوماً مع بعضنا البعض والآن ليس بيننا سوى الأخوة... لكن مع الوقت ازدادت المشاعر التي بين أحمد وبتول...


| +* +* +* +* |


لقد تفاجأت بما قاله لي أبي هذا المساء... إن حديثه غريب نوعاً ما عليّ... إنه يريدني أن أكتم أمر العم سلمان عن الناس... إنه يريدني ألا أقول لأحد بأنه أراد الزواج من فتاة بعمر ابنته نسيم...
لكن إن تزوجها فالكل سيعلم... مهلاً لحظة!.. هل كان يريد الزواج من بتول سراً؟.. ربما!.. فهو رجل له مكانته في البلد وسمعته... وأبناؤه يملكون شركة من أكبر الشركات في البلاد ولها أفرع عدة في جميع أنحاء البلاد... وربما في مثل هذه الأوضاع المتذبذبه هي الشركة الوحيدة المستقرة...
ليعينني الله على ما سيحدث في المستقبل... فالبداية تنبأ بنهاية عظيمة ربما تنهي على حياة أحدنا...

كنت أقف في وسط الصالة التي تفصل بيني وبين غرفة حوراء... وأقلب في محطات التلفاز دون هدف... لأن عقلي كان مشغولاً جداً...
أحسست بيدٍ صغيرة تمسك بذراعي... وتشدني برفق... وصوت صاحبته يوقظني من سبات الغفلة...:"مابك تقف هكذا؟!."
نظرت إليها لا أعلم ما أقول... غير أنني جلست على الكنبة التي تبعد عني بضع خطوات... نظرت حوراء إلى شاشة التلفاز التي توقفت على محطة الأخبار وهي تنقل خبر انفجار قنبلة ناسفة في أحد شوارع المناطق الشمالية الغربية في مساء الأمس...:"إنك مهتم كثيراً بالأخبار هذه الأيام... يبدو أن جلوسك مع والديّ قد أثر عليك كثيراً..."

لازلت أسبح في أفكاري حين اختفت لدقيقة واحدة... وعادت تحمل بين يديها كتاب المدرسة... وكأساً من العصير... جلست قبالتي تقلب في كتابها وترشف من كأسها...
بقيت للحظات على حالي أقلب الأوضاع علّي أجد مخرجاً لبتول من هذا المأزق... فجأة قالت أختي...:"إنك قلت بأن هناك ماتود إخباري إياه!.."

هززت رأسي بعد أن ركز في عقلي ما قالته... وأجبتها...:"نعم!.. هناك الكثير يا حوراء قد خفي عنا منذ الصغر... وقبل أيام عرفت بعضاً من هذه الحقيقة المخفية زمناً طويلاً... لو أخبرتك إياها دفعة واحدة ستفاجأيين كثيراً... سأخبرك به رويداً رويداً..."
بدت ملامح الاهتمام والتركيز عليها... وتلطخت ملامحها بالدهشة قليلاً... :"لقد أفزعتني... ماذا هناك؟!. هل يمكن أن يكون شيئاً خطيراً جداً كأن نكون قد وجدنا في الدنيا أيتاماً!.."
رفعت حاجباي أحاول معرفة معنى كلمات حوراء... فعرفت بأن ملامح الاهتمام والتركيز التي رأيتها لم تكن إلا من وحي خيالي... فهي مشاكسة وروح الدعابة تسري في دماءها...
ضحكت عليّ للحظات... بسبب نظرات الاستغراب التي كنت أرشقها بها... فقلت لها لأجذب انتباهها للموضوع الذي سأخبره إياه...:" حوراء!.. إن حديثي معك ليس مزاحاً... يبدو أنني كبرت كثيراً في غضون يومين فقط... وأنت ستكبرين في غضون ساعة فقط..."
اتسعت حدقتا عينيها وهي تجيب...:"حسناً أخي... أخبرني ما الأمر؟.. منذ ساعة وأنا أنتظرك لتخبرني..."
ازدردت ريقي... وبحثت عن بضع كلمات أبدأ فيها كلامي... آآآه صحيح لقد بدأته منذ لحظات... لكن هذه الحوراء تربكني أثناء الحديث معها... بمزاحها الذي يكون ثقيلاً في بعض الأوقات... أخيراً نطقت... بعد أن رأيت علامات الملل التي تحاول الظهور على سطح وجه حوراء...
_:"إنكِ تعلمين بأن لنا خالاً يدعى السيد مصطفى أحمد... وتعلمين بأن ابنته ريم في مثل سنكِ ومعكِ في المدرسة... لكن ياسبحان الله لم تجتمعا في فصل واحد طوال هذه السنين... وحتى لو اجتمعتما فربما أمي ستمنعكِ من تجاذب أطراف الحديث معها..."
قاطعتني قائلة...:"إنها تذهب لزيارتهم وتمنعنا من معرفة أهلنا... ألا يكفيها أن لا أعمام ولا عمات لنا!.."
يا إلهي!.. يبدو أنني نسيت حقيقة أخرى مخفية أيضاً... استرسلت في حديثي...:"اتركِ صلة القرابة... وفكري في صلة الرحم التي قطعت... إن هناك فتاة تربطنا بها رابطة دم قوية... هي ليست بريم وليست أختهااا... ما اسمها الكبرى؟!. غدير!.. نعم غدير أخت أحمد وريم الكبرى... هناك فتاة معكم في المدرسة... تجاور نسيم في الفصل ربما... وهي دائماً مع ريم وأحمد..."

رأيت حدقتا عينيها تصغر قليلاً... في محاولة منها للتفكير... ثم قالت...:"أتعني تلك الرقيقة؟!. بتول!.. التي دوماً أراها برفقة صديقتها الوحيدة أو ريم فقط..."
صحت قائلاً...:"نعم هي بعينها... بتول!.. هل حادثتها من قبل؟!."
_:"لا... فيبدو أنها لا تحب الاختلاط بالغرباء... لكنها متفوقة جداً... ودائماً من الأوائل على المدرسة..."
هززت رأسي موافقاً... وأردفت...:"الآن سيأتيك الجزء المهم من الحديث..."

وقبل أن أكمل جملتي رن هاتفي المحمول... الذي ركنته منذ قليل على الكنبة بجانبي... نظرت إلى شاشته لأرى اسم المتصل... إنه أحمد!..
ألقيت بنظري على ساعة معصمي كانت التاسعة مساءً... فأجبته متلهفاً لسماع أخباره وأخبار أختي بعد حادثة الأمس...
_:"مرحباً أحمد..."
جاءني الصوت الذي لم أسمعه من قبل... أعني نبرة صوت تعبة جداً... بل تعبة أكثر من الأمس... صوته مرهق يحمل بين ذبذباته خوفاً وتوتراً... :"أهلاً وسام..."
_:"أحمد!.. مابك يا أخي؟!."
سمعت أنفاسه قبل أن يقول...:"وسام!.. هل بتول عندكم؟!."
قربت طرفا حاجباي من بعضهما في استغراب من سؤاله... ما الذي يأتي ببتول عندنا؟!. فهي لم تأتِ إلينا من قبل!.. فقلت مستفسراً...:"لا... لماذا؟!. هل بها شيءٌ ما؟!."

هنا سمعت ما جمدني في مكاني...:"لقد خرجت قبل المغرب بقليل لتزور صديقتها... و بيتهم لا يبعد كثيراً عن منزلنا... وحتى الآن لم تعد!.."
لم أعرف ماذا أقول له... فأكمل هو...:"لقد اتصلت غدير بمنزل صديقتها... وأخبرتنا أنها خرجت مع وقت الصلاة... لا نعلم أين اختفت يا وسام!.."

كذلك لم أجد كلمة تقال في هكذا وضع... لكني جمعت القليل من الأحرف لأقول له...:"ستكون بخير... ألم تبحثوا في المستشفيات؟!."
_:"لاتقل ذلك... فكل ما أتمناه أن أجدها بخير... لاأريد رؤيتها في المستشفى..."
هل قلت شيئاً خاطئاً ليصرخ عليّ هكذا؟!.
_:"أحمد!.. هدأ من روعك ياعزيزي... إنني أعني أنها ربما تعثرت أو جرحت... وأخذت إلى المشفى أو المستوصف القريب من بيتكم..."


لم أسمع منه رداً... فأكملت...:"أحمد!.. لابد وأنها قد ذهبت لمكان ترتاح فيه... فأنت تعلم ماحدث لها البارحة... هي لازالت صغيرة على هذه الأحداث... ربما اختبأت في مكان ما من البيت حتى تخلو بنفسها قليلاً..."
كلمات أكبر مني بكثير لا أدري أين وجدتها في قاموسي... كلمات كنت أحاول أن أجدها حينما تواجهني مشكلة ولكني أضيعها... واليوم أستخرجها من باطن عقلي لأبثها لأحمد...

لم أسمع منه رداً على حديثي... فسألته...:"هل بحثتم عنها في الأماكن التي تتوقعون أنها قد تذهب إليها؟!."
تحشرجت الكلمات في حنجرته...:"نعم... ليس لها أثر..."
_:"أذكر الله ياعزيزي... فهو لن يضيع من خلقه... أذكره كثيراً... وادعوا لها بالعودة سالمة..."
أخذ نفساً أحسست بأنه سيسحبني معه عبر أسلاك هاتفي الغير مرئية... وقال...:"إن شاء الله تعالى... إنها إن لم تعد فمؤكد أني سأصاب بالجنون..."
_:"ماهذا الكلام يا أحمد!.. أين إيمانك بالله يا أخي؟..."
وعندما لم يجبني سألته...:"أين أنت الآن؟!."
_:"مع أبي في قسم الشرطة..."
فقلت له...:" هل سيبلغ والدك عن اختفاءها؟!."

أجابني بنعم... فطلبت منه أن يطمأنني عليه وعلى أختي بتول حينما يصله خبراً عنها... أغلقت هاتفي بضيق وحزن... نظرت إلى أختي حوراء التي أصبحت بجواري... وأنا أتحدث مع أحمد...

_:"مابه أحمد؟!."
سألتني بمجرد أن أغلقت الهاتف... فأجبتها...: "سيأتيك الحديث يا أختي..."
سكتُ قليلاً أستذكر أين وقفت معها في الحديث قبل مكالمتي مع أحمد... :"حوراء!.. إن بتول هذه!... أختنا!.."
بحلقت بي فترة طويلة... تحاول أن تسرق مني كلمة توضح ما قلته... فبدأت أسرد عليها الحكاية التي أخبرتني بها أمي وأكدها أحمد لي...
_:"إن بتول ابنة أمي من رجل آخر... تزوجته قبل أن تتزوج أبي... ولكنه طلقها بعد فترة قصيرة لأنهما لم يتفاهما مع بعضهما البعض... وقد كانت تحمل بين أحشائها طفلة صغيرة... فتحت عينيها على الدنيا بلا أب... وبقيت أمي فترة بسيطة ثم تزوجت من أبي... وقد شرط عليها أن تترك بتول لدى خالي مصطفى ووافقت على ذلك دون تردد... لكنها تنفق عليها بأن تعطي خالي مصروفها بداية كل شهر... والآن حدث مالم يكن متوقعاً..."
سكت أجمع شتات عقلي و روحي... فقالت...:"وسام!.. أكمل ما الذي حدث؟!."
عندما رأيت اهتمامها في القصة... أكملت الأحداث التي مرت في الأيام الأخيرة لبتول على يديّ والديّ...


| +* +* +* +* |

بقلم المبدعة : ** شجرة الكرز **

Childish Dream
13-03-2009, 02:39 PM
رائعاتان كعادتكما

جزء جميل جداً

وأحداث شيقة

لكن .. بتول .. اين هي

الي << في ذلك الزُقاق متأكدة أنا ..

مُوفقتان دوماً

اتِموُ

شمعة
04-04-2009, 11:01 PM
رائعاتان كعادتكما

جزء جميل جداً

وأحداث شيقة

لكن .. بتول .. اين هي

الي << في ذلك الزُقاق متأكدة أنا ..

مُوفقتان دوماً

اتِموُ


أختي العزيزة Childish Dream ...
ألف شكر لك مني ومن أختي الغالية على قلبي شجرة الكرز على ردودك المميزة و تواصلك معنا...
ونعتذر على تأخرنا في انزال الأجزاء ...
لكن التأخير هو بسبب حرصنا على أن نطرح مادة مميزة و تستحق المتابعة...
دمتي بخير...

شمعة
04-04-2009, 11:02 PM
|+*| الورقة السادسة من غصن الحرية |*+|

التاسعة والنصف من نفس ذلك المساء...
عندما دخلت إلى بيتنا مع أبي... رأيت أمي تقف بباب البيت... كانت عينيها قد تلونت بجميع ألوان القلق والخوف... لم تسمح لنا بأن نلقي السلام حتى!..
_:"أين هي؟!. ألم تجداها؟!."
نظر إليّ أبي وفي عينيه خوفٌ وقلق لايقل عن خوف وقلق أمي... ثم نظر إليها قائلاً...:"غيداء!.. ادعي لها بالسلامة..."
ازداد توتر أمي مما جعلها تذرف الدموع وتبكي... تقدم منها أبي حينما رآها تجلس على السلم الخارجي... تخفي وجهها الذي تبلل بالدموع بيديها... جلس هو الآخر على درجات السلم ليلفها بذراعه... :"أذكري الله!.. ليكون الله في عونها... اذكريه فهو العالم بمكانها وحالها... واصبري على الفراق والبلاء ياغيداء..."
فقالت من بين دموعها...:"كيف لي أن أصبر؟!. إنني ربيتها مذ كانت في المهد... طفلة ذات يوم واحد فقط حملتها بين ذراعيّ... وفز قلبي لها... أحسستها قطعة مني... سهرت الليل لأجلها... حتى كبرت وأصبحت صبية... عندما تقول لي أمي!.. أشعر وكأني قد ملكت الدنيا بسماعها تنطق هذه الكلمة... وكذلك أحمِدُ الله بأن لم يضع تعبي حين جعلني أسمعها منها كثيراً... والآن تريدني ألا أبكي... تضيع من بين يديّ ولا تريدون مني البكاء... إنها ابنتي يامصطفى!.. ابنتي!.."
رأيت دمعة تهرب من مقلتي أبي... فهو لا يتحمل كلاماً مثل كلامها المؤلم!.. ودموعي أنا غسلتني... كنت أريد البكاء منذ ساعات... ولكني خزنت دموعي بعيداً عن الآخرين... وأمي لم ترحم ضعفي فأبكتني بحديثها...
سمعت صراخ ريم الذي أتى من خلف الباب المفتوح...:"أمي ما الذي حدث؟!. أحمد!.. أبي!.. مابكم تبكون؟!."
رفعت عيني إليها... كانت تقف تنظر إلينا بذهول وخوف... وعندما رأت أمي تنتحب أتت إلى أبي تسأله...:"أين بتول يا أبي؟!. لماذا عدتما بدونها؟!."
كذلك لم تسمع جواباً منه... فالتفتت إليّ... كانت تخفي شعرها القصير خلف خمارها... وعينيها تهدد بسيل من الدموع... أخذت نفساً وهي تقترب مني...:"أحمد!.. أخبرني أين بتول؟!."
أغمضت عيني لأسمح لدمعي أن يسيل أكثر وأكثر... لعله يريحني من همي... لعله يدلني على من ضاعت من بين يدي...
نظرت إلى كفي الذي حوى كفها عصر اليوم... نظرت إلى ذراعيّ اللتين ضمتها قبل سنين... والآن هي خالية لا تحوي شيئاً... لقد ضيعتها بنفسي...ولا أدري أين أجدها...
لم تتحمل ريم صمتي أكثر من ذلك... أمسكت بذراعي لتهزني سائلة...:"أين هي يا أحمد؟!. إنك تذرف الدموع لا تقول لي بأنها رحلت بلا عودة!.. لا تقول لي ذلك!.."
فتحت عيني بخوف مما سمعت... وحاولت أن أخرج صوتي لأنفي ما تقوله... لكن صوت غدير سبقني...:"أحمد!.. تكلم أرجوك... لاتعذبنا أكثر من ذلك..."
نظرت إلى غدير التي كانت تضم أمي تهدأ من روعها... لقد كانت غدير هي الصامدة حتى الآن... لولا أن عينيها قد غرقتا بالدمع... لكنها متمسكة...
وعند الباب على الدرجات الأولى من السلم يقف علي ابن خالتي وأخته ياسمين... فعادت ريم تهزني بشدة...:"تكلم يا أحمد!... إن حصل لها مكروه فأنا السبب!.. أنا السبب يا أحمد... أرجوك تكلم..."
كم أنت بلهاء ياريم... خرج صوتي مكبلاً بالغم... :"الشرطة ستبحث عنها في الغد إن لم تعد!.."
صرخت أمي...:"وما الذي سيصبرني إلى الغد؟!. إنها بتول يا أحمد!.. بتول التي ربيتها من أولى ساعاتها في الدنيا... فكيف لي أن أصبر إلى الغد؟!. هؤلاء الشرطة مجانين..."
ثم وجهت حديثها إلى أبي...:"خذني إليهم علهم يرأفون بي ويبحثون الآن... أرجوك يامصطفى خذني إليهم!.."
نظر إليّ أبي... وشتتني نظراته الحزينة... أربكتني عينيه الدامعة والمعاتبة...
ثم نهض من على السلم... وهم بالدخول إلى البيت... لكن يد غدير استوقفته قبل أن تقول...:"أبي!.. لا أريد أن تتكرر مأساة العام السابق هذه السنة كذلك... أبي أرجوك افعل شيئاً..."
يا لقلبكِ الكبير يا غدير!..
نظرته إليّ تكررت لغدير أيضاً لكن من دون عتاب... وعيون الجميع معلقه بأبي... إلا أمي التي لازالت تجهش بالبكاء وذراع غدير تلفها بحنان... أما ياسمين فكانت تلقي بدمعتها بعيداً كلما قفزت على وجنتيها...
وريم لازالت ممسكة بذراعيّ... حتى هنا لم تستطع الصمود أكثر فأخفت وجهها في صدري وانتحبت... :"كله بسببي!.. أنا السبب في هروبها..."
إنكِ حمقاء ياريم... كم تمنيت لو أقولها بصوت تسمعه... لكني جعلتها تذرف دموعها على صدري أكثر وأكثر... حين أخذتها إلى صدري أكثر... وربت على ظهرها...
_:"عماه!.. أتسمح لي بمباشرة التبليغ والبحث نيابة عنك!.."
انتشلنا هذا الصوت من قعر الحزن والألم... إنه عليّ الذي نسيناه... ونسينا وظيفته... إنه محقق في المحكمة الجزئية... ولديه معارف كثر في هذا المجال... وكأن القدر عاد يبتسم لنا من جديد... حين رأيت عيون الجميع تتعلق به وتترك أبي... حتى ريم التفتت إليه بلهفة تود معرفة ما سيقوله بعد ذلك...
فأكمل بتوتر بان في نبرة صوته...:"إن لي أصدقاءاً لهم خبرة ممتازة في هذا المجال... ولن يقصروا في ذلك... وأنا لن أقصر في خدمتكم أبداً..."
انتقل أبي بنظره إلينا واحداً تلو الآخر... وفي عين كل منا رجاءً بأن لا يطفئ شمعة الأمل التي أشعلها عليٌّ لنا...
فقال بعد أن رسم ابتسامته وهو ينظر إليّ...:"افعل ما في وسعك من عمل... فبك الخير يابنيّ..."
قالت له أمي...:"نعم ياعليّ!.. أعدها لنا سالمة..."
_:"بكل طاقتي سأساعدكم... وبإذنه عزوجل ستعود..."
ألقى بنظرة خاطفة على غدير التي دمعت عينيها في هذه اللحظة... فهي لابد وتذكرت ما حدث قبل عام لحسن...
ثم أمسك عليّ بيد أخته ياسمين وخرجا معاً بعد أن ألقيا السلام... وطمأننا بأنه سيفعل كل ما يجده مناسباً... ولم يسمح لي بالذهاب معه حتى لا أعرقله كما قال لي... وكأنه يعرفني حق المعرفة...
| +* +* +* +* |

السبت: التاسع والعشرون من نوفمبر... الساعة الثانية فجراً...
تقلبت في فراشي طوال الليل... أحاول أن أجد القليل من النوم لكن من دون جدوى... أحاول أن أبعد صوت ذلك الأنين عني ولكن لم أستطع... إنه يزداد وضوحاً كلما تذكرته...
أشعر بقلبي ينقبض كلما أغمضت عيني... وضميري يؤنبني على تركي لذلك المكان دون أن أكتشف مصدره... ربما يكون أحدهم في حاجة لمساعدة ما!.. أو ربما يكون طفلاً صغيراً في مأزق!..
لماذا ياسالم أبعدتني عن اكتشاف الأمر؟!. لماذا سمعت كلامك منذ البداية وأتيت معك لأكون هنا؟!. أو حتى هناك في المعسكر!..
إنني غبيٌ جداً... نعم يا خالد!.. أنت أغبى إنسانٍ عرفته... ضميرك خامد مذ تركت أهلك... وتركت البدور التي بمثابة ابنتك... وأغلى بكثير من ذلك...
إنني أفعل كما فعل أبي منذ زمن... حين تركنا وسافر إلى حيث الحرب المشتعلة... لقد كان جندياً يشهد له الكثير بالشجاعة والشرف... ولكنه عاد لنا جثة... وترك خلفه طفلة كالبدر... أصبحت لها الأب الذي لم تره إلا كالحلم في نظرها... وأنا في الخامسة عشرة من عمري... أصبحت مسؤولاً عنها وعن حبيب... لكن بدور كانت ابنتي... والآن أنا أتركها كما فعل أبي منذ عشر سنين انصرمت...
نهضت من السرير واتجهت ناحية المطبخ الصغير الذي بجانب باب الشقة الرئيسي... سكبت لي بعض الماء لأروي عطشي... الذي داهمني من كثرة التفكير...
وأنا على هذه الحال... إذ رن هاتف الشقة... في ساعةٍ متأخرة من الليل يرن الهاتف!.. لابد وأنه أمر ضروري... أو ربما الهيئة العليا للمعسكر... يصدرون أوامرهم... أجل ربما يكونون هم... ويريدون منا العودة في الصباح كما قال سالم!..
إلهي حقق هذه الأمنية... ودعنا نعود دون قتل أو تدمير...
رفعت الهاتف لأرد على المتصل... فأتاني صوت خشن غريب النبرات... :"صباح الخير... هل أنت سالم أم خالد؟!."
فرددت عليه قائلاً...:"خالد!.. من أنت؟!."
لم يجب على سؤالي بل أردف قائلاً...:"مع ساعات الصباح الأولى تنفذون الخطوة الثالثة من العملية... فقد ألغيت الخطوة الثانية..."
_:"ماذا؟!. من أنت؟!."
سمعت صوت صفارة الهاتف تعلن انتهاء المكالمة... لقد تغيرت الخطة تماماً... لقد ألغيت الخطوة الثانية... أي أننا سنبدأ بخطوة مختلفة عنها... لقد انهارت كل الآمال!..
ماذا يمكنني أن أفعل الآن... هل أتركهم وأذهب؟!. أم أفعل مايريدون منا أن نفعل؟..
فزعت من مكاني وأنا أسمع صوت سالم يحدثني... :"خالد!.. مابك؟!."
ألقيت بسماعة الهاتف التي كانت معلقة في يدي... ووقفت أحدق في سالم على ضوء ضعيف قادم من المطبخ...
كنت كالحجر جامداً في مكاني... نقل سالم بصره مني إلى سماعة الهاتف ومن ثم عاد إليّ... وسأل...:"من المتصل يا خالد؟!."
ألقيت بجسدي على الكرسي الذي خلفي... وأجبته بصوت يرتجف...:"إنهم هم!.."
عقد حاجباه وسألني ثانية...:"من هم يا خالد؟!."
_:"إنهم هم!.. لقد غيروا الخطة..."
جلس قبالتي وعاد يسألني...:"ماذا؟!. وضح كلامك فأنا لا أفهم هذه الطلاسم..."
نظرت إليه وأنا أعيد الكلام الذي سمعته قبل قليل في ذهني... ثم أجبت...:"المنظمة!.. ألغت الخطوة الثانية... وسنبدأ مع الصباح بتنفيذ الخطوة الثالثة..."
اتسعت حدقتا عينيه وهو يسمع كلماتي التي اخترقت كل حواجز الاطمئنان لديه... واحتلت مكانها حواجزاً مُدمرَة تماماً... لقد تحققت ضنوني يا سالم!.. لقد أحسنتَ الضن بهم... وها أنت الآن خائب الضن بهم... لقد فقدنا كل أشعة الأمل التي كنا نملكها...
| +* +* +* +* |
حاولت أن أجد الطريق إلى النوم طوال الليل... ولكن كل الطرق إليه مظلمة... فكيف لي أن أصل إليه وبتول لا أدري أرضها من سمائها...
هل تاهت في الطريق؟!. أم أنها في إحدى المستوصفات التي لم نبحث فيها عنها!.. أو ربما تعثرت في الشارع الذي يفصل بيننا وبين بيت العم حسام... ونقلت إلى المشفى!...
إلهي ساعدني!..
فجأة تذكرت كلام وسام لي... لقد قال [[ربما اختبأت في مكان ما من البيت حتى تخلو بنفسها قليلاً ]]...
نعم ربما!.. لكن أين يمكنها أن تختبئ في بيتنا؟!.
غرفتها أكثر مكان تقضي وقتها به... وكذلك غرفة ريم أو غدير... لكن لو كانت في غرفتهما لعرفا بذلك... فليس هناك مكان في الغرف يمكن أن تختبئ به دون أن يروها فيه... غرفة غدير وريم يفصل بينهما بابٌ للحمام... وغرفة غدير وبتول لا يفصل بينهما سوى جدارٌ دقيق...
والصالة... والمطبخ... ليس بهم مكان يصلح للاختباء... وغرفة والديّ كذلك...
نهضت من مكاني بعد أن أشعلت الضوء الذي بقرب رأسي... التفت في أنحاء غرفتي وكأني لأول مرة أنظر إليها... ثم خرجت من الغرفة... واتجهت إلى غرفة بتول مباشرة... وكل أحاسيسي متوقفة على بتول...
دخلت إلى الغرفة... وأشعلت الأضواء... نقلت عيني على أجزاء غرفتها الصغيرة...
من السرير المرتب بغطائه الأرجواني... إلى الخزانة المغلقة الأبواب... ومنها إلى مكتبها الصغير والمتناثرة عليه كتبها... وصورة اعتلته جمعتنا فيها... وأخيراً إلى الباب النحيل في أحد جانبيها... كان الحمام الصغير الذي بناه أبي لها حتى تأخذ راحتها أكثر...
أول ما اتجهت إليه خزانتها فربما قد اختبأت فيها...
دفتي الباب فتحتها... ولم أجد خلفها سوى ثيابها المرتبة وكأنها لم تمس مذ وضعت... تنهدت بمرارة وأغلقت الدفتين... بعدها ذهبت إلى باب الحمام وفي قلبي أمنية أن أجدها هناك... تضم نفسها بنفسها... وفي قلبي أمل أن أجدها هناك تبكي بصمت... تنتظرني لأضمد أثر طعنتي لها...
طرقت الباب... لأتشبث بآخر ضوء حل ضيفاً جميلاً على روحي... فتحته بعد لحظات مرت دون أن أسمع شيئاً سوى خفقان الجالس بين أضلعي... فاستقبلتني برودة الجو فيه... وثلوج تساقطت عليّ برؤية استعمار الأزرق عليه...
أطفأت الضوء الذي نسيَته... وأغلقت الباب لأفتح معه بوابات آلامي... سقطت عيني على سريرها... فتمنيت لو أنني في كابوس مزعج... وتمنيت لو أنني كنت أعمى على أن أرى هذا السرير اليوم... تقدمت قليلاً ومعي تقدمت الذكريات... إلى أن وصلت إلى ذكرى بعيدة جداً... صورة أحببتها كثيراً...
أول يومٍ أتت به إلى بيتنا هذا... حملتها بين ذراعيّ وأنا صبي صغير... كنت كمن حصل على دمية جميلة...
[[ انتبه لها جيداً يا أحمد... ولا تتركها تبكي مطلقاً...]] ... [[ أمي إنها كالدمية الصغيرة... وأعدك بأن أعتني بها طول حياتي...]]
لكني اليوم أشعر بأنني أضعت عروسي التي أوصتني أمي عليها... وابتسامة شقت طريقها من شفتي لتعكسها عدسة أبي... ووضعتها أمي في تلك الأيام بجانب سرير بتول في صغرها... وضلت بتول تحتفظ بها عند رأسها...
خرت دمعة من عيني... وأنا أتذكر تلك الأيام الرائعة... أغشت تلك الدمعة بصري... فلم أعد أرى بوضوح...
تقدمت إلى الذكريات أكثر... فوصلت إلى تلك الصورة التي اعتلت مكتبها الصغير... وكأنها تنافس الكتب التي تتغير بين فترة وأخرى... على أنها الأفضل والباقية هنا أبد الدهر... هي تلك الصورة التي ضمتنا جميعاً... في عيد الفطر المبارك...
كان يوماً مميزاً... صادف عيد ميلادها... فأصرت على أن نلتقط صورة فيه... أمي... أبي... غدير... ريم... بتول وأنا... كلنا اجتمعنا... وهي الصورة نفسها التي وضَعتها في قلبها الذي قدمته لها هدية بعد أن كنت أجمع مصروفي لهذا اليوم...
سلسة من ذهب في وسطها قلب ذهبي يفتح ليكون نصفين... يوضع فيه صورة صغيرة للذكرى... وهي اختارت هذه الصورة...
[[ أحمد!.. انظر ماذا وضعت في القلب!..]]
عندما وَضعتْ الصورة فيه... أتتني إلى غرفتي لتريني إياها... كم كانت سعيدة به... رأيتها تلبس القلب دوماً... خاصة وأنني قد طلبت من الصائغ أن يحفر عليه أول حرف من اسمها...
والسر في ذلك القلب... أنه لا يستطيع فتحه إلا من يعرف ذلك... فشكله لا يدل على وجود شيءٌ في داخله... أو على مفتاح له... كأنها أحجية تحتاج لحل ما... لذلك لا يعرف أحداً بأن القلب يمكن فتحه... إلا أنا وبتول...
[[ أحمد!.. اجعله سراً بيننا...]] ... [[ أمرك مطاع غاليتي...]]
سمعت صوتاً قادماً من خلفي... أيقظني من الذكريات التي أفتقدها الآن... التفت لأرى غدير تقف بإزاء الباب ودمعة من مقلتيها تتلألأ...
_:"لم أنتِ مستيقظة حتى الآن؟!."
أجابتني بعد أن أبعدت عينيها عني...:"للسبب نفسه الذي أرقك..."
أغمضت جفني تاركاً فرصة أخرى لدموعي بالانهيار... لقد عدت إلى عالم الذكريات... لكن هذه المرة... ذكرياتي الحزينة...
حسن!.. خطيب غدير الذي تعلق بها وتعلقت به في فترة الخطوبة التي دامت ثلاث أشهر فقط... وانتهت بيد الحرب الباغية...
كنت مغمضاً عينيّ... وحين فتحتها... رأيت غدير قد اقتربت مني... فوجدت الدموع نهراً على وجنتيها... :"لماذا تعذب نفسك يا أخي؟!. سيعيدها الله لك..."
إن قلبكِ كبير يا غدير... صبورة كما عهدتكِ... رقيقة المشاعر كما عرفتكِ... وتضحين بكل غالٍ لديكِ من أجل من تحبين...
رفعت كفها إلى ذراعي... تضغط عليه... أحسست بأنها تود لو تبث لي الصبر والطمأنينة بأن بتول ستعود... وهذا ما أنا مؤمنٌ به... لكن هناك ما أحزنني على أختي أكثر...
غدير لازال إصبعها يطوقه خاتم حسن... لازالت متمسكة بحبها له... ولازالت متمسكة بأمل عودته...
لكنه لن يعود ليكفكف هذه الدموع... فقد أودعناه في رحمة الباري معاً... غدير!.. كيف لي أن أكفكف هذه الدمعة؟!.
كانت دموعها تزداد وهي تنظر إليّ... فقلت لها...:"إنكِ لازلت صابرة على البلاء... لكن أرجوكِ لا تقطعيني أشلاءً بدموعك..."
_:"إن الله مع الصابرين يا أخي... إنني صابرة من أجله... لقد رحل حقاً... لكن الشهيد يا أحمد يبقى حياً عند المولى عزوجل... أما دمعتي هذه فلا يمكن أن يكفكفها أحدٌ غيره..."
فاجأتني بحديثها هذا... لكن هذا ليس منطقاً تتحدث به... فأنا أجد به تناقضاً تاماً... إن كانت صابرة فما شأن الدموع أن تظهر... :"ولكنه لن يعود يا غدير... إني لا أريد أن أعذبكِ بكلامي!.. لكنها الحقيقة المرة التي عشناها جميعاً... لقد استشهد في سبيل الله... ووسدته الثرى بيديّ هاتين مع أبي..."
دفنت غدير رأسها في صدري... رغم أنني كنت أصغر منها في السن إلا أنني كنت ضخماً... وهذا الصدر ضمها كما ضم بتول في صغرها...
ضم غدير بعد رحيل حسن عن الدنيا... حسن الذي كان شخصاً رائعاً في نظر الجميع... فرحت لها من كل قلبي لدى معرفتي بأنه سيصبح صهراً لنا...
لقد كان حسن مهاجر من الشمال... أتى إلى هنا... إلى مركز البلاد لدى جدته بعد استشهاد أبويه في بداية الحرب... وجدته تعاني من مرضٍ أرقدها في فراشها طوال الأشهر القليلة المنصرمة... في المستشفى ليس بجوارها أحد غير إحدى حفيداتها و زوجها يعتنيان بها...
غدير!... أعانكِ الله... ومدك بالمزيد من الصبر...
وأنتِ يابتول!.. حفظكِ الله من كل مكروه... وأعادك سالمة لنا...
| +* +* +* +* |
السادسة والنصف من صباح يوم السبت...
بعد أن أشرقت الشمس... وأشرق معها الحماس في قلبي... لأرتدي ثيابي وأهم بالخروج من هذه الدوامة التي كنت أصارعها طوال الليل هنا مع سالم...
حالما انتهيت وهممت بالخروج من الشقة... سألني سالم...:"إلى أين بهذه الساعة المبكرة؟!."
أجبت دون أن أنظر إليه...:"لأقوم بعمل الخير بدل الجلوس هنا... وخيانة الوطن..."
وضع سالم كفه على كتفي ليوقفني عن الخروج...
_:"أجننت؟.. في الفجر صدقتُ ضنونك... لكن الآن بعد أن فكرت رأيت بأن ضنونك خاطئة..."
رمقته بغضب... فأكمل يقول...:"نحن لا ندري على أي أساس تم تغيير الخطة!.. لم لا نذهب ونلتقي ببقية الكتيبة... نحن أتينا إلى هنا يا خالد لتقديم العون لأبناء الوطن والوطن... أتينا إلى هنا لنرفع راية الوطن... لا راية الخيانة..."
رميت بكفه بعيداً عني... لأصرخ بوجهه...:"إنني مجنون حينما صدقتك... ليتني التحقت بالجيش الوطني بدل هذه المنظمة الفاسدة... إنني مجنون عندما اتبعت سبيلك... وتركت سبيل الوطن... ألم ترَ بعينك مارأيته في الأمس؟!. ألم ترَ ابتسامة الخبث التي دوماً تشع من عيني جمال؟!."
لم يرد عليّ بحرف واحد... فقلت له بأسف شديد...:"لابد أنك أعمى يا سالم... نعم!.. لابد أنك كذلك..."
خرجت من الشقة لأهرب من تلك العينين اللتين تؤنبانني... لأذهب وأبحث عن شخص يحتاج للخير...
خرجت من دائرة الظلمة لأدخل عالم النور الذي كنت أحتاج إليه... إنني ذاهب إلى الوطن!..
صوت سالم كان يلاحقني... وأنا لم أعطهِ أي اهتمام... مشيت قليلاً حتى وصلت إلى نهاية الشارع... وقفت أنتظر مرور السيارة التي كانت تعبر الشارع... فأمسكني سالم من ذارعي متوسلاً...:"اسمعني أرجوك!.. أنت محق في كل ما تقول... إنهم خونة وأنا كذلك..."
ركزت عينيّ عليه... أحاول أن أجد شيئاً يقول لي بأن ما سمعته من سالم كان مجرد هذيان... لكنه عندما رأى تعجبي أكد مقولته...:"نعم يا خالد!.. إنهم خونة!.. جمال ومن معه خائنون للبلد... جمال قطعة حجر يحركها الرقم الظاهر في النرد... ومن أعلى منه... هو حجر النرد الذي تلقي به يد الغرب... ونحن كذلك يا خالد!.."
لم أفهم ما قال... لكن كل ما عرفته أنني اشتركت مع مجرمين... إن يديّ هاتين تدنست بدماء الأبرياء... أنا أصبحت سفاحاً...
قال وهو ينكس رأسه...:"سامحني أرجوك... لقد ورطتك معي في ذنب عظيم..."
لقد أغرتني هذه الملامح الكريمة التي كنت ترتديها يا سالم... لقد أغرتني لحيتك الكثيفة التي كنت تحافظ عليها... وصلاتك التي لم تتركها مهما اشتد عليك تعب التدريب... ولم تفُتكَ فريضة أبداً...
ودون شعور مني... رفعت كفي لأصفعه... لقد أغاضتني كلماته... لقد ضيعت نفسي معهم... :"إنك مخادع يا سالم!.. لقد خدعتني!.. أيها المخادع لماذا فعلت بي ذلك؟!. أمن أجل المال أم من أجل حب الدنيا؟!. آآآه يا سالم ما الذي فعلته أنا بك لتجازيني بهذا الذنب الذي ألقيته في ميزاني؟!.."
لم ينطق بأي كلمة... لم يبدو عليه أنه ينوي الحديث... أو أن ينطق بكلمة تريحني لماذا زين المنظمة في عينيّ... أمسكت بياقته وهززته بقوة...:"سالم تكلم!.. انطق بكلمة واحدة فقط!.. وقل لي ماذا فعلوا بدماغك هذا لتخدعني؟!. لماذا يا سالم؟!. ونحن من كان بيننا صداقة قوية لماذا؟!. أرجوك قل لي لماذا؟!."
دمعة من عينه عرفت الطريق إلى وجنتيه ولتختفي وسط لحيته... لقد دمعت عينه... فهل هي دليلاً على ندمه؟!.
تركته!..
فلا فائدة ترجى منه بعد الآن... رغم هذه الدمعة لكن قلبي لن ينكسر الآن لك يا سالم... لن أرأف بك مهما كانت أعذارك ومبرراتك...
مشيت عنه لأعبر الشارع وأذهب منه إلى شارع آخر... لا أدري إلى أين سأذهب... سوى أن قدماي كانت تقودانني في الطرقات التي كنت أسير بها مساء الأمس مع سالم... كل طريق بدا مختلفاً وأكثر وضوحاً عن الليلة السابقة...
تذكرت فجأة ذلك الأنين الذي سمعته من أحد الأزقة... فحاولت العثور عليه... لكن صوت سالم رن في أذنيّ... :"خالد! توقف أرجوك..."
التفت لأراه قادماً يجري... توقفت قبل أن آخذ نفساً عميقاً وأخرجه بآهة جرفت ذرة من الضيق فقط من نفسي...
بعد ثوانٍ وصل ليقف يلتقط أنفاسه اللاهثة... وهو يقول من بين تلك الأنفاس...:"خالد!.. إنني... إنني أطلب منك... مسامحتي..."
رفع رأسه إليّ... وأكمل...:"أرجوك ياخالد!.. سامحني..."
في حين أنني رفعت رأسي للسماء... أطلب منها الرحمة... لكن يجب عليّ أن أرحم سالم الواقف أمامي متوسلاً بأن أسامحه... ليرحمني الله!...
أمسك بكفي وهو يقول...:"إنك لا تعلم ماهي الظروف التي واجهتها قبل التحاقي بالمنظمة... أرجوك سامحني..."
_:"وما فائدة ذلك الآن؟!. إنك جنيت على نفسك قبل أن تجني عليّ... إنك حرمت نفسك من طفلتك الصغيرة لتأتي مع هؤلاء الأنذال... قبل أن تحرمني من أهلي وأحبابي..."
خرت الدموع من عينيه... فقلت له...:"اتركني الآن... فلا أريد رؤيتك أبداً... لا أريد أي صلة تربطني بهذه المنظمة..."
ابتعدت عنه بضع خطوات... فاستوقفني...:"لايمكنك ذلك..."
التفت إليه باستغراب... ما الذي لا يمكنني؟!.
_:"لا يمكنك!... فهم يتبعوننا ويراقبوننا باستمرار... ومن لا يتبع أوامرهم يدمر!.."
فقلت له بغضب...:"ما الذي سيفعلونه؟!. سيحبسونني!.. ليفعلوا... سيقتلوني!.. ليقتلوني ويقطعوني إرباً إرباً... فأنا أستحق كل ما سيحدث لي..."
ومشيت دون أن أنتظر منه كلمة واحدة... لكنه مشى خلفي وأكمل تحذيري... أو لأقل أكمل تهديدي...:"إنهم لن يكتفوا بك... ولن يبدؤا بك أبداَ... إنهم في البداية سيهددونك... ثم يبدؤون في استفزازك... وتدميرك رويداً رويداً..."
قلت بلا مبالاة...:"ليفعلوا كل ما في استطاعتهم..."
قال بصوت منخفض قليلاً...:"سيقتلوا أفراد عائلتك واحداً تلو الآخر..."
تحجرت في مكاني كما الجدار الذي بجانبي... لقد قال أفراد عائلتي... أي أنهم سيقتلون أمي... حبيب... وبدور... أيعقل ذلك؟.. وكيف لا؟.. وهم أوغاد... غدروا بوطنهم... فكيف لا يغدروا بي... وأنا مجرد جندي لديهم...
وقف سالم أمامي... يتوسلني للمرة الألف...:"أرجوك لا تفعل بنفسك كما فعلت أنا... أرجوك سايرهم في خطاهم كما أفعل... لأجل أهلك يا خالد!.."
نفسي لازالت غير راغبة في رؤيته... وقلبي لازال يؤنبها... وهي تردعه عن المضي في الاشفاق على أناس مثله...
إنه مخادع يا خالد!.. فلا تجرفك عواطفك خلفه...
مشيت بخطى واسعة... وهو يلحقني يحاول أن يقنعني بأن ما أفعله خطر على أهلي قبل نفسي...
ولكن النفس ترفض الاصغاء إليه... وضميري الذي صحا في الأمس يأخذني نحو ذاك الأنين... وكلما أحسست بقرب الصوت مني... علا ضميري يحثني على المسير إليه...
وقفت أمام ذاك الزقاق ثانية... أرخي السمع لكل حركة تصدر منه... وسالم لازال بجانبي... فقال لي...:"ألا زلت مصراً على معرفة مصدر ذاك الصوت؟!."
هززت رأسي دون أن أنظر إليه... فقال لي برجاء أخير...:"اسمعني يا خالد!... إن كان شخصاً فاتركه وشأنه... فهو أفضل لحياتك..."
حياتي فداءٌ لأبناء هذا الوطن الشرفاء... خطوت خطواتي الأخيرة إلى داخل الزقاق والذي يفصل مجموعة بيوت عن أخرى...
عندما وقعت عيناي على الكتلة السوداء في نهايته... فكرت بأنه ليس من المعقول أنه لم يمر أحد في هذا الطريق... أو أن هناك من مر ولكنه لم يفكر في دخول هذا المكان...
تقدمت بخطوات مترددة... لكنها كانت واثقة مما أفعله... فإن لم أجد ما يستحق العناء... يكفي أني أرحت ضميري... وإن وجدت فإنني سأكون قد فعلت شيئاً مفيداً لنفسي يوم الحساب...
لكن تلك الخطوات المترددة... أصبحت خطوات مثقلة بجرح جديد... شهقت شهقة أحسست بأن روحي خرجت معها... تصلبت قدماي... وتوقف قلبي وعقلي عن العمل... ما الذي أراه أمامي؟!. هل أنا في كامل وعيي؟!. أم أني قد مت وأصبحت في عالم البرزخ!..
همس سالم من بعيد...:"مابك؟!. لابد وأنه لا شيء هناك!.."
لم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة... سوى أنني رفعت يدي أشير إلى ما وقعت عيني عليه... فتقدم ليلقي نظرة... سالم الذي عهدته قوياً لا يهزه شيء... اهتزت فرائصه عندما رأى ما رأيت... وخرج سريعاً من الزقاق وهو يحاول سحبي خلفه...
اعتقدت بأنه ارتعب مما رأى... لكن صوت ما أيقظني تماماً... وقد تكرر أكثر من مرة... صوت انفجارات في المنطقة... فقد بدأت المنظمة بتنفيذ الخطوة الثالثة كما قالوا...
أمسكني سالم من ذراعي يستعجلني بالمسير... لكني جمدت مكاني ورفضت اللحاق به... فتركني وخرج...
تجمد جسدي ولا أعلم ماذا أفعل... لأول مرة أرى هذا المنظر المقزز للنفس... رغم أننا مجندون إلا أنني لم أرَ مثل هذا المنظر من قبل...
جسد هزيل وصغير... كأنه جسد فتاة... ملامح وجهها اختفت خلف قناع من الدم... شعرها مبعثر... ورأسها النازف ملقى على كومة أكياس المهملات... ثيابها الفضفاضة ممزقة في أنحاء عدة... ولا أدري كيف أصف ما رأت عيناي أكثر من ذلك... يديها!.. لا أدري أين هي!.. إحدى قدميها ملتوية للخلف... أم ماذا؟!. لم تعد الرؤية واضحة في عيني التي انعمت بالدموع...
تقدمت لأركع بجانبها... أحاول أن أجد شيئاً يدلني على وجود الحياة في هذا الجسد... تحسست بأصابعي عرقاً في رقبتها... لا أدري هل كان ينبض حقاً أم أن الأمل الذي تمنيته أوهمني بذلك؟!.
حملتها دون تردد بين ذراعيّ... حينها اكتشفت يديها المقيدتين خلف ظهرها...
فككتها!..
ماهذا الذي قُيدت به؟!. لم أتبينه جيداً... فرميت به وانطلقت إلى المشفى حاملاً إياها بين ذراعيّ... رامياً خلفي صوت سالم الذي يحذرني ويهددني... وصوت الانفجارات المدوية التي كلما اقتربت من المشفى ازدادت...
| +* +* +* +* |

بت ليلة الأمس وأنا قلقة جداً... مشتتة الأفكار... لكن يبدو أنني أخذت غفوة بعد صلاة الفجر دون أن أشعر... نهضت من مرقدي فزعة... واتجهت لأغتسل وأغير ثيابي...
بعد ذلك اتجهت ناحية غرفة ريم لأوقظها حتى تتجهز للمدرسة... لكنها فاجأتني بفتح الباب قبل أن أمس مقبضه... :"صباح الخير!.."
_:"أي خير ياترى وبتول ليست هنا؟!."
حز في قلبي سماع هذه الجملة من ريم... فهي تحب بتول كثيراً... حقاً أنهما تتشاجران معضم الوقت... لكن تبقى المحبة تسيطر على قلبيهما... :"أذكري الله!.. إلى أين ستذهب!.. مؤكد أنها ستعود لنا..."
لم تتكلم بل وجهت ناظريها إلى باب غرفة بتول... وقالت وعينيها تغرقان بالدموع...:" كانت يومياً توقظني للمدرسة... وترمي عليّ التعليقات لكثرة نومي... وكسلي... واليوم أستيقظ بمفردي!.."
ربت على كتفها أهدأ عليها... :"هيا الآن!.. اذهبي لتستعدي ليوم دراسي جديد..."
مسحت دموعها وهي تقول...:"كيف لي أن أبدأ يومي من دونها؟!."
تماسكتْ بصعوبة... واتجهت لتغتسل وتغير ثيابها...
أما أحمد فقد كان شيئاً آخر تماماً... طرقت باب غرفته فلم يجبني... فتحت الباب بهدوء وأنا أنادي عليه... وقعت عيني على السرير فوجدته خالياً وشبه مرتب... أي أنه لم يبت ليلته فيه... تفاجأت من ذلك... لكني تذكرت وجوده في غرفة بتول ليلة الأمس...
دخلت إلى غرفة بتول أتقدم خطوة وأتأخر بأخرى... حتى وصلت إليه... وهو جالس على الأرض ورأسه على سريرها... اعتقدت بأنه نائم... لكن صوته أكد لي أنه لم ينم بتاتاً...:"أهناك جديد؟!."
إنه يسأل عنها... ولا جديد في الأمر...
ما الذي تفعله بنفسك يا أخي؟.. إنك تحملها فوق طاقتها... ولكن من يقنعك يا أحمد؟.. من؟!.
نزلت لمستواه... وأغرقت كفي بين خصل شعره الكثيف...:"حتى الآن لا!.. ألم تنم؟!."
رفع رأسه وهو يفرك عينيه بيديه...:"لا... لم أشعر بالنعاس مطلقاً..."
لم أجد كلمة أقولها له... فمن منا نام جيداً؟.. أو من منا شعر بالنعاس!..
_:"انهض وتجهز للمدرسة... إن كنت تستطيع..."
هز رأسه وهو يجيب...:"لن أذهب..."
فقلت له موافقة...:"جيد... اذهب وخذ قسطاً من النوم... لعلك ترتاح قليلاً..."
نهض وهو يختم الحديث الصباحي...:"سأذهب للبحث عنها..."
وخرج من الغرفة... لحقت به إلى غرفته بعد أن استدركت ما قاله...:"مع من ستذهب؟!. لا تقل لي مع عليّ!.. فهو خطرٌ عليك..."
التفت إليّ ونظرة تأنيب رماني بها قبل أن يقول...:"إنني أصبحت كبيراً كفاية لأذهب معه... لكني لن أذهب معه... سأبحث وأنا أسير على قدمي في الشوارع والأزقة..."
ثم تركني وذهب إلى غرفته... نزلت أنا للأسفل ألقيت تحية الصباح على أمي وأبي... فردا عليّ بواحدة خالية من كل شيء... لم تحمل الصباح ولم تحمل حتى سواد الليل معها... وكذلك ريم أتت تُصبح علينا... لكن هذا الصباح لم يكن خيراً كما قالت قبل قليل...
أبي وأمي يبدو عليهما أنهما سهرا الليل بأكمله... أنا وريم لم ننم إلا ساعات قليلة... وها هو أحمد الذي دخل يحمل شيئاً مكبوتاً في أعماقه... جلس على كرسيه... دون أن ينطق بكلمة على غير عادته... فمشاكِسَته غائبة...
بعد ثوانٍ قال...:"صباحكم خير!.."
_:"وصباحك..."
أجبناه جميعاً... نفس الإجابة... خالية من كل شيء...
رفع رأسه الذي كان مطرقاً إلى الأسفل... وأنا التي كنت في قبالته تقريباً... رأيت عينيه تلمع بشدة حتى فَتح لونها جراء الدموع التي تراكمت فيها... وفجأة نهض تاركاً مائدة الإفطار التي لم يمس أحد فينا شيئاً منها... وترك خلفه عبراته ترن في آذاننا...
لقد كان ينظر إلى كرسي بتول الفارغ... والذي كانت أول من يصبح في وجهها يومياً بعد أمي وأبي... حتى اليوم نسي قبلة الصباح كما نسميها!..
وتلى خروجه خروج ريم تجري... والتي كان كرسيها مقابلاً لكرسي أبي بين أحمد وبتول... تركت خلفها الشهقات تقتلنا...
نظرت إلى وجه أمي وأبي...
أمي غرق وجهها بالدموع... وأبي ممسكاً زمام دموعه... لكن أمي لم تتحمل أكثر فخرجت خلفهما...
_:"اذهبي إلى محاضراتك يا غدير!.."
فأجبته...:"لا أستطيع يا أبي... فأمي الآن بحاجة إليّ... كيف نتركها جميعاً ونذهب؟.."
أخذ نفساً وخرج من الغرفة بهدوء لم أعهده في هذا البيت من قبل... لكن هذا الهدوء سرعان ما انقطع بدوي شديد... إنه أشبه بصوت انفجار... وتلاه انفجارات من أماكن عدة من حولنا...
فزعت من مكاني... وخرجت إلى الصالة لأرى أحمد عند الباب متجمداً... وريم على السلم تنزل جرياً... أما أمي وأبي فخرجا من الصالة وأبي ينادي علينا واحداً واحداً...
_:"ما الأمر؟!. ماذا يحدث؟!."
سألتْ ريم بفزع وهي تتجه إلى حضن أمي... لم يجبها أحد غير صوت انفجار آخر...
لأول مرة يُقصف مركز البلاد... لأول مرة نسمع صوت الانفجار بهذا المستوى القريب... وكأنه في البيت... اهتزت الأرض من تحت أرجلنا... واهتز البيت بأكمله... لم تمض الدقيقة حتى عادت ريم تسأل...:"أبي ماذا يحدث؟!."
أجاب أبي بصعوبة...:"لا أدري عزيزتي... لابد وأنهم يحاولون اغتيال قلب البلد..."
يستحيل ذلك!.. يستحيل على أولئك الأوغاد الوصول إلى قلب البلد... فهناك الحراسة مشددة... والجيش لن يسمح لهم بذلك... ستسيطر قوات الوطن عليهم...
فاجأنا أحمد بخروجه دون أن ينطق بكلمة واحدة... والدي أسرع بالامساك بيده...:"إلى أين؟!. لن تذهب اليوم إلى أي مكان..."
سحب أحمد يده من يد أبي وهو يقول...:"لن أجعلهم يمسون شعرة منها... إنهم أنذال سيفعلون بها كل ما يحلو بهم إن وقعت بأيديهم..."
خرج وخرجت معه أرواحنا!..
تلى خروجه انفجارات عدة... وأبي أراد الخروج لكنه لم يشأ تركنا بمفردنا بعد خروج أحمد...
| +* +* +* +* |

بقلم المبدعة: شجرة الكرز

شمعة
13-04-2009, 09:01 AM
ها هو الجزء السادس ينتظر أطلالتكم عليه...
في شوق لردودكم و تعقيبكم عليه...
قراءة ممتعة :)

خولة يوسف
13-04-2009, 02:40 PM
الروايه اكثر من رائعه ومشوقه

..
بنتظار الباقي

Childish Dream
27-04-2009, 02:19 PM
جزء رائع

وعُذراً على التأخير

قرأته مُسبقاً
ولا أستطيع تذكر الأمور بحذافيرها

أتما رجاءً

فأنا في شوق لمعرفة ما سيحصل

<< بتول الا بالزقاق متأكدة

^_*

الملاك المسحور
01-05-2009, 01:47 AM
لقد عجزت الكلمات ان تعبر عن هذه القصة التى تحولت الى مشاهد حقيقية نراها امامنا فليحمى الله كل من شارك فى كتابتها وفى انتظار المزيد فى اقرب وقت

شمعة
20-06-2009, 11:10 AM
الروايه اكثر من رائعه ومشوقه

..
بنتظار الباقي
شكرا لك أختي خولة ...
مرورك شرفنا وزاد لوحتنا بريقا فشكرا

شمعة
20-06-2009, 11:13 AM
جزء رائع

وعُذراً على التأخير

قرأته مُسبقاً
ولا أستطيع تذكر الأمور بحذافيرها

أتما رجاءً

فأنا في شوق لمعرفة ما سيحصل

<< بتول الا بالزقاق متأكدة

^_*

متابعتنا المميزة ...
وذات الردود التي نترقبها كلما أنزلنا جزءاً
شكرا لك على أطلالتك الرائعة التي تشحذ هممنا على الأستمرار ...
دمتي بود..

شمعة
20-06-2009, 07:04 PM
لقد عجزت الكلمات ان تعبر عن هذه القصة التى تحولت الى مشاهد حقيقية نراها امامنا فليحمى الله كل من شارك فى كتابتها وفى انتظار المزيد فى اقرب وقت

نحن لا نجد الكلمات التي تصف سعادتنا بردك هذا ....
طمحنا بأن تلامس الواقع وبكلامك هذا جعلتنا نرى بأننا قد وصلنا الى طموحنا
فشكرا

شمعة
20-06-2009, 07:07 PM
قرآئنا الأفاضل ....
نعتذر لكم على تأخر إنزالنا لجزء جديد ...
بسبب ظروف ...
لكن سوف نحاول في القريب العاجل بأن ننزل جزء يستحق صبركم وانتظاركم
وشكرا من قلوبنا على متابعتكم لقصتنا

خولة يوسف
03-07-2009, 04:04 PM
ماَزِلناننتَظر||

خولة يوسف
15-07-2009, 04:26 AM
ماَزِلناننتَظر||




روايه رائعهـ جِداً

ألفْ الشكر لكمْ

مَتى التكملَهْ؟

عاشق فابريغاس
15-07-2009, 11:43 AM
مشكورين وما قصرتو .. ونحنو بالانتظار

شمعة
19-07-2009, 10:04 AM
روايه رائعهـ جِداً



ألفْ الشكر لكمْ



مَتى التكملَهْ؟


أشكرك أختي خولة على أطلالتك التي تعني لنا الكثير ...
وعلى حماسك الذي افرحنا...
واسمح لنا على التأخير الخارج عن إرادتنا ...
دمتي بألف خير...

شمعة
19-07-2009, 10:06 AM
مشكورين وما قصرتو .. ونحنو بالانتظار
أهلا بك أخوي في ثنايا قصتنا ...
وبإذن الله تعجبك ما تبقى منها ...
دمت بخير...

شمعة
19-07-2009, 10:13 AM
|+*| الضوء الرابع في درب الكلمات |*+|


يا الله لا أصدق ما أرى ... العالم كله من حولي دمار .... و السماء تسكب القنابل بدون توقف .... ما الذي جرى ؟
ألتفت كالمجنون يمنتاً و يساراً بحثا عنكِ يا ملاكي ... لكن الغبار المتصاعد من المنازل التي باغتتها القنابل ... و أنهت حياتها ... و الناس الذين يركضون بذعر ... و يصرخون مستنجدين ... صعب عليه مهمة البحث عنكِ ....
لم يكن في يدي حيلة إلا أن أرفع رأسي لسماء ... وأدع بكل جوارحي بأن تعودي إليه يا ملاكي....
وأغمضت عينيه ... لأسمح لفوج الدموع الحارقة بأن تخرج من مقلتيه الراجيتان...
******
كان جالساً يتلذذ بطعام .... حين تعالى صوت قرع الباب ... فقال بصوت عالي : " أدخل"
خرج من وراء الباب, مجند في بداية العشرينات, وقف منتصباً, و قام بالتحية العسكرية, قبل أن يقول بصوت جهوري:
:" سيدي , لقد مرت ساعتان على القصف, هل نوقفه الآن؟"
وضع الشوكة و السكين جانباً, و تناول المنديل, و أخذ يمسح به شفتيه, التين لم يلبثا حتى خطتا ابتسامة عريضة, تبعها بقوله: " يكفيهم لهذا اليوم, إنها مجرد تنبيه و تحذير لأولئك الخونة, لهذا فلتوقفوا القصف"
قال الجندي وهو يضرب قدماه ببعضهما البعض: " أمرك سيدي"
قام بتحية العسكرية, و نصرف, ساحباً معه الباب, ما إن أغلق الباب, حتى رن هاتفه النقال, تعين الرقم, فرسم ابتسامة خبيثة, ومن ثم ضغط على زر الاستقبال: " أهلا بك سيدي"
بلغة من بلاد الغرب ... رد على الخط الآخر قائلاً: " أهلا بك جمال, كيف حالك؟"
زاد من سعة ابتسامته و هو يقول: " بخير.. بخير ..وأنت سيدي, كيف حالك ؟ "
- :" حالي يعتمد على الأخبار التي تحملها لي "
-: " سيدي لا تخف فكل شيء يجري كما خططنا, و اليوم بدأنا أول جزء من خطتنا, قصفنا على مركز البلد, يعني أن اقتصادهم سوف يتدهور بغضون أيام"
جاءه من الطرف الآخر صوت ضحكة شيطانيه, تبعها قائلاً- : " جيد ... جيد جداً يا جمال ... الآن لن يستطيعوا أن يصمدوا أكثر من ذلك... سوف يرضخون لنا و بطواعيتهم "
وعاد ليكمل ضحكته .....
*******
في قبوا أحد العمارات التي لم تسلم من براثم تلك القنابل ... دخلت... لأجده لم يلحق به عطب ... و لم يهزه الانفجار... فقررت أن أبقى هنا ... فهو آمن مكان في هذه الحالة .... فالقنابل تنهمل علينا من كل جانب ... لهذا أصبح من سابع المستحيلات أن أصل إلى المستشفى ....
-: "أولائك الأوغاد ... فعلوها ... ها هم يقتلون الأبرياء بوحشية ..... أففففففففففففف .... يا الله أين أذهب...؟ فالمدينة مدمرة من كل جانب ... آآآآآآآآآآآآآآآآآآآه .... والقنابل تنهال علينا من السماء بلا توقف ... يا الله ... "
أعدت ناظريه إلى ذلك الكائن الساكن بلا حراك الذي أحمله في يديه ..... لا أعرف أكيف أبحرت في عالم آخر ... عالم بعيد عن صوت الصراخ .... و الانفجارات .... و المباني المنهارة ....
لقد نسيت إحساسي بالواقع المرير الذي يحدث حولي ... وأخذت انظر إلى هذا الوجه الطفولي ... الذي شوهه اللون الدامي .... وذلك الشعر الحريري ... المتناثر بعشوائية على وجهها .... و تلك الشفتان الكرزيتان .... عدت للحقيقة التي تفجع القلب ... عندما رأيت تلك الدموع الجافة التي على خديها ..... ليضيق نفسي ... و أشعر بألم مبرح في صدري ..... لقد أخطأت عندما لم أدخل ذلك الزقاق البارحة ... عندما سمعة صوت الأنين ... لربما وجدت ذلك المجرم الذي فعل بهذه البريئة هذا الفعل الشنيع ... و خنقته بيديه هاتين .... أنذال ... أنذال ...
*******
عاد الهدوء الذي تبع تلك العاصفة الهوجاء ... التي أعادت تصميم معالم المدينة ... التي كانت زهرة متفتحة ... و باتت زهرة ذابلة ... فقدت رونقها و جمالها ... بعد وابل القنابل التي لم ترحم لا صغيراً و لا كبيراً.... مناظر تدمي القلب ... و صراخ أطفال ضاعوا في زحام الدمار .... كم يؤلمني رؤية هذا المنظر .... آآآآآآآآآآآه كم أكره عندما أقف عجزاً ... لا أقدر على فعل شيء ....
:_ أخي ....
ألتفت إلى ورائي.. لأجد أختي ياسمين المرعوبة ... ضممتها إلى صدري ...
بصوت ينذر بدمع :_ " لماذا ...لماذا فعلوا هكذا ؟ "
بعد أن أدخلت ما أقدر عليه من هواء إلى رئتيه ... قلت لها :_ " هؤلاء وحوش بلا قلب, ليس همهم ألا أنفسهم فقط"
وخرجت من فمي تنهيدة طويلة, تترجم الألم الذي يتقد في صدري..
هجم إلى مسامعنا صوت أمي المملوء رعباً:_" يا الله ... يا الله .."
ألتفت أنا وياسمين بسرعة ناحية أمي.. التي كانت تنزل من على السلالم ... وهي تهرول ... فزاد الخوف في قلوبنا ... عندما رأينا تعابير وجهها ... التي ترسم الخوف ...
فأبعدت ياسمين من حضني ... وتوجهت ناحية أمي بلمح البصر ... وقفت أمامها... و سألتها من فوري : _ " ماذا هناك يا أمي ؟!!!"
أخذت تلتقط أمي أنفاسها الهاربة... ومن ثم قالت ...بعد أن أخذت نفساً عميقاً :_ " بني خالتك... خالتك ..."
قاطعتها وقلبي قد قفز إلى جوفي من الخوف :_ " ماذا بها خالتي ... ؟ "
نزلت دمعة من عين أمي ... لتزيد نار الخوف المتقدة في صدري ... و تبعتها كلماتها الراجفة ...:_" كنت أكلمها ... وفجأة سمعة صوت انفجار ... ومن ثم أنقطع الخط ... أنا ... أنا .... "
لم تقوى على الإكمال ... فدموعها انهمرت بغزارة ...
أما أنا فلم أعد قادراً على التنفس .. وأنا أتصور الأسوأ في خلدي ...
أخذت ياسمين تهدأ أمي التي دخلت في دوامة من الدموع ...
أما أنا ... أنا لم أجد نفسي ألا أمام الباب ... و يدي تغلف مقبض الباب... لم أدرك أني هناك إلا بعد أن سمعة صوت أختي ياسمين و هي تقول:_" إلى أين أنت ذاهب ؟!!! "
ألتفتت ناحيتها ... و بعينين شاردتان ..قلت _: يجب أن أذهب إليهم لأطمأن عليهم "
جاءني صوت ياسمين و هي تقول _:" أجننت يا علي .. ألا ترى الأوضاع الآن "
أغمضت عينيه لبرهة ... لأستجمع شتات أفكاري ... لكن صرخت قلب آمرة ... بعثرت تلك الأفكار ... وقادت ذلك الجسد ... لناحية من ملكه ... غير آبهن لأصوات تنادي بعودته ....
*****************
بجسد خارت قواه ... أخذ يقترب ناحية ابنه الواقف طواقاً لحضن أبيه... ركض ناحية أبيه ... وأحاطه بذراعيه ... و جعله يزور حضنه ... رفع يده بعد جهد جهيد ... فجسده أعياه التعب ... وبصوت بالكاد يسمع قال_: " كم يسعدني رأيتك يا بني .."
_:" وأنا كذالك يا أبي, وأنا كذالك "
أبعده من حضنه... وأسنده حتى أجلسه على الكرسي ... ومن ثم جلس بالكرسي المقابل له ... وقال-:" كيف حالك يا أبي ؟ "
خرجت تنهيدة من فمه المكسو بشنب كثيف ابيض اللون ...ومن ثم قال-:" الحمد لله .. الحمد لله ... كيف حالك أنت يا إسماعيل و كيف حال أختك ؟"
-:" نحن بخير ... أبي ما الذي جرى ... كيف حصل كل هذا ؟"
هز رأسه بأسى و هو يقول بنبرة صوت حزينة- :" لا أعلم يا إسماعيل, لا أعلم...أنا و الله لم أمد يدي لمال حرام , وأنت أعلم الناس بهذا الشيء "
- : " أعلم ذلك يا أبي... لكن من الذي ورطك في هذا الأمر ؟ "
- :" لا أعلم ... لا أعلم ... " وأسند رأسه على يده ... و هو يجاهد لكبت عبراته ... فلم يرد أن يراه ابنه في هذا الموقف ... و في هذا الضعف ...
قام من مقعده ... وتقدم ناحية أبيه ... ووضع يده على كتف أبيه ... ورسم ابتسامة مصطنعة ... وهو يقول_: " لا تخف يا أبي , و لا تحزن , أنا سوف أجد الشخص الذي ورطك , وأزجه في السجن ...فقط أنت لا تكدر خاطرك .."
بيده الحرة ... وضع يده على يد ابنه الجلسة على كتفه ... واكتفى بصمت ... فالكلام سوف يفضحه ... ويكشف عن الدموع المتربصة به....
****************
هوت يده على وجهه كصوت لاسع .... جعلت توازنه يختل ... ليهوي ناحية الأرض ... و الدم يسيل من طرف فمه ....
دنا منه ... و عينيه يتقدان غضبا ... و بصوت هائج قال- :" أحمق ... كيف تركته يذهب عنك ...كيف ؟"
بنبرة صوت مخنوقة بالخوف قال- :" لقد حاولت ... حاولت أن أردعه عن الذهاب ..لكنه لم يصغي لي ... ومن ثم ... أخذ صوت الأنفجارات يدوي في أرجاء المنطقة ..فخفت ... أرجوك سامحني سيدي جمال ...أرجوك "
انتصب ... ومن ثم ركله بكل ما أوتي من قوة في معدته ... وهو يقول -:" أتسمي نفسك جندياً ... تهرب من أرض المعركة كامرأة ... أنا كنت مخطئاً عندما أعطيتك فرصة ثانية ... أمثالك لا ينفعون لشيء ..."
برجاء أعتلى قسمات وجهه ... و غلف صوته قال- :" أرجوك سامحني سيدي, أرجوك , أعطني فرصة أخرى و سوف أعيده لك .. أنا أعدك .. أعدك بذلك صدقني "
نظر إليه بطرف عينيه ... ومن ثم أعطاه ظهره وهو يقول _:" لقد انتهى دورك يا سالم, لقد كشف أمرك, لم تعد تصلح للعمل معنا"
وأشار للجندي الواقف بجواره ... ليتحرك الجندي ناحية سالم ... ويمسكه من ذراعه و يرفعه ليقف ... و سالم يصرخ لآخر نفس راجين جمال بالعفو ... لكن جمال أكمل طريقة دون أن يلتفت ناحيته ... ليذهب رجائه و استنجاده أدراج الرياح ....
****************
لم أعد قادراً على المشي ... فالخوف هد جسدي ... لا أعلم لماذا قلبي مقبوض هكذا .... أمعقول بأنها ...بأنها ... لاااااااااااااااااااااا ....أخذت أهز رأسي كالمجنون لعل هذه الفكرة السخيفة ترحل عن فكري ... أتكأة على الجدار ... وأخذت أهوي ناحية الأرض .... و الدمع يرافقني ...فهو لم يعد قادراً أن يستحمل البقاء في مقلتيه أكثر من ذلك ... أغمضت عينيه ... لأتذكر تلك اللحظة ... اللحظة الأخيرة ... عندما رأيت وجهها الحزين ... يفارقنا ... كأنه يقول وداعاً ... كأنها كانت تعلم بأنها سوف ترحل عنا ... غرست يديه في رمال الطريق المخلوطة بفتات المنازل التي دمرها العدو الغاشم .... وصبيت فيها جام غضبي ... وأنا أهشمها في قبضة يديه .... ومن ثم أنثرها في الهواء ... وأصرخ بأعلى طبقة من صوتي ... - :" أيه المجرمون ... أيه القتلة ... إذا جرى لبتول شيء ... فلن تسلموا مني ... سوف أقضي عليكم جميعاً ... جميعاً"
توقفت عن نوبة غضبي ... واستسلمت لدمعي .... فلم يعد لي سواه ... بعد أن تلاش الغبار الذي خلفته ... لمحة شيء من بعيد ... كان ... كان شيئاً يلمع .... قمت على قدميه ... وأخذت أقترب بخطى صغيرة ناحيته ...


بقلم : شمعة

شمعة
19-07-2009, 10:14 AM
عذرا على قصر الجزء...
فالظروف لم تسمح ...
ان شاء الله يعجبكم ...

بسمة ألم
19-07-2009, 04:51 PM
تسلمي حبيبتي
لكن الاترين ان الاحداث تمر ببطء
مع ذلك نحن سنتابع معك الى النهاية
ننتضر فلا تتاخري

خولة يوسف
19-07-2009, 07:39 PM
جزء جَميِل جِداً

بِنتظارْ ماتبقى

ألف التحايا لك.

خولة يوسف
31-07-2009, 02:08 PM
بِنتظارْ ماتبقى

شجرة الكرز
30-08-2009, 05:19 PM
>>> مبارك عليكم الشهر <<<



على أوراقنا... ووسط أضواءنا...
حروف وكلمات... وكذلك الشمس تنزف...

إنني الشجرة هنا...
وأوراقي تسرد حكاية الشمس من هناك...

وهي الشمعة...
تضيء لكم درب الحروف على أوراقنا...




نعتذر عن الإطالة... والغياب المتكرر منا...
ها قد عدت من بعد غياب طويل...
لظروفٍ خارجة عن إرادتي...

والآن ستغيب عنكم || شمعة || لظروف خارجة عن إرادتها...

ولكني أعدكم بأن هناك جزءٌ جديد لكن بعد شهر رمضان الفضيل...
حتى أقدم لكم أفضل حبرٍ على أوراقنا ونابع من أضواءنا...
وأيضاً في هذا الشهر لا أرى إقبالاً على المنتديات كثيراً...
لنتغمسوا في عبادة الله تعالى قليلاً...



ولكل من تابع الرواية الشكر والامتنان...

|| خولة يوسف ||
|| أم العباس ||
|| عاشق فابريغاس ||
|| الملاك المسحور ||
|| Childish dream ||


سأكمل لكم الأجزاء من الضوء السابع...
فيبدو أن غاليتي || شمعة || أخطأت في العدد...
الضوء السابع آخر ما قرأتم...
سيكتمل بقلمها... ويعاد وضعه بين أياديكم الكريمة...




أطيب الأوقات... وأمتع اللحظات...


|+*| شجرة الكرز |*+|

خولة يوسف
20-09-2009, 12:10 PM
الرائعتان|

شمعه؛شجرة الكرز

كل عام وانتم بخير

نترقب ابداعكم:icon31:

شمعة
13-11-2009, 10:39 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قراءنا الأفاضل ...
أعذرونا على التأخير الغير مقصود ...
فهناك ضروف حالت دون أن ننزل الأجزاء ...
وكذالك نحن لا نريد أن ننزل لكم أجزاء متخمة بالأحداث وخالية من الأخطاء ....
فأنتم تستحقون الأفضل ...
نكرر إعتذارنا مرة أخرى ...
ملاحظة مهمة : (( تم أجراء تغيير بسيط في آخر جزئية التي تم إنزالها ... وتم إضافتها في الجزء السابع ))
ها هو الجزء السابع قراءة ممتعة ..


|+*|الضوء السابع في درب الكلمات |*+|


السبت... التاسعة وخمسٌ وأربعون دقيقة صباحاً... المنطقة الغربية...

كان جالساً يتلذذ بطعامه.... حين قرع باب غرفته الخاصة...
فرد على الطارق:" أدخل"


بان من وراء الباب جندي في بداية العشرينات... انتصب مؤدياً التحية العسكرية... قبل أن يقول بصوت جهوري": سيدي , لقد مرت ساعتان على القصف, فهل يتم إصدار أمراً بالتوقف؟!."


وضع الشوكة و السكين جانباً... متناولاً المنديل ليمسح به شفتيه التين لم تلبثا حتى خطتا ابتسامة عريضة...
تَبِعتها جملته : " يكفيهم لهذا اليوم, إنه مجرد تنبيه و تحذير لأولئك الخونة... فأصدر الأمر حالاً..."


قال الجندي وهو يضرب قدماه ببعضهما البعض: " أمرك سيدي"
ثم انصرف ساحباً معه الباب...
ما إن أغلق الباب... حتى رن هاتفه المحمول...
تعين الرقم الذي كان سبباً في رسم الخبث على ذلك الوجه البغيض... ومن ثم ضغط على زر الاستقبال: " أهلا بك سيدي..."


صوت حمل كلمات بلغةٍ من بلاد الغرب... : " أهلا بك جمال, كيف حالك؟"


زاد من سعة ابتسامته و هو يقول: " بخير.. بخير ..وأنت سيدي, كيف حالك ؟ "
_:"حالي يعتمد على الأخبار التي تحملها لي... "


_:"سيدي لا تخف فكل شيء يجري كما خططنا... فاليوم بدأنا أول جزء من خطتنا... قصفنا مركز البلاد... وكما جاء في المحطات الفضائية أن اقتصادهم سوف يتدهور بغضون أيام"


جاءه من الطرف الآخر صوت ضحكة شيطانيه... تبعها قائلاً _: " جيد ... جيد جداً يا جمال ... الآن لن يستطيعوا أن يصمدوا أكثر من ذلك... سوف يرضخون لنا بطواعيه... ولا تعلم كم هي فرحتي بسماع تلك الأنباء... "
وعاد ليكمل ضحكته ...




|+* +* +*|


مدينة الأمير السكنية...
في قبو إحدى العمارات التي لم تسلم من براثن تلك القنابل... دخلت لأجده لم يلحق به عطب ... و لم تهزه الانفجارات...
قررت أن أبقى هنا ... فهو آمن مكان في هذه الحالة .... فالقنابل تنهمل علينا من كل جانب ... لهذا أصبح من سابع المستحيلات أن أصل إلى المستشفى ....

_:"أولئك الأوغاد ... فعلوها ... ها هم يقتلون الأبرياء بوحشية .. .... يا الله أين أذهب...؟ فالمدينة مدمرة من كل جانب ... آآآآآآآه .... والقنابل تنهال علينا من السماء بلا توقف ... يا الله ... "


أعدت ناظريّ إلى ذلك الكائن الساكن بلا حراك الذي أحمله في يديّ ..... لا أعرف أكيف أبحرت في عالم آخر ... عالم بعيد عن صوت الصراخ .... و الانفجارات .... و المباني المنهارة ....


لقد نسيت إحساسي بالواقع المرير الذي يحدث حولي ... وأخذت انظر إلى هذا الوجه الطفولي ... الذي شوهه اللون الدامي .... وذلك الشعر الحريري ... المتناثر بعشوائية على وجهها .... و تلك الشفتان الكرزيتان .... عدت للحقيقة التي تفجع القلب ... عندما رأيت تلك الدموع الجافة التي على خديها ..... ليضيق نفسي ... و أشعر بألم مبرح في صدري ..... لقد أخطأت عندما لم أدخل ذلك الزقاق البارحة ... عندما سمعت صوت الأنين ... لربما وجدت ذلك المجرم الذي فعل بهذه البريئة هذا الفعل الشنيع ... و خنقته بيديّ هاتين .... أنذال ... أنذال ...




|+* +* +*|



منزل ندخله لأول مرة...
عاد الهدوء الذي تبع تلك العاصفة الهوجاء ... التي أعادت تصميم معالم المدينة ... التي كانت زهرة متفتحة ... و باتت زهرة ذابلة ... فقدت رونقها و جمالها ... بعد وابل القنابل التي لم ترحم لا صغيراً و لا كبيراً.... مناظر تدمي القلب ... و صراخ أطفال ضاعوا في زحام الدمار .... كم يؤلمني رؤية هذا المنظر .... آآآآآه كم أكره نفسي عندما تقف عاجزة ... لا أقدر على فعل شيء ....

_:"أخي!..."
التفت ورائي.. لأجد أختي ياسمين المرعوبة ... ضممتها إلى صدري ...
بصوت ينذر بدمع _:" لماذا ...لماذا فعلوا هكذا ؟ "


بعد أن أدخلت ما أقدر عليه من هواء إلى رئتيّ ... قلت لها :" هؤلاء وحوش بلا قلب, ليس همهم إلا المال ونفوسهم فقط"
وخرجت من فمي تنهيدة طويلة, تترجم الألم الذي يتقد في صدري..


هجم إلى مسامعنا صوت أمي المملوء رعباً :" يا الله ... يا الله .."


التفت أنا وياسمين بسرعة ناحية أمي.. التي كانت تنزل من على السلالم ... وهي تهرول ... فزاد الخوف في قلوبنا ... عندما رأينا تعابير وجهها ... التي ترسم الخوف ...


أبعدت ياسمين صدري ... وتوجهت ناحية أمي بلمح البصر ... وقفت أمامها... و سألتها من فوري : _ " ماذا هناك يا أمي ؟!!!"


أخذت تلتقط أمي أنفاسها الهاربة... ومن ثم قالت :"بني خالتك... خالتك ..."
قاطعتها وقلبي قد قفز إلى جوفي من الخوف :" ماذا بها خالتي ... ؟ "


نزلت دمعة من عين أمي ... لتزيد نار الخوف المتقدة في صدري ... و تبعتها كلماتها الراجفة ...:" كنت أكلمها ... وفجأة سمعت صوت انفجار ... ومن ثم أنقطع الخط ... أنا ... أنا .... "


لم تقوَ على الإكمال ... فدموعها انهمرت بغزارة ...


أما أنا فلم أعد قادراً على التنفس .. وأنا أتصور الأسوأ في خلدي ...
وياسمين تهدأ أمي التي دخلت في دوامة من الدموع ...


لم أجد نفسي إلا أمام الباب ... و يدي تغلف مقبض الباب... لم أدرك أني هناك إلا بعد أن سمعت صوت أختي ياسمين و هي تقول:_" إلى أين أنت ذاهب ؟!!! "


التفتت ناحيتها ... و بعينين شاردتان ..قلت _: يجب أن أذهب لأطمأن عليهم "
جاءني صوت ياسمين و هي تقول _:" أجننت يا علي .. ألا ترى الأوضاع الآن "


أغمضت عينيّ لبرهة ... لأستجمع شتات أفكاري ... لكن صرخت قلب آمرة ... بعثرت تلك الأفكار ... وقادت ذلك الجسد ... لناحية من ملكه ... غير آبهٍ لأصوات تنادي بعودته ....


|+* +* +*|

شمعة
13-11-2009, 10:41 AM
مركز الشرطة... مكان آخر لم تطأه أقدامنا قبل الآن...

بجسد خارت قواه ... أخذ يقترب ناحية ابنه الواقف طواقاً لحضن أبيه... ركض ناحية أبيه ... وأحاطه بذراعيه ... و جعله يزور حضنه ... رفع يده بعد جهد جهيد ... فجسده أعياه التعب ... وبصوت بالكاد يسمع قال_: " كم يسعدني رؤيتك يا بني .."
_:" وأنا كذالك يا أبي, وأنا كذالك "


أبعده من حضنه... وأسنده حتى أجلسه على الكرسي ... ومن ثم جلس بالكرسي المقابل له ... وقال-:" كيف حالك يا أبي ؟ "
خرجت تنهيدة من فمه المكسو بشنب كثيف أبيض اللون ...ومن ثم قال-:" الحمد لله .. الحمد لله ... كيف حالك أنت يا إسماعيل و كيف حال أختك ؟"
-:"
نحن بخير ... أبي ما الذي جرى ... كيف حصل كل هذا ؟"
هز رأسه بأسى و هو يقول بنبرة صوت حزينة- :" لا أعلم يا إسماعيل, لا أعلم...أنا و الله لم أمد يدي لمال حرام , وأنت أعلم الناس بهذا الشيء "
- : " أعلم ذلك يا أبي... لكن من الذي ورطك في هذا الأمر ؟ "
- :" لا أعلم ... لا أعلم ... "
وأسند رأسه على يده ... و هو يجاهد لكبت عبراته ... فلم يرد أن يراه ابنه في هذا الموقف ... و في هذا الضعف ...
قام من مقعده ... وتقدم ناحية أبيه ... ووضع يده على كتف أبيه ... ورسم ابتسامة مصطنعة ... وهو يقول_: " لا تخف يا أبي , و لا تحزن , أنا سوف أجد الشخص الذي ورطك , وأزجه في السجن ..فقط لا تخزن نفسك .."


بيده الحرة ... وضع يده على يد ابنه الجالسة على كتفه ... واكتفى بصمت ... فالكلام سوف يفضحه ... ويكشف عن الدموع المتربصة به....




|+* +* +*|

هوت يده على وجهه كسوط لاسع .... جعلت توازنه يختل ... ليهوي ناحية الأرض ... و الدم يسيل من طرف فمه ....
دنا منه ... و عينيه يتقدان غضبا ... و بصوت هائج قال- :" أحمق ... كيف تركته يذهب عنك ...كيف ؟"


بنبرة صوت مخنوقة بالخوف قال- :" لقد حاولت ... حاولت أن أردعه عن الذهاب ..لكنه لم يصغي لي ... ومن ثم ... أخذت أصوات الانفجارات تدوي في أرجاء المنطقة ..فخفت ... أرجوك سامحني سيدي جمال ...أرجوك "


انتصب ... ومن ثم ركله بكل ما أوتي من قوة في معدته ... وهو يقول -:" أتسمي نفسك جندياً ... تهرب من أرض المعركة كامرأة ... أنا كنت مخطئاً عندما أعطيتك فرصة ثانية ... أمثالك لا ينفعون لشيء ..."


برجاء أعتلى قسمات وجهه ... و غلف صوته :" أرجوك سامحني سيدي, أرجوك , أعطني فرصة أخرى و سوف أعيده لك .. أنا أعدك .. أعدك بذلك صدقني "


نظر إليه بطرف عينيه ... ومن ثم أعطاه ظهره وهو يقول :" لقد انتهى دورك يا سالم, لقد كشف أمرك, لم تعد تصلح للعمل معنا"


وأشار للجندي الواقف بجواره ... ليتحرك الجندي ناحية سالم ... ويمسكه من ذراعه و يرفعه ليقف ... و سالم يصرخ لآخر نفس راجياً جمال بالعفو ... لكن جمال أكمل طريقة دون أن يلتفت ناحيته ... ليذهب رجائه و استنجاده أدراج الرياح ....
ويتم ما قد أمر به جمال بأن يفعل...

في حين أن جمال طلب من سكرتيره الخاص بأن يصدر أمراً آخر... تأمل المنظر من خلف زجاج النافذة قبل أن ينطق... :"أحضروا لي عائلة الجندي الهارب خالد..."
سكت لبضع ثوان... ثم أدار ظهره مواجهاً سكرتيره... :"لا انتظر... لديه أخت صغيرة يحبها كثيراً... أحضرها إلى هنا... أما البقية فاقتلعوا الشجرة من جذورها..."


|+* +* +*|


لم أعد قادراً على المشي ... الخوف هد جسدي ...
ولا أعلم لماذا قلبي مقبوض هكذا .... أمعقول بأنها ...بأنها ... لاااا لاااا... أخذت أهز رأسي كالمجنون لعل هذه الفكرة السخيفة ترحل عن فكري ...
أتكأت على الجدار ... وأخذت أهوي ناحية الأرض .... و الدمع يرافقني... فهو لم يعد قادراً أن يستحمل البقاء في مقلتيّ أكثر من ذلك ...

أغمضت عينيّ ... لأتذكر تلك اللحظة ... اللحظة الأخيرة ... عندما رأيت وجهها الحزين ... يفارقنا ... كأنه يقول وداعاً ... كأنها كانت تعلم بأنها سوف ترحل عنا ... غرست يديّ في رمال الطريق المخلوطة بفتات المنازل التي دمرها العدو الغاشم .... وصببت فيها جام غضبي ... وأنا أهشمها في قبضة يديّ .... ومن ثم أنثرها في الهواء ... وأصرخ بأعلى طبقة من صوتي ...
:" أيها المجرمون ... أيها القتلة ... إذا جرى لبتول شيء ... فلن تسلموا مني ... سوف أقضي عليكم جميعاً ... جميعاً"


توقفت عن نوبة غضبي ... واستسلمت لدمعي .... فلم يعد لي سواه ... بعد أن تلاشى الغبار الذي خلفته ... لمحت شيئاً من بعيد ... كان ... كان شيئاً يلمع .... قمت على قدميّ ...
وأخذت أقترب بخطى صغيرة ناحيته ... حتى وصلت إلى ذاك الشيء... انتابني شعور بالخوف لدى رؤيتي تلك السلسلة الذهبية... خفق قلبي بشدة عندما دنوت منها وأمسكت بها بين أصابعي... تحسستها برفق ودموعي تسيل على خديّ... لكن هناك شيء ينقصها... ذلك القلب الذي يحتوينا...

همست للسلسلة...:"أين صاحبتك؟!. أين من حُملت على جيدها منذ زمن؟!. آآآه يالله... ماذا حدث لها؟.. لابد وأن تكون سلسلة تشابهك... لكنني متأكد من أنك هي... أين بتول؟!. أين هي الآن؟!. أخبريني إن كنت تعلمين ماذا حل بها..."
لكني لم أسمع جواباً على أسئلتي... غير منظر لطخته أدخنة النيران المتصاعدة... وعزلته عني دموعي...
شدني إلى ذاك الزقاق شيءٌ ما... لا أدري ما هو؟... شيء في داخلي يأمرني أن أدخل إلى ذاك المكان القذر...
مسحت بكفي بقايا الدموع التي منعت عني الرؤية... لتتضح الصورة أمامي... شاهدت كومة من أكياس القمامة متناثرة حول الحاوية الضخمة... لكن هناك شيء متجمد لطخ الأرض بلونه القاني... لونه ذاك جعلني أشعر برغبة جامحة في أن أتقيأ...
دم من هذا؟!. أيمكن أن يكون لها؟!. ماذا حدث لها؟!. إلهي أغثني من عذابي... لم أستطع الوقوف على قدميّ أكثر من ذلك... فجثوت على ركبتيّ وكأن جبلاً ألقيّ على جسدي... اختلطت دمعتي مع تلك الدماء... دمعة واحدة... فعيني قد جفت من كثرة بكائي... كيف لي أن أجدك؟!.

لا يا الله ... معقول .. معقول يا بتول بأنك ... بأنك... لاااااااااااااااااااااااااااااااااا
صرخةٌ هزت ما في داخلي من وجع وألم ....
لم أشعر بنفسي إلا وقد حنيت ظهري ... حتى لامس جبيني الأرض و غرست تلك السلسلة إلى صدري .... كأني أتخيلها هي ...
[[ ليتك الآن أنت مكان السلسلة... ليتك!..]]
كنت أريد بأن أصرخ بأن أبكي ...لكن لم أستطع ... لم أستطع... لم أستطع...


|+* +* +*|

شمعة
13-11-2009, 10:43 AM
في القبو ذاته...

لم أبعد عينيّ عنها ... فأنا أخاف بأن أبعدهما ويحدث لها ما حدث....
آآآآآآآآآآآه ... كم أشعر بالذنب ..كأني أنا الذي ارتكبت تلك الفعلة الشنيعة ... إن ذلك الشعور يقتلني ...
كانت لا تزال فاقدة الوعي .... ربما كان هذا الأفضل لها ....فإذا استيقظت تذكرت ما حصل لها ... آآآآآآآآآآآآآآآآآآه يالك من مسكينة ... مسكينة ....

فجأت سمعت صوت أحدهم ... فانتفضت وقمت من مكاني ... ووضعت يدي على سلاحي الذي كنت قد حشرته في سروالي من الخلف ... وقد صوبت بصري ناحية مصدر الصوت .... ليخرج رجل ويتبعه رجلين آخرين يحملان رجل كسته الدماء ...
ما أن تلاقت أعيننا ... حتى انتفض الرجل الذي دخل أول ... وأشهر سلاحه .. وأنا أيضاً صوبت مسدسي ناحيته .....
وقبل أن أفتح فمي و أسئله هو سألني أولاً_:"من أنت ؟!"
قالها وهو مصوب بصره ناحيتي ...
_:" أنا الذي يجب أن أسألك هذا السؤال!..."

أخذ يحدق بي لبضع ثواني .. ومن ثم خطى خطوتين .... فصرخت به قائلا:" توقف وإلا أطلقت النار .."
توقف وقال:" لم تجبني عن سؤالي.."
لأصرخ به قائلا :" أسمع يا هذا الأفضل لك بأن ترحل وإلا قتلتك.."

لم يأبه لكلامي ... بل أخذ يقترب مني ... فهيأت نفسي لكي أطلق النار عليه .. لكنه أخذ يقول :" ماذا بك خائف هكذا ....؟ أهناك شيء ؟!."
صرخت ثانية...:" أنا لست خائفا ... والأجدر بك أن تتوقف وإلا .."
بتر جملتي بقوله :" وإلا قتلتني أليس كذلك ... اسمع يا هذا إذا فعلتها فسوف تكون أغبى رجل في العالم ... حيث أنها ستكون نهايتك .... أليس كذلك يا رجال"
ليردوا دفعة واحدة بصوت مشحون بالقوة :"نعم سيدي "

نظرت خلفه ... لتقع عينيّ عليهم ... وكل منهم قد أشهر سلاحه ... حتى الشخص المصاب الذي كان ملقى على الأرض...
رغم ذلك ... لم تهتز شعرة من رأسي.. [[ماذا سأخسر أكثر مما خسرت ...]]
قلت له متحديا :" أسمع .. لا أنت ولا رجالك تخيفوني ... خطوةً أخرى وستصبح هذه الرصاصة في قلبك ..."
خط ابتسامة سخرية على شفتيه وثم قال:"تعجبني جرأتك .... لكن لمعلوماتك .. أنا لا أخاف الموت ... لا أخاف إلا من الذي خلقني ... و الذي سيموت هنا هو أنت .... "
وأخذ يخطو قدما ...
انتهى كل شيء ... لقد أعطيته فرصة .. لكنه رفضها ... لهذا عزمت أمري لأطلق النار ... و الذي يحصل يحصل ...
_:"الآن سوف تكون نهايتك يا هذا .."

لكنه توقف عن التقدم ... [[ يبدو بأنه خاف أخيرا ..]]
لكنه لم يكن الخوف هو السبب ... تمعنت في وجهه جيدا ... لأجد الصدمة مرسومة على وجهه .. وعينيه مفتوحتان على مصراعيهما تنظران إلى ماخلفي ...
تتبعت أثرهما .. لأجدهما واقعتان عليها... تلك الصغيرة المسكينة...
قبل أن أعيد بصري ناحيته ... وجدته انقض عليه كوحش مفترس وضيق الخناق على عنقي بقبضة من حديد ... وأخذ يدفعني إلى الخلف حتى ارتطمت بقوة بالجدار ... وأخذ يزمجر بي قائلا:"أيها القذر كيف تفعل بهذه الصغيرة هكذا ..."
الآن استوعبت ما يدور في خلده ... كان يظن بأني ذلك الوحش الذي آذاها ... فصرخت به من فوري :- (( لاااااااااا أنت مخطئ ... أنا لم أفعل بها شيئاً... أنا وجدتها في أحد..."
بتر جملتي بصراخه :"اصمت أيها القذر... أتظنني أحمقا... من أي طينةٍ صنعتم؟.. بلا شرف ولا أخلاق... إلى أي دين تنتمون؟!..."
وشد قبضة يده على عنقي .. حتى بت بالكاد أتنفس .. .. حاولت بأن أبعد يده عن عنقي بيدي الحرة ... لكنها لم تتزحزح بل شدت الوثاق على عنقي....
حاولت بأن أنطق...بأن أدافع عن نفسي .. لكن الكلمات انحشرت في حلقي .. فأنا بالكاد أتنفس ... رما بسلاحه ... ودفع بيده ناحية يدي القابضة على السلاح ... وأخذه منها ... وصوبه ناحية رأسي ... وأخذ يقول وهو قاطبٌ حاجبيه :"أهذا السلاح الذي أردت بأن تقتلني به... الآن سأهشم رأسك به..."

فجأة دوى صوت انفجار قوي ... يبدو بأنه قريب منا .. لأن الصوت كان قويا ... و الأرض بدأت تهتز تحت أقدامنا ..... لدرجة أنه قد أختل توازننا ... وسقطنا ... ليتحرر عنقي أخيرا ... عندما رفعت رأسي وجدته ساقطٌ على الأرض بمقربة مني... وفيما بيننا كان المسدس واقع.... نظر لي ومن ثم نظر ناحية السلاح...
بالتأكيد كان يفكر مثل ما أفكر ... فرميت بنفسي ناحية السلاح .. وهو الأخر فعل المثل .. لكني أنا من أمسكه أولا ... وبسرعة البرق صوبته ناحيته ... وقلت :" اسمع جيداً!... أنا من المستحيل أن أفعل مثل هذا التصرف الشنيع... فلا أخلاقي ولا ديني يسمح بذلك..."
سمعت صرخت أحد الرجال الذين قدموا معه... لكني لم أتزحزح عنه.. فقد خفت بأن ينقض عليّ مرة أخرى .... قال الرجل:"الأفضل بأن ترمي سلاحك... فنحن ثلاثة ضد واحد.. لا فرصة لك بالنجاة..."
رفع يده يجبره على السكوت... وقال:" لن يقتله أحد ..."
تعجبت من فعله هذا!..
عاد الرجل الآخر ليقول:" لكن يا عبد الرحمن!.."
بتر جملته :"قلت لن يقتله أحد..."

زاد تعجبي وحيرتي... منذ قليل يريد قتلي و الآن يمنعهم من ذلك... أمعقول بأنه خائف من أن أقتله!!... لكن نظراته هذه التي تكاد تصهرني .. لا تدل بأنه خائف .. بل العكس!.. أنا أشعر بأنه غير آبه مما هو فيه الآن...
قطع حبل أفكاري بسؤاله...:" من أنت؟.. وما حكايتك يارجل؟!."
أخذت أحدق به مذهولا... متعجباً مما يفعله...


|+* +* +*|

بدأت الشمس تودع السماء... فقد امتلأ الجو دخاناً... ولم يعد المرء يرى من الشمس سوى خيوطاً صغيرة... رغم أن موعد الشمس على الغروب لم يحن... لكنها تتألم مما ترى...
الثانية عشرة ظهراً...

من هول ما رأيت تسمرت مكاني ... عجزت عن الحركة ... مستحيل بأن يكون هذا منزل خالتي وعائلتها .. لقد بات حطاما ...
لقد سلب منه شموخه ... و النيران المتناثرة تشوه حديقتهم الغناء ... مستحيل ... لا أصدق بأنهم ... لا .. لا .. مستحيل ...
_:"لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا..." صرخة دوت من حنجرتي ....

كان الدمع يريد أن يخرج للعلن ... ليبكي على من رحلوا ...
كنت محطما تماما وأنا أفكر بأنهم ماتوا .. ماتواااااااااااااا ...

تسلل إلى مسمعي صوت أحدهم وهو ينادي باسمي ... :"علي..."
لوهلة ضننت بأني أتوهم ... فهذا الصوت ليس بغريب عليّ... لهذا التفت ورائي ... لأرى أأنا في حلم أم حقيقة ...
اتسعت حدقتاي من الصدمة .... أمعقول بأنهم أحياء.... إنه زوج خالتي... العم مصطفى!..
عاد ليناديني باسمي ..:" علي!.. علي مابك؟!.."

لا أعلم ما الذي جرى لي .. لم أجد نفسي إلا وقد اندفعت ناحيته .. وحضنته بقوة .. ربما لأنني أردت التأكد بأنه حقيقة .. وليس من نسج خيالي ...
لم أكن أريد تحريره .. لولا أنه هو الذي أبعدني عنه وأخذ يقول :"علي... نحن بخير... لا تقلــ..."
قاطعته بقولي :"لقد ضننت أنكم متـــ...."
بترت جملتي التي لم أستطع إكمالها... وأكملت حديثي سائلاً إياه...:" أين خالتي وغدير وريم؟!.."

نظر إلى خلفه... وتبعته بعينيّ... لأجد خالتي وريم التي كانت خالتي تحيطها بذراعها... واقفتان خلفه .. والدمع ينهمر من مقلتيهما ...
لكني لم أرها معهما .. فتسلل الخوف إلى قلبي ... أخذت أبحث عنها والخوف يعتصر قلبي أكثر فأكثر ...
حتى وجدتها أخيراً ... كانت جالسةً تحت عامود الإنارة منكسة رأسها.... لم أستطع رؤية ملامحها ... سوى أنها غدير... قابعة على الأرض وممسكة بأصبع يدها اليمنى... زاد خوفي وهلعي .. ربما أصيبت بأصبعها .. ربما أصابها مكروه ... هذا ما خطر ببالي لحظتها..
لهذا سألت زوج خالتي :"ما بها غدير ... أأصابها مكروه ..؟ "
ليرد عليّ بصوت به نبرة أسى :" كلا يا بني ... لم يحصل لها شيء ... لكنها كما يبدو متألمة مما حدث ... فالذي جرى ليس سهلا ... الحمد لله بأن الانفجارات الأولى حصلت بمقربة من هنا ... مما أتاح لنا فرصة الهرب ... قبل أن تنهال علينا القنابل مثل زخ المطر ... أولئك المجرمون .... القتلة .... "

أخذ زوج خالتي يسترسل بحديثه .. لكني لم أكن معه... ففكري مرتبط بها ... كم تمنيت أن أذهب إليها وآحدثها ... أطمأن عليها بنفسي .. فقلبي لم يطمأن حتى الآن... فكلام زوج خالتي مناقضن لما أرى... فهي ليست بخير... ضللت أحدق بها على أمل أن ترفع رأسها ... وأرى تعابير وجهها .. لكن لا جدوى من الانتظار...

فجأة خرجت خالتي من صمتها .. وبصوت يتخلله شهقات البكاء قالت:" أحمد يامصطفى!.. أين أبني يا مصطفى .. أين هو ....؟"

شمعة
13-11-2009, 10:46 AM
هنا صحية مما أنا فيه ونظرت ناحية خالتي وأنا أسأل:" أين أحمد ؟!!"
و نظرت ناحية زوج خالتي المطأطأ رأسه .. وأعدت سؤالي:" أين هو أحمد ؟!! "
هز رأسه يمينًا وشمالاً... ثم رفعه ليكشف عن عينين ممتلئتان بالحزن ... :"لا نعلم ... لقد خرج مع بدأ القصف... ليبحث عن بتول ... حاولنا أن نتصل به .. لكن الخطوط مقطوعة بسبب ما حصل..."

وقبل أن أفتح فمي بكلمة ... وقعت عينيّ عليه... على أحمد... كان وجهه مكسوا بالدم... وملابسه ممزقة... و بالكاد يمشي... كان يسحب قدميه سحبا...
عندما رأى زوج خالتي نظرات الاستغراب على عينيّ سألني قائلاً...:" ماذا بك يا علي؟.. إلى ماذا تنظر...؟!!"
قلت ... وأنا لازلت مذهولا مما أرى ..:" أحمد ..."
فصرخ :"ماذا ... !!"
والتفت على فوره إلى خلفه... لتقع عينيه على أحمد ويدب الرعب في جسده ...
ركض ناحية إبنه .. الذي أنهار وهوا على ركبتيه... تبعته خالتي التي بدأت تصرخ باكية... :"بني .. أحمد .. بني أحمد .."
وكذلك ريم خلفهما...
حوته خالتي في حضنها ....
_:"ما الذي جرى لك يا بني .. ما الذي جرى ...؟؟؟ " كان سؤال العم مصطفى...
وأخذت خالتي تسأله بصوت به نبرة من الجزع الممزوج بالبكاء...:"بني هل أنت بخير ... ؟؟ بني أجبني ..أرجوك ..."

لكن لا رد من أحمد ... لم ينبس بكلمة واحدة ....
أخذت أحدق به وبتعابير وجهه .. لتستوقفني تلك النظرة التي اعتلت عينيه ... النظرة التي احترت أين أصنفها من النظرات ... لكن الذي أعلمه بأن وخزة أصابتني في قلبي عندما وقعت عينيه في عينيّ ...
ضل زوج خالتي يسأله وخالتي تسأله و نحن جميع نترقب جوابا شافيا يريحنا منه ...
لكنه لم ينطق بشيء ...

فجأة رفع يده ... و فتحها .. لتظهر سلسلة ذهبية.... ملطخة بالدم ...
بدمعة جرفت معها آلاماً من قلبه إلى قلوبنا...:" لقد ماتت ... ماتت ... ماتت بتو..."
أغمض عينيه وبدأ ذقنه يهتز...
في حين أن عمي خطى خطوتين إلى الخلف... و عينيه مفتوحتان على مصراعيهما... وهو يحدق بأحمد ... فهو لم يصدق ما سمعته أذناه ...
أما خالتي .. فقد حررت أحمد من ذراعيها... وأخذت تحدق به هي الأخرى ونظرات الصدمة تعتلي وجهها...
سأله العم مصطفى:" أأنت متأكد ..؟"
لم يرده رد من شفتي أحمد ... لكن الدمعة الأخرى التي انسلت من مقلته كانت كفيله بأن تعطي زوج خالتي الجواب على سؤاله ...
لتصرخ خالتي بأعلى صوتها :"لاااااااااااااااا بتول .. لاااااااااااااااااا أبنتي ..."
وعادت لموجة البكاء ثانية... لكن هذه المرة أشد من قبل ... وكذلك ريم ... أنخرطت في بكاء مرير ...
والعم مصطفى... كان متماسكاً نوعا ما... غير أنه غطى وجهه بكلتا يديه... وبدأت أنفاسه تتسارع ... ومن ثم بدأت تبطئ... وليخفف من تلك الآلام التي تعتصره سمعته يناجي ربه... :" إنا لله... إنا لله..."

كم آلمني ما سمعت وما رأيت .. تلك المسكينة ... لازالت صغيرة على الموت ... لم أعلم ماذا يجب أن أفعل ... كيف أواسيهم ... رغم أني أعلم بأنه لا شيء يواسيهم ... لا شيء ..
التفتت إلى الخلف... لأطمأن على غدير... فهي لم تظهر بجانب أخيها... و أعلم كم هي تحب بتول ....
تفاجأت بها لاتزال على وضعها... قابعة هناك لم تتحرك... سوى رأسها الذي رفعته للسماء... وقد أغلقت عينيها... [[ما الذي جرى لك يا غدير ... ؟؟؟؟]]


|+* +* +*|


أحداث كثيرة تتطور في مركز الشرطة... ولقاء خلف آخر يكشف خفايا كثيرة...

نظر إليه من أسفل إلى أعلى ... ومن ثم خط ابتسامة جانبية ... تبعها بقوله :"أرأيت ما الذي يجري لمن يحاول خداعي ..."
ارتبك هو فطأطأ رأسه من فوره ...
شبك كلتا يديه ... واتكأ بكوعيه على قدميه ... وانحنى إلى الأمام وهو يقول:" أحقا خطر ببالك بأني لن أكتشف أمرك ...بأنك تحاول تحريضهم عليّ ....؟ تكلم يا سلمان ... لماذا أنت صامت هكذا .."

ازدرد ريقه بصعوبة وهو لا يستطيع أن يرد عليه .. فالكلمات تحشرجت في حلقه... لم يجرأ حتى بأن يرفع رأسه...
فك يديه ... ومن ثم عاد ليسند ظهره على الكرسي .. وقال:" الإنسان طماع .... مهما أخذ فلن يكتفي ... خيبت ضني بك يا سلمان .. حقا خيبت ضني بك ... أعطيتك الكثير ... وماذا أعطيتني بالمقابل ... خدعتني ... حاولت بأن تفهمهم بأني مخادع وبأني أجري وراء مناصبهم ...."
ضحك ضحكة عالية ثم أكمل... :" لكنك أحمق... غفلت عن شيء واحد .. ألا وأنه أنني .. أنا يوسف أسعد... الذي لا يهزه شيء ... أنا جذوري ممتدة في الأرض... من الصعب انتزاعي .... ترتجف ها!.. خائف أيها العجوز .... الآن أنت خائف ... على العموم ... هذه ضربة خفيفة ... وإذا أعدتها مرة أخرى ... فستكون الضربة القاضية .. من نصيبك.. لن تستطيع أن تفعل شيئا ... فقرار عزلك من منصبك قد صدر .... وهي مسألة وقت ليس إلا... وتصبح في الشارع أنت وعائلتك ..."
بصوت أقرب منه إلى الهمس قال سلمان :" أنا ... أنا آسف يا سيدي ... أنا كنت .. كنت أحمقاً ... وغبي.. أرجوك أغفر لي وسامحني .. أرجوك..."
لينفجر يوسف ضاحكاَ... قبل أن يقول:" الآن تتأسف ... مستحيل .. مستحيل بأن أسامحك ... لولا أبنك لما أخرجتك من السجن ... ولجعلتك تتعفن فيه .. لكن ابنك يروق لي ... وأشعر بأنه سيفيدني كثيرا ... فهو مخلص ... ليس مثل أبيه ثعلب مكار..."

ومن ثم قام من على الكرسي ... وخطى خطوتين ... :"لقد انتهيت يا سلمان .. انتهيت ... وكل خائن مثلك..."
وجه نظره إلى اليمين .. حيث كان جمال واقفا وأكمل... :"سيكون مصيره مثلك وأكثر..."

دب الرعب في جمال ... وهو يكشف ما بين السطور ونظرات يوسف...
ومن ثم أكمل يوسف طريقه ناحية الباب ... ولما وصل عتبة الباب .. التفتت إلى خلفه ... وبالتحديد ناحية جمال المتسمر مكانه ... وقال له :" جمال مابك واقف هكذا؟.. هيا لنذهب ..."
نظر جمال إليه ... هز رأسه بنعم ... مبتلعاً ريقه بصعوبه.... ونظرة من الخوف سكنت عينيه...



|+* +* +*|


في مكان لا يبعد سوى خطوات قليلة...

_:" أففففففف .. أكان يجب بأن يزوره أبي ...؟ "
نظرت إليّ أمي ومن ثم قالت:" نعم .. فهو كان سيصبح فرداً من العائلة..."
ابتسمت ضاحكا لكلام أمي وقلت :"فردا من العائلة ... الحمد لله بأنه لم يصبح فردا من العائلة .. و انكشف قبل أن يتزوج بتول ... احمدِ الله يا أمي بأن بتول لم تتزوج به .. وتتورط معه بهذه المشاكل... أنه مجرم ..."
هنا فقدت أمي أعصابها .. وصرخت بي...:"كفى يا وسام!.. كفى... إما أن تجلس في السيارة هادئً ... أو أن تخرج منها وتتركني لوحدي حتى يعود أباك ..."
:"حسنا .. سأسكت .. لا أحد في هذه العائلة يريد أن يسمع كلمة الحق .. "
رمقتني أمي بنظرة مهددة ومن ثم التفتت ناحية زجاج النافذة...
فجأة وبدون مقدمات ... وجدت أمي قد بدأت ترتعش ... انتقل الخوف في داخلي ... سألتها:" ماذا بك أمي؟.. لماذا أنت ترتعشين هكذا ... ؟!!"
التفتت ناحيتي ... لأصدم بعينيها المفتوحتان على مصراعيهما ... وعلامات الخوف التي كست وجهها ... هنا تحول الخوف الذي سكن قلبي إلى رعب ... أمسكت بيدها التي كانت تهتز كورقة خريفية ... هبت عليها ريح عاصف ...
بصوت هلع قلت لها :" أمي أجبيني ... ماذا بك ...؟!! "
لم تجبنِ ... بل نكست رأسها ... وبدأت أنفاسها تتسارع ... شعرت لوهلة بأن روحها تكاد تخرج من بين جنبيها...
ما الذي جرى لها ...؟ يا الله .. كانت بخير ... حتى ... حتى نظرت إلى خارج السيارة ... نعم خارج السيارة ... بالتأكيد رأت شيئا ... وجهت بصري ناحية زجاج النافذة .. لأرى ما الذي رأته وسبب لها هذا ... لكن قبل أن أدقق لما خلف النافذة... قالت للسائق بصوت به رعشة من الخوف :"تحرك ... تحرك فورا ..."
فعدت بعينيّ ناحيتها فوراً... وقلت :"لكن أبي ..."
لتقاطعني بصراخها ... :" قلت لك تحرك فورا .."
انصاع السائق لها... وتحرك...


|+* +* +*|

مضى الوقت... وتغيرت الأوضاع... واختلف تفكير المرء عما كان عليه... ليكون الناس كلهم قلباً واحداً ويداً واحدة...

حكيت لعبد الرحمن كل شيء .. كل قصتي ... مذ دخلت في تلك المجموعة التي ظننت بأنها تريد مصلحة البلد ... إلى أن وجدت الفتاة ... ولم أخفِ عنه شيئا وهو كذلك فعل المثل... أخبرني بأنهم مجموعة هدفهم الوحيد إخراج الفساد من وطننا ... و كذلك التخلص من العدو الغاشم ...
كنت محتارا وأنا أسمع قصته ءأصدقه كما صدقت سالم ... فالذي حصل لي جعلني لا أثق بأحد .. لكن تصرفه ... وطريقة كلامه عن العدو .. وتلك اللمعة التي كانت في عينيه...
:"أرضنا حرة ... و لا تأبى إلا أن تكون حرة

شمعة
13-11-2009, 10:47 AM
:"أرضنا حرة ... و لا تأبى إلا أن تكون حرة ... ونحن سوف نعيد لها حريتها رغم أننا مجموعة صغيرة ... وسلاحنا غير متطور كأسلحتهم ... لكن .. لكن .... قلوبنا أشجع من هؤلاء ..."
نظرته تلك... جعلتني أثرت بكلامه جديا... ولامس كل حرف منه قلبي.... وأستفز وطنيتي....

قاطع حديثنا صوت عمار ... وهو واحد من الرجال الذين كانوا معه :"عبد الرحمن ... عبد الرحمن ... عمر ... عمر غاب عن الوعي ..."
قام عبد الرحمن من على الأرض .... وركض ناحيتهم ... ليجلس قرب عمر .. وضع يده تحت رأس عمر وأخذ يهزه ...ويناديه باسمه:" عمر ... عمر استيقظ يا عمر ... أرجوك استيقظ .. عمر ..."
ليقول محمود وهو الرجل الثالث بصوت به نبرة رعب :"أمات ....؟!!"
رفع عبد الرحمن رأسه ناحية محمود الواقف فوقه وقال :"لا تقل هذا يا محمود ..."
ليعود محمود يقول :"لكنه لا يتحرك يا عبد الرحمن ..."
قطعت حديثهم بقولي :"أيمكنني المساعدة ..."
نظر ثلاثتهم إليه والاستغراب مرسوم على وجوههم ...
_:" أأنت طبيب ... ؟!!" سألني عبدالرحمن...
فأجبت:" ليس تماما .. فأنا لم أكمل دراستي ... لكنني درست أربع سنوات ... أعتقد بأنه يمكنني مساعدته..."
أخذ كل واحد منهم ينظر إلى الآخر ... ومن ثم قام عبد الرحمن :"أرجوك ساعده ..."
هززت رأسي بنعم وأردفت قائلا :" إن شاء الله سأفعل ..."


|+* +* +*|



بصعوبة جعلتهم يقدمون إلى منزلنا ... فجميعهم يعيش صدمة رحيل بتول ... و منغمسون في حزن عميق ...
حاول أهلي بأن يخففوا عليهم لكن بلا جدوى ... فخالتي ما إن وصلنا لمنزلنا حتى انهارت علينا ... وريم أصبحت عيناها حمراوان مثل الدم ... من كثرت البكاء ... والعم مصطفى رغم أنه متماسك إلا أن دمعته تلمع في عينيه... حتى يكون قويا أمام عائلته .. إلا أنني متأكد بأنه من الداخل يبكي دما ...
وغدير ... آآآآآآآآآآآآه... لازالت معتكفة في صمتها ... الذي احترت معه ... كم تمنيت حينها بأن أدخل في عقلها وأعلم ماذا يدور فيه ...
أما أحمد ... فحالته مختلفة تماماً... كان موجودا ... وفي نفس الوقت غير موجود ... كان جاليا بأنه منهار تماما ... لا ألومه ... فهو الذي اكتشف بأنها قد ماتت ... ونعى الخبر إلى أهله ... إنه حقا في موقف لا يحسد عليه ....

في تلك الليلة ... بات أحمد في غرفتي أنا وأخي ياسين الذي لازال يجهل ما يحدث ... أما ريم مع ياسمين... وغدير كانت في غرفة أختي الكبرى كوثر... وخالتي وزوجها في غرفة الضيوف...

كان أحمد جالسا على حافة نافذة غرفتي ... ينظر إلى ما ورائها ... ومسحة من الحزن مرسومة على قسمات وجهه ... وسكون يعتلي شفتيه ...كم أردت بأن أخفف عليها حينها .. لكن لم أجد وسيلة لذلك .. ولا أعتقد بأني سأجد ...فالأمر ليس سهلا ...
أخيرا .. خرج من صمته ... وبصوت مبحوح ... ممزوج بحزن ..كانت كلماته تقطع نياط قلبي...:" لقد ... لقد رأيتها ... كانت أمامي ... يفصلني عنها عدة أمتار... لقد رأيت يدها تحت ركام النفايات... كانت أصابعها تتحرك ... نعم كانت تتحرك ... كانت لا تزال على قيد الحياة ... حينما هممت بالوقوف... كنت على وشك بأن أمسك يدها ... لأعيدها إلى الحياة ..."
رفع يده ومدها كأنه يعيش الحدث.. كأنه يرى يدها أمامه الآن ويريد بأن يمسك بها... اهتزت شفتيه قبل أن يكمل غاضباً... متوعداً...
_:"... لكنهم ... لكنهم ... أولئك القتلة ... لكنهم فجروا المكان ... نعم وقعت قنبلة ... لتحول المكان أشلاءا .. وتقذف بي بعيدا عنها ...."
بدأت يده الممدودة تهتز ... لتنهار وتعود إلى حجره... متبوعة بدمعة وجدت طريقها للخارج... كم تألمت لما رأيت وسمعت منه ... المسكين ... الذي حدث له يهد جبالا...

ضم السلسلة وخرقة ملطخة بالدماء إلى صدره... قبل أن يقول...:"لم تركوني للحياة!... لِم لَم يأخوذني ويتركوها!.. آآآه ياعليّ... لم يتركوا لي منها سوى أشلاء ذكريات... سلسلة علقت على جيدها سنين طويلة... وحجاب ستر شعرها جردوها منه... أوغااد... أوغااد... أوغااد..."
قال آخر كلماته وهو يضرب رأسه في الحائط الذي يستند عليه...
_:" اذكر الله ياأحمد... إن الله يمهل ولا يهمل..."
مسح دموعه وهو يلتقط أنفاسه... :"لا إله إلا الله... أيمكن أن تتركني لوحدي يا علي؟!..."
لم أجد نفسي وألا وقد قلت له...:" بالطبع..."

خرجت من غرفتي... لأتركه يختلي بنفسه... وينفس عما يثقل على قلبه... ربما كان بقاءه لوحده الأفضل له ... وجدت أخي ياسين توأم ياسمين... مشاكس لا أعتقد بأنه سيترك مشاكسته أبداً...
سألته مباشرة...:"أين كنت؟!."
تكلم بخوف...:"أرجوك لا توبخني!... خرجت برفقة أصدقائي..."
_:"أي أصدقاء يا أبله؟!... ألا ترَ الأوضاع اليوم؟!. ألم تعلم بما حدث لخالتي غيداء؟!. وأنت خارج للهو والمشاكسة..."
كنت ممسكاً به من أذنه اليمنى... وهو يرفع يده ممسكاً بيدي حتى أتركه... لكنه نكس رأسه وترك يدي بعد كلامي وقال بصوت نادم... :"بلى!.. وقد آلمني حال خالتي..."
تركته وسألته...:"للمرة الثانية والأخيرة أسألك... أين كنت؟!. وماذا كنت تفعل؟!."
_:"خرجنا مع بدأ القصف... كنا نكتشف أين هي مقرات أولئك الأوغاد..."
ضغطت على أسناني أكتم صوتي حتى لا يعلو... :"ماذا قلت؟!. أي أحمق أنت؟!. أتريد لنفسك الموت؟!. أم ماذا؟!. لو تعلم أمي صدقني ستربط بحبل متين بجانبها..."
_:"يالله... لقد وبخوني... أبي وأمي وكذلك جارنا..."
أحسست بأنه قد تغير اليوم... لكن ليس بالكثير... تركته وأنا أقول له...:"سننام الليلة في الصالة... لأن أحمد يريد أن يخلو بنفسه قليلاً..."
_:"حسناً سأذهب للحمام وأنزل فوراً..."


|+* +* +*|


عندما تمتلئ القلوب بالآلام... وتفيض بالعبرات... تعتلي الدموع سطح الوجوه... لتبكي... وتضمد جراح سماء...

آآآآآآآآآآه كم يؤلمني قلبي....وأنا أتذكر أناملك الرقيقة تناديني... أتذكر أنه بمقدوري أن أنقذك يابتول أكثر من مرة... أكثر من مرة كان بمقدوري ذلك... أمام ناظريّ... كان بمقدوري أن أفعلها .. لكن القنبلة حالت بيني وبينك .....
آآآآآآآآآآآه .... لماذا رفضت طلبك ياأبي؟... فأنت لست مذنبة.. ليس لك أي ذنب بأنكـــ... آآآه...
أنا أحبك ..... أحبك... أحبك...
يا للغباء ... الآن أدرك هذا... الآن ياقلبي تدرك ذلك...
ليتني منعتك من الخروج ذلك اليوم .. ليتني أصغيت لشعوري حينها ... لو فعلت ذلك لكنت الآن هنا... حية .. حية ترزقين .... كله بسببي... بسببي ... نعم أنا السبب... أنا قتلتك .. أنا يابتول .. أنا ....
اليوم ألوم نفسي... وفي الغد أقتلها... وبعد الغد أدفنها... فهي تستحق ذلك...
لكن ما فائدة اللوم والعتاب مادامت قد رحلت ... فمهما فعلت بنفسي فلن يغفر لي الذي فعلته بك يابتول ... لن ينسى أبداً ... أبدا .. أبدا ...


|+* +* +*|

شمعة
13-11-2009, 10:49 AM
دخلت الصالة لألقي بجسدي على الكنبة... تاركاً الباب خلفي مفتوحاً على مصراعيه... دقائق لم تكن طويلة وإذا بياسين يأتي ليفترش الكنبة المقابلة لي... توقعت منه أن يتكلم ويسألني عما حدث بالتفصيل الممل... لكنه ضل ساكناً...
بقيت فترة ليست بقصيرة أتقلب على الكنبة أحاول النوم... ولكن دون جدوى... الجميع خلد للنوم حتى أمي وأبي تركا خالتي والعم مصطفى وذهبا لغرفتهما...
ذهبت للحمام الذي كان بقرب باب الصالة...
عندما عدت لمكاني... بقيت فيه ربما ساعة أخرى... لمحت بعدها غدير وهي تنزل من على السلم ....
نظرت إلى ساعتي .. لأجدها بعد الثانية عشرة والنصف ليلاً ... ربما لم تستطع النوم ... هذا ما خطر ببالي ... وجدتها فرصة لكي أكلمها ... وأرى ما الذي حل بها ... فحالها اليوم لم يعجبنِ ... حتى أنها لم تذرف دمعة على بتول ...
نهضت من مرقدي أنظر إليها هل ستدخل الصالة أم لا... لكني فوجئت بها متجهة ناحية الباب الرئيسي...
هنا ناديتها وأنا أركض ناحية الباب...:"غدير ... أين أنت ذاهبة في مثل هذا الوقت ؟!!!"
التفتت ناحتي ... ومن ثم عادت كأنها لم تسمع شيئا ... فتحت الباب وخرجت ... فتبعتها ... وأنا متعجب مما تفعل ...
أخذت أقول لها:"غدير توقفي ... إلى أين أنت ذاهبة؟..."

لم تجب عليّ بل أكملت مسيرها .. كأنها لم تسمعنِ ... حينها لم أجد وسيلةً إلا أن أركض ناحيتها .. وأمسك بعضدها .. لتتوقف أخيرا ...
بغضب أخفيته خلف الهدوء...:"ما الذي جرى لك؟.. ألا تسمعينني..."
نظرت إليّ ... ومن ثم وجهت عينيها ناحية عضدها المغلفة بيدي ... :" اتركني ... فأنا يجب أن أذهب..."
وأخذت تحاول أن تحرر يدها من قبضة يدي... التي لم تتزحزح...
قلت لها ...:"غدير إلى أين أنت ذاهبة في هذا الوقت المتأخر.... ومن ثم ألست خائفة... فنحن مهددون بأن تنهال علينا القنابل من جديد في أي لحظة...."
_:" لا يهمني ... يجب أن أذهب... أرجوك دعني أذهب..."

لتتشابك عينيّ بعينيها ... وأشعر بخدر في يدي... التي حررت يدها.... وكذلك عينيها حررت عينيّ من تلك النظرة التي سلبت مني عقلي ... وأكملت طريقها ... لكني عدت لأناديها .. بعد أن استعدت رشدي ...:" غدير ... توقفي ..."
توقفت .. لكنها لم تلتفت إليّ.. وقالت:"أرجوك دعني أذهب .. أرجوك..."
لأقول لها :" حسنا ... سأدعك تذهبين ... لكن لن تذهبي لوحدك ... سأذهب معك ..."

عم الصمت لبضع ثواني .... ولم يدم طويلاً فصوتها يداعب إذنيه:" حسنا ... هيا بنا..."
وأكملت طريقها ... وأنا من ورائها ...


|+* +* +*|




كنت منهمكا في معاينة ساق عمر المجروحة ... حين قال لي عبد الرحمن :"ها يا خالد طمئنا عليه!.."
نظرت إليه ...حين أجبته...:" إن حالته سيئة جدا ... فجرحه عميق .. وكما يبدوا بأنه فقد دما كثيرا .. لهذا أغمي عليه ... يجب بأن نذهب به إلى المستشفى..."
صرخ محمود قائلاً:" لا .. المستشفى لا ... "
تعجبت من كلامه ومن ردت فعله فقلت له مستفسرا :"لمَ لا ...؟!!"
أتاني الجواب من عبد الرحمن :" خالد ... المستشفيات ليست بالمكان الآمن لنا ... ومن ثم أنت تعرف الأوضاع الآن ...بالتأكيد المستشفيات مملوءة بالمرضى و الجرحى ... لهذا يجب أن تعالجه أنت ..
_:" لكن أنا كما قلت لك .. لم أكمل دراستي .. وأيضا .. لا تتوفر الإمكانات اللازمة لدي ..."
خرجت تنهيدة من عبد الرحمن ... ومن ثم نظر إلى عمر المغمى عليه .... ليعم الصمت لبرهة ... لكنه رحل بمجرد أن قال عمار :" عبد الرحمن ... لقد حان الوقت ..."
التفت إلى خلفه حيث عمار واقف .. هنا قال محمود :" هيا بنا سنأخذه معنا .. هناك ستقوم حنين باللازم ..."
شعرت بأني تائهٌ بينهم ... لم أكن أفقه شيئا مما يتكلمون عنه...
نظر عبد الرحمن إلى محمود ومن ثم عاد لينظر إلى عمر .... وأخيراً أجابهم:" هيا بنا .. فلنذهب ... أحملوه ..."
انصاع محمود وعمار لعبد الرحمن ومن فورهم حملوا عمر....
أما عبد الرحمن فقد نظر إليه ... ومن ثم قال:" شكرا لك يا خالد .... الآن يجب أن نذهب .."

ومد يده لي ... أما أنا فرغم تعجبي من كلامهم .. إلا أنني مددت يدي له وتصافحنا ... :" أنا لم أفعل شيئا ... لكن.. انتبهوا لعمر .. يجب أن تحرصوا أن يكون جرحه مغطى جيدا ... وأن تغيروه بشكل مستمر حتى لا يلتهب ..."
_:"حسنا .... مع السلامة .."
_:" مع السلامة ..."
أولاني ظهره ومن ثم أخذ يخطو مبتعدا ... وأنا أتبعه بعينيّ...
لم يكمل طريقه .. توقف ... والتفت ناحيتي ... وهو يقول:" خالد .. أنت رجل جيد ... طيب القلب ... تحب وطنك .... لهذا ... لهذا نحن بحاجة لشخص منثلك... بحاجة لك أن تكون فرداً منا..."
قوست حاجبيّ إلى أعلى ومن ثم قلت :"ماذا تقصد يا عبد الرحمن ..؟!!"
ليعود أدراجه ناحيتي ... ويتوقف أمامي مباشرة ... ويضع يده على كتفي :" الذي أقصده بأني أريدك بأن تنظم إلينا ..."
رددت عليه مذهولا:" ماذا ؟!!! انظم إليكم ..."
هز رأسه بنعم وقد رسم ابتسامة على شفتيه ...:" لا أعلم ماذا أقول لك يا عبد الرحمن ...؟"
زاد من سعة ابتسامته وقال:" قل لي بأنك موافق ... فنحن حقا بحاجة لشخص مثلك غيور على وطنه ..."
طأطأت رأسي لدقيقة ... وقلت له...:" عبد الرحمن .. أرجو أن لاتفهمني بشكل خاطئ... لكن ... ماالذي يؤكد لي بأنكم حقا تريدون أن تحرروا البلاد... ولا تكونوا كما الذين من قبلكم..."
هنا تبسم ضاحكا وقال.. بعد أن أنزل يده من على كتفي ... :"لا شيء يضمن لك ذلك... لكن سأقول لك شيئا ... نحن فقدنا من نحب بسبب أولئك المتوحشين ... رأينا كل يوم شخصا يقتل بوحشية أمام أقدامنا ... رأينا بلادنا تذبل بقنابل هؤلاء القتلة .... ذقنا المر منهم ... نحن عشنا كل لحظة من الألم و الوجع الذي سببه هؤلاء الطامعون .. الوحوش الذين لا يعرفون الشفقة ... فماذا تعتقد ؟.. أنكون عون لهم بعد كل هذا ... ؟ أنت حكم ...."

وعاد ليوليني ظهره ... ويذهب بعيدا عني ...
كم تأثرت بعينيه اللتين كانت فيهما الكراهية واضحة حينما كان يتكلم عن العدو ....
كانت نظرت عينيه تلك لا تنتسى ...
_:" عبد الرحمن ... "
ناديته وقد تيقنت أنهم الذين أريد أن أكون معهم .. أقف بجانبهم أمام العدو الغاشم ....
لم يلتفت إليّ... ولم يجبني بكلمة واحدة... بل توقف في مكانه منتظراً حديثي...

لأقل له والحماسة قد دبت بكل خلية في جسدي...:" أريد أن أكون معكم جنبا إلى جمب أمام هؤلاء القتلة ..."


|+* +* +*|




الشوارع مظلمة... لا ضوء يبدد الظلام... لأن بلادنا احتواها الذئاب...
الواحدة بعد منتصف الليل...

ظلت تمشي وأنا خلفها أمشي ... وفي داخلي أتمنى بأن تنطق وتخرج ما في داخلها لي ... لكن للأسف ظلت معتكفة في صمتها ...
مشينا ومشينا ... لتتوقف أخيرا ... توقفت أنا الآخر لأنظر إلى الشيء الذي تنظر إليه... وجدتها واقفة أمام منزلهم الذي بات خرابا.... لم أنتبه إلى الطريق لأنني كنت أفكر فيها وبما تفكر به ...لهذا لم ألحظ في أي خط نسير ... عدت لأتمعن في قسمات وجهها ... لأجدها جامدة ... لا تعبر عن مشاعر داخلية ... قلت في نفسي [[لا بد من كسر الصمت فهي لا أظن ستتكلم]]
لكن قبل أن أتكلم ... وجدتها قد اندفعت ناحية ركام المنزل ... وأخذت تنبش به ... وأنا مستغرب مما أرى ...
تبعتها ... وأردت أن أنهي هذه الحيرة التي أعيشها...:" غدير عمما تبحثين..؟!!"
لم تجبنِ .. بل أخذت تنبش أكثر فأكثر ...
_:" غدير ... أجبيني ... لربما سـ...."
قطعـ جملتي وأنا أراها قد تعثرت وسقطت إلى الأرض... اقتربت منها سريعاً... وقلبي بدأ يدق بسرعة ... خوفا عليها ... جلست بقربها و الرعب قد نحت تعابير وجهي... وقلت بصوت مغلف بالخوف:"غدير أأنت بخير ... ؟!!"

أخذت تهز رأٍسها بلا ...
وخرجت من صمتها بعد طول انتظار .. لتقول بصوت أعياه الحزن.... وضيق البكاء عليه الخناق ..:"كلا لست بخير .. لست بخير ... فقد فقدت الخاتم ... فقدته ... كما فقدت حسن ...."

كم كانت صدمتي كبيرة عندما سمعت اسمه .... لا أعرف كيف أصف ... شعوري حينها ... حزن ... لا بل هو أكبر من الحزن بكثير .. ألم ... لا بل هو أكثر من الألم .... أنها لا تزال تفكر به ... حتى بعد موته... وأنا ... وأنا بصعوبة أمسكت دموعي حينها ...
أما هي فقط عادت لتمسك باصبع يدها البنصر... والذي كان الخاتم يطوقه... وبدأت دموعها الغالية على قلبي تنزل من مقلتيها اللتين ترسمان الحزن رسماً...
لتكمل بصوت أعياه البكاء...:"لقد خسرت حسن و الآن بتول ... .. لقد رحلوا جميعا ... رحلوا .... رحلوا ..."
زاد نزيف قلبي وأنا أراها بهذه الحالة... رغم الوجع الذي سببته لي ... إلا أنني . .. لم أتحمل رؤيتها بهذه الحال ... فهي عندما تحزن أنا أحزن .... وجدت يديّ ترتفعا لا أرادياً ناحيتها .... لكنني .. أدركتها.... وعيت لنفسي.... وأرجعتهما خائبتان .. فأنا لا أستطيع بأن ألمسها .... فهي ليست لي ....
كم رغبة حينها بأن أضمها إلى صدري وأغرسها بالقرب من قلبي ... لكن لم أستطع ... لم أستطع....
زادت حدة بكائها .... وأنا واقف أمامها عاجز .... لا أستطيع بأن أخفف عنها ... آآآآآآآه كم كانت رؤيتها بهذه الحالة تقتلني ... تدمرني ببطء....
:" غدير ... أرجوك لا تبكي ... فهذه مشيئة الله ... لقد ... لقد .. ذهبوا إلى مكان أفضل من هذا المكان..."
التفتت ناحيتي ... تشابكت عينيها الدامعتان بعينيّ ... لأجد نفسي غارقا في بحر عينيها .... كنا سنظل على هذه الحالة لوقت طويل .. لولا المطر لذي انهمر علينا بغزارة ... هي كانت أول من تحرر من ذلك التشابك ... رفعت رأسها ناحية السماء ... أما أنا فقد كنت لا أزال غارقا في بحر عينيها .... حتى أنني لم أشعر بالمطر ... كنت مخدرا ...
لم يوقظنِ من ذالك المخدر إلا صرختها ... :" آآآآآآآآآآآي ..."
نظرت أمامي .. فلم أجدها ... فكالمجنون أبحث عنها بعينيّ... لأجدها فوق ركام المنزل ... وممسكة بيدها .. كما يبدو أنها عادت لتبحث في الأنقاض.. ... هرعت ناحيتها .... وقلبي يكاد يسقط من عرشه من خوفا عليها ...
عندما وصلت أليها سألتها من فوري:" ما الذي جرى ...؟ "
_:" لا شيء...لقد جرحت يدي..."
نظرت ناحية يدها لأجد راحت يدها قد شوهت بدماء ... هنا قلت وبعزم وغضب .... أخفي وراؤه خوف عارم عليها :" هذا يكفي ... يجب أن نعود ..."
هزت رأسها بالنفي وأردفت قائله:" كلا ... يجب أن أجده .. يجب ... يجب ... "
عدت لأقول لها بنفس النبرة:" ألا تربن الجو ومن ثم الظلام حالك... لن تستطيعِ إيجاده .... فهي نذهب هي ..."
هي الأخرى ردت عليّ بغضب يعتصر صوتها :" كلا لن أذهب ... يجب أن أجده ... فهو الشيء الوحيد الذي يذكرني به وببتول ... فقد اخترته أنا وبتول معا .... لن أتركه .... لن أرحل بدونه ... أنت اذهب ..فأنا لم أطلب منك المجيء ..."
ومن ثم وضعت يدها السليمة على فمها وعادت لتبكي ..... في حين أني شعرت بوجع وألم لما سمعت... بألم جعل غضبي يتراجع ....
هوت على ركام المنزل .. وعادت تنبش بيدها السليمة ... غير آبهة بالمطر الذي بات يشتد ... و بالظلام الحالك ...
أما أنا فلم أعد أقدر على الاكتفاء بدور المتفرج أكثر من ذلك ... لهذا قررت أن أتحرك وأن أفعل شيئا ... لعل الوجع الذي في قلبي يختفي ....
قلت لها ...:" غدير ... توقفي أرجوك ... أنا سأبحث عنه ... أما أنت فستعودين إلى المنزل فالمطر غزير و الظلام حالك وأيضا أنت مجروحة .. لن تستطيعِ البحث ... وأنا أعدك بأني سأجده وآتيك به..."
رفعت رأسها ناحيتي .... وأخذت تنظر إليّ ...

شمعة
13-11-2009, 10:51 AM
قلت لها وأنا أقترب منها رويدا رويدا ... :" هيا بنا لنذهب .. سأوصلك للمنزل ومن ثم سأعود إلى هنا وأبحث عنه ..."
وعندما بت بمقربة منها توقفت مكملا حديثي وهذه المرة أنا الذي تعمد بأن يوقع عينيها بشرك عينيّ ... :"أنا أعدك أني لن أعود إلا و الخاتم بحوزتي ..."
قامت من على الكومة وعينيّ لا تزالان معلقة بعينيّ ... وهي تقول:" حسنا ... فأنا أثق بك يا علي ... سأجعلك تبحث عنه ..."
ابتسمت لها... وقلت:"هيا بنا! لنذهب..."


|+* +* +*|




عندما يبدأ يوم جديد... يبدأ بالضوء الذي يتسلل إلى كل زاوية في العالم... لكن هذا يوم مختلف... فالشمس اليوم كانت باهته... وحزينة...
صباح الأحد... ثلاثون من نوفمبر... الثامنة وعشر دقائق ...

كان جالسا ينظر إلى اللاشيء ... سارحا في عالم من الأحزان ...
لم يعلم كيف يفتح الأمر معه... فالأمر ليس من السهل التكلم فيه ... لكن لابد من فتحه ...
في البدء أطلق تنهيدة طويلة وهو يهيئ نفسه لفتح الموضوع...:"أبا أحمد ... أعلم كم هو صعب بأن أكلمك في هذا الموضوع... لكن يجب أن نرتب لأجل العزاء..."
التفت إليه ... أخذ نفسا عميقا وأخرجه دفعة واحدة ... أدخل كلتا شفتيه إلى فمه .. وهو يحاول أن يكتم رغبته في البكاء ومن ثم قال:" نعم ...افعل ماتراه صحيحاً..."
_:"حسنا .. أنا سأتولى كل شيء ... وهذه هي الدنيا يا أخي موت وحياة... هم السابقون ونحن اللاحقون..."


|+* +* +*|



دخلت إلى المطبخ لأجد أمي منهمكة في تقليب ما في المقلاة...
_:" صباح الخير ماما..." وأنا أقترب منها...
التفتت ناحيتي ثم أجابت :" صباح النور ياسمين ..."
توقفت بجوارها أسألها...:"أتريدين أن أساعدك بشيء ؟"
_:" نعم .. قومي بغسل الأطباق وتجهيزها .."
اتجهت ناحية المغسلة مجيبة عليها...:" في الحال ... "
سألتني أمي مباشرة ... :" هل رأيت خالتك ... ؟"
توقفت لثوان قليلة وقد تذكرت تلك الوجوه الحزينة... :" نعم .. عندما نزلت... كانت في غرفة الضيوف..."
_:" لازالت تبكي أليس كذلك ..؟ "
_:" نعم ... وكانت ريم معها... هي الأخرى كانت تبكي ... ليكون الله في عونهم .."
هزت أمي رأسها بأسى وهي تقول _:"نعم ... ليعينهم الله... المسكينة فقدتها فجأة... ربتها مذ كانت في المهد... ماذا عن غدير ..؟"
:"لا أعلم استيقظت ... ولم أجدها في غرفة كوثر... وحتى لم تكن مع خالتي ..."
_:" أين ذهبت يا ترى ...؟!!"
وقبل أن أجيبها دخلت كوثر... فسألتها أمي مباشرة...:"أين غدير؟!.."
_:" لقد رأيتها تقف في الخارج... عند الباب..."
فسألت أنا...:"ما بها؟!. هل خرج أحمد وهي تنتظره؟!."
أجابت غدير وهي تمد يدها للأطباق المغسولة تجففها...:"لا... أحمد لازال في غرفة الأولاد... أما هي فعندما سألتها أجابت بأنها تنتظر عليّ..."
حدقت بها مستغربة... فسألتها أمي باستفهام...:"مابه عليّ... أليس في الأعلى؟!."

قطع حديثنا دخول أبي ... وهو يسأل:" هل الفطور جاهز يا فاطمة ..؟"
التفتت ناحيته كان لايزال بالقرب من الباب ... وقالت:" نعم جاهز... ستأخذه الفتيات إلى الصالة..."
فقلت...:"صباح الخير بابا"
نظر ناحيتي وقال:" صباح الخير حبيبتي... أعطيني صينية الشاي والحليب لأذهب بها..."
كانت أمي قد سخنت الخبز فوضعته في الصينية وأعطتها لوالدي وهي تسأله عن العم مصطفى... :"كيف حال أبي أحمد اليوم ..؟"
أخذ أبو علي نفسا ولم يلبث إلا وأخرجه مصحوبا بكلماته:" ليس بخير .. ليس بخير ... لقد أخبرته بأمر الجنازة... وأني سأرتب كل شيء ... ليتك رأيت وجهه ... كان واضحا أنه يتألم... والآن المسكين يتصل بأخته يخبرها بوفاة ابنتها .. بالتأكيد لن يكون الأمر سهلاً عليه ..."
وخرج أبي دون أن يسمع كلمة أخرى منا...
في حين أن أمي أخذت المقلاة وأخرجت البيض منها لتقسمه على الصحون... كان الحزن يكسونا جميعاً... رغم أن بتول لم تصاحبنا كثيراً كما هي مع ريم وغدير... لكن الوضع يؤلم...
_:"سيخبر أخته!.. لا أعتقد بأنها ستهتم للأمر كما خالتي..."
كانت كوثر هي من قالت هذه الجملة... نظرت إليها والدتي وقالت...:"ربما الدمعة لن تخرج من مقلتيها... لكنها ستتألم مهما كان قلبها من حجر... لأن بتول روحٌ خرجت من روحها..."
حملت صينية الأطباق... قبل أن أقول:"هه... لا أظن فدوماً أسمع ريم وغدير يقولون أن الحجر ألين من قلبها..."
وأكملت كوثر...:"والجبل ينحني وهي لا..."
أسكتتنا أمي بكلمة لا ندركها...:"مهما كانت فهي أم ولدتها..."


|+* +* +*|


كنت جالسة على الدرج الخارجي للمنزل .. متكئه على مقبض الدرج ... مصوبة عينيّ ناحية باب السور ... مترقبة كل حدث في الطريق...
أخيرا وقعت عينيّ عليه بعد طول انتظار ... كان هندامه قد اتسخ ببقع من الوحل ... وكذلك لم يخلو وجهه منه...
أخذت أتمعن في تعابير وجهه بحثا عن جواب شافي... لكن وجهه لم يأتنِ بشيء .. كان يخلو من أي تعبير ... قمت من مكاني متلهفة...
وهو أخذ يقترب نحوي... طال صمته مما زاد من خوفي ... خطا أول درجة... ومن ثم الثانية ... ليبقى درجة واحدة تفصل بيننا.... قلبي يدق بكل حركة تصدر منه... أشعر وكأنه يتلذذ وهو يرقبني محتارة في أمره... رفع قدمه ووضعها على آخر درجة... فلم يعد يفصل بيننا سوى شبر واحد... وعينيّ معلتقة في وجهه... أريد أن أجد فيه جواباً يشفي جراحي....


|+* +* +*|

نظرت إلى وجهها .. أمعن فيه... لعلّي أعرف ما في داخلها من مشاعر... لم أجد إلا الترقب مع مزيج الحزن.. وآثر الدموع الجافة التي شوهت وجنتيها... كانت تنظر إلى كل زاوية من وجهي... تريد أن تعرف ماذا أخبئ لها من جواب...
رفعت كفي مغلقاً... عينيها تركت وجهي لتتجه إلى كفي... فتحته أمام ناظريها... ليظهر من وراءه الخاتم... لم أبعد عينيّ عن وجهها... لم أريد أن يفوتني ذرة من ردة فعلها...
وجدت الفرحة التي تمنيت أن أراها في عينيها قد وجدت طريقها إليهما ... رفعت كلتا يديها وأمسكت بالخاتم ... وهي لم تبعد عينيها عن الخاتم مذ وقعت عليه.... أحسست بأن الأرض لا تسعها من الفرح...
قلت وابتسامة فرح قد سكنت شفتيّ وروحي...:" لقد وعدتك أني لن أعود إلا به..."
نظرت ناحيتي ... وابتسمت ... أنا الآخر لم تكن الأرض تسعني من الفرح لما رأيت ابتسامتها التي تسحرني قد عادت إليها ... أعادت عينيها ناحية الخاتم ... لترحل تلك الابتسامة عن شفتيها ... رفعت الخاتم ناحية شفتيها... وطبعت عليه قبلة وهي مغمضة عينيها... لتفتحهما .. وتسمح لدموعها أن تهطل...
لتقتل الفرحة التي عشتها لثواني معدودة... ويقبع الحزن على روحي.... تقدمت إلى الأمام .. لأصبح في مستواها... مجاورا لها... أحاول أن أقترب أكثر لتشعر بالذي يؤلمني منذ زمن... وبنبرة صوت تعكس الحزن الذي في داخلي... :"لمَ الدموع يا غدير... ها هو الخاتم في حوزتك ... لقد عاد لك..."
شدت من قبضتها على الخاتم... وقالت بعد أن أبعدت الخاتم عن شفتيها... بصوت لا يخلو من شهقات البكاء...:"الخاتم عاد... لكنهم لم يعودوا لي..."
وتحركت مبتعدة عني ناحية باب المنزل...
حاولت بأن أناديها .. لعلّي أخفف عنها ...:"غديــ...."
لكن لساني خانني... وشل عن الحركة... لأنني أعجز عن تخفيف حزنها... وكم يؤلمني هذا... يؤلمني أن أرى الفتاة التي أحبها بل أعشقها حزينة متألمة... ولا أقدر على فعل شيء ليفرحها ...أو على الأقل ليخفف آلامها....


|+* +* +*|


منزل يعيش أصحابه حياة أخرى... لا يشاركون الآخرين مآسيهم... لكن الوضع كما قلنا سيختلف ويتغير... ولكن ليس بالكثير الكثير...

البارحة لم أستطع النوم ... فقد كنت أفكر بالذي جرى لأمي ... وما سببه ... كانت الأفكار تأتي بي .. وتذهب بي .. حتى بدأ رأسي يؤلمني ... لهذا قررت أن أسأل أمي في الصباح الباكر...
لأعرف ما الذي جعلها بتلك الحالة في الأمس... حتى عندما عدنا للمنزل في البارحة... لم تنطق بحرف .... ولم تكلم أحدا... بقيت شاردة الذهن طوال الوقت .. كان لا بد أن أسألها... والآن أتت الفرصة المناسبة... نحن لوحدنا الآن .. وهي تبدو أفضل من البارحة.... هيا فالأكلمها .... وأريح رأسي من التفكير العقيم ....
أخذت نفسا عميقا وأنا أهيء نفسي للقادم ... كانت تحتسي الشاي .. حين قلت لها :" أمي هل يمكنني أن أسألك شيئا ...؟ "
نظرت إليّ لوهلة ... قبل أن تقول:"لا ..." ورشفت رشفة أخرى من كوب الشاي...
لم أيأس .. أردت أن أعرف وبشدة .. فحالها لم يكن طبيعيا طوال الأمس ... لهذا عدت لأقول لها :"يبدو بأنك تعلمين عن ماذا أريد سؤالك.."
لترد عليّ :" نعم أعلم .. لهذا لا تتعب نفسك بالسؤال يا وسام ... "
_:" لكن أمي يجب أن أعرف ... فالبارحة لم تكونِ طبيعية بتاتاً؟.. ما الذي جرى؟.. ماالذي رأيته وقلب حالك؟.."
وضعت كوب الشاي على الطاولة القابعة أمامها.. وقالت وقد تغيرت تعابير وجهها السكانة .. إلى غضب:" لم يحصل شيء ... كنت فقط متعبة لا غير ..."
_:" كلا يا أمي لم تكونِ متعبة .. أنا لست أطفلاً لكي ينطلي عليّ هذا الكلام ... "

قطعتُ كلامي عندما رأيتها تقوم من على الكنبة... وقد زادت حدة غضبها... وأخرجته في جملتها...:" هذا يكفي ياوسام .... قلت لك لم يحدث شيء وأنا بخير... وإياك أن تفتح هذا الموضوع مرة أخرى ... أفهمت؟..." و أشارت لي بأصبعها متوعدة....
أما أنا فقد كنت حقا متفاجئ من ردة فعلها... وبنفس الوقت ردة فعلها هذه أكدت لي شكوكي ... لهذا قمت أنا الآخر .. وفي نيتي أن أكشف سر الذي جرى... لكن صوت هاتفها المحمول رن ومنعني من الحديث...
أخذتْ هاتفها الذي كان على الطاولة المجاورة للكنبة... وتعينت الرقم قبل أن تقول...:" ياالله.. ماذا يريد هذا الآخر..."
واستقبلت المكالمة مباشرة... وردت على المتصل...:" ألو .... أهلا يا مصطفى ..."
استمعت للطرف الآخر قليلاً... ثم قالت..:"أنا بخير .. وأنت ؟..."
في ثانية واحدة ... تغيرت قسمات وجهها .... التي بدأت ترسم معالم الصدمة ... تعجبتُ مما حل بها ... ومن ثم انهارت أمي بجسدها على الكنبة ... وهي لا تزال تضع الهاتف على أذنها ... عم الصمت المصحوب بسكون جسدها لعدة ثواني... هنا شعرت بالقلق ... لهذا اقتربت من أمي.. جلست بجوارها ... وسألتها فوراً...:" أمي ما الذي جرى؟.. ما الذي حصل لك ... ؟؟"
التفتت ناحيتي ... بنظرة لا أعلم كيف أصفها ... كأنها لم تكن تراني... كانت تغارقة بالحيرة... وعلامات الصدمة لم تفارق ملامح وجهها...
تحول القلق إلى خوف عندما رأيت حالها...:" أمي أرجوك أجبيني ... أمي ..."
لكنها لم ترد عليّ .. كأنها لم تكن تسمعني.... كانت في عالم آخر...
فلم أجد حلا سوى أن أخذ الهاتف منها .... وضعته على أذني... لأسمع صوت خالي المذعور وهو ينادي أمي ...
أجبته...:" ألو خالي ... هذا أنا وسام ... ما الذي يجري ... ؟"
وليتني لم أسأل... ليردني جواباً لم أكن أتمنى سماعه أبداً...


|+* +* +*|

|| بقلم : شمعة ||
|| التدقيق اللغوي والنحوي : معلم لغة عربية ||

خولة يوسف
13-11-2009, 04:24 PM
أجمل جزء قرأته لكنه مؤلم جداً


بتأكيد القادم اجمل

بنتظاره

totaa
13-11-2009, 08:15 PM
رجعتوا بعد طول غياب
وهذا ما اسعدنى كثيرا
انا متابعه للروايه من زمان
لكن بصمت وحان الوقت الذى اعطى ردى
الاجزاء جميله جدا
اتمنى ان الروايه تكتمل بسرعه
واتنمى ايضا ان تنتهى بالسعاده
شكرا لكما

بسمة ألم
14-11-2009, 12:34 AM
نورتو ياغالين شو هالغياب
اشتقنا لابدعاتكم
بارت حزززززززززززين جدا
والله ابكاني
شكرا لكم انتضر جديدكم

الملاك الطائر
18-12-2009, 07:37 PM
شمعة ، شجرة الكرز، أبهرتوني بروايتكم الأكثر من رائعة
فعلا انها جميلة جدا اتمنى منكم تنزيل الأجزاء الجديدة بأسرع وقت
تحياتي

شجرة الكرز
19-12-2009, 12:14 AM
|| خولة يوسف ||

أسعدني هذا الوجود...

وأعتذر لك وللجميع عن التأخير الخارج من بين يدينا...




|| Totaa ||

مرحباً بك صامتة أم متحدثة ^___^

وشكراً لك على هذا التواجد الطيب...

لولا التدقيق... لكانت الأجزاء في كل اسبوع جزء...

ولكن نحتاج للوقت حتى تحل الأفكار علينا...

ويحتاج الأستاذ وقتاً للتدقيق...




|| أم العباس ||

بوركت غاليتي على تواجدك الدائم...

والصفحات منورة بكم...




|| الملاك الطائر ||

أنت المبهرة بظلال أجنحتك...

أما الأجزاء الجديدة قيد الكتابة والتدقيق....

لن نطيل كثيراً إنشاءالله...




دمتم بود ومحبة...

ودامت ظلال القراء بصمت ^__^

شجرة الكرز
23-12-2009, 03:50 PM
|+*| الورقة الثامنة من غصن الحرية |*+|





لازلنا في يوم الأحد... الواحد من ديسمبر...
في إحدى البنايات الضخمة والراقية... هناك شخص اختفى عن أنظارنا فترة طويلة... وقد كتب على تلك البناية بخط رائع "مجمع النسيم"...


ماذا فعلت بنفسي؟!. أي ذنب اقترفته؟!. منذ أيام لم أذق طعم النوم... كلما وضعت رأسي على الوسادة زارني طيفها... أشعر وكأن ملائكة السماء تجثواعلى صدري... تخنقني...
آآآه ما أصعب تأنيب الضمير... ليتني مت قبل ذاك اليوم!.. فأنا الآن أشعر وكأني متهم خلف القضبان في محكمة الضمير... شعرت بروحي تائهةً وسط الأفكار التي كادت تقتلني...
آآآه ألف آه أتجرعها هنا... وليتها تقضي عليّ لتريحني...
أين أذهب الآن؟!. أين أذهب بوجهي أمام ابنتي؟!.

_:"أبي!.. أبي!.."
فزعت من مكاني على صوتها... نظرت إليها وهي واقفة حيث أنا مستلقٌ على تلك الكنبة...

سألتني باستغراب.:"مابك ياأبي؟!. منذ وقت وأنا أناديك وأنت لاتجيبني!.."
نظرت لها والحزن يعتصر فؤادي... أبحث بين طيات قلبي عن جواب... لاليس قلبي!.. فهذا القلب قد مات منذ أيام كثيرة... مذ سيطر الشيطان عليّ... وجردني من إنسانيتي... أصبحت جندياً من جنوده... فأطعته بما أمرني أن أفعله... إنني أحمــ...

_:"أبي!.. مابك ياأبي؟!."
قطعت علي تفكيري... وقطعت على ضميري تأنيبه لي...

جلست على الكنبة... لأغرس رأسي بين كفيّ... وأجيبها بأسى...:"ليس هناك شيء ياهدى!.. إنني تعب مما حدث لنا في اليومين السابقين..."
جلست بجانبي لتضع كفها الصغيرة على كتفي... وقالت لي...:"لابأس!.. هذا هو قضاء الله ياوالدي... ولا اعتراض على قضائه... فربما القادم خيراً..."

آآآه... آآآه يانفسي... ستقتلني بكلماتها العفوية... وطيبة قلبها... لا تعلمين ياهدى أي حجر تكلمين!.. وأي رجل أمامك... ليتك تعرفين حقيقتي... ليتك!..
_:"قومي ياهدى!.. واتركيني لوحدي..."

عقدت حاجبيها باستياء وقالت...:"أبي!.. أريد أن أطلب منك طلباً..."
أجبتها دون أن أنظر إليها... فأنا أخجل من نفسي وما اقترفته...:"اطلبي ما شئت!.."
ترددت قليلاً قبل أن تجيب...:"أريدك أن تأخذني إلى بتول... فأنا أريد الاطمئنان عليها..."

ماذا؟!. ماذا قالت ابنتي؟!. إنها... إنها تريد أن تذهب لصديقة طفولتها... لصديقتها التي دمرت حياتها بيدي هاتين... ياالله ساعدني!..
كيف يساعدني وأنا مذنب... وأنا عصيته!.. لكنني استعذت بالله من اللعين وابتعدت... لكني ابتعدت بعد ماذا؟!. بعد ماذا أيتها النفس اللعينة؟!.

_:"لابد أنهم ذهبوا لمنزل السيدة فاطمة... ولاأدري هل عادت بتول للمنزل بعد أن تركتني أم ماذا حل بها؟!. أبي!.. هل تعتقد بأنها وقعت بين يديّ أولئك المجرمين؟!."

رفعت رأسي... أحاول انتشال نفسي من بين هذه القضبان التي تخنقني... حبل المشنقة يلف حول رقبتي ويشدني... يأسرني الضمير في محكمته... تقيدني أغلال الذنوب... تؤلمني... تؤلمني جداً... ولا أستطيع فكها عن جسدي...

هذه فقط عاقبتك في الدنيا... أما فكرت في قبرك الذي كنت تعد له؟!.. بيتك المؤقت!.. أما فكرت في بيتك الأبدي؟!.. أيهما اخترت نار الله الموقدة؟.. أم الجنة التي أعدت للمتقين؟!.

_:"أبي!.. هل ستأخذني أم لا؟!. أريد الاطمئنان عليها..."

أنقذتني هدى من ضميري الذي استيقظ... بل حرمت نفسي من عذابها الذي يؤرقها... وجدت نفسي سابحاً في عرقي... مسحت جبهتي وأنا أجيبها...:"حسناً... ألا يمكنك الاكتفاء بالاتصال بها؟.."

طأطأت رأسها وهي تجيب...:"لا أعرف رقم منزل السيدة فاطمة... لكنني أعرف مكانه..."
هززت لها رأسي علامة الموافقة... ثم أجبت...:"جهزي نفسك قبيل المغرب آخذك إليهم..."

قبلت رأسي وهي فرحة... وانطلقت إلى غرفتها...

منذ مساء الأمس نحن هنا في هذه الشقة التابعة للشركة التي أعمل بها... فقد تهدم بيتنا من جراء الانفجارات... كما حدث لأغلبية البيوت المجاورة لنا...
ليت تلك الانفجارات أخذتني معها لتريحني من ذنبي... آآآه... آآآه ياإلهي... سامحني على ذنبي العظيم... إنني عصيتك... وأنا معذب الآن... معذب في دنياي قبل آخرتي...


|*+ *+ *+|



كنت أتجرع ألمي بصمت منذ الأمس... لم أتحدث مع أحدهم بتاتاً... يحاولون الحديث معي وأنا ألجأ إلى الصمت والذهول مما نحن فيه...

عندما رأيت الخاتم وسط كفه... حملتني الفرحة إلى أعلى السماء... إنه الذكرى الوحيدة التي بقيت لدي... فكل شيء ضاع وسط الركام... لم يبق لي سوى الخاتم وذكريات مخزنة في عقلي...
رآني مبتسمة... فرحة... فكانت السعادة تسكنه لي... عندما طبعت قبلة شوق على الخاتم... أحسست وكأني أقبل يد حسن... تمنيته لو كان موجوداً ليواسيني في فقدي لبتول... أختي الحبيبة...

بل تمنيت لو أن أمطار الأمس كانت أرواحاً ماتت... وعادت للحياة ثانية... عادت لأجسادهم المدفونة هنا وهناك...
لم أتمالك دموعي فبكيت أمام علي... الذي شعرت بملامح وجهه الحزينة تحاول التخفيف من مصيبتي... لكن!.. أريد أن أبكي بعد صمتي الطويل في الأمس... أريدأن أشكو همي وحزني بالبكاء...

أطلقت لساقي الحرية... فلم أشعر بنفسي إلا وأنا بين ذراعيّ أحمد... ضمني إلى صدره الحنون الذي استقبلني زمناً طويلاً... الذي كان يسلب الحزن من قلبي... ولكن اليوم قلبه يمتلأ بالحزن والغم... أمسكت به بشده وكأني أخشى فراقه...
همس بهدوء... لكن آلاماً تسكنه خرجت من بين ذرات أنفاسه...:"ابكي قدر ما تشائين... فقلبك يحتاج الراحة..."

ضربت ظهر أخي وكأني أفرغ طاقتي فيه... كانت ضرباتي قوية لكنه تحملني...:"آآآه... آآآه يا أحمد لقد رحلوا... لقد تركوني وحيدة يا أحمد... آآآه... آآآه أريدهم أن يعودوا... لكن كيف؟.. ليتني أذهب إليهم اليوم... ليتني أرحل..."
_:"سنرحل جميعنا... سنغادر الدنيا إليهم..."

توقفت عن ضربه لأمسك قميصه بكلتا يديّ بقوة... صرخت أنادي على بتول... وكذلك نطقت باسم حسن مراتاً عديدة... كانت بي طاقة هائلة من البكاء... رغم أني لم أنم طوال يوم الأمس... إلا أنني كنت أريد أن أبكي... أن أبكي فقط...

_:"آآآه يا بتول... بتول لماذا خرجت من المنزل يابتول؟.. بتول أين أنت؟!. عودي... آآآه ياأحمد لقد قتلوها... قتلوها كما قتلوا حسنًا... قتلوهم بدماء باردة... إنهم أنذال بلا رحمة... أين هم الآن؟.. أريد أن يعيدوا لي حسن... آآآه لقد رحل وتركني وحيدة..."
همس أحمد ثانية...:"لست وحيدة ياغدير... نحن هنا معك... جميعنا هنا لأجلك..."

صوته الحنون يتخللني... طبطباته عليّ تريحني... أعشق تلك الروح التي في داخله... فهي تسلب مني آلاماً مبرحة... وتضمد لي جراحاتٌ موجعه... غرست وجهي أكثر في صدره... وخارت قواي حتى لم أعد أستطيع إمساك قميصه من ظهره... لأن يدي انزلقت فلم تعد بي ذرة من القوة أبداً... سوى أني أتيت بيدي لأضعها بيني وبينه... ولازلت أغرس رأسي غرساً في صدره...


| *+ *+ *+|



إنه القدر الذي يحكمنا... ويسير بنا نحو أيامٍ مربكة... ويضع أمامنا أناسًا جددًا ليكونوا أهم الناس بالنسبة لنا...


مضى الوقت وأنا أجلس هنا على نارٍ موقدة... هي في الداخل مع تلك الفتاة التي ألتقيها للمرة الأولى كما البقية الذين حولي... لكن تلك الصغيرة مصيرها يؤرقني... فساعة أدعو بأن تصحو... وساعة أخرى أتمنى أن لا تصحو حتى لا تتذكر ماحدث... وربما يزيد ذلك من حالتها سوءاً...

عجبت من الفتيات اللاتي يقمن على مساعدة هذه المجموعة الصغيرة من الرجال... هناك من تعد لهم طعاماً سريعاً وخفيفاً... واثنتان تساعد ما اسم تلك الطبيبة كما يدعونها؟!.. نعم!.. حنين لديها ممرضتان كما أطلقت عليهما تساعدانها... أربعة فتيات في هذا المكان... مقابل هؤلاءالأربعة...

أفزعتني تلك الكف التي ربتت على ظهري... فالتفت سريعاً أنظر إلى صاحبها... :"لاتقلق... ستكون بخير... إن عمر حالته الآن مستقرة... وهذا بفضل الله تعالى ثم حنين..."

أتى عمار ناحيتي يحمل صينية أكواب الشاي... :"تفضل ياأخي... ولا تقلق على الفتاة ستكون بخير بإذن الله تعالى... كلنا هنا أصابتنا إصاباتٌ بليغة... وانظر إلينا في كامل صحتنا ولله الحمد..."
أخذت كوباً وأنا أستمع لكلامه المطمئن...:"حمداً لله على كل حال... أتمنى أن تكون بخير... ولكن إن استفاقت فهي ستتذكر ما حل بها..."

تكلمت تلك الفتاة القادمة ناحيتنا وبيدها طبقاً من الشطائر...:"لو استفاقت وتذكرت ما حل بها... ستكون كارثة بالنسبة لنا... لازالت صغيرة... فكيف لنا أن ننسيها الحادث؟.. فربما يولد لديها خوف من الرجال..."

كل منا أخذ شطيرة يلتهمها... ليسد بها جوعه... غبت عنهم إلى خضم أفكاري... لكن قبل أن أتعمق في تلك الأفكار طرأ في عقلي أسئلة عديدة...
التفت إلى خلفي أبحث عن عبدالرحمن... لكنه لم يكن موجوداً... كانوا ثلاثتهم يستمعون إلى الفتاة التي أعدت الشطائر... عن أحوالهن في فترة غيابهم... نظر إليّ محمود فقال لي.:" مابك ياخالد؟!. أشعر وكأنك تريد السؤال عن شيء... قل ولا تخجل... فأنت الآن واحدٌ منا..."

سكتت الفتاة التي كانت تطمئنهم على الأوضاع ونظروا جميعاً لي... شجعتني بقولها...:"كلنا هنا أتينا لا نعرف عن بعضنا البعض شيئاً... لكن نتشارك في المصائب والأهداف... فسأل لنسألك أيضاً..."

ازدردت ريقي وسألت مباشرة...:"لا أدري عن ماذا أسأل... لكن طلبتم مني الانضمام إليكم لأن أهدافنا تقابلت... فأود السؤال هل هذا هو عددكم أربع فقط..."
ابتسم عمار وأجاب...:"لسنا أربعة... نحن ثمانية أشخاص..."
أشار عبدالرحمن لكل واحد وهو يذكر أسماءهم...:"محمود وعمار أخوان... علياء أختٌ لعمر... سعاد ومريم في الداخل أختان... حنين أختي وجارتي سابقاً... وأنا..."

هنا خرجت إحدى الفتيات من الغرفة المجاورة لنا... سألتها مباشرة...:"هل هي بخير؟!."
_:"لاتقلق..."

انطلق محمود يحادثني...:"والآن أنت خالد... معك أختك التي نجهل اسمها حتى الآن... ونحن هنا كلنا إخوة وأخوات..."
_:"شكراً لكم جزيلاً... وهل تعيشون جميعكم هنا في هذه الشقة؟!."

أجابني في هذه اللحظة عبدالرحمن...:"الفتيات هنا... أما نحن فلدينا الشقة السفلية لهذه البناية... فحارس البناية رجل عجوز لكنه يقضي يومه على سجادته... وإن كان عند البوابة فممسكاً بقرآنه يقرأ..."

_:"أي أنكم مطمئنون منـــ.."

قطعت جملتي الطبيبة حنين وهي تخرج من الغرفة إلينا... نهضت من مكاني وعيناي معلقتان بها... أسرق من حركاتها المنهكة خبراً يريحني...
نظرت إليّ... ثم اتجهت إلى أول مقعد أمامها... فسألتها مباشرة...:"كيف حال الفتاة؟!."
ابتسمت بإرهاق ثم نظرت إلى وجوهنا واحداً تلو الآخر... مما زاد حيرتي وقلقي... لكنني التزمت الصمت...

ولم تمض دقيقة واحدة حتى قالت...:" إنها بخير... وحالتها جيدة جداً..."
ارتحت من كلماتها... :"حمداًلله..."
_:"لكن... هناك ما يقلقني... إن الضربة التي أتت على رأسها من الخلف قوية جداً... وربما تفقد ذاكرتها أو جزءاً منها..."
نظرت إليها بقلق شديد... فسألتها...:"ألا توجد طريقة تعيد إليها ذاكرتها؟!."

هزت رأسها سلباً... وهي تجيبني...:"للأسف لا... لكن إن كانت هناك أشياء تسبب لها انفعالات شديدة... أو حتى صدمة قوية... فهي ستحاول أن تتذكر... لأن الإنسان بطبيعته يكره العيش دون أن يعرف من يكون... وهذا سيجعل وضعها صعباً بيننا..."
_:"إلا في حالة واحدة؟!."

كانت هذه جملة عبدالرحمن... الذي تعلقت به عينيّ... فأجاب...:"وجود أحد من أقربائها هنا!.."

ماذا؟!. كيف هذا ونحن لانعرف من تكون هي؟!. ماذا يعني بذلك؟!.
قطع عليّ تفكيري عمار... :"فكرة صائبة... ولكن كيف؟!."
ابتسم محمود وهويقول...:"خالد... هو أقرب شخص منها!.. وبذلك سيكون قريباً لها..."

عقدت حاجباي وأنا أسألهم...:" ماذا؟!. إنني وجدتها بالصدفة... فكيف لي أن أكون قريباً منها؟!. ثم إنني لا أعرف اسمها حتى... أو إلى أي بيت تنتمي؟!."

ضربت حنين رأسها براحة يدها وهي تقول...:" ياالله!.. ألا تعرف شيئاً يسمى الادعاء؟.. عندما تفيق يمكنك أن تخبرها بأنها ابنة خالتك.. أو عمتك... أو حتى أختك... واختر لها اسماً من الأسماء..."
تكلمت أخت عمر... علياء...:"إنهم محقون!.. لأنها لو تذكرت شيئاً مما حصل كما قلنا سابقاً فستكون كارثة بالنسبة لنا... لكن إن أحست بقرب أحدنا إليها مثل الأخ فسترتاح أكثر..."

_:"سنكون نحن معك في هذا الطريق... من أجلها!.."
إنها مريم من تحدثت... تبعها محمود قائلاً... :"إنها يتيمة الآن... وتستحق كل المساعدة منا جميعاً..."

كلماتهم... ابتسامتهم... موقفهم هذا... بل كلما حدث لي معهم... لن يمسح من ذاكرتي...


| *+ *+ *+|



ربما نتغير!.. ربما تغيرنا الأيام والليالي... ولكن ليس بالكثير...


_:"ماذا بكما؟!. أخي ما الذي حدث لكما؟!."

وقفت أنظر لوسام وأمي... شكلهما مخيف... أمي دموعها تنهمر دون توقف... أما وسام فيبدو عليه الصدمة...

هززت وسام وأنا أسأله... :"وسام!.. ماالذي حدث؟!. أجبني ياوسام؟!."
ارتفعت عينيه إليّ... نظرات لم أعرف كيف أفسرها... إنها غريبة... غريبة جداً... لكن الألم يطغو عليهما...
عقدت حاجبيّ باستغراب... فسألته...:"وسام؟!. أهناك شيءٌ يؤلمك؟!.."
_:"لقد... ماتت!..."

ما الذي قاله أخي للتو؟.. :"ماذا؟!. من هي التي ماتت؟!."
إنه يتحدث بألغاز محيرة... :"أختي ماتت... لقد قتلت!..."

نظرت إليه بغرابة شديدة... يقول [[أختي ماتت]] وها أنا أقف أمامه... لا أشكو من شيء...
صرخت عليه...:"وسام أرجوووك!.. تكلم جيداً... فأنا لا أفهمك؟!. أمي تبكي وأنت تقول بأني مت!!.."

هز رأسه وقد خرت دمعة من عينه... :"إنها بتول ياحوراء!.. بتول قد ماتت!.."
اتسعت حدقتا عيني وأنا أسمع كلماته... :"كيف؟!."

شهقت أمي وهي تجيب عن سؤالي... :"كله بسببي!. لقد تركتها لأنسى الماضي الأليم... والآن هي تتركني... آآآه... لقد هربت من الجحيم الذي عيشتها فيه... آآآه..."

هل ما تسمعه أذناي معقول؟!.. أمي تعاتب نفسها!.. هل يمكن أن ضميرها قد استيقض من سباته؟.. لكن للأسف تأخر في نومته!..

كنت أتأمل ذلك الوجه الذي كان جامداً طوال اليوم... تأملته فترة طويلة... فاليوم اختلف عما كان عليه سابقاً... إنه حزين... كئيب... متألم... والأهم من كل هذا نادم!... هل هي أمي حقاً؟... كانت تقسو علينا ولا نرى عليها أي علامة تدل على الندم... واليوم أراها في بحر من الندامة والأسف...

شلني التفكير عن الاحساس بأي مخلوق من حولي... إلا أمي!..
فلا أنا ولا وسام نعرف بتول أو التقينا بها... فلا يبدو علينا التأثر بما حدث... أما هي... فلا أدري كيف أصف حالها... فقد حملتها تسعة أشهر في أحشائها... رغم أنها قاسية... إلا أنه هناك بصيص من الرحمة يحتويها...


| *+ *+ *+|



نزلت أجر قدميّ جراً... وأسحب نفسي إلى الأسفل كرهاً... أول خطوة أخطوها إلى الصالة... حيث يجتمع الجميع فيها على مائدة الإفطار... التفتوا إليّ يسرقون مني خبراً يريح نفوسهم... خاصة أمي التي قفزت متجهة إليّ... وريم التي أتت خلفها...

سألتني أمي:"هل نامت؟!. كيف حالها؟!."
وريم لحقتها بالأسئلة...:"هل هي بخير؟!. لماذا لم تكن تريدنا؟!."

رفعت كفي أوقفهما عن الاستمرار في الأسئلة التي أنا نفسي لا أعرف إجابتها... لكني أجبت مختصراً كلهذا...:"إنها نائمة بسلام... تحتاج لأن ترتاح قليلاً..."

نادى عليّ أبا علي لأجلس بجانبهم على المائدة... فاتجهت إليهم... قبلت رأس والدي وجلست بجانب عليّ... الذي تبين لي أنه منهك جداً... نظرت إليه... لكن فاجأني مظهره!.. ملطخ بالوحل والطين... قال لي وهو يبتسم لنظرات الاستغراب التي تكسوني...:"صباح الخير!.."
_:"صباح... صباح الخير... مابك ملطخ هكذا؟!."

فأجابني وهو ينظر إلى كوب الحليب الدافئ أمامه... :"في يوم ما!.. أسر إليّ أحدهم بنصيحة أن لا أخبر أحداً عن عملي..."

ابتسمت رغماً عني... فهذه مقولته الشهيرة... أي أنه لن يبوح بما يخفيه أبداً... كدت أتذكر أحداثاً قديمة نطق بهذه الجملة... لكن خالتي سألتني...:"ماذا تشرب ياأحمد؟!. حليب أم شاي؟!."
_:"الاثنان معاً ياخالة..."

إنها أيام رائعة رحلت... أمسكت بقطعة الخبز العربي لأدهن بها بعضاً من الجبن الأبيض... ولكني غرقت في عالم الذكريات...
كنا نلعب في الحديقة بمرح... حين اتفقنا أنا وعلي على الايقاع بالفتيات... غدير وكوثر... تقدم عليّ إليهما... وبيده دلو الماء البارد...
سألته غدير [[ماذا تفعل بدلو الماء؟..]]
ابتسم وهو ينظرإليّ... [[ أسر إليّ أحدهم بأن لا أخبر أحداً عن عملي...]] وسكب الماء عليهما... كان الجو حاراً يومها اعتقدنا بأنهما ستغضبان لكن تفاجأنا بهما تصرخان...[[مرة ثانية... مرة ثانية]] مشاغبتان...

بقينا طوال فترة العصر هكذا... يسكب كل منا الماء الباردعلى الآخر... وعندما دخلنا إلى هنا كانت أمي وخالتي تتسامران بالحديث وشرب القهوة... سألت أمي عما حدث...
فنطقت أنا وعلي [[ أسر إلينا أحدهم أن لا نخبر أحداًعن أعمالنا...]]...
أيام ليتها تعود... كادت أمي أن تضربني... وخالتي تضرب علي... لكن غدير دافعت عن عليّ... [[أرجوك خالتي أنا التي طلبت منهما أن يسكبا الماء علينا...]]
أما أنا فوقفت أنظر إلى عليّ الذي حصل على من يدافع عنه أما أنا فلا... حينها أتت غاليتي تضم قدمي... وتسحبني بعيداً عن أمي... حتى لا أضرب...

أين أنت؟!. لقد دافعتي عني في صغرك... وعجزت عن حمايتك وأنت غاليتي... امتلأت عيني بالدموع... وأنا أتذكر يديها الناعمتين تناديني...

_:"أحمد!.. مابك بني؟!."
رفعت رأسي أبحث عن محدثي... كانت أمي هي من تسألني... نظرت إليها... فسألني أبي..:"فيما أنت شارد الذهن؟!.."
هززت رأسي وأنا أجيب...:"لاشيء!.. سوى بعض... بعض الذكريات..."

نظرت للجميع... لأرى علامات التعجب ترسم لوحة على وجوههم... فقلت متداركاً أي سؤال يطرح ثانية...:"أمي!.. كيف هو حال جدة حسن؟!."
ارتجفت عينا أمي غير مصدقة أذنيها... فسألتني...:"ما الأمر أحمد؟!. هل غدير وصلها خبر ما عنها؟!."
فقلت...:"لا... لا أعتقد!.. إنما سألت لأن غدير لم تزرها منذ فترة... والآن في هكذا وضع يجب أن نسأل عنها ونطمئن عليها..."


| *+ *+ *+|

شجرة الكرز
23-12-2009, 04:11 PM
لحظات تبكي الشمس فيها... وتطلب يداً تكفكف دمعها...
المنطقة الجنوبية... التاسعة والنصف صباحاً...


استيقضت من نومي فزعاً... لا أدري ما الذي أصابني؟!.. فطوال الليل لم أنم جيداً... نظرت إلى النافذة التي تسترها عني ستارتي الثقيلة... فركت عينيّ ونهضت نحو النافذة... أزحت الستارة فدخلت أشعة الشمس الخفيفة تطرد النوم من غرفتي... وقفت أتأمل منظر الحديقة الصغيرة أمام منزلنا الصغير... وذلك الشارع أمامي... الذي لازال نائماً... فالناس لازالوا في بيوتهم أونائمين... أما أشجار حديقتنا... فكانت نائمة نوعاً ما... لأنها صغيرة... ولا طيورتسكن أغصانها... منظر رائع جداً...

خاصة مع تلك الأمطار التي زارتنا فجراليوم... أصواتها وهي وتتراقص على نافذتي... أنغامٌ موسيقية عذبة... أدخلت إلى قلبي السرور... آآآه صحيح حتى الطيور اختفت اليوم هاربة من المطر... أنعشت قلبي بهذا المنظر... فمددت يدي إلى مزلاج النافذة لأفتحها فتنتعش روحي برائحة المطر العذبة...

لكن بدور المزعجة دخلت تفسد عليّ نشوتي... :"صباح الخير..."

التفت إليها وأنا أكمل فتح النافذة...:"صباح النور... كيف حالك اليوم؟!."
أتت لتجلس على حافة النافذة وهي فرحة جداً...:"بخير أيها الكسول... إن الجو رائعٌ جداً وأنت للتو تستيقض..."

أدخلت كمية كبيرة من الهواء إلى جوفي... ثم نظرت إليها وأنا مسرور لأنها تغيرت عن اليومين الأخيرين... :"لم أنم جيداً البارحة... أحلام مزعجة... ومرقد كئيب..."

مباشرة توجهت عيناها الصغيرتان إلى الفراش الذي يجاور فراشي... مازال كما هو... لم يتغير!... أحسست بدمعة تتسلل إلى عينيها... أمسكت تلك الدمعة بكل ما أوتيت من قوة... وأدارت وجهها إلى الخارج... تنظر في الأفق إلى تلك السماء الممطرة... وهمست بخفة... كأنها تحادث قطرات المطر...

_:"إنه يعشق هذا الجو!.. يحب أن يترك كل شيء في مثل هذا الوقت من السنة... ليجلس عند تلك الشجرة... بجانب الباب... يتأمل المنظر... وأحياناً يأخذني معه إلى وسط المزارع... نجلس تحت قطرات المطر مهما اشتد... لا أدري هل يحظى بمثل هذه اللحظات أم أفضل منها!.. أم أسوأ؟!."

[[بدور!... كم يؤلمني حديثك!..]]
خرت تلك الدمعة... فلم تعد قواها تمسك بأي شيء!.. إننا جميعنا نحبه... أمي وأنا وبدور... لكن بدور بصورة مختلفة جداً... فهي دوماً ترى خالد بصورة الأب الذي تفتقده... خمس عشرة سنة وهي لا ترى غيرنا نحن الثلاثة... ولم ترَ أباً لتقول له أبي... أما خالد... فهو الأب... والأخ... والصديق... ليتك لم ترحل ياخالد!... ليتك بقيت هنا تعمل وتكد أفضل من سفرك إلى الشمال...

أكملت حديثها بسكين تقطع أوتاري...:"ليتني مت قبل رحيله!.. حبيب!.. أتعتقد بأنه سافر ليتزوج؟.. أرجوك حبيب!.. اتصل به وأخبره أنني سأوافق على زواجه من أي فتاة يريد!... لكن أرجوك أريده أن يعود لنا..."

خرجت من الغرفة تجري... ودموعها كالمطر تسيل...

آآآه... ماهذه الأيام اللعينة التي تمر علينا!... لقد بت أكره العيش وسط الدموع... نظرت للسماء أناجي الله ليسعفنا... ليرسل إلينا ملائكةً تكفكف دموعنا... متى ستعود ياخالد؟!. لتكفكف دمعة هذه اليتيمة!... متى!...


|+* +* +*|





وسط الدخان الكثيف الذي ينبعث من سيجارة ترقد بين أصبعين... وصاحبهما شارد في عالم آخر... بعيداً عن كومة أوراق ترقد على المكتب أمامه... وبعيداً عن تلك الانفجارات التي تحدثها أوامره...

أزعج تفكيره رنين هاتفه المحمول... نظر إليه وهو عاقدٌ حاجبيه... حمله بيمناه بعد أن دفن سيجارته في المقبرة المستديرة... أجاب على المتصل بصوت أتقن الأجنبية منذ الصغر...:"مرحباً بهذا الصوت!.."

_:"مرحباً بك جوزيف!.. أم أنك تفضل اسمك العربي؟!.."

قهقه صاحبنا وهو ينهض من كرسيه متجهاً إلى النافذة التي أمامه... :"إنه اسم أخفي به هويتي الحقيقية عن الغرباء... للتوكنت غارقاً في تذكر مدينتي الرائعة..."
_:"أووووه... وماذا كنت تتذكرمنها؟!."
_:"لا عليك!.. أعلم أن اتصالك تطلب منه معرفة أخبار العرب..."

بنبرة يملؤها الحقد والكراهية :"اممم إن كنت لا تمانع... نعم أريد أن أعرف الأخبار..."
ابتسم يوسف وهو ينظر إلى الأفق أمامه... كيف يصف ماتراه عيناه... لقد أصبح في وسط المدينة منذ يومان... وهو يرى بأم عينه كل قنبلة تهوي من السماء لتفجر بيوتاً يستظل تحتها أناساً يسكنون في سعادة أصبحت شقاء...

_:"اسمع!.. رجال يهربون وهم يحملون على أعتاقهم مايحتاجون إليه... سلاح أو ماشابه... امرأة تلوذ بأي حائط يقيها وابل القنابل المتساقطة هنا وهناك... وفتاة صغيرة تمسك بدميتها وتجري خلف أمها... أحياناً تتعثر بحجر ما... وأحياناً أخرى تقف محتارة في أي طريق ذهبت أمها... مارأيك بهذه الدراما أبطالها عرب؟.."

_:"والمخرج أجنبي... إنها دراما رائعة جداً جداً... لكن لا أرى أي سعادة عليك..."

غرق يوسف ثانية في عالمه المجهول لدقيقة أو زيادة... :"مابك؟!. أيحزنك ما حدث!.. وتريد الانسحاب؟!."
ابتعد يوسف عن النافذة وهو يجيب...:"لا لم أعنِ ذلك... لكني لاحظت أن جمالًا يلعب عليّ..."

_:"جوزيف!.. إنني أعرفك جيداً لا تخشى من هؤلاءالفئران... إنما هناك شيء يقلق راحتك..."

أخرج يوسف شيئاً من بين أوراقه وأخذ يتأمل فيه بتفكير قبل أن يقول... :"ليس مهماً...تذكرت شيئاً يتعلق بالماضي!.."

ضحك الرجل في الجهة الأخرى وهو يقول...:"إذن فأنت لازلت تذكرها!..."
ابتسم يوسف وهو يجيب صاحبه...:"نعم!.. كانت لي معها أيام ٌرائعة... لولا عنادها... وأظن أنني رأيتها في الأمس أو امرأة تشبهها..."


| *+ *+ *+ |





مر اليوم سريعاً... لولا الدمعة التي تقبع في الجوار... ولولا وجود الخوف يقبع على الوجوه... ليرسم لنا خطوط الحكاية...
السادسة وخمسة عشر دقيقة... من مساء يوم الأحد...




أشعر بصداع شديد... وعيني تؤلمني جداً... نهضت من فراشي... أقصد فراش كوثر ابنة خالتي... اتجها إلى المرآة الموضوعة في أحد الجوانب بعد أن أشعلت النور... كنت أود أن أرتدي حجابي لأذهب لدورة المياه بجانب الغرفة... لكن مارأيت في وجهي استوقفني... عيناي محمرتان جداً... ومتورمتان أيضاً... لابد أنني بكيت كثيراً هذا اليوم... وكذلك نمت كثيراً فقد كانت عقارب الساعة المعلقة على حائط الصالة في الطابق العلوي تبتعد عن السادسة والربع... دخلت إلى دورة المياه غسلت وجهي وتوضأت لأصلي ما فاتني من صلوات...

وبعد أن انتهيت بدأت أعيد أحداث اليومين الفائتين في مخيلتي... كانا من أشد الأيام التي مرت علينا جميعاً... نظرت إلى يمناي... إلى ذلك الخاتم الذي طوق إصبعي سنة كاملة...دون أن يتغير مكانه...

أبعدت عني ذكريات آلمتني كثيراً... لأنهض وأنزل إلى الأسفل... فالهدوء يخيم على المنزل كله... وهذا ماجعلني أذهب للأسفل... عند نهاية السلم كانت هناك همهمات أحاديث متفرقة...

تقدمت أكثر ناحية باب الصالة لأجدهم جميعاً هناك... انتبهوا لوقوفي أمام الباب فعم عليهم الصمت وبدأوا يحدقون بي... تكلمت أقطع الصمت والتحديق معاً... :"السلام عليكم!.."

ردوا التحية عليّ... وأشارت لي والدتي بالجلوس بينها وبين أختي ريم... فالأماكن محجوزة من قبلهم جميعاً... توجهت إلى هناك مباشرة... تكلم والدي يسألني:"هل نمت جيداً عزيزتي؟!."
أجبته مبتسمة...:"أجل!..."

ثم انخرط في إكمال حديثه مع زوج خالتي عن الإعداد لعزاء بتول...آآآه يابتول!.. الحمدلله الآن يبدو عليهم الهدوء قليلاً... نظرت إلى وجوه الجالسين فرداً فرداً... كل منهم يحاول أن يشغل نفسه بشيء ما... يريدون أن ينسوا الحادثة الأليمة... عليٌ يحاول جذب أطراف الحديث مع أحمد ولكن أحمد في عالم آخر... سافر إلى البعيد بأفكاره... لابد أنه يتذكر تلك الأيام الرائعة التي ألقت ببتول في منزلنا...

برؤيتي لأحمد يحاول التركيز مع علي ولكنه يعاود الضياع مرة أخرى... تذكرت أنا بدوري حسن... والأيام التي جمعتنا سوية... لكن هناك صورة امرأة تشع في ذاكرتي... جدته التي ترقد الآن في المشفى... ياترى ماحالها الآن؟!.

_:"أحمد!..."

فجأة نطقت باسم أخي... فالتفت الجميع ينظرون إليّ بغرابة... تداركت الأمر... حينما نهضت وجلست بجانب أحمد وعليّ الجالسان على الأرض بالقرب من الباب... نظرا إليّ وعلامات التعجب تلون وجهيهما...

_:"أيمكنني أن أطلب منك طلباً صغيراً؟!."
اعتدل أحمد بجلسته وأجاب بمودة...:"اطلبي ماشئت غدير!.."
نظرت إلى علي الذي كان ينظر إلى تقاسيم وجهي... ثم أعدت نظري بخجل إلى أحمد وأنا أجيبه... :"أريد الذهاب إلى المستشفى!... أريد الاطمئنان على الجدة!.."

سكت برهة وأنا أحاول استنتاج جواباً يشفي غليلي... لكنني قلت قبل أن يجيب بحرف واحد... :"أرجوك أحمد لن أطيل هناك سوى دقائق قليلة جداً..."
نظر إلي بابتسامته الحنونة وهو يجيبني...:"طلبك أمراً غاليتي... هيا تجهزي للنذهب سريعاً إذ الانفجارات خمدت قليلاً..."


| +* +* +* |





سمعنا طرقات على باب الشقة التي تضمنا... تطلعنا إلى بعضنا البعض... فنهض عبدالرحمن أولنا إلى الباب... نظر عبر العين السحرية... ثم التفت إلينا وهو يقول...:"إنها حنين وعلياء..."

فتح عبدالرحمن الباب... في حين أنا وعمر اتجهنا ناحيتهم نتطلع ماالأمر...
_:"السلام عليكم..."
أجبناهما سريعاً...:"وعليكم السلام..."

رأيت حنين تبتسم وهي تنظر إليّ... أحسست بأنها تحمل في جعبتها شيئاً يسر القلب... فسألتها مباشرة...:"هاتي ماعندك من أخبار؟!."
اتسعت ابتسامة الفتاتين... ثم قالتحنين...:"اممم!.. لقد استفاقت..."
نظرت إليها غير مصدق ما تقول... تقدمت علياءوهي تمسك بيد عمر... :"مابه هكذا؟!. أيقضوه من سباته ليذهب ويرى أخته..."
سألت بعد أن تجمعت أفكاري وترتبت... :"هل هي بخير؟!."
ابتسمت لي حنين وهي تقول...:"يبدو أنك ستقف وتسأل والفتاة تنتظرك في الأعلى..."

سألها عبدالرحمن بصوت حازم قليلاً...:"هل هي بخير ياحنين؟!."
أجابت مباشرة...:"نعم... لكن يبدوأن توقعاتي أصبحت واقعاً... فقدت الذاكرة..."
نظرت إليها ببلاهة وقلت...:"ماذا؟..."

أمسكني محمود وجرني خلفه... :"ماذا تنتظر؟!. هيا يارجل اذهب إليها إنها بانتظار أحد ما!.."
لم أكن قد خططت لهذا الموقف سابقاً... لم أنتبه لنفسي إلا وأنا في تلك الغرفة... المعقمة نوعاً ما... وأمامي سريراً يكتسي البياض... تجلس عليه فتاة صغيرة... لا أدري كيف أصفها!..

وجه يتلألأ كاللؤلؤ الأبيض... وشعر بلون الكستناء... عينيها بحر غرقت فيه... فهي لاتحمل معنىً واحد لتلك النظرات التي ترمقني بها...

دفعني محمود هامساً...:"أدخل إلى أختك ياهذا!.."

ازدردت ريقي بصعوبة... في حين خرجت الأختان سعاد ومريم وخلفها الباب أغلق... يالهم من مجموعة... لقد لعبوا دور الأصدقاء وجعلوني أخاً لهذه الفتاة الصغيرة...

حاولت جمع أفكاري... هي تحدق بي... وأنا واقف بقرب الباب... لم تتحدثولم تنطق بحرف واحد... لكن حالما ابتسمت لها...:"كيف حالك الآن؟!."

ظمت رجليها إلى صدرها ولفتهما بذراعيها... أحسست بالخوف يقفز من عينيها... وبريق الدموع يتلألأ في مقلتيها... حاولت طمأنتها...:"لاتخافي!... فهذا أنا!... ألم تعرفينني؟!.."

يالي من أبله!!.. كيف لها أن تعرف من أنا؟!. وهي للتو تنظر إلى وجهي... تقدمت قليلاً للأمام... وبكل خطوة أخطوها تظم نفسها أكثروأكثر...
_:"لاتخافي أخيتي!.. إنني خالد أخوك... لا تخافي مني فأنا لن أوذيك أبداً..."

عقدت حاجبيها وهي تقول...:"إنني خائفة منك!.. أرجوك لاتقترب!... فأنالا أعرفك..."

رحماك ياالله!.. كيف سأحدثها؟.. كيف ستعيش هنا بيننا؟!. لأحاول أعادة الذاكرة إليها ببضع أسئلة...:"ألا تذكرينني؟!.. ألا تذكرين اسمك عائلتك؟!.."
نظرت إليّ باستغراب وخوف...:"لا... من أنا؟!. وأين نحن الآن؟!."

لم أعرف بما أجيبها... لكن استرسلت قائلاً...:"أنا اسمي خالد... يقال بأني أخوك... ونحن الآن في شقة من شقق البلدة... وأنت... وأنت لاأدري!..."

عقدت حاجبيها وهي تسألني...:"ماذا يعني لاتدري؟!. هل فقدت ذاكرتك أنت الآخر؟!.. أريد أن أعرف من أنا... فأنا لاأذكر شيئاً... سوى أنك!.. سوى أنك تخيفني!.."
إنها لاتتذكر شيئاً مما حدث... بل لا تتذكر شيئاً عن حياتها السابقة... كيف يمكنني التعامل معها على أنني أخيها؟..

قطعت أفكاري بسؤالها...:"لم كل هذه الضجة في الخارج؟!. وكأن السماء تمطر؟!."

اتجهت للنافذة أبعد عنها الستارة التي تحجب عنا الأجواء في الخارج... كانت كما قالت... السماء تبرق... كأنها ستمطر... وأكد ذلك وصول قطرة مطر على زجاج النافذة... قلت بصوت هامس أحاكي نفسي دون أن أنتبه للفتاة خلفي... :"إنه مطر!.. أروع وقت في السنة!..."

سمعتها تسأل؟!.:"مطر!.. هل اسمي حقاً مطر؟!."

التفت إليها سريعاً... أنظر لها بغرابة لماذا ربطت كلمة مطر باسمها؟.. فقلت لها متسائلاً...:"ماذا؟!."

_:"سألتك عن اسمي وأجبتني أنه المطر!.. فهل اسمي مطر؟!."
لا أدري ماذا أقول... لكنها أنقذتني من التفكيرالعقيم باسم لها... ومطر عشقي!.. لأنه يذكرني بأختي الحبيبة بدور...

نظرت إليها وعيناها تتلألآن بالدموع... ووجهها الذي أصيب بالكدمات... كانت نظراتها إليّ تدل على البراءة... وكذلك بريق الضياع أراه... وسأبقى أراه في هاتين العينين لفترة طويلة... أجبتها بعد طول انتظار منها...:"نعم!.. اسمك هو مطر... فالمطر غيث من الله تعالى... وأتيت إليّ لتغيثيني من عذاب الله في الدنيا والآخرة... أنت مطر!.. أنت أغثتني من الكثير"...



|+* +* +*|






هدوء يسبق النحيب!.. ويزلزل الأرض بمن عليها!..
في منزل الخالة فاطمة...



وصلنا إلى منزل الخالة فاطمة أنا وأبي... كنت أود زيارة بتول صديقتي الحبيبة... أريد أن أطمأن عليها... فأنا لاأدري عنها شيئاً مذ آخر لقاء بيننا... سوى الخبر الذي صدمني من عائلتها بأنها لم تعد للمنزل في ذلك اليوم...

نزلت من السيارة واتجهت ناحية الباب لأضغط على زرالجرس... أما أبي فلا أدري مابه!.. رفض النزول وتحمد السلامة لعائلة السيد مصطفى... حقاً لاأدري مابه...

فتح الباب أمامي ليظهر من خلفه فتى قصير القامة نوعاً ما... لكنه بدين جداً حيث سد الباب وحجب ماخلفه...
كنت أحدق فيه بدهشة وتعجب... عقد حاجبيه وهو يسألني...:"ماذا تريدين؟!."
تلعثمت الحروف في حنجرتي...:"آآآ... اممم.... أريدُ!.. أريدُ!!!"
قال بحدة...:"مابك؟.. هل أنت بلهاء؟!."

تجمعت شجاعتي وأنا أقول...:"عفواً... أريد رؤية بتول..."
اتسعت عيناه وهو ينظر إليّ... وعلامات التعجب والحيرة ترتسم على وجهه الدائري!... سألني...:"من تريدين؟!."

_:"أريد مقابلة بتول ابنة السيد مصطفى!.. وربما تكون والدتك خالتها!..."
سكت لحظات يفكر... ثم قال...:"انتظري لحظة..."

ثم اختفى خلف الباب الآخر لبضع دقائق... ثم خرج لي مجموعة من أفراد العائلة... السيدة غيداء والسيد مصطفى وكذلك أحمد وريم... وأفراد عائلة هذا المنزل أيضاً... عندما نظروا إليّ عرفوني مباشرة... رحبت السيدة غيداء بي وطلبت مني الدخول... أما السيد مصطفى فسألني عن أبي وتوجه إليه...
جلست على إحدى الكنبات بجانب ريم... كنت أنظر إليهم واحداً تلو الآخر... أبحث عن بتول!.. لكنني لم أجدها بين تلك الوجوه المتلهفة لمعرفة سبب قدومي... وأنا لاأدري لم كل هذه اللهفة!..

سألني أحمد دون مقدمات...:"هل لديك شيء ياهدى؟!."

ازدردت ريقي بصعوبة... فسؤاله غريب جداً... سألتني بعده الخالة غيداء...:"لاعليك من أحمد الآن... أخبريني كيف حالك وحال والدك؟!."
_:"نحن بخير ولله الحمد!.. لكن أين بتول؟!."

اتسعت العيون وهي تنظرلي للحظات... ثم نكست رؤوس البعض... والبعض الآخر لازال ينظر إليّ... هل قلت شيئاً خاطئا؟!. أم أنني فقدت صوابي لينظروا لي بهذه الطريقة...

شهقة خرجت من ريم... التفت إليها فرأيتها تنكب في حجر الخالة غيداء... ماالذي حدث؟!.. ودمعة هربت من مقلتي الخالة... زادت من حيرتي وقلقي على صديقتي وأختي الحبيبة... لاأدري ماالذي يمكنني قوله في هذه اللحظات... لكني سألت ثانية...:"أين بتول؟!. هل!.. هل حدث لها مكروه أم ماذا؟!.."
علا صوت بكاء ريم... والخالة تحاول أن تتماسك وترمي بالبكاء بعيداً... فقالت لي...:"لقد رحلت عنا..."

عقدت حاجبيّ بتساؤل... هل يمكن أنها ذهبت لتتزوج من ذلك العجوز الذي قالت عنه؟!. أم أنها فضلت العيش لدى والدتها؟!.
أكملت تساؤلاتي...:"ماذا تقصدين بأنها رحلت؟!. وأين رحلت؟!."


_:"ألا تفهمين!.. إنها!.. إنها!!.."

نظرت للمتكلم... كان أحمد الذي حاله انقلب مئة وثمانين درجة... وجهه احتقن بالدم... وعيناه غارقتان بالدموع... وضع كفه على فمه... يمنع بضع كلماتٍ من الخروج والوصول إلى أذنيّ... كنت أنظر إليه بغرابة ودهشة وقلق وخوف... كل شيء اختلط فيني ولم يعد بإمكاني فهم مايحدث من حولي... لم أفهم شيئاً من تعابير وجوههم وحالتهم الغريبة...

بانت غدير من خلف أحمد الواقف قبالة الباب... نظرت إليها فنظرت إليّ مثل النظرات التي كانوا جميعاً ينظرون لي بها... وقفت أريد أن أسلم عليها لكنها قالت لي والدمعة علقت بين أهدابها...:"لماذا أتيتِ؟!. لماذا أتيتِ إلينا؟!. لقد رحلت بتول؟!."

مابهم؟!. جميعهم يذرفون الدموع!... جميعهم عيونهم محمرة... مما يدل على أنهم قضوا ساعاتٍ طويلة في البكاء... هل من المعقول أن بتول؟!.. لا... لايمكن!...
فجأة صرخ بي أحمد وهو يقول...:"أتريدين سماعها؟!. أتريدين سماع تلك الكلمة التي يرددونها دوماً في حالة رحيل شخص ما... لقد رحلت... سافرت... هاجرت... لكنها لن تعود!.."
دقات قلبي تزدادت... والخوف يشتت عقلي... وصوت تخللني... ليضيعيني أكثر...:"لقد ماتت!... لقد ماتت في القصف!.."

نظرت إلى صاحب الصوت... كان ذلك الشاب الذي يجلس بجانب أحمد قبل قليل... نظرت إليه بعدم تصديق... ببلاهة تامة... فأكد ماقاله...:"نعم أختاه!.. لقد ماتت في القصف ألم تقرأي نشرة العزاء في جريدة اليوم؟!.."

أي خبر ذاك؟!. إنه صاعقة سقطت على جمجمتي... شلني في مكاني... هل يقول الحقيقة؟!.
_:"نعم صغيرتي إنها الحقيقة..."

صوت عقلي ترجم على لساني ليسمعني الجميع... بدأت أجول بنظراتي على الوجوه الباكية... حتى وصلت لغدير... التي قالت لي...:"هل عرفت الآن ماالذي حل بصديقتك؟!. قتلت... أشلاء جسدها تناثرت... ولم نعثرعلى شيء منها!... سوى ذكريات لُطخت بمقتلها..."

حاولت قول شيء... حاولت أن أجمع أشلاء صوتي لكنه ضاع مني... لم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة... إنني أفتقد كل شيء في هذه اللحظة... أريد أن أبكي ولكن لا أستطيع!... أريد أن أندب صديقتي الغالية لكني لا أقوى على ذلك!.. لقد نسيت كل شيء... نسيت كل شيء...

خرجت من ذلك المكان!.. أحمل معي جرح عميق... ألم يمزق أحشائي... كانت الخالة غيداء تناديني ولكني تائهة... أكثر مما كنت سابقاً... بلا أمٍ!.. وبلا عائلة... سوى أبٍ لايدري عني إلا في أوقات معينة... والآن بلا صديقة!.. ولا أخت!..

لقد رحلت أعز إنسانة على قلبي... بل أغلى إنسانة في الوجود...


| +* +* +* |

شجرة الكرز
23-12-2009, 04:42 PM
دمٌ!.. جراح!.. دموع!.. بكاء!.. ضياع!.. تشريد!..


دخلنا المستشفى لنجده مكتظًا بالناس .. منهم الجرحى ومنهم من فقدوا أحباءهم ... ومنهم من لجأوا له فلم يعد لهم مأوى... كان المنظر مؤلمًا .... يبكي القلوب المتحجرة ... دم في كل مكان ... أناس فجروا آلامهم في دمعهم فلم يعد لهم غيره ... أطفال يبحثون عن ذويهم .... منظر لن يذهب عن ذاكرتي ما حيت ...

وصلنا أخيرا إلى حجرة جدة حسن ... ما إن دخلنا ووقعت عين غدير عليها حتى هرولت ناحيتها ... ورمت نفسها إلى حضن جدة حسن ... في حين أن جدة حسن أخذت تقول وقد أعتلى وجهها الاستغراب...:" ماذا بكِ يا بنيتي ...؟! "
رفعت غدير رأسها عن صدر الجدة ... وقالت وقد بدأ الدمع يتراكم في عينيها ..: " اشتقت لك كثيرا يا جدتي ... كثيرا "

وعادت لتغرس رأسها في صدر الجدة ... التي هذه المرة أحاطت غدير بيديها .. وأخذت تضمها إلى صدرها ... وتقول...:" وأنا كذلك يا ابنتي ... فبك رائحة المرحوم .."

هنا تعالى صوت بكاء غدير ... فلم تعد تقوى على تمالك نفسها أكثر من ذلك ...
رأيت بأنه من الأفضل أن أدعهما لوحدهما ... خرجت من الغرفة ... لتقع عيني من جديد إلى تلك المناظر التي تؤلم القلب .... دماء في كل مكان .. دموع تملأ أعين حزينة ... ونحيب أهل على من فقدوا من أحبه ... في تلك اللحظة فقط
أدركت بأن الشمس رحلت عن هذا الوطن .. وحل محلها الظلام الحالك ....
سألت نفسي حينها :- [[ من سيعيدك يا شمس .. لتشرقي لنا من جديد وتشعي بنور الفرح ... وتقظي على الظلمة ... ؟]]
لكن لم يرد جواب...

كيف للشمس أن تعود ... بدون أن تكون هناك يداً تعيدها إلى مكانها الصحيح ... ؟؟!!

كيف للظلام بأن ينقشع من دون أن يكون له ند يردعه عن الاستمرار في التغلغل ..؟؟!!

تساؤلات كثيرة اجتاحت عقلي حينها ... لتدلني إلى جواب واحد ... نعم جواب يجيب كل تلك الأسئلة التي تدور في رأسي ...


| +* +* +* |



منذ خرجنا من عند خالي وحتى الآن لم نتحدث أنا و حوراء ...
لم يكن هناك مجال للحديث .. فأنا لازلت أشعر بالحزن لبتول .. صحيح بأنني لم أعرف بأنها أختي إلا قريبا ... إلا أن الذي جرى لها ... يهز أي شخص ... ماتت وهي لا تزال طفلة... ماتت موتةً شنيعة ... مسكينة حقا ....

إنها لا تستحق ما جرى لها ... فقد عانت من أمي كثيرا في حياتها ... وها هي تموت بقنبلة العدو ... ولم يبق لها حتى جسد تدفن به ...
خرجت من فمي تنهيدة طويلة .. تعكس ما أفكر به ... والألم الذي يختلجني ....

نظرت ناحية حوراء .. التي كانت تنظر ناحية شباك سيارة الأجرة ... تمنيت بأن أعلم ما يدور بخلدها حينها ... هل هو الحزن على بتول وما جرى لها .... أم أنكِ لازلت تعيشين الصدمة لما عرفته مؤخرا ....
رأيت يدها اليسرى ممددة على الكرسي ... فأردت بأن أشعرها بأني هنا إذا احتاجت لي ... فغلفت يدها بيدي ... فلتفتت ناحيتي ... وما إن باتت عيناها تنظر إليّ حتى رسمت ابتسامة مصطنعة على شفتيّ ...

ابتسمت هي أيضا ... لكن لم تخفَ عليّ بأنها ابتسامة مهزوزة ... لم تكن نابعة من قلبها ...

توقفت سيارة الأجرة ... وقال سائقها :- " لقد وصلنا لوجهتكما "
حررت يد أختي .. وأخذت مالا من جيب بنطالي ...وأعطيته السائق ...نزلنا من سيارة الأجرة من جهة ... وسمعنا صوت أمي الغاضب من جهة أخرى ....وهي تقول:- " أين كنتما .. لقد بحثت عنكما في كل مكان ... وهاتفك النقال كان مغلقا ... أين ذهبتما بدون إذني .. أين ..؟!! "

رفعت رأسي ناحيتها ..لأجدها مقبلة علينا وهي تستشيظ غضبا ...
كنت أريد بأن أرد عليها ... لكنها هجمت عليّ .. وأمسكت بذراعي وذراع حوراء وأخذت تهزنا كالمجنونة وتصرخ بأعلى صوتها : - " أين كنتما... تكلما ؟ ! انطقا ... ألا تريان بأن الأوضاع لا تسمح بالخروج والتجوال ... ها "

في وسط ذهولي من فعلها .. قلت:- " أمي اهدئي ... انظري لم يحصل لنا مكروه ... ومن ثم لقد كنا مع خالي ... "
قاطعتني صرختها ...:- " ماذا ...؟!! عند خالك ... لماذا ...ولماذا لم تطلب إذني ..؟!! "

:- " لم أطلب ذلك..لأني أعلم بأنك سترفضين .... ومن ثم كان يجب أن نذهب.. لنعرف ما الذي جرى لبتول ... وما .. وما ... الذي قتلها ..."

بدأت قبضة يد أمي ترتخي على ذراعي ... وكذلك قسمات وجهها .. باتت تلين .. لتشكل نظرة أكاد أجزم بأنها نظرة حزن ... استغربتها ...
استغليت الفرصة ... وسحبت ذراعي من قبضة يدها .... ومن ثم قلت :- " أمي .. لقد قتلها العدو ... رموا بقنبلة عليها ... لم .... لم..."

كم كانت صعبة علي قولها ... احتجت لكل ما أملك من قوة لكي أقولها...:" لم تجعل لها جسدا تدفن به ... "

دققت النظر في وجه أمي وأنا لا أصدق ما أراه ... كانت تبكي ... نعم بدأ الدمع يتجمع في مقلتيها ... نظرت ناحية حوراء لأجدها هي الأخرى مصدومة مما ترى ... حررت يد حوراء من قبضة يد أمي وقلت لها :- " أدخلي للبيت يا حوراء ... "

نظرت إليّ لبرهة ..ومن ثم رضخت لكلامي وتوجهت ناحية البيت ....
عدت أنظر ناحية أمي الواقفة بلا حراك... والدمع لازال محتشدًا في عينيها ... وقلت لها :- " أمي هل أنت حزينة على موتها ؟! "

صوبت عينيها ناحيتي ... لتتشابك عينانا للحظة ... ومن ثم قالت... وقد بدأ الدمع ينسكب من محجريها ويزور وجنتيها ... بصوت مهزوز بالكاد سمعته :-" اذهب وادخل إلى المنزل .. فالمكان خطر هنا .."
:-" لكن أمي ..."
لتبتر كلامي بصرختها ..:-" قلت لك ادخل ..."

أنصعت لأمرها .. وتوجهت ناحية المنزل .. وعندما وصلت عند بوابة منزلنا ... نظرت إلى أمي وقلت لها:-" وأنتِ يا أمي ألن تدخلي ...؟ "
لترد عليّ :-" أدخل أنت وأنا سألحق بك.." قالتها وهي موليتن لي ظهرها...
دخلت أنا .... لكنها .. لم تلحق بي كما قالت ....



| +* +* +* |



عندما يقف القدر بصفنا... يفاجأنا ذات مرة ليكون ضدنا!..


رما ببندقيته البالية في الأرض ... وقطب حاجبيه الكثيفين ...وقال بصوت مشحون بالغضب :-" أسلحة لا نفع منها .. أصبحت قديمة ... ضرها أكثر من نفعها ..."
ليزد عليه صاحبه .. الذي لم يكن أفضل منه ... وقد تفشى الغضب في قسمات وجهه الذي كان ملطخا ببعض الوحل:- " أنت محق يا محمود ... كيف سنتمكن من فعل شيئ بهذه الأسلحة المتهالكة ... كيف سنقاتل العدو بأسلحة قديمة ... وهم يملكون أسلحة متطورة ..."

جلس على الكنبة التي خط عليها الزمان علاماته... وقال وهو ينظر إلى صاحبيه المتقدين غضبا :- " كلاكما على حق... هذه الأسلحة لم تعد كافية لمواجه العدو ... بسبب هذه الأسلحة اضطررنا للهرب منهم ... ولم نقوا على فعل شيء ... "
وأخذ يهز رأسه بأسى...

جلس محمود بجواره ... وقد بات الترقب يكسو تعابير وجهه وهو يقول:- " إذا ما العمل يا عبد الرحمن ؟ "
نظر إلى ناحية محمود الجالس بجواره ... وقال:- " ليس بيدينا سوى الانتظار ..."
لقد تعجبت أنا من كلام عبد الرحمن ... ووجدت التعجب أيضا عنوانا لكل من محمود و عمار ...

أخذ عمار يقترب ناحيتهما وهو يقول بصوت مغلف بتعجب :- " الانتظار ... ماذا تقصد يا عبد الرحمن ... أتقصد بأن نجلس هكذا ... بدون أن نفعل شيئًا لهم ... سوف نكون مجرد متفرجين ..."

التفت عبد الرحمن بسرعة ناحية عمار وقال نافيا : - " لا لم أقصد هكذا ... بل قصدت بأن ننتظر حسام ... هو أملنا الوحيد ..."
ما إن سمعت اسم حسام حتى قفز إلى ذهني سؤال [[من حسام هذا ... ؟!]] لكن لم أقل شيئا .. فضلت بأن ألعب دور المتفرج بينهم ... فأنا لا أزال جديداً بينهم ...
قال محمود مذهولا:-" ألازلت تصدق هذا اللص ... هذا مخادع ... أخذ مالنا وهرب ... لن يهرب لنا سلاحا ولا شيء .. كذب علينا ..."

ليرد عمار مؤيدا وقد وقف أمامهما مباشرة :- " محمود محق ... و الدليل مضى أكثر من ثلاثة أشهر ولم يحضر سيادته ... كان يجب ألا نصدقه ... لا أعلم كيف جعلتنا نعطيه كل ما نملك من مال ... ونحن نعلم بأنه مخادع ... يجري وراء القرش ... "

قال عبد الرحمن : - " لم يكن أمامنا سوى هذا الحل ... هو الوحيد الذي كان قادرا على تجاوز الحدود ... وهو الذي قال بأنه يعرف أناس سيؤمنون لنا الأسلحة ... ربما حدثت مشكلة له عند الحدود ..فأنتم تعلمون بأنه في الآونة الأخيرة شددوا الحراسة عليها ... بسبب الأوضاع ..."

وقف محمود وقد عاد الغضب ينهش في وجهه وهو يقول بصوت لم يخلو من ذلك الغضب الذي في داخله:- " هذا هراء... لقد تعرضنا للخداع ... لقد حذرتك منه يا عبدالرحمن.. لكنك لم تصغي لي .. أنظر الآن ما الذي حصل لنا.. الآن نحن بلا مال .. وبلاسلاح ... كيف سنعيش .. كيف سنواجه أولئك القتلة .. ليتك أصغيت إليه حينها ... لما حصل شيء من هذا القبيل ... "

لقد صوبة عينيّ ناحية عبد الرحمن ... لأرى ردة فعله ... كنت متيقنا بأنه سينفجر على محمود ... فهو يتهمه بأنه سبب الذي هم فيه الآن من مشاكل... لكنني تفاجأت برده حقا ...

قام عبد الرحمن هو الآخر ... أخذ ينظر لمحمود الذي لا يزال غاضبا ... ومن ثم تحرك مبتعدا ... بهدوء... بدون أن ينبس بكلمة ... وخرج من الغرفة تاركا إيانا مع الصمت...

أما أنا فقد كنت في دوامات من الحيرة ... أحسست بأني تائه .. لا أفقه شيئًا مما يحصل من حولي ...


| +* +* +* |



فجر الثلاثاء!.. الواحدة والنصف بعد منتصف الليل...


كنت نائمة بهدوء وسكينة ... حين أنقض عليّ فجأة شيئاً كتم على أنفاسي ... فاستيقظت مذعورة ... لتقع عيني على يد ضخمة تغطي فمي وأنفي .... فلم يعد لي وسيلة لتنفس ... أخذت أحاول أن أبعد هذه اليد الضخمة عن فمي وأنفي بيدي اللتين تبدوان صغيرتين مقارنة بتلك اليد الضخمة ... وبدأت أنتفض في كل جزء من جسدي محاولة بكل قوة أن أفلت من هذه اليد التي لم تتزحزح رغم محاولاتي ... حاولت بكل ما أوتيت من قوة بأن أصرخ طالبة النجدة لكن بلا فائدة ترجى ... تسلل إلى مسمعي صوت مزعج يكاد يفجر طبلتي أذني ... لكن رغم ذلك لم يكن مفهوما .. كأنه كان طلاسم ... بدأت قواي تخور ... وبدأت روحي تختار الرحيل .. هنا حاولت بآخر ما تبقى من قوتي بأن أحرر نفسي .. فغريزة البقاء اشتعلت بداخلي ... فبدأت أضربه بقبضة يديّ ... لكن هذه الحركة بدل من أن تنقذني .. زادت الطين بلت ... حيث أنني لم أشعر إلا بيد أخرى ضخمة تهوي على خدي الأيمن ... لأشعر بأن جمجمتي تكاد تتفتت إلى مئة قطعة من قوة تلك الضربة ....

فتحت عينيّ مذعورة ... لأجد بأن تلك اليدين قد اختفتا ... أخذت أنظر يمينا ويسارا ..و إلى كل ركن من أركان الغرفة بحثا عن تلك اليدين الضخمتين ... أخذت أبحث وأنفاسي تسابق دقات قلبي من الخوف ... لكن الحمد لله لم أجد لهن أثرا ً ... يبدو بأنه حلم مزعج .. بل كابوس ...

زفرت زفرة ارتياح... وحاولت بأن أبتلع ريقي .. لكن حلقي كان جافا ... نظرت من حولي لعلي أجد شيئا يبل ريقي ... لكن لم أجد شيئا من حولي .... كنت حقا عطشى... وبأمس الحاجة لشيء يطفئ ظمأي ...

بعد صراع داخلي .. قررت بأن أخرج من الغرفة التي لم أعرف سواها مذ فتحت عيني ّ... سحبت الحجاب الذي كان موضوعا على الطاولة المجاورة من السرير ... وضعته على رأسي ... وتوجهت ناحية الباب ... غلفت مقبض الباب بيدي ... وقبل أن أفتحه .. نظرت إلى ناحية الساعة المعلقة على الجدار المقابل للباب مباشرة ... لأجدها الساعة الثالثة صباحاً ... فتحت الباب ببطء ... وأوقفته عندما باتت الرؤيا واضحة لي لما ورائه ...تعينت ما وراء الباب ... لأجد الظلمة محيطة بالمكان ... إلا من ضوء خافت قد تسلل من أحد الشبابيك ...

شددة قبضتي على الباب .. وأنا أهيئ نفسي للخروج بعد أن تأكدت بأن المكان خالي من أي إنسي ... أكملت فتح الباب ... ورفعت يدي لأخطو أول خطوة خارج تلك الغرفة التي لم أعرف غيرها ... ولم أهجرها قط ... تبعتها بخطوة أخرى ... لتليها خطوة أخرى أكثر جراءة بعد أن تأكدت مئة بالمئة بأن المكان آمن ...

لقد انحلت مشكلة ... لتخرج مشكلة أخرى لي .. ألا وهي أين أجد ماءا أشربه ... نظرت من حولي ... لأجد ثلاثة أبواب ....
لم أعلم أي باب منها أفتحه ... كنت خائفة بأن أفتح الباب الخاطئ ...
قررت بعد حيرة طويلة بأن أفتح الباب الذي على يميني ... خطوة خطوتين .. لأصطدم ... بشيء لم ألحظه بسبب خوفي وارتباكي وكذلك بسبب الظلمة التي تحيط بالمكان ... تراجعت إلى الخلف خطوتين ..وأنا أسمع ذلك الشيء الذي ارتطمت به يسقط على الأرض ليصدر صوتاً قويا ...

نظرت من حولي برعب ... وأنا أحاول أن أبتلع ريقي الجاف ... أخذت نفسا عميقا لكي أهدأ من روعي ... ومن ثم أخرجته دفعة واحدة من صدري وأنا أمد يديّ إلى الأمام محاولة بأن أتحسس ما حولي لكي أتلافى الاصتدام بشيء آخر ... وعدت إلى المضي في وجهتي ...

ما إن خطوة أول خطوت حتى هجم على مسمعي صوت رجولي غليظ ... وهو يقول : - " من هناك ؟ "

نظرت ناحية مصدر الصوت وقلبي يكاد ينهار إلى الأرض من شدة الخوف ... لكن ما إن ألتفت للخلف حتى هجمت حشود الضوء على عيناي التين اعتدتا الظلمة ... فأغمضت عينيّ كردة فعل لا إرادية ... ليعود صوته يزور مسمعي وهو يقول بنبرة لا تخلو من التعجب : " مطر أهذه أنتِ ؟!! "


| +* +* +* |



تفاجأت برؤيتي لمطر في الصالة ... وفي مثل هذا الوقت المتأخر ... ما إن سقطت عيناي عليها حتى رأيت الفزع يكسي وجهها ... أردت أن اسألها ما الذي جاء بك هنا ... لكنها لم تجعل لي مجالا ... لقد أخذت تركض مسرعةُ ناحية غرفتها .... حتى أن حجابها قد سقط منها .. ليكشف عن شعرها ... ركضت ورائها وأنا أِشعر بخوف شديد من أن قد حصل لها شيء... حاولت اللحاق بها وأنا أناديها باسمها... لكن الباب كان قد أوصد قبل أن أصل إليها....

رغم ذلك لم أدعها وشأنها ... كيف أتركها وقد رأيت الخوف و الفزع يرتسم على محياها ... كنت متأكدا بأن شيئا حصل لها ... أخذت أناديها رغم الحاجز الذي يفصل بيننا...:- " مطر ... مطر ... أرجوكِ أجيبيني ... أجرى لك شيء ؟؟ ... طمئنيني أرجوك ... مطر... مطر ... "

لم يردني جوابها مما زاد من خوفي .. أخذت أنظر من حولي ... لتلتقط عيناي ... حجابها الذي افترش الأرض ... انحنيت ناحيته و التقطته ... لا أعرف كيف خطرت في بالي تلك الذكرى.... كأن الذي جرى يعود من جديد أمام ناظري .... كأنني أرى أختي بدور ... حينها لمعت في رأسي فكرة مجنونة .... كنت حينها يائسا ... فخوفي عليها لم يدع لي مجالا للتفكير الصائب ... فقررت بأن أرضخ لتلك الفكرة ..وأطبقها ...

وضعت جبيني على الباب ... وقلت لها:- " مطر تذكرة شيئا مهما ... أنا الآن أمسك بحجابك ... كما فعلة عندما كنت ترفضين بأن ترتديه في البداية ... لقد حاولت معك أمي ... وأخي حبيب ... لكنك كنت ترفضين تماما ارتداءه ... حتى أنا حاولت معك ... لكن من فرط غضبك ... تركتني أتكلم وركضت ناحية غرفتك .... وأغلقت على نفسك الباب ... كما فعلتي الآن .... لحقت بك ... لأجدك قد رميت حجابك أمام الباب ..."

كنت ابتسم وأنا أرى تلك الذكرى تمر أمام ناظري... :" أمسكت به هكذا كما أنا أفعل الآن ... ومن ثم قلت ... أختي .. ما دمت لا تريدين ارتداء الحجاب فلن نضغط عليك ... ارتديه عندما تكوني جاهزة ... فارتداءه لا يكون إلا باقتناع ... وأنا الآن أعدك بأنه لا أحد سيفتح عليك هذا الموضوع مرة أخرى ... ... أتعلمين ما الذي فعلته ... خرجت ... نعم خرجت من غرفتك ... وضميتني بقوة ... وقلت ... أنا حقا أحبك يا أخي .... فقلت لك ... وأنا كذلك يا بد..."

كاد لساني يزل ... يكشف عن كذبي .. لكني تداركت الأمر وقلت... :"يا مطر .... وقلت لك أيضا بأني سأحتفظ بهذا الحجاب حتى تأتيني بنفسك وتطلبيه مني... بعد أسبوع فقط ... أسبوع واحد... دخلتي عليّ غرفتي وطلبتي مني الحجاب... لم أجد نفسي إلا وقد غرزتك بين ضلوعي من شدة فرحتي .... كم أفتقد تلك الأيام ... عندما لم تكن بيننا حواجز .... وكنت تأتين إلي وتقولين لي بدون خوف عما يدور في خلدك ... كنت لا تكلمين أحداً سواي عن مشاكلك وأسرارك .... كنت تعتبريني كأب لك ليس كأخ ... فأنا الذي ربيتك ... ليتك الآن تعودي مطر التي كنت أعرفها ... "

لا أعرف كيف انسلت دمعة من مقلتي .... مسحتها ... وأخذت أخطو مبتعدا ... حين سمعت فجأة صوت باب يفتح ... التفتت خلفي فرحا ... لكن يالخيبة الأمل .. لم يكن بأبها الذي فتح ...

سمعت صوت ناعسا وهو يقول:- " خالد ... ما الذي تفعله هنا ..؟!! "
التفتت إلى يميني ... لأجد حنين ... قلت لها وقد أخفظت رأسي: - “ اليوم أوكلوني الحراسة ... سمعت صوت صادرا من هنا فجأة فأتيت أتعين الأمر... "

قالت حنين :- " حقا ...غريب أنا لم أسمع شيئا.. ربما لأنني نمت في وقت متأخر... لهذا لم أسمعه ... ما هو مصدر الصوت .."
أجبتها : - " إنها مطر ... لقد ارتطمت بالطاولة... "

ووجهت بصري ناحية الطاولة التي لا تزال على الأرض...
وأكملت قائلا:- " حنين أيمكنك بأن تكلميها لتعرفي ما الذي جعلها تخرج في مثل هذا الوقت ... هي ترفض الحديث معي ... وأنا حقا خائف من أن يكون قد حصل لها مكروه ..."
ردت حنين : - " لا عليك سأكلمها ...."


| +* +* +* |



فتحت لي الباب بعد أن قلت لها بأني أنا التي تقرعه ... فتحت على عجل ... دخلت ومن ثم أغلقت الباب من فورها ... نظرت إليها وهي ممسكة بمقبض الباب ... و تلهث كأنها كانت تركض في ماراثون ... وعيناها تجلى عليهما الخوف ... اقتربت منها وأنا قد دق ناقوس القلق في داخلي ... سألتها :- " ماذا بكِ يا مطر ؟ "

لتندفع ناحيتي ... وترمي بنفسها في حضني ... وقفت مذهولة لثانية ... لكن بعد ذلك رفعت يديّ وأحطتها بهما ... وقد بدأ الخوف ينهش بي ... وأنا أسمع صوتها الباكي وهي تقول:- " لقد أخافني ... أنا خائفة ... خائفة "
قاطعتها بقولي:- " ممن أنتِ خائفة يا مطر ؟ "

دست رأسها أكثر إلى صدري وهي تقول بصوت يعصره البكاء:- " هو ... هو ... "
لتتوقف عن الحديث ... وأنا في أوج خوفي عليها ... أبعدتها عن صدري... وأمسكت بوجهها الذي شوهته الدموع التي سالت على وجنتيهاوقلت لها: - " هو ... "

ورفعت يدها المرتعشة ... لتصوبها ناحية الباب الذي يفصل بيننا وبين خالد المترقب لي لأطمئنه عليها ... تتبعتها بعينيّ ...
عدت بعينيّناحيتها وقد خطا الذهول ...
وقلت لها:- " مطر ... إن من يوجد وراء الباب هو خالد ... أخوكِ ... لماذا أنتِ خائفة منه ... ؟! "

أعادت يدها إلى صدرها ... وحضنتها بيدها الأخرى وقالت و الدمع لم يترك عينيها بعد :- " لقد رأيته ... كان ... كان هناك ليضربني... "
كان وقع كلامها كالصاعقة عليه ... من كلامها أفهم بأن خالد هو ذلك الشخص الذي ... الذي فعل فعلته الشنيعة بها ... ليهجم سؤال واحد إلى خلدي في معمعة الصدمة التي أعيشها... [[ أمعقول!!.. أمعقول أن يكون خالد هو الذي آذاها.. هل هذا معقول؟!..]]




| *+ *+ *+ *+ *+ |

|+*| التدقيق النحوي || معلم لغة عربية |*+|
|+*| قلم || شجرة الكرز |*+|
|+*| مقاطع أخيرة || شمعة |*+|


منذ فترة طويلة لم أكتب...
فأرجو أن تنال هذه الورقة إعجابكم ورضاكم...

تحياتي بعبق الكرز إلى قرائي الأعزاء...
دمتم بخير وعافية...

شمعة
25-12-2009, 04:06 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أيه القراء ...
ها هو الجزء الثامن بين أيديكم ...
جزء متخك بالأحداث التي نتمنا بأن ينال رضاكم وإعجابكم ...
جزء يشهد عودة المبدعة شجرة الكرز ...
فلا تحرمونا من حضوركم وردودكم التي نتشوق لها ...
دمتم بخير...

خولة يوسف
25-12-2009, 08:21 PM
اللهم صل على محمد وآل محمد

ماشاءالله عليكم مبدعين
:rolleyes:

...
الصراحه فقدان بتول الذاكره ابداً ماتوقعته:frown:

متشوقين لنهايه :biggrin:

كلوديا
28-12-2009, 06:15 PM
أجزاء رائعة جداً

أتمنى ان تكتبي الجزء القادم بسرعة

تحياتي : كلوديا..

الملاك الطائر
30-12-2009, 07:07 PM
أجزاء جدا رائعة
أنتم بكل صدق مبدعتان
اتمنى لكم حياة زاخرة بالتفوق بهذا المجال فأنتن رائعتان بحق
والجزء قمة بالجمال والروعة
أتمنى أن تبهروني أكثر وأكثر بالاجزاء القادمة
بإنتظاركم

كلوديا
02-01-2010, 02:47 PM
بقيت أعرف اذا بتحطي الجزء القادم قريباً

لاني متشوقة لمعرفة الاحداث التالية

يعطيكم العافية....

شمعة
05-01-2010, 03:49 PM
قراءنا الأعزاء .. متتبعي قصتنا أنا وشجرة الكرز ...
نعتذر لتأخرنا عن إنزال الجزء الجديد ...
فنحن نريد بأن يكون الجزء متخم بالأحداث و أن يكون متكاملاً من كل الجهات .. حتى تتمتعوا به ... ويكون جديراً بقراءتكم ...
الجزء القادم سوف يكون جزء غني بالأحداث الشيقة و المثيرة ... وأحداث لن تخطر على بال ... وأرجوا من كل قلبي بأن ينال استحسانكم ويستحق صبركم ...
سوف نبذر قصار جهدنا بأن يكون الجزء جهازاً خلال الأسبوع القادم إذا لم يجد جديد ...
نكرر إعتذارنا ...
ونقدر صبركم علينا ...
ولكل من أنار صفحتنا برودوه التي تعني لنا الكثير لنا عودة لرد عليهم فرداً فرداً برد يليق بهم ...
دمتوم جميعن بود ...

أنغام وردة
12-01-2010, 02:06 PM
رائع جدا كرز شمعة



لقد قراته مسبقا قبل الالتحاق بالمنتدى و اردت التعقيب



مع خالص تحياتي

شمعة
13-01-2010, 01:08 PM
[quote=خولة يوسف;1112194]
اللهم صل على محمد وآل محمد



ماشاءالله عليكم مبدعين
:rolleyes:


...
الصراحه فقدان بتول الذاكره ابداً ماتوقعته:frown:


متشوقين لنهايه





عليه الصلاة و السلام...
أختي خولة ... نشكرك على تواجدك المستمر في هذه الوحة التي تزدان بردودك ...
وإن شاء الله يعجبك الجزء الجديد .. الذي سوف يكون بين أيديكم خلال الأيام القادمة إذا لم يجد جديد...
وفي مفاجآت أكثر في الجزء القادم انشاء الله تعجبك...
دمتي بود..

شمعة
13-01-2010, 01:11 PM
بقيت أعرف اذا بتحطي الجزء القادم قريباً

لاني متشوقة لمعرفة الاحداث التالية

يعطيكم العافية....


أهلين بك أختي كلوديا...
أشكرك على مرورك وإنارة صفحتنا المتواضعة بردك...
إن شاء الله بينزل الجزء قريب ... هو الآن في مرحلة التدقيق ...
لا تحرمينا من ردك ...
دمتي بود...

شمعة
13-01-2010, 01:13 PM
أجزاء جدا رائعة
أنتم بكل صدق مبدعتان
اتمنى لكم حياة زاخرة بالتفوق بهذا المجال فأنتن رائعتان بحق
والجزء قمة بالجمال والروعة
أتمنى أن تبهروني أكثر وأكثر بالاجزاء القادمة
بإنتظاركم

شكرا لك أخي الملاك الطائر على كلماتك التي أخجلتنا حقاً ...
وبإذن الله يبهرك الجزء القادم .. ويحاز على إعجابك...
نتشوق لردك وتعقيبك عليه...
دمت بخير...

شمعة
13-01-2010, 01:16 PM
رائع جدا كرز شمعة



لقد قراته مسبقا قبل الالتحاق بالمنتدى و اردت التعقيب



مع خالص تحياتي


أختي أنغام وردة ...
كم نحن سعيدتان بأنكِ أخيراً تمكنتي من الرد علي قصتنا المتواضعة ..التي تزتان بكم وبتواجدكم....
كلماتك تعني لنا الكثير..
فلا تحرمينا من تواجدكِ ...
دمتي بود...

كلوديا
13-01-2010, 05:14 PM
اختي شمعة متى راح تحطي الجزء

القادم؟

شمعة
15-01-2010, 03:04 PM
اختي شمعة متى راح تحطي الجزء

القادم؟
أهلا بك أختي كلوديا ...
عذرا منكِ حقاً ..
الجزء كتابتاً قد انتهى منذ يومين تقريباً .. حلياً هو في التدقيق ... فنن نريد أن يخرج لكم الجزء بأبها صورة ...
أعتذر منكِ أنا وختي شجرة الكرز ولكل ممتبع لقصتنا على التأخير...
نحن نفسكم متشوقين على إنزال الجزء ... وقراءة ردودكم عليه ...
إلى ذلك الحين ...
دمتي بود...

شجرة الكرز
26-01-2010, 08:40 PM
:cupidarro

وردات حب حمراء...

لكل من قدم لنا كلمات من التشجيع...


:cupidarro

وردات أخرى ممتنة...

لكل حرف وقع بين سطور روايتنا...


:flwr:

ولكل من أضاء دروبنا وأغصاننا بتواجده...

حتى وإن كان بالمرور العابر...

أو التواجد الصامت...

:flwr:

فالصمت يعبر...

أكثر من الحروف والكلمات...


:icon31:

أرق التحايا...

وأجل التقدير...

:icon31:

قلوبنا...

فرحة... ممتنة...



حبي ومودتي

| +*| شجرة الكرز |*+|

شمعة
27-01-2010, 10:22 PM
|+*| الضوء التاسع في درب الكلمات|*+|



أمنية القدر:" أن أتحول إلى شيء آخر...."
مع شروق شمس الثلاثاء... الثالث من ديسمبر... قلب البلاد المجروح...



واقفة أمام منزلٍ عاشت فيه أسعد أيام حياتها, أيام لن تعد, و لن تتكرر فيما تبقى من حياتها, لأن هذا البيت لم يعد موجوداً, باتدماراً, حطاماً, كحطام روحها, لم تعد تعرف ماذا يجب أن تفعل, أتبكي, أتفرح,( ماذاأفعل؟) سؤال لم تجد له جواباً, حيرتها هذه جعلت الجمود يصبغ وجهها, و عينيها اللتينلم تطرفا وهما تنظران إلى ما تبقى من شيء كان يسمى بيتاً.
رن هاتفها, ليقطع حيرتها, انتشلته من جيبمعطفها, وضغطت مستقبلة ً للاتصال من دون أن تنظر إلى رقم المتصل, جاءها من الخطالآخر صوت مذعور:- " أين أنتِ يا سارة؟ أين اختفيتِ ؟ "
لترد بصوت يحمل معاني الضياع:- " لا أعلم, أينأنا الآن, أين وصلة بأفعالي, هل أنا ... هل أنا كنتُ مصيبة ً بأن أرمي عليها جامغضبي؟ أحملها مسؤولية لم تكن لها يد فيها؟"
قاطعها فالحيرة قد تملكته :- " سارة عن ماذاتتكلمين؟ ! أنا لا أفهم شيئاً مما تقولينه "
لترد هي بنفس النبرة:- " ولن تفهم, لأني أنانفسي لا أفهم شيئاً يا سعيد, لا أفهم شيئاً “
وأغلقت الخط, معلنةً نهايةالمكالمة.
أغمضت عينيها, وأخذت نفساً عميقاً, ومن ثم طردتهبعيدا ً عن صدرها, كأنها تطرد ذلك الجليد الذي غطى داخلها منذ زمن, وقالت وهي تفتحعينيها:-" أنا قتلتكِ يا بتول, أنا ... أنا .. أنا "
فسالت دمعة من مقلتها, لتنهي حيرتها, وترفع رايةالحزن في داخلها.



| +* +* +* +* |



خرجت من غرفة مطر, لأجده متسمراً أمام بابالغرفة تماماً, ليقف على فوره عندما رآني وأنا أخرج, وتوجه ناحيتي على عجل, ونظرةالخوف تصحب, وقال بصوت تشتعل فيه نبرة القلق:-" أهي بخير؟ ما الذي جرى لها؟ لماذاتأخرتِ معها في الداخل ؟ أهي تشك من مكروه؟ "
أخذت أنظر إليه وأنا غير مصدقة لما قالته ليمطر, قلت في نفسي ( كيف لشخص يكاد يموت رعباً عليها , قد يؤذيها؟ بتأكيد هناك خطأما, بتأكيد...)
عدت لأتأمل قسمات وجهه التي باتت علامة القلقتشتد فيه, فلم أجد نفسي إلا وأقول في داخلي( لا بد من أن أخبره, وأواجهه بما عرفة, وأرى ردت فعله, لأكشف عن هذا اللغز, يجب... )
وبالفعل فعلتها, نظرت إليه بكل إصرار, وقلت لهدفعةً واحدة:-" خالد إن مطر تتهمك بأنك أنت من آذاها "
وأخذت أدقق النظر في كل أركان وجهه, بحثاً عنردة فعل تكشف لي عن الحقيقة.
كانت ردة فعله بأنه توقف عن الحديث, وفتح عينيهأوسع ما يكون, وهو يحدق بي مذهولا ً مما سمع , خطى خطوتين إلى الخلف , ومن ثم توقف, نظر إلى الأرض لثواني معدودات, وقد وضع يده على فمه, ومن ثم رفع رأسه, وأخذ ينظرإليها من جديد وقال : - " ما الذي تقولينه ؟! , أحقاً بأن مطر تظنون بأني أنا من ..."
لم يكمل, توقف و المرارة تصبغ وجهه.
( لم أتوقع ردة الفعل هذه منه, فكل تصرفاته تدلعلى أنه لم يفعل شيئاً لها, لم يؤذها, لكن ما دام لم يفعل لها شيئاً, لماذا تتهمهبهذا الاتهام الخطير ) سؤال أخذ ينخر رأسي الذي يكاد ينفجرحينها.
قلت له : - " هي قالت بأنها رأتك وأنت تضربها "
ليدوي صوته وهو يقول:-" مــــــــــــــــــــــــاذا؟!! , هذا مستحيل, أنا لم أفعل لها شيئاً, أقسم لكِ ياحنين, بأني وجدتها بهذه الحالة, أقسم لكِ "
لأقاطعه بقولي:-" إذا لماذا قالت بأنك أنت منضربها؟! , لماذا تتهمك بشيء أنت لم تفعله ؟!! "
أخذ يهز رأسه يمنة ً ويساراً وهو يقول:- " أنانفسي لا أعلم "
ثم صمت لبرهة... ومن ثم قال:- " سوف أكلمهابنفسي... وأعرف لماذا تتهمني بأني أذيتها"
و بالفعل أندفع ناحية الباب ... لكني استوقفتهبقولي:- " توقف يا خالد, إنها نائمة الآن ... بصعوبة قد نامت ... كانت منفعلة جداًو خائفة ... دعها الآن ... وسوف نكلمها غداً"
التفت ناحيتي .. وأخذ يحدق بي .. بطريقة لمترحني حقاً ...



| +* +* +* +* |


كنت أرى في عيني حنين الاتهام جلياً ... ممازاد من حزني ... لم أكن أصدق بأن مطر تتهمني بأني أنا من فعل بها ذلك الفعل الشنيع ... لماذا .. لماذا تتهمني وأنا لم أرها قد قبل هذا الحادث ... لماذا ..؟
حيرة أخذت تنهش بي ... وتهيج الحزن في قلبي ... لم أقوى على التزحزح إلى أي مكان آخر حينها .. قبل أن أكشف حقيقة الأمر .. وأبرأنفسي من هذا الاتهام...
فقلت:- " لا أستطيع أن أتزحزح إلى أي مكان حتىأعرف لماذا ... لماذا هي ... ( الحرقة منعتني من قولها ... كنت أتألم حقا في داخلي .. وأشعر بالخيانة ... فقد أحسنت لها .. وها هي تتهمني بشيء لا ولن أفعله ما حييت ... طأطأت رأسي لثانية ... ومن ثم رفعت رأسي وأكملت قائلاً بعد أن أدخلت ما أقدرعليه من الهواء في رئتي ) اذهبي أنتِ ونامي يا حنين ... "
فردت من فورها ونظرت لم أرتح لها سكنت عيناها :- " وأنت يا خالد ... ألن تذهب ..؟"
كان كلامها هذا يترجم ما في عينيها من خوف ... إنها متيقنة تماماً بأني المجرم ... عديم الأخلاق .. الذي لوث مطر ...
قلت والمرارة تقطر من صوتي:- " حنين ... أأنتِتصدقين بأني أنا قادر على فعل هذا .؟ ." قلتها وأنا أشير بسبابتي على صدري ...
أشاحت ببصرها بعيداً عني ..وقالت:- " خالد .. أنا لا أعرفك إلا من فترة وجيزة ... أنا ... أنا ..."
فبترت جملتها قائلاً وقد رفعت كف يدي مشيراً لهابتوقف:- " لا تكملي .. لا تكملي ... ( أخذت أهز رأسي بأسى وأنا أكمل قائلاً ) اللهوحده يعلم بأني لم أؤذها ... وبأني منذ رأيتها أول مرة اعتبرتها كأخت لي .... واجبٌ عليه رعايتها وحمايتها ... وثأر لها من ذلك المجرم ... "
وشرعت بمضي .. وأنا أسحب رجلي سحباً ... متوجهاً ناحية الباب الرئيسي ... فأنا لم أعد أطيق ضوء الاتهام الذي سلط علي منحنين و ... و مطر ...
وفي منتصف طريق ناحية الباب .. توقفت... فصراخهاقد دوى في أرجاء المكان ... التفت إلى خلفي .. و الذعر بدأ يتفشى في جسدي ... لمأفكر حينها ... هرعت ناحية باب غرفتها بأقصى سرعة لدي ... حتى أنني نسيت وجود حنينفي الصالة معي ... كان فكري منصبًا عليها ... دخلت بعد أن فتحت الباب بقوة .. حتى أنهصفع الجدار ليصدر صوتاُ مدوياً ... وتوجهت ناحيتها ... لأجدها مغمضة عينيها .. وتصارع غطائها .. وتصرخ بأعلى طبقة من صوتها ...( أتركني ... توقف ... توقف .. ) والرعب محفوراً على قسمات وجهها ....
كان لا بد من إيقاظها ... فهي تحلم بكابوس مزعج ... اقتربت منها ... وأخذت أصرخ بأعلى صوتي :- " مطر ... مطر استيقظ .. مطر ... "
لكن بلا جدوا .. ظلت منغمسة في كابوسها أكثرفأكثر...
لم أجد حلاً سوى أن أمسك بوجهها الذي أخذت تلقيهيمنة ً و يساراً .. وأعيد ندائي لها ... لعلي أعيدها للأرض الواقع : - " مطر .. توقفي .. إنك تحلمي ... استيقظي ... مطر ... " هذه المرة أخذت أصرخ أعلى من قبل .. وأنا أشد قبضة يدي اللتين تحيطان برأسها ... " هيا .. يا مطر... مطر .... " وأخذتأهز برأسها كالمجنون .. فأنا لم أعد أطيق رأيتها وهي تتعذب بهذه الطريقة ... ولمأوقف لساني عن الحركة :-" مطر إنه كابوس ... فاستيقظي ... استيقظي ... "
قالت حنين صارخة:- " توقف يا خالد .. إنك تؤذيها "
لم أعر لكلام حنين بالا ً و استمررت فيما كنتأفعله ... كان يجب أن أخرجها مما هي فيه ...
أخيراً فتحت عينيها ... لتبدأ سيول الخوف بتراجعأمام جيوش الطمأنينة .. وأبعد يدي عن وجهها ...
أخذت تنظر من حولها.. بدت كأنها تائهة ... غيرمدركة لما يحصل من حولها ... ومن ثم وقع بصرها عليّ ... لتبرز عينيها ... ويعودالهلع إلى محياها ... وتصرخ وهي تتراجع إلى الخلف لدرجة بأن ظهرها بات ملاصقاًللجدار ... وصرخت قائلة : - " ابتعد عني ... ابتعد عني .. أتركني " وأخذت تمسكبغطائها بكلتا يديها وتغطي وجهها لحد أنفها به ... ولا تفتأ تصرخ بنبرة الخوف :- " ابتعد عني ... ابتعد عني "
ذهلني فعلها ... لكني تذكرت اتهامها لي بذلكالجرم ... فحاولت أن أدافع عن نفسي:- " مطر .. أنا لم أؤذك ِ أقسم لك .. بالتأكيد أنهناك خطأ ما .. حاول بأن تتذكري ... أرجوكِ .."
لم أجد منها رداً إلا صراخها لي:- " لا اتركني .. ارحل ... ساعدوني أرجوكم ..ساعدوني ..."
اقتربت منها حنين ... وأحاطتها بذراعها ... ومنثم جلست بقربها ... ووضعت يدها الثانية على كتفها .. وقالت لها :- " اهدئي يا مطر ... اهدئي..."
نظرت مطر ناحية حنين وقالت بصوت راجي :-" أرجوكساعديني ... أبعديه عني .. سوف يضربني ... أرجوكِ .. أرجوكِ ..." وألقت برأسها إلىكتف حنين ... التي ضمتها نحوها...
ورأيت الدمع ينزل من مقلتيها بعينيه اللتينترسمان الذهول و عدم التصديق.. لآخر نفس حاولت الدفاع عن نفسي.. وتبرئتها.. فقلت:- " مطر أرجوكِ تذكري..."
لتقطع حديث صوت حنين الحاد وهي تقول لي زاجرة:- " هذا يكفي يا خالد... ألا ترى حالها .. إنها خائفة منك .. فخرج وإلا صرخت وجعلتالجميع يأتون ويضعون لك حداً.."
هنا شل تفكيري ... فالصدمة كانت قوية علي ... أنا الآن الوحش المفترس في نظرهما.... لم أجد نفسي إلا وقد رفعت راية الاستسلام... وخرجت تاركاً إياهما معاً.. وفي صدري ألم شديد ....
عندما خرجت من الغرفة ... اصطدمت عيناي بحجابهاالساكن في نفس المكان الذي تركته فيه ... فوق الطاولة ... خطوت خطوتين نحوه .. أمسكته وحررته من سكونه ... عدت أنظر إلى الوراء حيث غرفتها وفي نيتي أن أعيده لها ... رفعت ساقي لأخطو أول خطوة ... لكنني تراجعت وأنا أشعر بنار الخوف تنبثق من تلكالغرفة ناحيتي ...



| +* +* +* +* |


عندما نفقد وجود الحب في حياتنا... يبقى قبره في قلوبنا...


كنت جالساً أمام شباك غرفة علي.... أترقب بزوغأول فجر يعلن رحيلكِ نهائيا عنا يا بتول ... اليوم أول يوم للعزاء .. لم يغض لي عينطول الليل وأنا أعلم بأنه سوف تبدأ مراسم رحيلك عنا في اليوم التالي .. آآآآآآآآآآآه ما أوجعه من كلمة رحيل ... رحيل .... صوف يصبح الموضوع نهائياً اليوم .... سوف تصبحين في خانة المتوفين .. الموتى يا بتول ... رفعت يدي الممسكة بشيء كانجزءاً منكِ ... نظرت به ... وشيء رطب بدأ يملأ عيني....
بدأت تلمع أمام ناظري فخيوط أشعة الشمس قد بدأتتنتشر في أرجاء المكان .. معلنة ً بدأ يوم رحيلك يا بتول....
أخذت أضغط بكل ما أوتيت من قوة على السلسلة التيفي يدي .. ومسحت دمعي المتراكم في جفني... وقطبت حاجبي ... وأنا أتوعد قائلاً:- " أقسم لك يا بتول بأني سوف أنتقم لك من قتلتك.. سوف أقطعهم إرباً إربا كما فعلوالك أقسم بذلك ... لن أرتاح في حياتي حتى أنتقم لكِ يا بتول... "
وأخذت نفساً عميقاً ... وأخرجته من صدري دفعةواحدة ... وأنا أعيد السلسلة في جيب قميصي ... قريباً من قلبي حيث مكانها الصحيح ... حيث تسكن صاحبتها فيه...
أدخلتها في جيبي ... ووضعت يدي على جيبي ... وأغمضت عينيه ..وأنا في داخلي أعيد عهدي لها بالانتقام لقتلتها ...
قاطعني صوت ناعس وهو يقول:- " أحمد ... لما لمتوقظني للصلاة الفجر ... "
فتحت عيني .. ووجهتهما ناحية صاحب الصوت ... لأجد عليًا وهو جالس على سريره .. يمد أطرافه ...

شمعة
27-01-2010, 10:29 PM
| +* +* +* +* |


في دائرة معقدة التركيب... تدور دون توقف!..
ما إن دخل لمكتبه حتى قام الجندي ... من مقعده .. وقام بتحية العسكرية وهو يقول:- " تحياتي سيدي .."
رد عليه التحية وهو مقبل ناحية كرسيه ... وما إنجلس عليه حتى قال:- " خيراً يا أيها المجند .. ماذا لديك من أخبار ؟ "
قال الجندي وهو لا يزال واقفاُ : - " سيدي لاتزال الفتاة تقاوم وتصرخ ... لم تتوقف عن الصراخ طول الليل "
ابتسم ساخراً وقال:- " اجعلها تصرخ حتى تشبع ... لن يسمعها أحد ..."
ليقول المجند .. وقد بدا الارتباك عليه :- " سيدي .. هناك شيء آخر ..."
أسند ظهره على الكرسي ووضع كلتا يداه على مقبضالكرسي وهو يقول:- " ماذا هناك أيضاً ؟"
:- " سيدي هي لم تأكل شيئاً منذ أحضرناها ... رفضت كل الطعام الذي قدمناه لها ... "
ابتسم ضاحكاً وهو يحني جسده ناحية الأمام ... ويشبك يديه يبعضهما ... ويضعهما على المكتب القابع أمامه ... وقال:- " مضربة عنالطعام أيضاً ... يبدو بأنها تريد بأن تلحق بأهلها ...( وعاد ليضحك ومن ثم أكملقائلاً ) دعها ... يا أيها المجند ... في نهاية الأمر سوف تطلب الطعام ... هذهالحركات لن تدوم ... أنا أعرف جيداً هذا .. لن تكمل اليوم إلا وسوف تطلب منكمالطعام ... صدقني ... "
ومن ثم أضاف:- " هل هناك شيء آخر تريد بأنتخبرني به ؟"
أجاب الجندي :- " لا سيدي .. هذا كل شيء ..."
فقال:- " حسناً ... يمكنك الانصراف الآن .. ولاتنسَ بأن تخبرني بأي جديد يطرأ ... "
فأجاب الجندي:- " أمرك سيدي ..."
هم في أخذ ملف موجودة على مكتبه .. وفتحه ... لكن لاحظ بأن المجند لا يزال في الغرفة... فرفع رأسه ...ونظر ناحيته والاستغرابيصبغ وجهه .. وقال:- " ماذا هناك أيها المجند .. ؟ ! لماذا لا تزال هنا ؟! !! "
نكس المجند عينيه ..... والارتباك يرتسم فيمحياه .. وأخذ يتلعثم في كلامه:- " سيدي .. هل .. هل يمكنني ...بأ .. بأن أسألكسؤالاَ ..."
أغلق الملف ... ونظر ناحية المجند باهتمام بالغوهو يقول:- " اسأل ..."
أزدرد الجندي ريقه بمشقة .. وبدأ يقول بكلماتمشتته ...:- " سيدي... لماذا .. لماذا أنت مهتم .. مهتم بهذا الجندي الذي هرب ... أقصد .. لماذا تتعب نفسك بقتل أهله .. واختطاف أخته... لماذا .. لماذا لم تنسالأمر ... "
دوت صوت شيء وهو يلتطم بسطح المكتب... يتبعهزمجرة :- " لأنه خائن "
رفع عينيه ناحية مصدر الصوت... ليجد يد القائدعلى الطاولة... وقد قام من كرسيه ... والغضب يشتعل في وجهه وعيناه... فدبت رعشة فيأوصال الجندي .. وهو يرى قائده في هذه الحال..
فأكمل القائد بنفس الوتيرة:- " ترك واجبه ناحيةوطنه .. ورحل ... أمثال هؤلاء الجبناء.. الذين خانوا وطنهم لا يستحقون إلا الموت ... نحن جميعاً عندما انتسبنا إلى الجيش تعاهدنا بأن نفدي وطننا بأرواحنا ...وهذاالجبان فر قبل المواجهة حتى ... فما نفعه .. وما نفع حياته ... مادام لم يدافع عنوطنه التي قدمت له الكثير ... ومن ثم هذا الخائن ... لن يخرج إلا من عائلة خائنةمثله ... لا يخلصون لوطنهم ... ويفكرون بأنفسهم فقط... لهذا كان يجب بأن نعاقبهم.. ونريح الوطن منهم ... فهم عبء على الوطن ...لا نفع منهم ... أرأيت عندما سألناهم عنمكان ابنهم قالوا بأنهم لا يعرفون... فكر جيداً ... ( و صوب سبابته ناحية رأسه وهويكمل قائلاً ) كيف عائلته لا تعرف مكانه... حللها ... سوف تجد من غير المعقول هذا ... هم أيضاً يؤيدونه على فعله ... هم يستحقون الذي جرى لهم ... هذا هو العقابالعادل ... أليس كذلك أيها المجند..؟ "
لم يرده رد ... فصرخ من جديد قائلاً: - " أليسكذلك..؟"
فرد الجندي مرتعداً:- " نعم سيدي ... "
عاد ليجلس على كرسيه .. وقد بدأت أعصابه تهدأ ... ومن ثم قال:- " كما أن هذا درس لمن يفكر بأن يهرب من خدمةالوطن..."
فهز المجند رأسه بنعم .. وقال والخوف قد اعتراه: - " أيمكنني الانصراف الآن يا سيدي .."
فأومأ له بالانصراف ... فقام المجند بتحيةالعسكرية ... ورحل من فوره ... كأنه لم يصدق بأنه تحرر أخيراً ...
وما إن خرج الجندي ... حتى رن هاتفه النقال ... فنظر على الرقم ومن ثم ضغط على زر الاستقبال وقال: -
- ألو ...
- وعليكم السلام .. كيفحالك سيد أكرم ..؟
- الحمد لله .. أنابخير... ما سر هذا الاتصال ..؟
- أووووووه .. تريدرؤيتي ... لماذا خيراً ...؟
- لا تريد بأن تخبرني ... حسناً ... أنا في انتظارك الآن ... فليس لديه عمل مهم في هذا الوقت ... يمكنكبأن تمر عليه .... في المكتب ... "
- " حسناً .. أنا فيانتظارك ..."
ضغط زر الإغلاق .... و الحيرة تعصر مخه ....:- " ما الذي يريده هذا ..؟!!! "



| +* +* +* +* |



رجلٌ شارك في الجرم


عمارة قديمة... يسكنها أبطالٌ نعرفهم...


وضع يده على كتف صاحبه.. فننتفض الآخر ... فقال:- " اهدأ يا خالد .. هذا أنا عبد الرحمن ..."


وجلس أمامه ...


أدخل كمية كبيرة من الأكسجين إلى رئتيه ... يحاول تهدأت نفسه بعد ما باغته صديقه وهو سارح في عالم آخر ... ومن ثم طرده من صدرهوقال مبتسماً :- " صباح الخير ..."


فرد عبد الرحمن ..راد له الابتسامة بابتسامةأخرى :-" صباح النور... لماذا لم تذهب وتنم ؟ .. فالشمس قد أشرقت منذ زمن ... لقدانتهت فترة حراستك ... "


فرد عليه وقد رحلت البسمة عن محياه:- " لا أشعربنعاس .."


أخذ يحدق به عبد الرحمن ... ومن ثم قال:- " ماذاهناك يا خالد ؟ ... أهناك مشكلة ..؟ "


فرد وقد أخذ الحزن يعتصر تعابير وجهه:- " كلا .. لا توجد مشكلة ..." وأخذ يوجه بصره بعيداُ عن عبد الرحمن ...


زفر عبد الرحمن زفرة قوية قبل أن يقول:- " لقدأخبرتني حنين بالذي جرى ..."


عاد ينظر إلى صاحبه ... و الهلع يخط تجاعيده علىوجهه: - " عبد الرحمن أقسم لك بأني لم أؤذ ..."


فقاطعه عبد الرحمن بإشارة منه لخالد بسكوت ...


ومن ثم قال:- " لقد فعلتها مرة وشككت بك ... وكمأنا نادم على ذلك ... أنا صحيح أعرفك من فترة وجيزة... لكني على يقين بأنك ليس منالنوع ذاك.. أنت رجل يخاف ربه ... ومن ثم نظراتك لتلك الفتاة ... كانت نظرات خوفوقلق .... لهذا من سابع المستحيلات بأن تفعل تلك الفعلة الشنيعة ... لا بد من لبسما في الموضوع.... ربما هو تشويش في الذاكرة ... صحيح أنا لا أعلم شيء في هذهالأمور ... وأنا لست بطبيب ... لكن عندما سألت حنين إذا ما كانت تذكر مطر شيئاًآخر.. فقالت بأنها لا تذكر شيئاً... سوى رؤيتك وأنت تضربها ... وهذه الذكرى أيضا .. لم تكن واضحة ... حيث أنها ترى يدين عملاقتين تانهالان عليها بضرب ... ووجهك ... لكنه لم يكن واضحاً جداً ... أترى ... كل هذا يدل على أنها مشوشة التفكير .... وذاكرتها لم تتعاف تماماً .. أليس كذلك يا خالد ..؟ فأنت الطبيب... "


بدل أن يتهلل وجه خالد بالفرح بأن هناك أحدمتأكد من براءته ... بات وجهه مكفهراً .... وقال بصوت به نبرة من الأسى ..:- " صحيحبأني لم أفعل بها شيئاً .. لكني .. لكني ... شاركت بهذا الجرم ...نعم شاركت به ...."


اتسعت حدقة عيني عبد الرحمن مما دخل مسمعه منصاحبه .... وقال بصوت لم يخلُ من الدهشة التي تعشش في صدره :- " ماذا تقول يا خالد؟!!! "




| +* +* +* +* |




ما إن دخلت أمي المنزل .. ووقعت أعيننا عليهانحن الثلاثة ..( أبي ... وأختي حوراء ... وأنا ..) حتى قمنا جميعنا بسرعة .. وهرعنانحوها ... فقد كنا نعيش في جمر الخوف عليها طوال ساعات ... خاصة بأنه لم تنمالبارحة في المنزل ... وبعد اتصال أبي الأخير بها ... لم نستطع الاتصال بها .. فهاتفها كان مغلقاً ... فزاد خوفنا عليها ... وبدأنا نتصور الأسوأ ..


كان أول الواصلين إليها حوراء .. التي قفزت إلىحضنها .. وأحطتها بذراعيها .. وبدأت تبكي بحرقة ... في حين أن أمي لم تحرك ساكنة... كانت واقفة كالعامود .. بلا حراك ...


أما أنا وأبي فقد وقفنا أمامها مباشرة ...


أخذت أنظر إليها متفحصاُ ... لأتأكد بأنه لميصبها مكروهاً ... والحمد لله لم أجد أثراُ لأذى عليها ... لكن وجهها الحزين ... وعينيها المحمرتين ... وآثار الدمع الجاف الذي رسم خيوطه على خديها استوقفانيطويلاً ...


قال أبي والهلع واضح وضوح الشمس على نبرة صوته : - " أين كنت يا سارة ...؟ لقد خفنا عليك ِ ... "


فردت بصوت مبحوح :- " أريد أن أنام ..."


فدفعت بحوراء بعيداً عنها ... و الذهول فيعيوننا يرتسم .... ومضت ناحية غرفتها ... لحق بها أبي .. وأنا وحوراء من وراءه ... لكن أبي أشار لنا بتوقف ... فرضخنا لأمره ...


ودخل وراءها في الغرفة .. وأغلق عليهما الباب ...


و ظللنا أنا وحوراء واقفين أمام باب غرفتهما ... نظرت ناحيتي حوراء .. وقالت ووجهها الطفولي يخط القلق على قسماته فيشوهه :- " أأميبخير يا وسام ؟ "


وقفت عاجز عن إيجاد جواب لها يقضي على القلق والخوف الذي يعصر قلبها ... فأنا نفسي أشعر بالخوف يصل لحد الهلع بعد رؤيتي أمي بتلكالحال ....


فما وجدت نفسي إلا و يدي تحيط بها .. وأسحبهاناحيتي ...




| +* +* +* +* |




كان مطأطأ الرأس حين قال... بصوت يهزه الألم ... و الحرقة:- " فأنا لم أدخل الزقاق لليلتها.. عندما سمعت ذلك الصوت ... لو كنت قددخلت لربما أنقذتها ... أو حتى أمسكت بذلك المجرم حتى ...أنا شاركته ذلك الجرم ... أنا آذيتها .. أنا آذيتها .."


رحلت الدهشة التي سكنتن منذ قليل ... ليحل محلهاالإعجاب بمن يجلس أمامي ...فهو رغم أنه لم يفعل لها سوى كل خير ... لا يزال يلومنفسه على خطأ لم يرتكبه ... إنه حقا إنسان ذو أخلاق عالية ...


وضعت يدي على كتفه ... وحركت شفتيه مبتسما وقلتله :- " لا يا صاحبي لا تقل هذا الكلام ... أنت لم تذنب بشيء .... أنت شخص لم يبتتلك الليلة وهو يفكر بذلك الصوت ... لو كان أحد غيرك ... لما اكترث ... وأكمل حياته ... لكنك أنت عدت وأنقذتها ... وأحطتها برعايتك حتى هذه اللحظة .. لا أيد بأن أسمعمنك مرة أخرى هذا الكلام يا خالد ... ولا حتى بأن تفكر به .... أنت لم تفعل لتلكالفتاة إلا كل خير ... تأكد من ذلك ... أرفع رأسك هيا .... أرفعه ..."


عندما لم أجده يستجيب لأمري .... أنا قمت بهبنفسي ... وضعت يدي تحت ذقنه ورفعته وقلت ..و الابتسامة لم تغب عن شفتيه : - " لاتزله مرة أخرى .. مفهوم ..."




| +* +* +* +* |




كم أراحني كلام عبد الرحمن ... لقد بدأت أتنفسمن جديد ... بعد خنقت صاحبتني منذ أن اتهمتني مطر بأني من آذاها ...


رفع يده وأخذ يحرك سبابته للأسفل والأعلى وهويكرر كلامه قائلاً:- " مفهوم ..."


فرددت له قائلاً:- " مفهوم ..."


لقد أحسست عينها بأن عبد الرحمن ليس مجرد شخصالتقيت صدفة ... وأعيش معه حالياً ... بل هو بنسبة لي أكبر من ذلك ... إنه .. إنهالآن بمثابة أخ لي .. أخ أفخر به ... ومستعد بأن أفديه بروحي إذا لزم الأمر ...

شمعة
27-01-2010, 10:30 PM
| +* +* +* +* |




تأنيب الضمير... محكمة يمر بها الجميع... وكل يحكم عليه بحكم مختلف...




خرجت من الحمام وقد ارتدت ملابس نومها ... ذهبتإلى السرير وهو لازال يتبعها بأنظاره التي تحمل آلاف الأسئلة الباحثة عن جواب... أبعدت الغطاء ونسلت تحته ... وهو لا يزال صامتاً ينظر إليه ...


وما إن وضعت رأسها على الوسادة حتى أطلق العنانللسانه وقال وعيناه متسعتان:- " ما هذا يا سارة .. ؟! ما الذي يجري ...؟! أفهميني .."


نامت على جنبها وهو يتقول بوجه خلى من أية مشاعر :- " أنا تعبة وأريد أن أنام يا سعيد ... فدعني أنام ..."


توجه ناحيتها .. ووقف أمامها مباشرة وقال وشيءمن الغضب بدأ يظهر على وجهه..:- " ونحن أيضاً تعبون ... فلم ننم طول الليل بسببكِ ... لقد كنا خائفين عليكِ ... لهذا يجب بأن تقول ما الذي جرى لكِ .."


أخذت نفساً عميقاً ومن ثم أخرجته من رئتيهاوقالت:- " لم يحصل لي شيء ... لهذا دعني أنام ... "


صمت قليلاً .. وهو يحاول أن يتمالك أعصابه التيتريد بأن تنفجر عليها .. ومن ثم قال:- " سارة .. أنا لم أعد أفهمكِ ... أهذا بسببموت بتول؟!! .. ألم تريد بأن تتخلصي من مسؤوليتكِ ناحيتها ...ها هي جاءتكِ الفرصة ...لماذا تتصرفين هكذا؟.."


بترت كلماته وهي تقوم جالسة .. وقالت بصوت فيهنبرة من الصدمة:- " فرصة .... عندما أسمع كلامك ... أحس بأني مجرمة ... بلا قلب ... أهكذا كنت... "


أخذ ينظر إليها باستغراب.. كان يحس بأنه ضائع ... لا يعرف المرأة التي أمامه ...


:- " سارة ..."


هربت دمعة من عينها للعلن .. وقالت :- " أناكذلك .. أنا مجرمة ... عاقبتها على شيء لم تفعله .. شيء لا ذنب لها به ... "


قال بصوت ملئه الرجاء:- " سارة أرجوكِ .. أرجوكِ .. أفهميني ... أنا حقا ً محتار .. أحس بأني ضائع ... "


نظرت جهته ... وقالت:- " ليت بمقدوري بأن أقوللك ... ليت بقدوري ذلك ..."


ثم غمست وجهها الذي أنهار ... واستسلم للحزن ... بكلتا يديها ... وقالت بصوت باكي..:- " أخيراً أدركت جريمتي ... أخيراً .. بعد أنماتت عرفت مدى فداحة ما عمله ... صحوت أخيراً .. لكن بعد فوات الأوان ..."


أخرج كم هائل من الهواء من صدره ..وهو مغمضعينيه ... رفع يده لكي يواسيها .. لكن في آخر لحظة أعادها .... وخرج من الغرفةتاركاً إياها لوحدها مع أحزانها ...




| +* +* +* +* |




ما إن خرج أبي حتى أنهلنا عليه بالأسئلة عن أمي ... لكنه قابلنا بصمت ... ولم يرد عن ولا سؤال واحد ... وتركنا وخرج ... مما زاد منخوفنا وقلقنا عليها ... فلم نجد حلا .. سوى الدخول عليها .. وسؤالها عن حالها ...


لهذا قرعت الباب ...


لكن لم يردني رد ... فقرعت مرة ثانية ... نفسالشيء ... فلجأت لدائها ...:- " أمي هذا أنا وسام وحوراء ... أيمكننا الدخول.."


لا رد ...


نظرت ناحية حوراء لأجد الخوف قد تملك كل ركنفيها ...


فقلت ... :- " سوف أفتحالباب.."


فهزت رأسها مؤيدة ...


أمسكت بمقبض الباب وقبل أن أشرع بتحريكه ... سمعنا صوت الباب وهو يقفل ... لقد أقفلت أمي الباب على نفسها ...


يبدو بأنها تريد بأن تكون وحيدة ...


لكن لماذا ؟!! .. أمعقول بأنها حزينة على موتبتول ؟!! لكنها لم تكن تحبها ....


حقاً كنت في دوامة من الأسئلة التي لا جواب شافيأملكه لها ...



| +* +* +* +* |

شمعة
27-01-2010, 10:33 PM
قلوب العشاق... تنتظر الأمطار لتغيثها...
منزل الخالة فاطمة... بعد ظهر الثلاثاء!... وقبل المغيب بسويعات!..
لم أرها منذ البارحة .. كنت أريد حقا أن أطمأن عليها .... لم أدع وسيلة إلا وقد فعلتها لكي أرها ... ويرتاح قلبي المقبوض عليها ... لكنها لم تخرج من عند النساء .... نحن كنا في الخارج نستقبل المعزين ... ونسوة كانت داخل منزلنا ...
لم يكن ذهني معي .. كان منصبا عليها ...
سألت أخواتي عنها .. فقالوا لي بأنها صامتة بالكاد تتكلم ... و الحزن بادي عليها ....
هذا زاد من خوفي عليها ... كم أردت ولو أن ألمحها ولو من بعيد ...
لكن لم يتسنَ لي هذا ...
آآآآآآآآآآآآه يا غدير ... أخرجي وطمئنني عليكِ ... أرجوك ِ...
هذا كان لسان حالي حينها ...



| +* +* +* +* |


لم أكن مدركاً لما يحصل من حولي ... كنت ذلك اليوم جسد بلا روح تسكنه ... أرى أناسًا يدخلون و يخرجون ... يسلمون ويعزون ... لكنكما قلت كنت جسد بلا روح ... جسد برمج على فعل أشياء بدون تفكير .. كالوقوف وتحية الناس المعزين ... و توديعهم عندما يخرجون ...
روحي رحلت مع من ملكتها .... رحلت معها بلا رجعة ....
لقد صحية متأخراً للأسف ...
وعيت لغبائي وجبني ..متأخراً كثيراً ..
لو أني لم أجبن حينها ... وأفكر بذلك التفكير السخيف ... لكن هؤلاء الناس قادمون لكي باركوا لي بزواجي منكِ يا بتول... لا أن يعزوني برحيلكِ عن عالم الأحياء...
شعرت بأن شيء يحيط بعنقي ويضغط عليه ... عندما أشتد الندم في داخلي على فرصة كانت بين يديه وأنا رميت بها بإرادتي ... هذا جعلني أتنفس بصعوبة بالغة .... فتحت ربطت العنق قليلاً .. لعلي أحصل على بعد الهواء يسد جوعي ... لكن بلا فائدة ... فتحت زر قميصي ... ولم يجدي نفعاً .... أضغط أشتد على عنقي ... والأكسجين بات لا يدخل إلى رئتيه...
همس أبي في أذني قائلاً :- " أأنت بخير يا أحمد؟ .."
فقلت به بنبرة صوت ميت :- " سوف أذهب قليلاً وسوف أعود .."
فرد :-" حسناً .. اذهب ... لكن لا تتأخر ..."
فهززت رأسي بنعم ... وقمت من فوري ... وبخطى متسارعة توجهت إلى البوابة الرئيسية للمنزل خالتي ... وخرجت ناحية الشارع ... وما إن خرجت ... أخذت أدخل أكبر قدر ممكن من الهواء إلى رئتي المتعطشتين له ...
ظللت هكذا لعشر دقائق تقريباً ...
نظرت إلى الخلف حيث بيت خالتي... ومن ثم توجهت ناحيته وفي نيتي العودة للمعزين ... لكني توقفت ... قدماي لم يطاوعاني ...
فظللت متسمراً مكاني ... حتى جاءني صوت فتاة وهي تقول:- " السلام عليكم يا أحمد ..."
نظرت ناحية مصدر الصوت ... لأجد هدى واقفة تنظر إليه ...
فرددت عليها :- " وعليكم السلام .."
فسألتني:-" لماذا أنت واقف هنا ..؟ "
ارتبكت لسؤالها ... لم أعلم ماذا أقول... فخرج من فمي جواب غبي ..:- " لا شيء ... لا لسبب معين ..."
ثم نكست رأسي بسرعة ... لأخفي ارتباك..
فسألتني مرت أخرى :- " أأنت بخير يا أحمد ..؟"
تعجبت من سؤالها ... فقلت بصوت خافت ..:- " نعم أنا بخير ... لماذا تسألين ؟!! "
سمعت قدماها وهما تتحركان ... أعتقد بأنها خطت خطوتين ومن ثم توقفت ... وقالت:- " لأن شكلك لا يوحي بأنك بخير... "
رفعت رأسي ما إن انتهت من جملتها ... لأجد عينيها مسلطتين عليّ... لهذا لم أطل النظر بها ... فعدت أطأطأ رأسي ناحية الأرض ... وقلت بصوت مهزوز ... فالكلمات تناقض ما بداخلي... من ألم وحرقة ..:- " أنا بخير ... شكراً لكِ على سؤالك ..."
وهممت بالمسير مجبراً ناحية الداخل ... لكنها استوقفتني بقولها ...:- " أأنت حزين لأن بتول ماتت ...؟"
ظللت واقفاً لثانية و الصمت يطبق شفتيه ..وأنا موليها ظهري ... ومن ثم قلت :- " بطبع ... فالجميع حزين على موتها .. فهي بمثابة أخت لنا ... "
وأكلت طريقي .... لكنها عادت لتستوقفني بقولها ...:- " أأنت حزين لأنك خسرت أختاً ... أو لأنك خسرت بتول...؟ "
احترت من كلامها .. لم أعلم إلى ماذا ترمي ... تسأله في داخلي :- " أمعقول بأنها تعلم بما في قلبي ناحية بتول؟!! "
لم أرد عليها .. فأنا كنت في حالة من الحيرة المصحوبة بالصدمة ...
سمعت خطواتها وهي تقترب مني ...ومن ثم توقفت .. كما يبدو بأنها توقفت وراءي مباشرة .. فصوتها كان يدل بأنها قريبة مني عندما قالت:- " لم تجبني يا أحمد .."
زفرت زفرة قوية قبل أن أرد عليها :- " أنا لم أجبكِ .. لأني لم أفهم سؤالكِ ..؟ "
لترد عليه بقولها :- " كلا يا أحمد .. أنت فهمت سؤالي جيداً ... "
هنا وجهت وجهي إلى ناحية يميني ... لأرى جزءاً منها ... في حين أنها ظلت ورائي .. وقلت :- " هدى أرجوكِ ..
إذا كان هناك شيء تريدين أن تقوليه فقوليه بدون لف أو دوران .. وإلا اتركيني أذهب لاستقبال المعزين ..."
عالا صوتها وهي تقول بنبرة كان فيها الغضب جلياً :- " أسوف تهرب ... نعم .. هذا طبعك كما يبدو ... لا تعلم كم أذيتها .... وآلمتها .... لا تعلم ...."
وتوقفت وأنا قد اجتاحني موجة من الذهول مما قد دخل مسمعي ... فلتفت ناحيتها ... وأنا أطمع في سماع المزيد ... لأجدها قد استسلمت للبكاء ... لهذا سألتها:- " أذيتها .. أنا .. كيف ...؟!! كيف يا هدى ...؟ !! "
أخذت تحدق بي بعينيها الغارقتين بدمع لثوانٍ .. وأنا على جمر متقد أنتظر جوابها ... لكن لم تنطق بشيء ... واندفعت ناحية الداخل ...
حاولت بأن أناديها .. لكن أحد المعزين كان خارجاً .. فلم أستطع أن أستوقفها ....



| +* +* +* +* |

وهناك... لازالت الذكريات بعيدة عن الذاكرة...
أطللت عليها برأسي لأتفقدها .. فوجدتها قد استيقظت ... وهي واقفة أمام المرآة المعلقة على الجدار تمسح وجهها بالفوطة ... فقلت لها معلنة بدأ الكلام :- " مساء الخير ..."
التفتت ناحيتي وابتسمت ومن ثم قالت:- " مساء النور ... لم أحس بالوقت حقاً ...لما لم توقظني ..."
قلت لها:- " أنتِ لم تنمي ليلة البارحة جيداً بسبب تلك الكوابيس المزعجة .. فتركتكِ نائمة ولم أدع أحداً يزعجكِ ... ها هل نمتِ جيداً ...؟"
هزت رأسها بنعم .. وقالت:- " نعم الحمد لله ... لم أر ذلك الكابوس المزعج ..."
:-" الحمد لله ... حسناً هيا تعالي معي المطبخ لك أضع لكي طعاماً تأكلينه..."
وضعت الفوطة جانبا ... وقالت :- " لا شكرا .. لا رغبة لي بالأكل..."
فقلت لها:- " لكنكِ لم تأكلي منذ الصباح شيئاً .."
فقالت وهي تتوجه ناحية سريرها :- " أعلم لكن حقاً أنا لست جائعة ..."
وجلست عليه .. وأنا أتبعها بعيني ...
:- " حسنا فلنخرج ... نتمشى ...نغير الجو .. فأنتِ لم تخرجي للخارج منذ وصلتي .."
فهزت رأسها بلا ... وقالت وعينيها ملتصقتان بالأرض ..:-" أفضل بأن أبقى هنا ..."

شمعة
27-01-2010, 10:35 PM
أمتعنت بها لثانية .. ثم اقتربت منها ... وجلست بجوارها وقلت ..:- " لماذا لا تريدين الخروج ؟ أأنت ِ خائفة ..."
زادت من انحنائها.. ولم تنبس بكلمة ....
كانت خصلات شعرها الناعمة قد أنسابت ... وغطت وجهها ... أبعدتهن بيدي .. وجعلتها تسكن وراء أذنها .. لأرى تعابير وجهها بوضوح .... وقلت لها :- " أأنتِ خائفة من خالد ..؟ "
هنا تجلى لي بوادر البكاء على محياها ...
وضعت يدي على يدها التي كنت تشد قبضتها على الغطاء ... وقلت لها:- " لا تخافي ... أنا هنا ... نحن جميعاً هنا .. سوف نحميكِ ... لن نسمح لمكروه بأن يصيبكِ ..."
رفعت ناظرها نحوي ... حدقت بي ... ومن ثم هوت برأسها على كتفي وقالت بنبرة لم تسلم من تشويه البكاء لها :- " إنه ليس سبب خوفي الوحيد ... فأنا لا أعرف شيئاً عن ماضيه ... لا شيء... لا أعلم من أنا ومن أهلي .... وأين أسكن .. لا شيء ... لا شيء ..." وسكتت ليعلو صوتها الباكي...
أحطتها بيدي وقربتها أكثر مني .. وقلت والألم يعتصروني من حالها :- " سوف تتذكرين ... لا تخافي ... سوف تتذكرين ... ونحن سوف نساعدكِ .. فقد الموضوع يحتاج بعض الوقت... "
من بين عبراتها قالت:- " كم من الوقت يحتاج ..؟يوم ... أسبوع ... سنة ... سنتين ... إل متى سوف أظل هكذا .. إلى متى ...؟ أنه أمر صعب ... صعب ..."
وزادت حدة بكائها ...
مما زاد من حزني عليها ...
كلمها قيديني .. لم أعلم كيف أواسيها ... فأخذت أنظر في أرجاء الغرفة حائرة ... كيف أمدها بالأمل ... فنبرة صوتها توحي بالاستسلام...وأنا لا أملك شيئا يمدها بأمل ... ويخفف عليها مصابها ...
استوقفني شيء في رحلة بحثي ... كان صدوقا صغيرا أحمر اللون ... موضوع على طاولة قابعة على أحد زوايا الغرفة ... لا أعلم كيف نسيت أمره ...
وجدت نفسي ابتسم وأنا أقول لها :- " مطر .. أنا لدي شيء ربما يساعدك على التذكر ..."
أبعدت رأسها عن كتفي ... ووجهت لي نظرة يصبغها التعجب ... وقالت:- " ما هو هذا الشيء..؟!! "
قمت من على السرير وتوجهت ناحية الصندوق...



| +* +* +* +* |


نظر إليه بنصف عين وقال:- " إذا تريد مكاناُ آمنت سكن به ..."
ليرد هو من فوره:- " نعم .. فكما تعلم الأوضاع الراهنة لا تطمئن ... كما أنني دائماً في الخارج بسبب ظروف عملي ... وابنتي تطر للبقاء لوحدها .. والصراح المكان الذي نحن نسكن فيه حالياُ ليس آمن... لهذا قلبيي ظل مشغولاُ عليها دائماً ..."
خط ابتسامة على شفاهه التي باتت سوداء اللون منشدة التدخين ... وقال:- " لا عليك يا أكرم ... بإذن الله سوف ألبي طلبك ... "
ابتسم هو الآخر وقال وصوته منتعش بالفرح:- " أحقاً .. شكراً لك يا جمال ... شكراً لا أعلم كيف أشكرك .."
مد يده ناحية قدح الشاي الموجود أمامه... وقال :- " لا داعي يا صاحبي لشكر ... فنحن أصدقاء... " وارتشف من قدح الشاي...
ومن ثم أكمل:- " أهناك شيء آخر تريده مني...
وقبل أن يرد أكرم.. دوى رنين هاتف جمال النقال... أنتشله من على المكتب ... وتعين الرقم الذي يضيء به ... ومن ثم وضع القدح جانباً .. وقال لأكرم:- " عن إذنك يجب أن أتلقى هذا الاتصال.."
لم يكن صعباً على أكرم بأن يلاحظ تغير تعابير وجهه جمال ... التي باتت أكثر جدية ...
فرد قائلاً :- " تفضل خذ راحتك ..."
ليقوم جمال من مقعده .. وتوجه نحو الشرفة ... وأغلق الباب ورائه ...
ما إن بات في الشرفة حتى استقبل الاتصال.. وقال :- " ماذا هناك ..؟ منذ قليل كنت معي ..."
ليرد بأعلى طبقة من صوته .. والصدمة تنحت وجهه :- " مـــــــــــــــــاذا .. أغمي عليها ... لماذا .. ما الذي جرى ؟!!! "
تحولت الصدمة إلى غضب عارم فجرها في صوته :- " أيها الأحمق .. لا فائدة منك ... يجب أنا أن أعمل كل شيء بنفسي ....."
ثم صمت لثانية وهو يذهب يمنةً ويساراً ... ومن ثم توقف وقال بصوت أقل حدة من قبل:- " حسناً .. أنا قادم ... دقائق وأكون هناك ..."
عاد إليه ووجهه يرسم تعابير مغايرة عما كان عليها قبل أن يستقبل الاتصال ... فاشتعلت في داخله شرارة الفضول...
حاول أن يخفي غضبه الممزوج بالارتباك وهو يقول على عجل:- " أكرم اسمح لي أنا يجب أن أذهب الآن فقد حصلت مشكلة في أحد الثكنات ويجب أن أذهب فوراُ وأحلها ... أعذرني يا صاحبي... "
فرد أكرم قائلاً :- " لا عليك يا جمال.. أذهب لعملك .. ولا تكترث بي ..."
أخذ يجمع حاجياته المتناثرة على مكتبه من مفاتيح ومسدس .. وقال وهو يضع قبعته التي تحمل شعار الجيش على رأسه :- " لا تقلق سوف أدبر لك مكاناًً آمنًا خلال يوم واحد ... أما الآن فمع السلامة ..."
ومد يده مصافحاً ... مد أكرم هو الآخر مستقبلاً ... وقال وابتسامة مصنعة على محياه:- " مع السلامة ... وشكراً مقدماُ ..."
هز رأسه .. ومن ثم خرج تاركاً الساحة خاوية لأكرم وأفكاره..:- " لا بد أن هناك شيئا مهما حصل .. لهذا بدا مرتبكاً بعد ذلك الاتصال ... يجب أن أتبعه وأستطلع الأمر.."



| +* +* +* +* |


مددت الصندوق ناحيتها ... كانت لا تزال جالسة ًعلى سريرها.. رفعت عينيها ناحيتي .. ونظرت من التعجب تعتليهما .. وقالت:- " ما هذا ..! "
ابتسمتُ .. ومن ثم قالتُ:- " أفتحي وعرفي بنفسك .."
أعادت عينيها ناحية ذلك الصدوق أحمر اللون ... مدت يدها نحوه... وفتحته ... لتجد قلبًا ذا لون ذهبي براق يتوسطه ... أعادت عينيها المفتوحتين على مصراعيهما نحوي... وقالت بنبرة لم تخلو من الاستغراب : - " ما هذا ..! .."
زادتُ من سعت ابتسامتي ... وجلست بجوار مطر ... وأدخلت يدي في الصدوق وأخرجتُ ذلك القلب ... ومددتُ يدي نحو مطر... وفتحتها .. لتكشف عن ذلك القلب البراق ... وقلت ...ساخرة:- " ما هذا ..؟ .. إنه قلب من الذهب .. ألا ترين ..."
كانت علامة الاستفهام لا تزال مرسومة على وجهها وهي تقول:- " أعلم بأنه قلب من الذهب ...لكن ما علاقته بي؟!! .."
فقلت لها وأنا لا أزال ممدد يدي نحوها وفي باطن يدي يوجد القلب..:- " في الحقيقة لا أعلم ما علاقته بك... لكن الذي أنا أعلمه بأنه كان محشوراً بين ملابسك .... هذا القلب هو جزء من ماضيكِ يا مطر ... لربما ساعدكِ على التذكر ..."
مددتُ يدي نحوها أكثر...
وهي حولت نظراتها التي ترسم التعجب مني إلى القلب الذهبي ... وأخذت تحدق به لثوانٍ ... ومن ثم رفعت يدها ... وأمسكت به ... وقربته من نظرها .. وهي لا تزال تنظر إليه بتمعن ... ومن ثم كسرت حاجز الصمت وقالت:- " إذا هذا هو مفتاحي لتذكر الماضي ... يا ترى ما حكايته ..؟ "



| +* +* +* +* |

ومن عاشق لآخر تتغير الأوضاع... والأفكار...
لم أزحزح بصري عن البوابة الرئيسية منذ عدة للجلوس بالقرب من والدي... لم أرد بأن أزيح بصري ولو لثانية واحدة.... فقد كنت أترقبها ... أنتظر خروجها .. لأهرع لها.. وأسألها لماذا قالت لي بأني أوذيها بتول ... كنت كمن جالس على جمر متقد ... لم أكن أقوى على الجلوس بسكينة ... كيف أجلس بهدوء وهدى قالت لي بأني آلمت بتول وآذيتها ... كيف أؤذي الشخص الوحيد الذي أنا مستعد بأن أضحي بنفسي من أجله ...
كان يجب بأن أكلمها.. أكلم هدى وبأية وسيلة... كان يجب أن أعرف سر اتهامها الشنيع لي ...
أحسست بشيء يغلف يدي .. نظرت ناحيته لأجد يداً تحيط بها ... تتبعت صاحب اليد لأجد أبي ونظرت من التعجب تعتلي عينيه ..
قال:- " ماذا بك يا أحمد ؟ .. أأنت بخير..."
بتأكيد لست بخير يا أبي ... أنا أموت مئة موتة في داخلي ... أتعذب يا أبي .. أتعذب ... ليت بقدوري بأن أخبرك بما في داخلي يا أبي .. ليتني .. ليتني ... لكني لا أستطيع .. لا أستطيع ... كان هذا نداء روحي التي تحترق في نار الندامة ... و الانتظار...
وضعت يدي الأخرى على يده الساكنة فوق يدي .. وقالت وابتسامة باهتة كبهوت وجهي تخط على شفتيه :- " نعم .. لا تقلق .. أنا بخير... بخير..."

| +* +* +* +* |

قرب أبي شفتيه إلى أذني وهمس بها قائلاً:- " اذهب وأحضر المزيد من الماء .. فقد بدأ ينفذ .."
في داخلي فرحتُ .. فهذه كانت الفرصة الثالث التي تلوح لي ... كنت أتمنى بأن أتمكن من رؤيتها هذه المرة ...

شمعة
27-01-2010, 10:38 PM
بخطى واسعة ذهبتُ إلى الباب الخلفي للمطبخ ... والذي كان يطل على الفناء الخلفي لبيتنا ... فتحت الباب ببطء... لكني توقفتُ عندما وقعت عيناي عليها ... وهي واقفة أمام المغسلة ... ابتسمت ُ فرحاً .. فقد رأيتها أخيراً ... أكملت فتح الباب .. لكن لم ألبث إلا وتوقفتُ .. عندما رأيتُ أختي ياسمين وهي تدخل المطبخ ...كان تحمل صحناً ممتلئاً بالفناجين ... وضعته على الطاولة التي تتوسط المطبخ ... ودنت من غدير التي كانت منهمكة في غسل الفناجين ...
وقالت لها:- " دعي عنكِ هذا ... أنا سوف أغسلهن .."
هزت غدير رأسها بلا .. وقالت بصوت مبحوح :- " كلا ... أنا سوف أقوم بهذا .. دعني أعمل شيئاً .. فأنتن لم تجعلني لا أنا ولا أمولا ريم نفعل شيئاً ... أرجوكِ دعيني أقوم بشيء ... فهذا .. فهذا سوف يشغلني عن التفكير... أرجوكِ ..."
صوتها الحزين أدما قلبي ... وطرد تلك الفرحة التي تملكتني برؤيتها ... وضعت ياسمين يدها على كتف غدير .. ومن ثم خرجت لتتركها تكمل ما كانت تعمله ...
تسمرت مكاني لدقائق ... ومن ثم حزمت أمري على الدخول... تححنت ُ ... التفتت ناحيتي ... فالتقت عيناي بعينيها .. لتتشابكان رغما عنهن ... كانت هي أول من أشاح بنظره ناحية الأرض ... وتبعتها أنا ... بعد معاناتٍ مع الكلماتِ .. نطقتُ قائلاً :- " السلام عليكم يا غدير... "
ردت بنفس نبرة الصوت الحزينة .. التي تبعث الألم في كل ركن من جسدي :-" وعليكم السلام .."
وعادت لتكمل غسل الفناجين ...
كنت لا أزال واقفاً عند الباب ...
انتظرتها لعلها تقول شيئاً ...
لكنها لم تقل شيئاً ... ظلت مع صمتها تعيش ...
لم أكتفي بهاتين الكلمتين اللتين قلتها لي .. كنتُ أريد أن أسمع المزيد منها ... لكي أطمئن عليها .. ويرتاح قلبي ...
فقررتُ بأن أسحب من فمها الكلمات :- " لقد نفذ الماء لدينا ... لهذا جئتُ لأحضر الماء ... أيمكنني الدخول..؟.."
هيأت ُ سمعي ليلتقط كلماتها ...
لكن خطتي لم تنجح .. فقد اكتفت بهز رأسها بنعم ... وهي مولية لي ظهرها .. ومستمرة في عملها ...
دخلتُ وأنا أشعر بخيبة الأمل ... أخذت أبحث عن علب الماء ... لأجد صندوق الماء موضوعًا في أعلى الثلاجة...
توجهت ناحيته ... رفعت يديه وجذبته ناحيتي ... لأجد شيئاً لم أره بوضوح قد سقط على رأسي ... فاختل توازني وسقطت أرضاً ... لم أكن أعي ما من حولي لبضع ثوانٍ... فتحت عيني اللتين أغمضتهما كردة فعل لما حصل... لتنعكس على مقلتي صورتها هي ... نعم كانت هي غدير .. كان القلق بادياً على قسمات وجهها ... بدا لي بأنها تقول شيئاً .. لم أستطع سماعها في البدء .. فزاد قلقها عندما لم تجد جواباً مني .. لكن رويداً رويداً عادت لي حاسة السمع ... وأنا لا أزال أحدق بها كالمهبول...
لقد كانت تصرخ قائلة ... وبوادر البكاء بدأت تتجلى على وجهها ...:- " أأنت بخير ... أجبني أرجوك ... علي ... علي ... أأنت بخير ... "
رفعت رأسي قليلاً .. فهجم عليه ألم مبرح فيه ... فوضعت يدي على موقع الألم ... فلمست كرة ضخمة على جبيني ...
عاد صوتها المذعور الذي بات يتخلله شي من البكاء يدخل مسمعي :- " علي ... ما بك .. ؟ أأنت بخير ...طمأن عليك ... أرجوك..."
التفتت ناحيتها... كانت على يميني .. جاثية على ركبتيها... لا يفصلنا سوى مسافة لا تتجاوز الشبر ...
أعدت رأسي إلى الأرض ولم أزحزح عينيه عنها ... كيف أبعدهما عنها وأنا أرى الخوف في عينيها عليه ... أنه تخاف عليه... هذا يعني بأنها تحبني ... كان هذه الفكرة الغبية تتراقص في ذهني ...
:- " يجب بأن أذهب لأحضر أحدًا لكي يساعدك..." قالت جملتها هذه ودمعة يتيمة انسلت من مقلتها ... خوفاً علي ... لم أصدق هذا .. كنت في صدمة ... صدمة فكرت بأنها تهتم بي وتخاف علي...
قامت من فورها .. لكن يدي لا شعورياً تحركت وطوقت يدها مانعة إياه من الوقف...
نظرت إليّ مذهولةً... أما أنا فقد كنت لا أزال كالأحمق أحدق بوجهها... ومن ثم حركت بصرها ناحية يدي التي تقيد يدها ... فتتبعتُ عينيها .. لأدرك عملتي ... فسحبت يدي من فورها ... وحررت يدها .. وقلت وأنا أشيح ببصري بعيداً عنها ...:- " أنا بخير ... لا تخافي .."
لم تقل شيئاً ... فخفت من أن تكون غاضبة من فعلتي... ابتلعت ُ ريقي ... واستجمعت قوتي ... ونظرت ناحيتها ... وقلتُ لها :- " لا أعلم كيف ..."
قاطعتني بقولها وهي تقوم من على الأرض:- " لا عليك ... سوف أذهب وأحضر ثلاجاً لعله يخفف من الانتفاخ .. "
أغمضت عيني بقوة ... وأنا أشعر بأني أحمق .. وغبي .. لقد أفسدت كل شيء بإمساكي ليدها ...
فتحت عيني على صوتها وهي تقول:- " تفضل هذا هو الثلج ... ضعه على جبينك ..."
رفعت رأسي ببطء هذه المرة ... وجلست ومن ثم تناولت الكيس المملوء بالثلج من يدها ... ووضعته على جبيني ... لم أشعر ببرودة أبداً ... فقد كنت أتأمل وجهها .. وأدقق به .. بحثاً عن جواب شافي يطفئ نار الخوف التي في صدري من أن تكون غاضبة مني ...
:- " لماذا تنظر إليه هكذا ؟!! "
باغتني سؤالها ... فارتبكتُ ولم أجد نفسي إلا وأنا أبعثر نظراتي بعيداً عنها...
:- " أأنت بخير يا علي ..؟!! "
فدفعتُ تلك الكلمة من حنجرتي دون تفكير ..: - " أنا آسفُ .."
وكنت ُ لا أزال مشيحاً بوجهي بعيداً عنها ..
فقالت ولم تخلُ نبرة صوتها من شيء من التعجب:- " لماذا تعتذر ...؟! "
نظرت إليها بطرف عيني باستحياء... وقلت لها بصوت أقرب منه إلى الهمس :- " لأني شخص أحمق ... أمسكتُ بيدكِ .. ونظرت إليكِ ... اعذريني أرجوكِ.. فأنا لا أعلم ما الذي جرى لي...."
أخذت تنظر للأرض ... وأنا أترقب ردها بتوجس وخوف...
أخيراً جاء الفرج ... ونطقت قائلةً :- " أولاً أنت لست شخصًا أحمقًا ... وثانياً لا داعي لتعتذر... لم يحصل شيء ... وثالثاً اضغط جيداً بالثلج على جبينك حتى يعطي مفعولاً ... "
كنتُ بداخلي أتراقص فرحاً وبهجة... فهي لم تغضب مني ... وأيضاً هي تخاف علي ... كنت أنا في تلك اللحظة أسعد رجل في العالم...
قطع عليّ بهجتي صوت هاتفي النقال وهو يرن ...
فقالت لي بعد أن رأتني لم أتحرك ساكناً...:- " هاتفك يرن ..."
فرددتُ عليها كالأحمق : - " ماذا ..؟! "
ردت عليه وهي تشير إلى هاتفي الذي كان قد انسل من جيب معطفي إلى الأرض ...
:- " إن هاتفك النقال يرن ..."
قلتُ وأنا أصحوا من عالمي الخاص الذي أعلن الأفراح ...:- " الهاتف .."
ونظرت ناحية جهة التي يشير إليه إصبعها ...أخذت الهاتف الذي بح صوته من على الأرض واستقبلت الاتصال...
لقد كان أبي المتصل ...يريدني أن أستعجل في جلب الماء....
جاوبته بأني قادم على الفور...
ما إن انتهيتُ من الاتصال ... نظرتُ ناحيتها بسرعة البرق ... لكن فوجئتُ بأنها لم تكن هناك ...
سمعتُ صوت الماء وهو يخرج من الصنبور يعود من جديد لمسمعي...
فنظرتُ ناحية المغسلةُ .. لأجدها هناك ...
لقد شعرتُ بخيبة الأمل ... فقد انتهت تلك اللحظة التي طالما انتظرتها.. انتهت قبل حتى أن أهنأ بها ...
نشرت أنظاري بحثاً صحناً من الحديد بجواري .... كما يبدو بأنه هذا الشيء الذي هجم عليه على حين غرة ... عندما لم أجد الماء جواري ... نظرت إلى أعلى .. فوجدته لا يزال هناك ... وضعتُ كيس الثلج الذي بدأ يذوب جانباً وقمت وأخذت صندوق الماء...
توقفتُ أما الباب المغلق ... زفرتُ زفرة قوية ... والتفت إلى وراءي ...وصوبت سهمي عيني ناحيتها ...وقلتُ ونقطة من الأمل تقف مع حشود من اليأس المصحوبة بخيبة الأمل في داخلي:- “ أنا ذاهبُ... "
كم تمنيت حينها بأن تنظر إلي .. فهناك فكرة غبية في عقلي تقول بأنها إذا نظرت إليه فهذا يعني بأنها تكترثُ لي...
لكن ذلك الأمل قد دهسته حشود اليأس و خيبة الأمل...فقد اكتفت بالإيماء برأسها دون النظر إليه وقولها ..:- " حسناً "
طأطأت رأسي... وكظمت حزني ... وسحبت بقاياي المحطمة... وفتحت الباب وأكملتُ طريق ... إلا أن صوتها أجبرني على التوقف...
:- " انتبه لجبهتك .. حتى لا تتورم أكثر..."
نظرت خلفي ... وطرتُ من الفرح وأنا أرها تنظر إليه... صرخت في داخلي مهللاً (( إنها تهتم بي ...تهتم بي ...))
تمسكتُ بتلك الفكرة الغبية بكل ما أتيتُ من قوة .. فهي التي تنعش الأمل في قلبي ...



| +* +* +* +* |


انتظرتُ طويلاً حتى لاحت لي أخيراً ... ها هي تتوجه نحو البوابة ... كان يجب أن ألحق بها .. واستوضح الأمر .. لم أعد أطيق ذلك الشعور الذي يقتلوني مئة مرة في ثانية الواحدة ...
قلتُ لأبي بأني سوف أحضر المزيد من القهوة من المطبخ... ونسلتُ بخطى واسعة نحو تلك البوابة ... كانت قد خرجت .. لكني لحقتُ... لكن رغم ذلك لم أستطع مناداتها ... فالناس منهم من كان يتوافد إلى العزاء ومنهم من كان خارجاً... لهذا وصلتُ المسير وراءها وأنا أتلفتُ من أن يلحظني أحد ... كأني كنت ارتكب جريمة ..
أسرعتُ بخطاي عندما لاحظتُ بأننا ابتعدنا عن منزل خالتي ...
أصبحت ُ أخيراً موازيان لها ...
انتبهت لوجودي ... فنظرت لي وعيناها ترسمان علامتين استفهام ...
سبقتها بالحديث .. وقلت :- " يجب أن نتحدث يا هدى .."
قوست حاجبيها للأعلى وهي تقول :- " نتحدث ... في ماذا ...؟!! لا أعتقد أن بيننا حديث ..."
بخطوة واحدة أصبحت أمامها مباشرة... فتوقفت عن المشي ... وبات وجهها يتلون بلون الدهشة ...
رغم ذلك قلت لها ..:- " بلا هناك حديث ... وحديث طويل أيضاً..."

شمعة
27-01-2010, 10:40 PM
قالت والعصبية باتت تكسو وجهها :- " أأنت مجنون ...؟ ابتعد عن طريقي الأفضل لك ... لا يوجد بيني ولا بينك أي حديث...فاغرب عن وجهي ..."
شعرت بالخزي من حركتي هذه .. فابتعدت ُ عن طريقها .. فشرعت بالمشي مباشرة .... لم أجد نفسي إلا وقد ارتديت عباءة الرجاء...وقلتُ لها متوسلاً:- " أرجوك يا هدى أسمعيني... أنا حقاً أتعذبُ منذ ماتت.. وكلماتك زادت من عذابي ... أنا لم أعد أحتمل .. لم أعد قادراً على هذا الحمل الذي يثقل على صدري ... أنتِ لا تعلميني بأني أموت مئة مرة في اليوم منذ رحلت ... فبتول فهي تعني لي الكثير... الكثير... كثيراً من المرات أتمنى بأن أكون أنا من مات ... وليست هي ... وليست هي ..." شعرت برجفة البكاء تحيط بنبرة صوتي .. فتوقفتُ وأنا أحاول أن أتمالك نفسي ...
أما هي فلم تكترثُ برجائي ..وأكملت خطاها الثابتة ... في لحظتها شعرت بأن روحي تكاد تختنق...فلم تعد تحتمل العيش بهذا الجسد المحمل بالهموم ... أتكأتُ على عامود الإنارة فهو أقرب شيء مني ...وكدتُ أهشمه بقبضة يدي ...



| +* +* +* +* |

يحتار المرء... ويخفق قلبه باضطراب كلما أراد قول الحقيقة...

لقد توقفتُ عن السير .. فقد وصلتُ للمكان الذي قال لي أبي بأنه سوف يلقاني فيه ليقلني... أمسكتُ بمقبض الباب ... وكانت في نيتي فتحه ... لكن يدي لم تطبق الأمر الصادر من دماغي... ظللت متيبسة بلا حراك ... استغربتُ من هذا ... فدخلتُ معمعة التساؤلات عن السبب .. لكن ما من جواب..
انتشلني أبي بسؤاله من هذه المعمعة:- " ماذا بكِيا هدى لا تدخلين ..؟! .."
نظرت إليه بعيني المفتوحتين على مصراعيهما ... لأجده قد فتح شباك السيارة.. ونظرتُ بنظرة تعتليها الاستغراب على عينيه...
يبدو بأن العدوة انتقلت من يدي للساني ... فأصبح هو الآخر عاجزاً عن الحركة ...
فعاد أبي ليسأل بعد أن طال صبره علي جواب مني ..:- " هدى أأنتِ بخير ..؟!! .."
لم أجد وسيلة لتواصل مع أبي ... سوى أن أهز رأسي بنعم لأبعد نظرة الخوف التي تجلت على عينيه...
فقال وقد عادت الطمأنينة تسكن وجهه :- " جيد إذا ...هيــــــــا ..."
ومن ثم توقف عن الحديث .. وأخذ ينظر إلى ما خلفيو الاستغراب يرسم علاماته على محياه ..
ومن ثم عاد ليقول:- " أذلك أحمد ...ابن مصطفى ... أهو بخير..؟ .."
لا إراديًا .. وبدون تفكير مسبق... نظرت إلى خلفي .. لأجد أحمد وهو مسندُ جبهته على عامود الإنارة بلا حراك... فوجدت يدي أخيراً تتحركُ ... وبدون أن أدرك بدأتُ أتحرك...ليستوقفني أبي بندائه:- " إلى أين أنتِ ذاهبة يا هدى ..؟! .."
وعيتُ لنفسي وأنا قد ابتعدتُ عن السيارة متوجهة ناحية أحمد.. فتوقفتُ بمجرد أن سمعتُ نداء أبي ...
دبت الحياة في جسد أحمد .. وأخذ ينظر ناحيتي... رأيتُ لمعة ًفي عينيه... لمعة ٌ بعثت في داخلي الكآبة و الحزن .... تحرك ... وأخذي مشي إليه... بات أمامي مباشرة ... توقف ... وعلقت عيناه بعيني .... وقال:- " أنا مستحيل أن أفعل بها هذا الفعل, مستحيل أن أؤذيها صدقيني...صدقيني )) شعرت برعشة في نبرة صوته ... رعشة ليست بغريبة عليه ... فهذه الرعشة دائماً ما تسبق البكاء..
و بالفعل.. لمحتُ على طرف عينيه دمعتين معلقتان.. لا تعلمان أين تذهبان...
أبعدت عيني عنه لوهلة .. فلم أعد أقدر على رؤية عينيه أكثر من ذلك ... فهما تشعراني بحزن يخنق روحي...
شعرتُ بأن حصون الكراهية و الحقد بدأت تنهار في داخلي... لا أعلم لماذا حصل ذلك ..
:- " هدى .."
كان هذا صوته الحزين يخترق طبلتي أذني ...
لم أقوَ على النظر إليه ...
لكن كان لابد من أن أسأله ذلك السؤال الذي يدور بلا كلل ولا ملل في داخلي.. و الذي بات يخنقني...
:- " أحقاً أنك لم تؤذها عن قصد ..؟! "
ليأتيني الرد سريعاً منه ...:- " أفضل أن أموت قبل أن أؤذيها..."
لأرد عليه قائلة:- " أحلف بذلك .."
:- " والله أنني لم أقصد إيذاءها ... فأنتِ لا تعلمين كم هي قيمة بتول بنسبة لي..."



| +* +* +* +* |

ننتظر الأخبار يوماً بعد يوم... وأحياناً نترقبها في كل ثانية تمر...

كنت ُ قد وصلتُ إلى كشك الهاتف الذي يبعد عن المكان الذي أقطن فيه تقريبًا مسافة 20 كيلو متراً ... فهناك لا يوجد هاتف... تحسبان من أن يكون مراقبًا .. لهذا وكما قال لي عبد الرحمن من الأنسب بأن يستخدموا هاتفاً بعيداً عن مكان إقامتهم حتى لا يعرف العدو مكانهم...
كانت هذه المرة الثالثة التي آتي بها إلى هذا الكشك خلال ثلاثة أيام ...كنتُ أريد بأن أطمئن على أهلي .. فقد اشتقتُ لهم كثيراً... وكذلك لكي أطمئنهم على حالي ...
لم يسعفني الحض في المرتين الماضيتين .. لكنه طول الوقت كانتُ أجده مغلقاً.. ظننتُ بأنه ربما بسبب الحرب ..لهذا الخطوط مقطوعة...
تمنيتُ في هذا اليوم بأن أجد أحداً يجبُ عليه ... فالخوف بدأ يتفشى بداخلي...
أمسكتُ بسماعة .. وضعتُ البطاقة في الهاتف ...وأخذتُ أضغط على الأزرار... لكن كانت النتيجة نفس اليومين السابقين ... هنا لم أستطع أكثر على كبت خوفي بمبررات لأني لم أجد إجابة منطقية لما يحصل .... اتصلتُ مرة واثنين وثلاث.. نفس الشيء .. كان مقطوعاً ...

أخذتُ أتصور الأسوأ في خلدي .. أمعقول أن تكون الخطوط مقطوعة لمدة ثلاثة أيام...؟ بالتأكيد كان الجواب لهذا السؤال هو لا .. إنه غير معقول....توقفتُ عن محاولة الاتصال بهم ... وأخذتُ أفكر بطريقة تجعلني أطمأن على أهلي وأنا أخذ نفساً عميقاً ..
وأنا أقف هناك... مرت بجانبي سيدتان تمشيان بخطى واسعة... وصل لسمعي أجزاء الحديث الدائر بينهما... :"لم أشاهد التلفاز منذ فترة طويلة!.."
_:"آآآه يا الله!... لقد كانوا يعلنون الخبر منذ يومين عن هذا الحريق!.. منزل بأكمله في الأطراف الجنوبية..."
تعمقت في حديثهما فسمعت صوت السيدة الأولى تقول بفزع...:"وهل كان به أحد ما؟!.."
_:"لاحول ولا قوة إلا بالله... لقد كانت سيدة أرملة مع أبناءها... أتعلمين!.. لقد تفحموا تماماً..."
_:"لابد أنها الحرب هي السبب!... لكن لماذا هذا المنزل بالذات من بين جميع البيوت؟!."
تملكني الخوف والفزع... الأطراف الجنوبية!.. تلك هي منطقتي في الجنوب... لكن كيف؟ّ!.. ولماذا؟!.
فجأة لمعت في رأسي فكرة ... وطبقتها فوراً بدون تأخير...
بسرعة تضاهي سرعة الضوء أخذتُ أضغط على أزرار الهاتف... ليأتني صوت الرنين ...
وبعد خمس رنات تماماً جاءني صوت إنسي ... كان صوت غليظ :- " ألو... مرحباً "
ميزته من فوري .. فرددت عليه :- " ألو .. السلام عليكم عمي قاسم ... كيف حالك ..؟ " كنتُ أتكلم بسرعة .. لشوقي لمعرفة خبر عن أهلي ...
ليأتني رده من الخط الآخر .. بصوت كان واضحاً عليه نبرة من الاستغراب: - " وعليكم السلام... من معي...؟!! "
:- " أنا خالد جاركم... ألم تعرفني ..؟ ..."
:- " خالد .. أهذا أنت ...!! أين أنت يا خالد ...؟! .. أين اختفيت ... "
كان صوته لا يطمئن ... زاد الحطب على نار الخوف التي تتأجج في صدري...
قلتُ بصوت متقطع ..:- " خيراً يا عم ... ماذا هناك..؟ "
وليتني لم أسأل هذا السؤال ...



| +* +* +* +* |


بعد المغيب...
كنتُ منهمكا في التدريب على إطلاق الرصاص على مجموعة من القوارير الخاوية التي صففتها بعيداً عني بمسافة لا بأس بها, لكي أحافظ على مهارتي, وجاهزيتي.
كنت في صدد إطلاق أحدى الطلقات بعد تركيز طويل على هدفي وهو القارورة الخاوية, حين تناها إلى مسمعي صوت محمود وهو يقول:- " أتتدرب من وراءنا ...؟ "
كنتُ لا أزال أشعر بشيء من الضيق نحوه بعد ما قاله تلك الليلة... فرددتُ عليه بجفاف..:- " نعم ..." وعدت لوضعية الاستعداد للإطلاق... ليعود صوته يدوي في طبلتي أذني... :- " أنا آسف لما قلته لك تلك الليلة .. لقد كنتُ متضايقاً مما حصل لنا..."
توقفتُ من جديد عما كنتُ أفعله... أخذتُ نفساً عميقاً ينعش رئتي المخنوقتين...وقلتُ له:- " محمود... لم يكن الغضب سبب قولك ليذلك الشيء.. بل لأنك منذ زمن تخفيه في صدرك... فجأة تلك اللحظة... التي جعلته يخرج للعلن .."
انتظرتُ جوابه ... فطال انتظاري... لينهي هذا الانتظار عمار وهو يقول:- " نحن أخطأنا ونحن نادمون... لا تعلم كيف مرت علينا الثلاثة الأيام الماضية ... ونحن نعلم بأنك غاضبُ منا ...أرجوك اصفح عنا ..."
أخرجتُ ما في صدري من هواء وقالت وأنا ألتفت نحوهم ...:- " أنتم تعلمون بأنه من المستحيل بأن أغضب منكم ... لكن عدم ثقتكم بما فعلتُ آلمني ..."
بحركة واحدة بات محمود أمامي مباشرة.. وقال:- " لو كنا مكانك لفعلنا مثلك ...."
نظرتُ إليه .. ونقلتُ بصري نحو عمار الذي كان وراء محمود ... ومن ثم قلتُ وشيء من السكينة بدأت تنشر شذاها في داخلي:- " لا عليكم ... لم يحصل شيء .... "

شمعة
27-01-2010, 10:42 PM
لأجد وجههما يتهللان بالفرح ...
:- " وأخيراً انتهى هذا الجو المشحون ..."
نظرنا جميعاً جهة صاحب الصوت ... لنجد عمر قدماً وهو يعرج نحونا ...
ولما أصبح بالقرب مني قال:- " أعطني هذا السلاح ... ويكفي تضيعاً للوقت.."
ومد يده نحوي... أعطيته المسدس .. والابتسامة على شفاهي ساكنة...
ثم نظر نحو كلن من عمار و محمود وقال:- " هيا أيها الكسل.. أحضروا أسلحتكم ... وبدؤوا التدريب ... "
فقال محمود:- " يبدو بأنك متشوق لهزيمة أخرى ياعمر؟..."
فرد عليه متحداً :- " اذهب وأحضر سلاحك .. وسوف نرى من سوف يهزم هزيمة نكراء..."
فذهب كل من عمار ومحمود لإحضار أسلحتهم ... وبقيت أنا وعمر... فقلتُ له:- " يبدو بأنك أصبحت أنت القائد ؟ .."
:- " بطبع ... فهذان الكسلان يريدان قائداً شديداً .... ليس مثلك .. قائد يدللهما ... "
فابتسمتُ ضاحكاً ... وأنا أضربه على كتفه ضربة خفيفة بقبضة يدي وأنا أقول:- " دائماً أنت هكذا.. ترسم الابتسامة في شفاهنا .. حتى في أحلك اللحظات ..."
ليرد عليه والابتسامة تزين وجهه :- " إذا قضينا الحياة بالهم و الغم لما عشنا ..."
حركة رأسي مؤيداً لكلامه...
قاطع حديثنا صوت عمار المذعور..وهو يقول:- " خالد ماذا بك؟!!! "
حركنا كلنا... أنا وعمر رأسينا ناحية عمار... لنجد محمود بالقرب منه يقف .. ومصوبان أعينهما المفتوحتان على مصراعيهما للبوابة الرئيسية... تتبعنا اتجاه عينيهما .. لنجد خالد في حال تسقط القلوب إلى الأقدام من الخوف... هرعتُ أنا ناحية خالد... الذي كانت الصدمة تحتل كل ركن من وجهه ... ودمعة يتيمة معلقة برمش عينه لا تعلم أين تحط رحالها...وقفتُ أمامه.. صوبة سهام عيني نحو وجهه وقلتُ والخوف يشد خناقه على قلبي:- " ماذا بك يا خالد ...؟!! "
لم تطرف عينه منذ وصل... وظل ينظر إلى اللاشيء... وهو يقول بصوت مملوء بذهول:- " لقد ماتوا ... ماتوا ... التهمتهم النيران ... ماتوا ... ماتوا..."
توقف عن الحديث وأنا قد وصلت قمة جبل الخوف ....فدفعت بذلك السؤال الذي في صدري لكي يزور أذني خالد... لكن قبل أن يصل إليهما... دوى صوت قوي ... صوت ليس بالغريب عليه....وقبل أن أدرك هوية هذا الصوت.. أنهار عليه خالد..لألتقطه ... وأنهار أنا الآخر ...على الأرض فتوازني قدر اختل... كنت مستلقيا على الأرض.. وخالد من فوقي... وأنفاسه كانت مطربة ... أبعدته عني وجعلته يستلقي على الأرض ... لأصدم بما رأيت في ...
لقد كان مصاباً .. لقد عرفت ما هوية ذلك الصوت ..أنها رصاصة ... تلتها أخريات من كل جهة وصوب تنهال علينا بدون توقف ....



| +* +* +* +* |


نقرر... لندخل كما يعتقد البعض عالم النسيان...
التاسعة والنصف... من ذلك المساء...
قامت أمي بسرعة البرق من على الكرسي ..وقالت والدهشة ترسم خطوطها العريضة على وجهها:- " مــــــــــــــــــــــاذا قلت... أفقدت عقلك ...؟ "
لأرد عليها , وعيناي تنظران إلى عينيها... لعلها تقرأ ما في داخلي:- " كلا يا أمي ... أنا الآن وجدتُ عقلي ... خدمة الوطن .. وإخراج هؤلاء القتلة هو هدفي ... ولن أتنازل عنه ..."
اقتربت مني ...ووضعت يدها الحانة على خدي وقالت:- " بني أنت لا تصلح لهذا العمل ..."
لأنفجر عليها .. وأقول بطبقة صوت عاليه:- " لماذا ...؟ أتنقصني يد .. أو رجل ... أو عين ... ما الذي يجعلني لا أصلح بأن أكون جندياً يخدم وطنه ...؟ "
أبعدت يدها عن خدي بحركة سريعة ... وقطبت حاجبيها وقالت وهي تعصر عينيها لتجعل حشود الدمع تخرج من مقلتيها ... وصرخت قائلة: - " لأنك أبني يا أحمد .. أبني الوحيد ... وأنا لستُ مستعدة لخسارتك كما خسرتُ بتول ... ( عادت لتفتح عينيها, وأكملت بصوت أقل حدة ) هذا سوف يكون فوق طاقتي..... فوق طاقتي... أرجوك أفهم يا أحمد .... وأبعد هذه الفكرة من رأسك ..."
آلمني ما سمعته ورأيته من أمي ... فأحطتها بذراعيّ .. وضممتها إلى صدري .. وقلت لها:- " أمي جميعنا سوف.. نموت... هذه سنة الحياة ...فلماذا لا أموت في خدمة وطني والدفاع عنه .. بدل أن أموت في فراشي... ؟أمي أنا فكرة في هذا القرار طوال ثلاثة الأيام الماضية ... وتأكدتُ في قرارة نفسي بأن القرار الأنسب ... فأرجوك دعيني أحقق هدفي .. أرجوك ..."
تعالى صوت بكائها .. مما زاد من ألمي ....
نظرتُ ناحية أبي الذي لم يتحرك ولم يقل شيئاً منذ أطلعتهما على قراري... بادلني أبي النظرات ... و السكون على قسمات وجهه ...
أنزل عينيه ... وقام من على مقعده ... أخذ يقترب منا ... توقف .. ووضع يده على كتف أمي التي تزال في حضني وقال:- " يا أم أحمد, يجب أن تفخري بابنك لا أن تحزني وتمنعيه عن خدمة الوطن... " ثم رفع عينيه نحوي.. لأجد الفخر فيهما ...وأكمل قائلاً :- " أنا فخور بك يا أحمد .. "
كانت كلماته هذه هي التي أذاقتني طعم الفرحة التي افتقدتها...



| +* +* +* +* |

كنا نعيش في حالة من الرعب... ونحن نسمع طلقات النار تدوي في الخارج... تجمعنا في غرفة مطر ... وحضنا بعضنا البعض .. لعلنا نهدأ من روعنا... كنا نرتجف كورقة خريفية مرة عليها ريح عاص... وأنفاسنا مضطربة ...
فجأة سمعنا صوت خطوات متثاقلة تقترب منا ...فزاد خوفنا ... وبدأنا نحضن بعضنا أكثر من قبل ... والدمع ينسكب من عينينا المتسمرتين على الباب ... صاحت مريم بأعلى صوتها:- " أنهم هم .. أنهم هم... سوف نموت.. سوف نموت ..."
فصرخت علياء مذعورة:- " لاااااااااااا ..."
ومادت أظافر يد مطر الممسكة بذراعي تخترق جلدي.. وهي تشد قبضتها علي يدي... قناع الرعب على وجهها ....
شعرت لحظتها بأني أنا المسئولة عنهن... وأنه يجب عليه بأن أفعل شيئاً.. حتى إن كان الثمن حياتي.... قررتٌ على أن أدافع عهن بأي وسيلة.. وأنا أسمع أسمع تلك الخطوات تدنو من الغرفة... قمت من على الأرض ... فتشبثن بي أكثر ..وهن ينظرن إلي بأعينهن المفتوحة أوسع ما يكون ....
فسألت مريم بصوتها الذي شابه الذعر:- " إلي أين سوف تذهبين ...؟!! "
نظرت إلى وجوههن الواحدة تل الأخر... فزاد إصراري على حمايتهن .. فأنا أكبرهن ... وعلى عاتقي بأن أحميهن من أي مكروه ...
وقلت وابتسامة مصطنعة ترتسم على شفتي اللتين تاهتزان:- " لا تخفن ... لن أسمح بأن يصبكن مكروه... "
وأبعدتُ أيديهن التي تمسكن بي الواحدة تلو الأخرى...
إلا يد واحدة لم أستطع أن أبعدها عني ... بل ظلت تلك اليد متمسكة بي كالقيد ...
انحنيت ناحيتها والابتسامة لم تغب عن شفتي... وقلت لها مطمئنة :- " حبيبتي مطر ... لا تخافي بإذن الله لن يصبني مكروه ... فدعيني أذهب..." وأخذت أنظر إلى عينيها الباكيتين...
وعدة لأمسك بيدها ..لأنجح هذه المرة في إبعادها...
اعتدلت وأخذت أبحث عن شيء يصلح لكي يكون سلاحاً... فوقعت عيناي على المرآة المعلقة على الحائط ... فأمسكتُ بأقرب كرسي لي ... ورميته ناحية المرآة .. لتناثر حطامها على الأرضية ... تناولتُ قطعة كبيرة نوعا ما... شعرت بالألم وهي تنغرس في لحم يدي ... و الدم يتدفق للخارج منها .. لكن لم أكترث ... فهذه الأمور صغيرة أمام ما سوف يحصل إذا تراجعتُ واستسلمت للألم ...
ابتلعتُ ألمي وأقترب ُ من الباب بخطى صغيرة.. وقبل أن أصل له ... بدأ مقبض الباب بدوران ... لقد وصل للغرفة ...
لكنه لم يحالفه الحظ فالباب كان موصداً ... حاول مرة واثنين وثلاث .. فلم يفلح ... فعم الهدوء أرجاء المكان ... لكننا لم نهنأ به .. فقد تعالى صوت الباب وهو ينهال إليه بجسده... لقد كان يحاول كسر الباب... فتعالت صرخات الذعر من الفتيات .. مما زاد من خوفي ... بدأت يداي يرتعشان ... وأنا مسمرة بصري ناحية الباب الذي بدأ ينهار .. ويستسلم ... تراجعتُ للخلف ببعض خطوات ... ولم أبعد عيني عن الباب...
أخيراً استسلم للباب.. و إنهار أرضاً أمام ناظري.. فشعرت بقلبي يكاد يتوقف... ولم أعد أدرك ما يحصل من حولي ... حتى أن جسدي تجمد مكانه .. ولم يتحرك ... رغم أني أرى ذلك المجرم يشهر مسدسه نحوي... فالخوف قطع عصب الحركة من جسدي.. فبتُ غير قادرة على الحركة...
لقد انتهى كل شيء .. كل شيء....
صوت طلقتين ناريتين... اخترق الأمواج الصوتية ...
وصرخت الفتيات دفعت وحدة :- " لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااااااااااااااااا حنين ..."
وأنا استسلمتُ لمصيري المحتوم ...
لكن حصل ما لم يكن في الحسبان ... تلك الطلقة لمتكن مصوبة لي ... بل اخترقت صدر العدو ... فهوى على الأرض .... وأنا أنظر إليه وغير مصدقة لما حصل ...
ظللتُ أنظر إليه ولم أبعد عيني عنه ... الصدمة قد عششت بداخلي ....
شعرت بيدٍ تحيط بذراعي ... ولم ألبث إلا وسمعتُ صراخ أحدٍ ينادي باسمي.. ويهز يدي بقوة:- " حنين أأنتِ بخير؟!! ... حنين .. حنين ... ردي علي ... حنين ..."
رفعت رأسي إلى مصدر الصوت .. لأجد خالداً .. والخوف يعتصر وجهه ....
هنا نطقتُ بصوت مشتت .. :- " خالد ..... "
:- " نعم هذا أنا ... أأنتِ بخير طمئنني ..؟! .."
لم أكن قادرة على الرد عليه فأنا لا أزال في أوج الصدمة... فاكتفيت بهز رأسي بنعم ...
ومن ثم التفت بسرعة نحو الفتيات ... وقال:- " وأنتن... أأنتن بخير...؟!..."



| +* +* +* +* |

ردت كل من مريم وعلياء بنعم .. لكنها لم تجبني ... كانت تحضن قدميها و واضعة رأسها على قبة قدميها...
فشعرت بخوف شديد بداخلي وأنا أراها هكذا.. فنظرتُ إلى كل ٍ من مريم وعلياء .. وسألتهما:- " أهي بخير..؟!! "
فردت علياء :- " نعم هي بخير .. لا تخف يا خالد .."
زفرتُ زفرت ارتياح.. ومن ثم قلتُ :- " هيا بنا ... يجب أن نخرج حالاً.."
:- " أين البقية...؟! "
كانت هذه حنين... والتي كما يبدو بأن الصدمة قد رحلت عنها... التفتت نحوها .. وقلتُ:- " بإذن الله سوف يلحقون بنا ... الآن يجب بأن نرحل هيا .. لا وقت عندنا ..."
:- " أأنت مصاب ؟!! "
قالت مريم ...
نظرت إليها ..لأجد عينيها ملقية الضوء على كتفي الدامية... فقلتُ لها :- " إنه خدش بسيط ... هيا بنا يا بنات .. لا وقت لدينا ... لقد طلب مني عبد الرحمن بأن آخذكن إلى الجبل... حيث يقع هناك كهف حيث اعتدتم الاختباء فيه ... هيا لنتحرك ... لا وقت لدينا ..."
تحركت كلٍ من مريم وعلياء ... لكن مطر لم تتحرك ظلت ساكنة مكانها... كنتُ متيقناً بأنها لن تتحرك مادمت أنا هنا .. فهي تراني ذلك الوحش الشرير... التفتت إلى حنين التي كانت واقفة على عتبة الباب وقلت لها
راجيا ً:- " أرجوكِ يا حنين... دعيها تتحرك ...سوف نتقدمكن أنا و الفتاتان ... هي لن ترضى أن تذهب وأنا موجود... أرجوك ..."
أخذت تحدق بي حنين لبرهة... كأنها كانت مستغربة ... ومن ثم قالت:- " حسناً ... "
ابتسمت وقلت لها:- " سوف ننتظركما في البوابة الخلفية .. لا تتأخرا ..."
هزت رأسها بإيجاب ... القيتُ نظرة على مطر .. ومن ثم خرجتُ وتركتُ قلبي معهما...

شمعة
27-01-2010, 10:43 PM
| +* +* +* +* |


أبعدتُ أمي عن صدري .... و قلتُ لها:- " صدقيني يا أمي بأني سوف أعيش طوال عمري حزينُ لأني لم ألتحق بالجيش... أتريدينني بأن أعيش هذه العيشة ؟"
هزت رأسها بلا ..ومن ثم قالت .. والدمع لا يزال ينسكب من عينيها:- " كلا لا أرضاها لك يا أحمد ... لا أرضاها ..."
:-" إذا ً سوف تدعيني أذهب...؟ "
هزت رأسها بنعم وهي تعتصر عينيها مغمضة إياها ... لترغم حشد جديد من الدمع للنزول...
اطلقتُ العنان لشفتي لكي يذوقان طعم الابتسام من جديد... ومن ثم قبلتُ رأسها وقلتُ:- " شكراً لكِ يا أمي..."
ونظرت ناحية أبي الذي كانت الابتسامة ترتسم واسعة على شفاهه..
لم تدم لحظة الفرح تلك طويلاً... حيث سمعنا صراخ زوج خالتي وهو يقول:- " لااااااااااااا مستحيل .. مستحيل..."
كان صوته قادم من غرفة الجلوس التي تفصلها عن غرفة المعيشة التي نحن فيها جدار واحد... أخذتُ أنظر إلى أبي وأمي والاستغراب عنوان لي ...
هرعنا جميعاً نحو غرفة المعيشة... لنجد زوج خالتي ممسكُ بهاتفه النقال .. وحدقة عينيه مفتوحتين على أوسعهما ...
فسأله أبي :- " ماذا هناك يا أبا علي...؟!! "
نظر ناحية أبي ... وأخذ وجهه يخط الحزن على تجاعيد وجهه وهو يقول بغصة لم تسلم منها نبرة صوته:- " لقد انتهى كل شيء ... كل شيء ... لقد .. لقد ... لقد استولى العدو على البلاد ... لقد .. لقد خسرنا وطننا يا أبا أحمد .. خسرناه ...."
كان وقع الخبر كالصاعقة عليه ...



| +* +* +* +* |



طال انتظارنا أمام الباب الخلفي .. لم تحضر لا حنين ولا مطر ... بدأتُ أشعر بالخوف عليهما ... وندم لأني تركتهما لوحدهما ...
نظرتُ ناحية علياء ومريم الميتتين من الخوف فصوت الطلقات النارية يعم المكان بلا توقف ... كانتا متشابكتين اليدين ببعض .. وقلتُ لهما:- " يجب بأن أذهب وأطمئن على حنين ومطر..."
فقالت مريم بصوت يعكس الخوف المتربع في داخلها:- " ونحن ... أسوف تتركنا هنا ..؟ .."
لتصرخ علياء قائلة:- " كلااااااااا, لا تتركنا لوحدنا أجوك...."
شعرت بالحيرة ... لم أعلم ماذا أفعل .... نظرتُ ناحية باب العمارة الخلفي ... الذي لا يزال ساكناً... وعدتُ أنظر إلى مريم وعلياء المرعوبتين... وقبل أن أقول لهما عن قراري... سمعت صوت حنين المستنجد:- " النجدة... ساعدونا ... "
نظرت إليها .. لأجدها أمام باب العمارة الخلفي والهلع على محياها.... هرولت نحوها بدون تفكير.. وقفت أمامها .. وسألتها من فوري والخوف يتأجج في قلبي :- " ماذا جرى يا حنين .. وأين مطر..؟!! "
قالت .. وهي تلتقط أنفاسها الهاربة بصعوبة..:- " لقد سقطت من الدرج ...."
لم أدعها تكمل جملتها .. ركضتُ من فوري إلى الداخل .. فالخوف الذي في داخلي تحول إلى رعب ...
ما إن دخلت حتى رأيتُ مطر أسفل الدرج جالسة.. وممسكة بقدمها.. وتتأوه من الألم ... اقتربتُ منها بسرعة تفوق سرعة الضوء ... جاثية على ركبتيها بالقرب منها .. وسألتها ..:- " أأنتِ بخير ..."
صرخت بأعلى طبقة من صوتها:- " ابتعد عني ..."
آلمني ردها ....
قالت حنين:- " إنها بخير.. لكن كما يبدو بأن قدمها قد التوت .. هي لم تعد قادرة على المشي..."
قررتُ بأن أتناسى هذا الألم الذي يخنقني ...
وقلتُ:- " حسناً ... سوف أحملكِ أنا... "
وضعت أحد يدي على ظهرها .. لتنتفض وتبعد يدي بحركة سريعة من يدي عنها وتصرخ بكل ما أوتيت من قوة ..:- " قلتُ لك بأن تبتعد عني ..."
هالتني تلك العينان الكارهتان الموجهتان إلي...
تخلل طبلة أذني صوت خطى متسارعة قادمة من أعلى الدرج ...
قالت حنين:- " بالتأكيد هؤلاء أولئك القتلة... أرجوكِ يا مطر دعي خالد يحملكِ وإلا سوف يقتلونا جميعاً..."
لتعود لصراخ:- " كلا كلا كلا .. لن أسمح له بلمسي ... أنه مجرم... مجرم..."
كان وقع كلامه كالسكاكين الآتي تنغرس في قلبي ...
رغم كلامها الموجع .. إلا أنني لم أطق فكرة بأن أراها تموت أمامي على يد أولئك القتلة ... فانتفضت ورميت بوجعي عرض الحائط ... وحملتها رغم مقاومتها الشديدة لي ... كانت تتحرك وتضربني على صدري .. لكن لم أكترث ..وتصرخ بأعلى طبقة من صوتها:- " أتركني ..أتركني ...."
لم أكترث لا لضرباتها ولا لكلامها .. فحياتها أهم عندي ..
خرجنا من باب العمارة الأمامي ... وهي لا تزال تضربني بقبضة يديها الصغيرتين وتصرخ علي بأن أتركها... لم تتركُ جزءًا من صدري إلا وقد انهالت عليه بضرب ... حتى جرحي لم يسلم من ضرباتها ...حين وصلت قبضة يدها على الجرح .. صرختُ متألماً ...



| +* +* +* +* |


بدأت ذاكرتي تنشط...
دوت صرختي ألمًا من فمي... لقد ضربته على كتفه المصاب ... لم ألحظ هذا إلا بعد أن سمعتُ صرخته.... توقف أخيراُ عن الركض ... وقد كان مغمضاً عينيه بكل قوته ...كأنه كان يصارع مع الألم .. ويحاول أن يمتصه... كنتُ خائفة حقاً من أن ينفجر علي غاضباً... ومن شدة خوفي لم أقوى على الحراك ... فتح عينيه ... فدبت رعشة في أوصالي ... فقد حان وقتُ القصاص ...
قطب حاجبيه ... وزمجر بي قائلاً:- " لن أسمح لعنادك بأن يقتلكِ ..."
وأجبر عيني على أن يقعا في شباك عينيه لبرهة ....
لقد ذهلتُ .. بل أكثر من ذلك بل ... لا أعلم كيف أشعر ذلك الشعور... إنه شعور غريبُ عليه .... شعور طغى على شعور الخوف و الكراهية الذين تملكاني اتجاهه...
حرر عيني من شباك عينيه ونظر ناحية حنين التي تنادينا :- " ماذا بكما ...؟ هيا بنا ..."
فأكمل طريقه وهو حامل لي ... وأنا ساكنة بلا حراك أنظر إليه .. لا أعلم ما الذي حصل لي...
وصلنا إلى الكهف أخيراً بعد مشي طويل...
ما إن وصلنا إلى الكهف الذي كان مظلماً وموحشاً حتى وضعني على الأرض المغبرة.... ومن ثم هوى بجسده المتهالك على الأرض بلا حراك ....



| +* +* +* +* |



|+*| التدقيق النحوي || معلم لغة عربية |*+|
|+*| قلم || شمعة |*+|


|+*| مداخل و تنسيق || شجرة الكرز|*+|

شمعة
27-01-2010, 10:47 PM
أطلنا عليكم الغيبة فسامحونا ...
وجأنا بجزء غني بالأحداث ..
نرجوا بأن يحوز على رضاكم ...

كلوديا
28-01-2010, 12:15 AM
اجزاء مشوقة جداً
ننتظر الأجزاء القادمة ع نار

فلا تطيلوا الغياب علينا...

شمعة
07-02-2010, 11:33 AM
اجزاء مشوقة جداً
ننتظر الأجزاء القادمة ع نار

فلا تطيلوا الغياب علينا...

أشكرك أختي كلوديا على تواجدك المستمر وردودك التي تعني لنا الكثير ...
الجزء العاشر في طور الكتابة ...
وهو جزء المفاجآت ...
فلا تفوتينه ...
في شوق لأطلالتك ...
دمتي بخير...

totaa
11-02-2010, 07:59 AM
الجزء جميل جدا
تسلم الايادى
نتمنى الجزء القادم بسرعة
انتم مبدعون
شكرا لكم

شمعة
12-02-2010, 11:15 PM
الجزء جميل جدا
تسلم الايادى
نتمنى الجزء القادم بسرعة
انتم مبدعون
شكرا لكم
أهلا بك totaa في قصتنا المتواضعة ...
منورة بردك القصة ...
وألف شكر لك على كلماتك ...
لأن الجزء الجديد سوف يكون غني بالأحداث الشيقة و غير المتوقعة, سوف يأخذ بعض الوقت في كتابته ...
فلا تحرمينا من إطلالتك يوم يرى النور ...
دمتي بألف خير...

كلوديا
12-02-2010, 11:39 PM
وينكم شمعة وشجرة الكرز

لقد تأخرتم كثيراً

ارجوا ان تكونوا بخير

كلوديا
15-02-2010, 02:34 PM
شمعة

لقد تأخرتي في وضع الأجزاء

شمعة
16-02-2010, 12:58 PM
شمعة

لقد تأخرتي في وضع الأجزاء
السلام عليكم أختي كلوديا ..
كيف حالك؟
في البدء ان شاء الله خلصتي من الامتحانات :)
أشكرك على متابعتك المستمرة و تشجيعك لنا ... هذا هو وقودنا للإستمرار ..
أما بخصوص الجزء الجديد فهو في طور الكتابة من قبل أختي شجرة الكرز المشغولة في الآونة الاخيرة و التي رغم مشاغلها تحاول بأن تنهي كتابة الجزء ..
وأيضا هذا جزء متخم بالأحداث الجديدة و المخالفة لكل التوقعات :)
أسمحوا لنا على التأخير ..
وبإذن الله سوف يرى الجزء النور قريبا ...
دمتي بود ..

كلوديا
16-02-2010, 01:23 PM
انا بخير شكراً لسؤالك

خلصت امتحانات

ننتظركم ....

mariam helmy
22-02-2010, 11:51 PM
القصة راائعه مع انها حزيينه جدا انا لييه حاسة ان خالد هيحب بتوول مع انهم مينفعوش لبعض عموما ايا كان القصة هاتكون حلوة منتظريين على احر من الجمر

شجرة الكرز
13-04-2010, 10:52 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


يعجز قلمي عن الاعتذار...

لكن من صميم القلب أقدم لكم أجل التحايا والتقدير...

لانتظاركم الذي دام فترة طويلة جداً...

أما عن سبب التأخير... فهو خارج عن إرادتي...


فقد أتاني مولود صغير... قبل اسبوعين فقط...

وكنت قبلها أجهز المكان لقدومه...

وفي ذات الوقت كنت أكتب سطوراً من الورقة العاشرة (الجزء العاشر)...

ولكن للأسف لم أنته بعد منها...

لكن أعدكم أن أنتهي منه بأسرع وقت ممكن لأنني عدت لإكمال ما تبقى منه...

وأرجو من صغيري أن يعطني وقتاً قليلاً لكتابته...


مع خالص ودي وتقديري...

mariam helmy
13-04-2010, 11:40 PM
الف مبروك يا شجرة الكرز يتربى في عزك انشاء الله ومنتظرة جديدك بفارغ الصبر الف مبروك مرة اخرى

شمعة
01-06-2010, 10:07 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..


أعلم بأن الغياب قد طااااااااااااااااااااال ... لكن العودة قريبة ....
وتستحق هذا الإنتظار...
فالمبدعة شجرة الكرز خطة بأناملها جزء سوف يكون المفاجئة من حيث الأحداث وشخصيات سوف تبرز وتكون لها الكلمة ...

بإختصار جزء سوف يفجر فيكم المشاعر المختلفة ...

بإذن الله أيام وسوف يكون الجزء بين أيديكم :)


دمتم بألف خير ...

شجرة الكرز
07-06-2010, 07:54 PM
|+*| الورقة العاشرة من غصن الحرية |*+|






أين هي؟!. ...
تحولت الحياة... وتغيرت كثيراً...
أصبحنا أناسٌ آخرون... ونتحدث بحروف أخرى جديدة... فنحن تغيرنا كما تغيرت الحياة...
و بدأوا يفقدون ذاكرتهم شيئاً فشيئاً... ولا يسألون عن الماضي المؤلم الذي مررنا به... ولم تعد عندهم حكايا سوى التعايش مع الحرب...
لم يعد السؤال عن مكانها هو الأهم!.. بل إنهم يؤمنون بأنها قد ماتت... ولن تعود...
لم يعد الحديث عنها سوى بـ "كان وأخواتها"!.. فهم قد زينوا قبراً خاوياً باسمها...
والسؤال الأهم عندي أين هي؟!.
وطريقي للجواب... أن أقف أمام الإرهابيين!..
لكني أعود للتساؤل مرةً أخرى... أين أجد لها أثر؟!. وفي أي مكان أستطيع العثور عليها؟!.
خرجت من عالمي... لأدخل في عالمهم... الذي لازال على حاله منذ سنين عدة...
_:"الأحوال كما هي... يقوم المجاهدون في المقاومة... بعضهم لازال يعذب وبعضهم قد استشهد..."
وأكمل أبي على حديث العم... :"ليعينهم الله... ويمدهم بالقوة... لنأخذ استقلالنا من هؤلاء الكفرة..."
فقلت بصوت مخنوق... كفرد منهم...:"أين ستكون حملتنا القادمة؟!."
_:"وأين تعتقد يابني؟!."
عقدت جابايّ وأنا أفكر... :"لا أدري يا عم... لكن أعتقد أننا سنتواجه معهم عند مركزهم في المنطقة المجاورة... فهناك عددهم يتراوح بين المئتين والثلاث مئة... "
ضحك عليّ قبل أن يقول... :" تفكير داهية!.. لكن أتعلم بأننا نخطط لنهضة أكبر من هذه..."
فسأل ياسين مستفسراً... فقد أصبح رجلاً يعتمد عليه...:" وأين ستكون ياترى؟!."
_:"انتهينا من أحمد و"الأين" التي تدور على لسانه... وجئت لنا أنت؟!."
ضحك ياسين وقال...:"كيف تريدني أن أسألك عن ظرف المكان؟!. بـمتى... أو كيف؟!!.."
لكن عليّ أجاب على السؤال الذي طرح أولاً...:" في مدرسة وادي الحرية... فهناك يكون زعيم الإرهابيين... يملك عقلاً إرهابياً من الفئة الأولى..."
نظرت إليه بتعجب... محملقاً فيه طويلاً... قبل أن أنطق...:"ماذا؟!.. أين قلت؟!."
دخلت ياسمين وهي تبتسم قائلة...:" العشاء جاهز... "
فسألها عليّ قبل أن تهم بالمغادرة...:"وماهي قائمة العشاء؟!."
تقدمت خطوتين وهي تعدد الأطباق... :"صنعت خالتي غيداء صحناً من كرات اللحم بالفرن!.. وكوثر قد أعدت طبق السلطة اللذيذة!.. أما أنا وريم فقد أعددنا لكم الحلويات الخفيفة..."
كنا قد نهضنا جميعاً نهم بالخروج من الصالة... حين قال أبي وهو يخاطب ياسمين... :"سلمت لنا هذه الأنامل الرائعة... وأسأل الله أن يبعث لك زوجاً يستحقك..."
وقبل أن يكمل طريقه نظر إليّ نظرةً ذات مغزى... فهو لم يكف عن مفاتحتي بموضوع الزواج من إحدى اثنتين... وكذلك عليّ الذي يأس الجميع من إقناعه بالزواج وهو قد دخل الخامسة والثلاثين من عمره ولكنه أخيراً اقتنع قبل ما يزيد عن السنة... والمفاجأة كانت لنا جميعاً...
| +* +* +* +* |


إلى متى؟!. ...
رأيت عجلة الحياة تدور أمام عينيّ... ولكن لم أرَ الأحوال تنقلب رأساً على عقب!...
سمعت كلمة " ستفرج بإذن الله " كثيراً... ولكن مرت السنون ولم يأذن الله بالفرج!..
جاهدنا... وساعدنا... وثبتنا... ولازالت الأمور كما هي!..
غضبنا... وبكينا... ونزفنا... و الحال كما الحال!..
إلى متى سنبقى هكذا؟!. إلى متى سنبقى سجناء الإرهاب؟!.
و إلى متى سأبقى أنا حبيسة الذاكرة الممسوحة تماماً؟!.
إلا من خربشات... وطرطشات...
وجوهٌ بلا ملامح... أصواتٌ دون أسماء... وأرواحٌ دون أجساد...
_:"فيما تفكرين؟!."
قطع عليّ تفكيري صوت حنين وهي تدخل غرفتنا المشتركة في المخبأ الجديد الذي انتقلنا إليه منذ سنين خلت...
فالتفت إليها وأنا أحاول الابتسام... وقلت...:"لاشيء!.."
جلست على سريرها الأرضي كما هي حال أسرتنا جميعاً... فهذه الشقة التي نقطن فيها صغيرة جداً... وتفي بالغرض المراد منها...
_:"كيف ذلك؟!. منذ دقائق وأنا واقفة عند الباب أنظر إليك... وأنت تمعنين النظر في الخارج دون أن تشعري بي!.. فما الآمر؟!."
تنهدت... وأنا أشعر بألم شديد في رأسي... فقد مللت فقداني للذاكرة... ثم قلت...:"لا أدري ياحنين؟!.. فأنا أعيش معكم منذ عشر سنين... وربما أكثر... ولا أذكر شيئاً قبل العشر سنين!... لاأذكر سوى الانفجارات التي غيرت حياتنا... وربما هي من غيرت حياتي... وقلبتها رأساً على عقب... أحياناً أتمنى لو أستيقظ في الصباح فأرى نفسي وسط ذكريات كاملة وغير ناقصة... وأحياناً كثيرة أتمنى لو تنتهي الحرب لأتفرغ للذكريات..."
بابتسامة على وجهها قالت...:"ستفرج!..."
رفعت إحدى حاجبيّ باستنكار... :"إلى متى سأسمع كلمة ستفرج؟!."
ابتسمت ومن ثم قالت...:" ألا تتذكرين شيئاً؟!."
_:"للأسف لاشيء!... سوى خربشات ناقصة..."
رأيتها تمعن النظر في النافذة وكأنها تفكر في شيء ما... فسألتها مباشرة... :"فيما تفكرين؟!. ألا أجد عندك شيئاً غير القلب الذهبي يذكرني بماضيّ؟!."
التفتت إليّ وأجابت بعد تردد دام دقائق... :"لا!... وماذا عن خالد ألم يخبرك بشيء؟!."
_:"خالد!... خالد شخص عجيب... كلما حكى لي حكاية ما أشعر بأنني أسمعها لأول مرة... بعد أن كنت آخشاه أصبحت ءألفه... أشعر بأنه أخي لكن لا أذكر شيئاً يربطني به..."
لجأت للصمت قليلاً... ثم أكملت... :"وأخبرني عن الحريق الذي نشب في منزلنا... وعن أيامنا التي قضيناها معاً فيه... لكن!... دون جدوى..."
_:"شيءٌ طبيعي!.."
نظرت إليها متعجبة... :"ماذا؟!. شيءٌ طبيعي؟!. لماذا؟!."
تبعثرت الحروف في فمها وهي تجيب... :"لـ... لأن... لأنك... لأنك... لأنك أصبت بحادث ترك صدمة قوية على ذاكرتك..."
هززت رأسي وأنا أفكر... وأفكر... في القلب الذي أضمه إلى صدري... فأنا أشعر بأن فيه سرٌ كبير...
رغم أننا جميعاً مشتتين الأفكار... فنحن نبحث عن طريقة ما... تعيد لنا عبدالرحمن من الأسر... بعد أن استشهد محمود في تلك المداهمة... وعمر الذي اختفى فجأة لانعلم له مكان أو خبر... أما عمار فقد أصيب وهو بصحة جيدة لولا قدمه اليسرى التي أصيبت وبترت!..
ويبقى خالد!... الذي فقد وعيه من جراء النزيف بعد المداهمة... ولكن بفضل الله ثم حنين عادت صحته جيدة وأكثر... والآن هو الوحيد الذي يستطيع التحرك هنا وهناك بسهولة...
ونحن الفتيات نقوم بما يمكننا القيام به... وأكثرنا جرأة وقوة حنين!... تلك البطلة الشجاعة التي لولاها ... لكنى نحن الفتيات في خبر " كان "... فقد كانت روح عبدالرحمن كما يسميها عمار!... ذلك الفتى عزيمته لم تقل أبداً رغم فقده لساقه... بل كان يمدنا بكلماتٍ تثبتنا على ما نحن عليه... وتمدنا بالعزيمة والاصرار...

| +* +* +* +* |



ما الذي يحدث؟!.
لا أدري ما الذي حصل؟!.
ولا أدري ماذا حدث لي ولعائلتي؟!.
إنني أعيش في متاهة كبيرة منذ سنين!.. كنت في البداية أصرخ!... وأرفض الطعام أو الشراب!...
حتى رضخت لكل ما يطلب مني بالحرف الواحد... أصبحت كالآلة... أنفذ ما يطلب مني دون أن أي مقابل... أو أي سؤال...
لولا أن عقلي وقلبي يرفضان الكثير... ويسألان عن الكثير...
كل ما أعرفه أن أمي وأخي حبيب قد ماتا في حريق نشب في منزلنا أمام عينيّ... وكان سبب ذلك الحريق عدة رجال يكسوهم السواد...
وبعدها فقدت وعيّ... ولم أشعر بنفسي إلا وأنا في هذا القصر... حيث تركت الجنوب لأكون في مركز البلد... الذي بدأت فيه الحرب... و تفشى الإرهاب فيها...
لكن حينما التقيت بالمدعو جمال!... أخبرني بأنه أنقذني من يد الإرهابيين الذين أحرقوا منزلنا... ذلك لأنه مدينٌ لأخي خالد... حيث أن أخي كان صديقاً لابنه الذي استشهد أثناء الهجوم... أما أخي فقد أوصاه برساله سريعة أن يهتم لأموري وأمور عائلتي... لكن الإرهابيين سبقوه... وقتلوا أهلي!..
ولا أذكر سوى أنهم قاموا بترويضي بشكل رائع... لأنني رفضت فكرة موت أمي وحبيب... لكن ما باليد حيلة؟!.. فهذه إرادة الخالق عز وجل...
فما الذي يحدث من حولي؟!. لا أدري!...
ولا أدري من هو صديقي ومن هو عدوي؟!. ...
وذلك الضخم... أكرم!!.
لازال يعدني بأنه سيأتي لي بالأخبار الموثوقة...
ولم يأتنِ بشيء حتى الآن!...
نزلت من غرفتي إلى قاعة الطعام... لكني لم أجد فيها أحداً!... سوى أضواء الشموع الذهبية الموضوعة على الطاولة الكبيرة ذات المفرش المخملي الأحمر... وعليها ثلاثة أطباق بيضاء اللون بحدودٍ من ذهب...
برؤيتي عدد الأطباق... علمت بأن ذلك الأحمق سيشاركنا طعام العشاء... فاتجهت لمكتب جمال أستطلع الأمر... بمجرد طرقي للباب... قال:"تفضلي يابدور!.."
دخلت إلى المكتب... فوقعت عيناي عليه!... ذلك الشاب الذي اعتدت رؤيته... ومقابلته!... :" مساء الخير عمي!..."
كلمة اعتدت قولها لجمال!... من جراء ترويضي!...
فرد علي... قبل أن ينطق الآخر...:"كيف حالك حبيبتي؟!."
ازدردت ريقي قبل أن أجيب...:" بخير!... "
اقترب مني ليهمس في أذني... غير آبهٍ لمن يقف معنا في نفس الغرفة...:"هل يمكنني أخذ موعدٍ لهذه الليلة؟!."
لم أعره انتباهاً بل اتجهت لجمال... ووضعت يديّ حول عنقه بدلالٍ!... :"إنني أتضور جوعاً ياعمي!... ألن نتناول الطعام؟!."
أجابني جمال وهو يمسح على شعري... فهو الآن محرر من كل قيود...:"بلى عزيزتي!... هيا ياإسماعيل!.. ستكون معنا على العشاء... ولحسن حظك فاليوم قد أعد الطباخ الأصناف التي تحبها..."
أشار إسماعيل ناحية الباب داعياً جمال للتقدم أمامه... :" على العشاء!.. هذا مؤكد... فقد اشتقت لكم كثيراً... وقد أطلت الغياب هذه المرة..."
يقول أنه أطال الغيبة!.. في حين أنه غاب عنا أربعة أو خمسة أيام فقط!... لكنه محق فهو لا يكف عن الحضور إلينا بشكل يوميّ تقريباً... ولا أدري ما السبب في ذلك... غير كونه يحاول التقرب مني!... أكثر وأكثر...
يحاول أن يكسب ودي!.. وقلبي!.. قلبي الذي يأبى الخضوع لهم!.. لولا أن حواسي تطيعهم... وخوفي من أن أموت وأنا في ضياع!... دون أن أعرف الحقيقة التي انحجبت عني!..
على مائدة العشاء... كان جمال وإسماعيل يتجاذبون أطراف الحديث!... وأنا أستمع إليهم باهتمام... حتى أفهم مايدور حولي في الحياة الخارجية... التي لا أدري عنها سوى القليل... لكن للأسف لم أفهم حرفاً مما يقولان...
وعندما أنهى إسماعيل طبقه... نظر إليّ بابتسامة واسعة... ثم قال بعد لحظات من التأمل في تقاسيم وجهي... :" هل يمكنني الجلوس معك قليلاً؟!. "
وجهت نظراتي إلى جمال... الذي هز رأسه لي موافقاً على طلب إسماعيل... نكست رأسي ثم نهضت بهدوء وقلت معارضة...:" لا أريد!... فمزاجي لا يسمح بذلك!.. "
واستدرت لأخرج من القاعة... لكن صوت جمال الذي هجم بقوة على أذنيّ كبل جسدي عن الحركة... :" الحق بها!.. "
كنت أود الصراخ!.. والصراخ!..
فالتفت للخلف... لتتلقاني ذراع إسماعيل... وهو يقول... :"هيا حبيبتي!... فقد اشتقت لك كثيراً..."
نظرت في عينيه!.. وأنا أهمس برجاء... :" لا أريد!... أرجوك!... أرجوك لا أريــــ..."
لكن قبلةٌ من شفتيه ألجمت لساني عن إكمال جملتي... لكنها لم تكبل يديّ لأبعد كفه بيمناي عن شعري... وباليسرى حاولت ضربه... لكن كفه اليمنى كانت أسرع مني... فأمسك بي!...
وعاد ليمعن النظر في عينايّ... وهو يقول... :" لاتحاولي المقاومة!... فأنت تعلمين أنك ستخسرين... وسأصل لما أريد..."
كان واثقاً مما يقول... فهو يربح دائماً... لكن روحي دائماً ترفض ما يطلب وما يريد... وجسدي اللعين يرضخ لطلباته الكريهة...
فأنا لا أدري ماذا يحدث لي؟!. أبقى أرفض لوقت طويل!.. ثم فجأة أرضخ وأصبح فتاة مطيعة!..
| +* +* +* +* |




على أي خطوة أضع قدميّ؟!.
_:" لن أرحل!... "
نظر إلى أمي وحممٌ بركانية تتطاير من عينيه... وقال لها غاضباً... :"بل ستأتين معي!.. ماذا سيحصل لكم هنا!.. إن الحياة هنا أصبحت مستحيلة... "
وقفت أمام أبي بقوة وصرامة... وهي تردد... :"الآن!... الآن!... تأتي لتقول لي الحياة مستحيلة في ظل الحرب!... وأنت من كنت تؤيد هؤلاء الإرهابيين منذ أول خطوة خطوها في بلادنا... الآن!... بعد أن كنت تشجعني على أن أكون مثلك... وأصبح إرهابية!.. "
_:"ماذااا؟!. ماذا تقولين أمي؟!."
سألتها باستغراب شديد ونظراتي تنتقل بينهما... فأجابت والدتي... :"نعم! نعم ياوسام!... والدك واحدٌ من الإرهابيين الذين طغوا في البلاد... وأصبح لديه هذا المال والجاه من جراء سفك دماء أهلنا و أولادنا... هذا هو والدك ياحوراء!... رجل حقيـــ!.. "
لم تكمل جملتها... فقد صفعها والدي صفعةً جعلتها ترتد للخلف وتسقط أرضاً... اتجهت حوراء لتجثو على الأرض بجانبها... وهي تسألها... :"أمي هل أنت بخير؟!."
أما أنا... فقد نظرت إلى أبي وقلبي يخفق بشدة...
كنت أفكر!.. هل أصرخ في وجهه لضربه لأمي؟!. أم أضربه بيديّ لما فعل في دنياه؟!. أم هل أقوم باستجوابه عن صحة ما قالته أمي؟!.
لأي خطوة أخطو؟!. وعلى أيٍ منها تكون البداية؟!.
اتخذت قراري سريعاً... فساعدت أمي على النهوض... وأجلستها على الكنبة...
ثم سألت والدي بتوتر واضح على صوتي... :"لماذا؟! لماذا ياأبي إنها المرة الأولى التي ترفع فيها يدك على والدتي؟! وهل ما قالته صحيح؟!..."
نظر أبي إليّ وهو غاضب بشكل غير طبيعي... وفجأة أمسكني من ياقتي وسحبني باتجاهه صارخاً في وجهي... :"اسكت أيها الأحمق!.. إنني فعلت كل شيء من أجلك أنت وأختك!.. والآن تأتي لتحاسبني..."
أمي وحوراء نهضتا من مكانهما ليهدأ الموقف بيننا... لكنني لم آبه بما يتطاير من كلمات من بين شفتي والدي... بل قلت بكل قوة وإصرار...:"من أجلنا!.. بنيت كل هذا المال والجاه من دماء الأبرياء... وتقول لي أنه من أجلنا!.. للأسف أنك تقول بأنه من أجلنا..."
أرخى قبضته عن ياقتي قليلاً... حين قال...:"وللأسف أنك ابني!..."
تدخلت حوراء هنا لتسأل...:" كيف كان باستطاعتك خيانة وطنك؟!. وأرضك التي ولدت عليها؟!. هذا ما لاأفهمه!.."
أبعدته أمي عني وهي تجيب عن تساؤلاتنا...:"لأنني السبب في كل هذا!.. كنت أتمنى أن أنسى حياتي في الصغر... فكنت أساعد والدكما على ما يريد وما يفعل... كان هو يريد أن ينتقم لماضيه البائس... وأنا لماضيّ المتعكر... وتطابقنا في المطالب... وها هي النتيجة!.."
جلس والدي على الكنبة... لمدة لا تتجاوز الدقيقتان... ثم نهض وهو يتجه للأعلى قال لنا... :"إنني راحل عن هنا!.. فمن يريد الرحيل فليحزم أمتعته!.."
نظرنا ثلاثتنا لبعضنا البعض... ثم أجابت والدتي أولاً...:" قلت لك لن أرحل عن وطني!.."
نظرت بدوري إلى حوراء... التي أجابت سريعاً...:" وأنا أيضاً ياأبي لا أريد الرحيل عن هنا!..."
بقيت أنا في صمتي... لم نترك له مجالاً للدفاع عن نفسه... بل أخذناه وألقيناه في عمق اتهاماتنا...
لأي خطوة أخطو؟!.. وعلى أي منها أضع قدميّ؟!.. إنني تائه ياأبي... لكني اتخذت قراري... اتخذت قراري ياأبي... :"لن أترك أختي وأمي لوحدهما أبداً... أبداً..."
| +* +* +* +* |



ما هي الأخبار؟!.
عندما تدق الساعة معلنة انتصاف الليل... تخرج الذئاب من وكرها... لتفترس كل ضعيف ليس له لا حول ولاقوة...
كما الذئاب البشرية التي تتخذ سواد الليل ستاراً... لتبدأ في ممارسة طقوسها الليلية بعد أن تخلع قناع الخير والسلام...
_:"لقد وضعت يدي على أشياء مهمة جداً... وهي قد خفيت عنك سنين كثيرة..."
نفث يوسف غمامة من الدخان وهو يتمدد على أريكته بارتياح... واهتمام... بينما أخذ أكرم يسترسل في حديثه... فهو يعلم بأن الصمت وعلامات الاهتمام تعني [[ أكمل الحديث ]] ...:"جمال ينتقم من جنوده بطرق غريبة جداً... ووحشية كذلك!... رغم أن هذه الطريقة لا تختلف كثيراً عن الطرق التي نستخدمها في تعذيبهم... إلا أنه!..."
سكت لدقائق قليلة وهو يجمع شتات أفكاره... :"نحن نمسك بالجندي لنعاقبه على فعلته... أما جمال فهو يترك الجندي سجيناً عنده أو متواجداً في أي مكان كان... ويأتي بأهله وكل عزيز على قلبه... ليعذبه ويقتله أمام ناظريه... وإن لم يكن متواجداً هذا الجندي الخائن لنا... يقتل من ليس لهم أهمية قصوى!... ويبقي على حياة الأهم بينهم... لينهي حياته على مرأى منه..."
_:" أهذا كل شيء؟!. "
أجاب أكرم عن سؤال يوسف بعد تردد... :" لا!.. ... بل هناك المزيد الذي أشاب رأسي... جمال يعد العدة ليزيحك عن منصبك الذي أنت فيه... إنه يريد أن يأخذ مكانك... بأي طريقة كانت... فلديه اتصالات مع حلفاءنا في الغرب يحاول أن يشوه سمعتك لديهم... وحتى الآن لم يستطع دس أحدٍ من جواسيسه بين حراسك... فلله الحمد أنهم يهابونك أكثر مما يخافونه... وكذلك الرواتب التي تصرف لهم تغنيهم عن رواتب جمال... ووعوده المغشوشة..."
كان يوسف يتابع حديث أكرم باهتمام كبير... وعيناه لم تبتعد عن اللوحة المعلقة على الحائط أمامه... كأنه تمثال... لولا دخان السجائر الخارج من بين شفتيه ورئتيه...
فجأة اعتدل في جلسته ووضع عيناه في عينيّ أكرم وهو يسأل... :"كيف حال الفتاة التي أخبرتني عنها؟!.."
_:"بدر البدور!.. إنها بخير... لكن دوماً تسألني عن الأخبار التي أعرفها... ودائماً أماطل في إجابتي على أسئلتها التي تجبرني على اتخاذ محور الكذب معها... إنها صغيرة ولا تعرف عن الدنيا شيئاً..."
أطفئ يوسف سيجارته التي بين إصبعيه... وهو يفكر بعمق... فعاد ليسأل...:"ماهي أخبارها الأخيرة؟!."
_:"لاشيء جديد سيدي!... سوى شيئاً ربما يفاجئك..."
رفع حاجباه باستغراب شديد وسأل... :"ماهو هذا الشيء؟!."
ازدرد أكرم ريقه بصعوبه... حين تصبب العرق من جبينه... :" إنه أمر جديد عليّ كذلك!.. عندما كانت بدر البدور تحدثني عن ذلك الشاب سابقاً لم أعره اهتماماً شديداً... فهي لم تذكر لي شيئاً يتعلق بأمرنا بتاتاً... أو بالأصح لا تعرف بأن هذا الشاب على علاقة بنا بتاتاً... إلا أنها قبل يومين ذكرت لي اسم ذلك الشاب الذي تنعته دوماً بالحقير... فصدمت لدى سماعي ذلك الاسم الذي عرفناه زمناً طويلاً دون أن نعلم أنه صاحب علاقات مشبوهة... فهو كما كنا نعرف عنه... أنه لا يحبذ هذه الطريقة في ممارسة الحب..."
_:"حسناً أكمل!..."
نهض أكرم من مكانه واتجه ناحية الشباك ليفتح النافذة... سامحاً بمرور الهواء إلى رئتيه... :"لكن مع بدر البدور... يمارس كل أنواع العنف عن طريق الحب... استغل ترويض جمال لها... واستغل... ... ..."
بتر جملته التي لا يعرف كيف يكملها... لقد كانت هناك صور فتاة صغيرة تشبه بدر البدور في ضعفها وبراءتها... لكنه لم يرحم كل هذا فيها... بل مارس بالحب تعذيبها... والآن يمارس الحب بطرق مماثلة...
قطع يوسف تفكيره وهو يضع يده على كتفه...:"أكمل ولا تتوقف!... وارحم ضعف قلبك!..."
كانت ابتسامة المكر ترتسم على شفتيه... حين أخذ أكرم يقول... :"إنني أتألم كلما أتذكر حديثها عن جمال وذلك الحقير... أعرفت من هو؟!."
هز يوسف رأسه نافياً... وهو يقول... :"ربما لا!.. وربما نعم!... "
أجاب أكرم بعد لحظات من الصمت... :"إنه إسماعيل!... بدأ يتقرب من جمال من أجل تلبية رغبات الحب لا غير..."
| +* +* +* +* |



من سيضمد جراح حبي؟!.
عندما تتبقى مسافة قصيرة لنصل إلى مانريد... تقتلنا جمرة الخوف والقلق... وتقيدنا الأيام والذكريات...
كنت أرجو أن أسمع منها كلمة طيبة تداوي قلبي... وأترقب كل حرف تنطق به... كنت أسرق النظرات إلى كل حركة تصدر منها... والآن بعد أن تقدمت أكثر مما كنت أتوقع... أرى نفسي لا أستطيع أن أقدم على آخر خطوة... بسبب إحساسي برفضها لوجودي في حياتها...
أشعر أنها تبتعد عني كلما تقربت منها... وأشعر بنفورها كلما سمعت صوتي... أو حتى أقترب منها...
وأكثر ما ألمني هو ما حدث اليوم!.. حين دخلت للمطبخ والفتيات مجتمعات هناك لإعداد الفطور... وهي كانت معهن...
_:"صباح الخير جميعاً..."
ردت عليّ الفتيات... :"صباح النور..."
لكنني لم أسمع صوتها من بينهن... حاولت أن أنسى الموضوع باطلاعي على الأطباق التي تدور بين أيديهن... وتمتلأ بما لذ وطاب من أصناف الطعام...
عندما تغلغلت رائحة الحليب الساخن المطعم بالزعفران والهيل... صحت قائلاً...:"ياااه!..من أين تنبع هذه الرائحة الطيبة؟!. فأنا أحبها جداً..."
نظرت إليها علها تعيرني انتباهاً... فهي من كانت تعد الحليب...
لكن لا حياة لمن تنادي!..
اقتربت منها... لأهمس في أذنها... :"سلمت لي هذه الأنامل..."
كم تمنيت حينها أن تستدير لتقول لي كلمة طيبة... كلمة حنونة... لتضمد بها جراح حبي!... لكنها طعنتني كما تفعل في كل مرة... وبشكل مؤلم...
التفتت وهي تحمل إبريق الحليب... لتطلب مني... :"ابتعد من فضلك!.."
فلم يكن مني إلا الابتعاد بصمت... وحالما وضعت الإبريق في الصينية مع الأكواب... قلت بصوت محتار... :"ألا يمكننا الحصول على كلمة رقيقة ولطيفة مثلك؟!."
انتقلت جميع الأنظار إليها... حين أجابت بهدوء وهي ترتب الأغراض... :"ستحصل عليها... لكن إن كنت تستحقها فقط!.."
هنا صدمت!.. وطعنت من قِبلها...
رأيت كوثر أختي تنغز غدير برسغها... لكنها زمجرت بغضب... :"ماذا تريدون؟!. ماذا تريدون أكثر مما أفعل؟!. ألا تفهمون!!. ألا تشعرون بي؟!."
ثم هربت من المطبخ للخارج... أرادت ريم اللحاق بها وهي تنادي باسمها... :"غدير!.. غدير انتظري!..."
لكن هناك شيئاً ما أوقفها ساكنة في مكانها... أما بقية الفتيات فنوديّ عليهن من قبل أمي... ليأتينها بالفطور...
في حين بقيت أنا أبحلق في الباب الآخر... الذي خرجت منه غدير للتو... وريم تقف أمامي مباشرة...
التفتت بعد برهة تنظر إليّ بألم... :"لاتفعل بها كما تفعل هي بك!.. فهي مكسورة القلب... ولازالت تشعر بألم فظيع عندما تعود بها الذكريات للوراء... ساعدها... وعاملها كما تحب أن تعاملك... فإنها ستتغير!..."
وخرجت للصالة خلف البقية تاركة إياي في حيرة من أمري... هل حقاً أنها ستتغير؟!. أم أنها كلمة يقولونها لتضميد قلبي؟!.
إنني أحبها... وأعشقها... لكنها لا تمد لي يد الحب التي أريد... رغم أنني أعلم بما قاست... وما مرت به... لكن كبرياء حبي يرفض المزيد من الطعنات... يريد حباً يساويه... لا دمعة على فراق من ذهبوا...
إنني محتار بين أمرين... هل ألحق بها؟!. لأضمها إلى صدري!...
أم أذهب لتناول الفطور مع البقية؟!. دون مبالاة؟!. أو اهتمام!...

| +* +* +* +* |

شجرة الكرز
07-06-2010, 07:57 PM
عند مغيب شمس الأربعاء...

كنت أجلس وحيداً في زاوية ما من البيت...
كنت أحاول الوصول بتفكيري إلى حيث السعادة والحب...
ومن ثم أبحث من حولي عنها... لكنني لا أجد لها أثراً في أي مكانٍ...
_:"مرحباً..."
الفتت إلى يميني لأجد ياسمين مصدر الترحيب!... والذي كان تنبيهاً لي لوجودها بجانبي... فسألتها...:" ماالذي حدث؟!."
أجابتني وهي تجلس على مقربة مني... :"لاشيء... سوى أنني كنت أبحث عمن أتسلى معه... ولم أجد غيرك بلا عمل..."
_:"وما أدراك أني بلا عمل؟!."
تمهلت قليلاً قبل أن تقول...:"خالتي أخبرتني عندما رأتني متمللة..."
أدرت رأسي إلى الجهة الأخرى... فأنا أعلم ما الذي ترمي إليه والدتي... إنها تحاول أن تقربني من إحدى اثنتين... ياسمين أو هدى... ولكن الاثنتان يذكرنني بحبيبة قلبي...
حاولت تجاذب الحديث معي... حين سألت... :"ما الذي كنت تفكر به؟!.."
أجبت دون تفكير... :"وهل هناك غيرها؟!.. لأفكر بها..."
رأيت علامات الاحراج على وجهها وهي تقول...:"عذراً لم... لم..."
فتداركت الأمر سريعاً...:" لابأس... إنك تعرفين ماذا تكون بالنسبة لي!... والجميع يعرف ذلك... لكنهم يحاولون بي كي أنسى!..."
_:"لا يمكن لشخص أن ينسى حبيباً بسهولة... لقد كانت غالية على قلوبنا... لكن ألا ترى... ... "
سكتت... وقبضت على بقية جملتها... فسألتها...:"لكن ماذا؟!."
فقالت... :"لا شيء مهم!..."
فقلت وقد عرفت ما تود قوله...:" إنني أشعر بما تودين قوله... فتكلمي لو سمحتي!..."
بعد تردد دام لمدة دقائق... قالت...:"ألا ترى أنه يجب أن تهتم بنفسك ولو قليلاً... أن تنظر لحياتك التي يجب أن تستمر مهما طال الانتظار ومهما كان الأمل لديك قوياً..."
نظرت إليها باستغراب... فهي لأول مرة تتحدث هكذا... فقلت لها باصرار...:" إن إيماني بوجودها قوياً... وسأبقى أنتظر عودتها..."
_:"لن تعود!... لن تعود يا أحمد!..."
التفت لمصدر الصوت... فكانت هي... كانت تلك الفتاة تقف عند الباب بإصرار أكبر من إصراري على وجود بتول على قيد الحياة...
كانت نظرتها نظرة تحدٍ وقوة... تلك النظرة كانت لياسمين!... التي كانت تنظر إليها والغيرة تتطاير من عينيها...
الاثنتان يعلمان بأن لي فترة معينة من والدي على الاختيار... إما هذه وإما تلك؟!.. وإلا فهو سيختار لي إحداهن دون أن يأخذ برأيي...
أخذت نفساً عميقاً... لأقول من بعده...:"ولم أنت متأكدة لهذه الدرجة؟!. هل تعرفين شيئاً لا نعرفه؟!.."
نطقت وهي تأتي لتجلس بيني وبين ياسمين...:"إنني لا أعلم أكثر مما تعلم أنت... لكني أعلم بأنك مجنون في وضع الآمال..."
حملقت بها متعجباً... لم أدرِ أنها على هذا المستوى من الشجاعة... فقلت لها ببرودة أعصاب...:"إنني مجنون ببتول!.. وليست هناك فتاة ستأخذني منها... وليس هناك مخلوق سيأخذنها مني..."
أطرقت برأسها لثوانٍ قليلة... ثم قالت...:"حتى وإن بقيت العمر كله تنتظر... فأنا سأنتظر أيضاً..."
شعرت بمن تهرب بعيداً عن المكان الذي نحن فيه... نظرت إلى مكان ياسمين... فوجدته خالياً... لابد أنها قد هربت إلى غرفتها... الفرق بين هاتين... هو ذات الفرق بين القوة والضعف!...
نظرت إلى هدى وأنا أنهض من مكاني...:"لو كانت بتول هنا لتفآجأت بمن هي صديقة عمرها!.. لم أكن أتوقع أنك بهذه الجرأة والوقاحة أيضاً!..."
خرجت من الصالة لأتفاجأة بوجود أبي واقفاً عند الباب... نظر إليّ بغضب... تداركت الوضع بسؤالي...:"ما هي الأوضاع أبي؟!."
_:"لا جديد!... لكن جهز نفسك للعملية هذه الليلة..."
| +* +* +* +* |



دموعنا... هي ذكرياتنا!!..
التاسعة من مساء يوم الأربعاء...


حملنا أمتعتنا... بعد أن طردنا والدي من قصره الشاسع... لأننا وقفنا جميعنا ضده...
لم يتبق لنا في هذا البلد أحد... فنحن كما أعرف انقطعنا عن أهلنا جميعهم بسبب سوء أخلاق والدي... وكذلك مزاج والدتي المتعكر دوماً...
أخذنا نجول في سيارة الأجرة الشوارع... بصمت وضياع... حتى نطقت والدتي بالعنوان الذي لم أعرف من أصحابه... لكن سرعان ما وصلنا إليه لأعرف من هم أصحابه...
لأول مرة دخلت هذا المنزل لم أكن محل ترحيب من أحدهم... واليوم أدخل والجميع ينظر إلينا بنظرات الاستغراب والتعجب... لكن سرعان ما تحولت هذه النظرات إلى نظرات ترحيب ومودة...
كانت هناك مجموعة فتيات لطيفات... أحببتهن كثيراً... والخالة غيداء والخالة فاطمة... في الدقائق الأولى فقط شعرت بأني غريبة بينهن... لكن مع مرور بضع دقائق أخرى... شعرت وكأنني واحدة منهن...
عندما كنت أجلس برفقة ريم و ياسمين... دخل فجأة شابٌ لامس الشيب شعره... ومن خلفه شابُ آخر... ألقيا السلام باحترام... لكن الآخر تلعثم في منتصف جملته... ووقف عند الباب مشدوهاً... أما الأول فقد دخل وجلس بين الرجال... بعد أن رحب بأخي وسام... أحسست بالواقف يقترب بتوتر إلى حيث أجلس... فرفعت رأسي أنظر إليه... حينما قالت خالتي...:"وهذا عليّ ابن أختي... أما هذا فهو أحمد!..."
وصلت أنظاري إلى عينيه... اللتين تحملقان بي... أحسست بأن هناك خطأ ما في مظهري... فرفعت يدي لأطمأن من وضعية حجابي... لكن أتاني صوت غدير وهي تعرفه بي...:"أحمد!... هذه حوراء أخت وسام..."
هنا انقطعت نظراته... لتنتقل لغدير ومن ثم تعود لي ثانية... وعاود النظر لغدير التي أسرعت بامساك ذراع أحمد والخروج معه من الصالة وهي تقول...:"أحمد!... أريدك بموضوع مهم جداً... أرجوك تعال معي..."
لكن هناك شيء غريب في أحمد... كان متوتراً... مرتبكاً... أم ماذا؟!. لا أدري... حتى أنه لم يرحب بأمي أو وسام... بل ظل واقفاً في مكانه إلى أن أخذته غدير إلى خارج الصالة...
_:"إلى متى سيبقى هكذا؟!."
نظرت إلى عليّ الذي تحدث بصوت حزين... ومن ثم انتقلت إلى خالتي غيداء التي كانت تتطلع إلى حيث كان يقف أحمد... وعيناها غارقتان بالدموع... اعتقدت بأنها الوحيدة التي كانت بهذه الحالة من الصمت... لكني وجدت البقية كلهم بهذه الحالة... إلا نحن الثلاثة وسام وأمي وأنا...
وحالة الصمت هذه قطعتها أمي سائلة...:" ما الأمر؟!. لم لم يرحب بنا أحمد؟!. هل هناك خطب ما؟!.."
تنهدت ريم وهي تتكفل بالإجابة...:" لا شيء ياعمة... لكن قدومكم ذكرنا بذكرى حزينة..."
ومن ثم نظرت إليّ نظرةٌ حزينة غارقة في بحرٍ من الدموع... وفجأة انطلقت وهي تحاول إمساك بكاءها...
ما الأمر ياترى؟!. ولماذا ينظر إليّ الجميع نظرات متألمة؟!.. منذ دخولي والجميع يحملق في بالبداية وبعدها يحاولون أن يكونوا طبيعين... لكن بعد دخول أحمد لم يتمكن أحمد من الاستمرار بطبيعية...
ما الذي يوجد بمظهري ويؤلمهم لهذه الدرجة؟!.
| +* +* +* +* |



مساءٌ يتلوه مساءٌ آخر... يتخلله آهاتٌ وحنين...


وهناك أقبع في زوايا الليل المظلم... أضمد ذكرياتي بدموعي!...
أضم وسادتي إلى صدري... وأبللها بالدمع والدم... أتذكر أعز أقربائي...
_:"لقد اشتقت إليكم..."
فجأة صدر صوتٌ من الجسد الممد بجانبي... نظرت إليه بخوف... فأنا لم أصدق حالما خر على السرير نائماً... منذ الأمس وهو لم يفارقني... وبين يديه يهوى جسدي إلى الهلاك...
رغم أنه يقدم لي كل الحب... إلا أنه يخيفني بوجوده... فهو كوحش هائج... ولايرده شيء عن نزعاته...
لازلت عوداً طرياً... وقد يبس على يديهم... إسماعيل!... وجمال!... جففوا عودي... ووسدوا جسدي التراب...
مددت ساقي ناحية الأرض... فقد كنت أنوي أخذ حماماً ساخناً... لعله يزيل عني هموم الدنيا الغامضة التي أحملها على كاهلي...
وضعت قدميّ على الأرض... والوسادة وضعتها بهدوء على السرير في مكاني... هممت بالمسير... لكن يده الضخمة قبضت على ساعدي... وصوته الهامس تخلل سمعي بين شعاع الضوء الخفيف القادم من خلف ستائر الغرفة... :"إلى أين حبيبتي؟!."
ليسحب جسدي الهزيل ناحيته... ويكبلني بذراعيه... وتسقط دموعي على صدره العاري... بقيت على صدره أبكي لدقيقة واحدة... بعدها همست له... :"أرجوك ارحم ضعف حالي..."
أحسست بكفه تقترب من وجهي... لتجفف بضع دمعات هاربة من بين محاجري... وأمسك وجهي بين كفيه... ليطبع قبلة على جبيني...
ثم اشتعل ضوء المصباح الجانبي... لينظر في عمق عيناي... وهو يقول...:" مضى زمنٌ على وجودي في عالمك... ولم تعتادِ عليّ... مابك؟!... أريد أن أسمع فضفضات قلبك..."
| +* +* +* +* |




هل تقبلتني؟!.


_:"صباح الخير..."
دخلت علينا علياء... أخت عمر الذي اختفى منذ الحادثة الأخيرة... فقد أتت بطبق الفطور لكليهما... وكذلك لتطمأن على صحة عمار كما تفعل دوماً منذ أن زوجناهم... لأن عمار كان محتاجاً لمن يكون بجانبه بعد أن فقد ساقه... ويكون قريباً منه دوماً...
رددنا عليها بتحية الصباح المعتادة... ثم هممت بالخروج من الغرفة فاستوقفتني علياء قائلة... :" انتظر يا خالد قليلاً !.."
فقلت لها وأنا أشعر بأن لديها ما تقوله لي...:" ما الأمر؟!. هل هناك شيء ما؟!."
ترددت قبل أن تنطق...:" إن حال مطر لا يسرنا... إنها لازالت تائهة بين ذكرياتها التي ليس لها حبل ممتد..."
أخذت نفساً عميقاً وأنا أجيبها... :"ليس بيدي شيء... فأنتم جميعاً تعلمون ما هي علاقتي بها... أحاول جاهداً أن أربط حياتي بأختي بحياتها هي... لكن أنتم تعلمون أنه لا فائدة من ذلك... سوى أنني أضيعها بذكرياتي التي لا ترتبط بذكرياتها..."
_:"يجب أن نساعدها بشكل أكبر من ذلك..."
سألت عمار وصوتي يكسوه الغضب... :"كيف؟!.. أخبرني كيف وأنا لا أعرف حتى من تكون؟!... ولولا اقترابي من مكان وجود عبد الرحمن لتركت البلاد وهربت من هنا بعيداً..."
تقدمت علياء قليلاً وهي تقول...:" هل جننت؟!. تتركنا بهذه الحال التي لا تفرح أبداً... إننا جميعاً بحاجة لك... مطر... وعبد الرحمن وحنين... سعاد ومريم... عمار وأنا كذلك... أنت عيننا وأرواحنا... بدونك لا نستطيع فعل شيء سوى الصمت والترقب..."
نظرت إليها... لا أدري ما أقول... فحقاً هم بحاجة لي أكثر من السابق... إنني هنا لأخرج عبد الرحمن من الأسر... وكذلك لأقف بجانب عمار... ولأكون الساتر والمحامي عن الفتيات...
أطرقت برأسي لدقيقة أو اثنتين... ثم قلت لهما...:" سأبقى لأعيد عبد الرحمن هذه الليلة سيكون هنا... ومن ثم سأخبر مطر بما يجب أن تعرفه..."
والتفتت للباب لأتركهما في حيرة من أمرهما... لكن تفآجأت بوجود مطر واقفة عند الباب... حالما رأتني قالت...:" تخبرني بماذا؟!.."
نظر إلى عينها لأغرق في بحرها الهادئ...
أنقذني من هذا الغرق عمار وهو يهمس... :"لا تتهور..."
لكنني قررت بأن ينطق لساني بجملة لا أدري كيف أفسرها... سوى أنها جملة اعتراضية... :"أخبرك بأنني سأموت... سأموت جوعاً..."
ابتسمت وهي تقترب خطوة للأمام... :"وها قد أتيت لأخبرك بأن فطورك جاهز..."
أي غباء لامس عقلي... كنت سأقتل فيها الأمل بقولي الحقيقة... إنها تعيش على أمل أن تعود ذاكرتها... ولكن إن قلت الحقيقة ستعرف بأن الذكرى ضائعة بلا عودة... والآمال كلها ستموت... لكن إلى متى سأضل أكذب؟!. إلى متى سأبقى الأخ المزيف لها؟!.
يجب أن تعرف من هي بالنسبة لي!!!. بل من هي بالنسبة لنا جميعاً!!..
_:"صباح الخير خالد..."
أي خيرٍ هذا؟!...
_:"صباح النور... ما هي أخباركن اليوم؟!."
ردت سعاد... :"من غير عبد الرحمن لا تساوي قرشاً..."
نظرت إلى وجوههن جميعاً... وقد علت ابتسامة الحزن عليها... إلا مطر التي قالت...:"إنني حزينة لأجلكم... يبدو أن عبد الرحمن هذا شخص طيبٌ جداً فالجميع يحبه... أتمنى أن تجدوه بأسرع فرصة..."
_:"وأنا كذلك... أتمنى أن اليوم قبل الغد..."
كانت هذه حنين التي تكلمت... فقلت لها ضاحكاً...:" ستلتقين به قريباً... وقريباً جداً..."
اتسعت عينا حنين وهي تقول...:" ماذا؟!. قريباً جداً... متى وأين؟!. بل كيف عرفت؟!."
_:"مهلاً... مهلاً..."
قفزت مريم وهي تصرخ بي...:" تقول قريباً جداً سنلقاه... وتريد منا أن نتمهل... هيا أخبرنا كيف عرفت..."
قالت حنين بإصرار...:" أرجوووك!... أخبرني هيا!..."
ابتسمت وأنا أرتشف القليل من الحليب... ثم سكت لثوانٍ قليلة قبل أن تقفز في وجهي مطر وتقول... :"أخبرنا وإلا حرمتك من الطعام أسبوعاً كاملاً..."
كانت الحياة قد بدأت تدب في روحها الصغيرة... أحسست كأنها بدر البدور في حركاتها وتصرفاتها... أمسكت بها بحركة لا إرادية... من ساعدها الأيمن... وقلت... :"سأخبركن... لكن اصبرن قليلاً..."
في هذه اللحظة خرج عمار وهو يتكأ بعصاه... وعلياء تساعده... :"ما الموضوع ياترى؟!. لم كل هذا الصراخ عندكم؟!."
ضحكت وأنا أقول...:" اسمعوني جميعاً... وانتبهوا دون مقاطعة رجاءً... كانت هناك انتفاضة فريدة من نوعها... زعيم الإرهابيين وَكرُه مدرسة وادي الحرية... وفي مساء الأمس داهم رجال الشبكة تلك المدرسة... حيث أسر زعيم الإرهابيين الذي لم يرحم طفلاً ولا شيخاً كبيراً ولا حتى امرأة ضعيفة... وكذلك استولى رجال الشبكة على المدرسة... الذين لازلنا نجهل من هم بالضبط... سوى أنهم مجموعة من المواطنين الشرفاء... والخبر الأهم بالنسبة لنا جميعاً... كما عرفت منذ بضعة أيام خلت... أن عبد الرحمن كان مأسوراً مع كبار المقاومين في تلك المدرسة... حيث أنها لا تحتوي على الكثير من الأسرى..."
قفزت الفتيات فرحاً... وكل واحدة تقدم التهاني للأخرى... إلا فتاةً واحدة تنظر إليهم بفرح وسرور... لكن ساكنة في مكانها دون أي رفض أو اعتراض...
نظرت إلى ذراعيّ... ونظرت إلى وجهها الذي يتلألأ كما البدر في ليلة تمامه...
ما الذي فعلته أنا؟!.
لم أشعر بنفسي حين أمسكت ساعدها الأيمن لأجلسها على فخذي الأيمن... أضمها إلى صدري بحنان الإخوة الذي نبع من داخلي حين نظرت إليها أول مرة...
وهي!!!. لم تعترض أو ترفض... بل كانت هادئة تماماً...
يا ترى هل تقبلت وجودي كأخ لها... أم ماذا؟!.
هل تقبلتني أخاً لها؟!. كما تقبلتها أختاً لي؟!..
نظرت إلى عمار الذي يرقبني فابتسم لي... لكني أنكرت لنفسي ما فعلت... فاعتذرت من مطر بهدوء وخرجت من الشقة بأكملها...

| +* +* +* +* |



لم كل هذا الحزن؟!.

نهضت مع الفتيات نغسل أطباق الفطور...حيث قامت كوثر بتقسيم العمل بيننا...
كوثر!... أتت تزور منذ الأمس وباتت الليلة معنا... فهي متزوجة ولديها علي الصغير... فتى ظريف جداً... أما زوجها محمد كان من ضمن فريق خالي مصطفى... يذهبون ليساعدوا المصابين من جراء الحرب...
نعود لموضوعنا الأهم... حين انتهينا من تنظيف وترتيب المطبخ... كلفنا بترتيب بقية غرف المنزل...
قسمت غدير هذه المرة العمل بيننا كل اثنتين تذهبان لغرفة...
عدا كوثر التي ذهبت لتحمم علي الصغير كما يناديه الجميع هنا...
ياسمين مع ريم غرفتان... وأنا برفقة غدير في غرفتان أخرى... مؤكد في الطابق العلوي فهناك أربع غرف...
غرفة لعلي وأحمد وياسين... وأخرى لغدير ياسمين وريم... وواحدة للخالة فاطمة وزوجها... وأخرى لخالي مصطفى وزوجته...
بالطبع كان الترتيب مختلف تماماً قبل الحرب...
أما أنا ووالدتي فننام حاليا مع وسام في الغرفة التي تجاور الصالة... في الطابق السفلي... واليوم سنتبادل الأماكن مع الأولاد كما أخبرتنا الخالة غيداء مساء الأمس...
انتهينا من غرفة الفتيات... وانتقلنا لغرفة الأولاد... وقفت أتأمل المنظر... سريران بينهما مصباح معلق صغير... و أمامهما فراشٌ على الأرض... وبجانبه حامل لأوراق الرسم... وعليه لوحة ملطخة بألوان كثيرة... لكن يغلب عليها الأسود...
أما المرآة فكانت قرب النافذة... تناثرت على رفها عدد من العطور الرجالية... واثنان كريمات الترطيب... وفرش شعر لكل منهم واحدة...
تقدمت دون تردد للوحة... وقفت أتأملها لدقائق قليلة... سألت غدير مستفسرة...:" من هو الرسام يا ترى؟!.."
ابتسمت وهي تقترب من اللوحة... :"إنه أخي أحمد!... يحب الرسم كثيراً... كان يرسم لوحاتً رائعة جداً... لكن!.. منذ... منذ أن بدأت الحرب بدأ يرسم بالأسود كثيراً..."
_:" الحرب أثرت على الجميع... لكني لم أتوقع أن تؤثر بشخص لهذه الدرجة..."
ردت عليّ والألم يهز كلماتها... :"لكن أكثر الأشخاص تأثراً بيننا هو أحمد... فقد ضاعت أحلامه سداً... لم يكمل دراسته... كان من المفترض أن يسافر للخارج بعد أن ينهي الثانوية... لكنه رفض السفر... حتى أنه تخرج بمعدل قليل جداً... بالنسبة للتميز الذي كان يحصده في السنوات الأولى... كله بسبب فقدانها..."
كانت تنظر إلى اللوحة بحزن شديد... لا أدري ما مصدر هذا الحزن... تركتها واقفة... وانهمكت في ترتيب الأسرة... لكنها لم تتحرك من مكانها... بل ظلت ساكنة دون حركة... تركت ما كنت أقوم به واقتربت منها...
كانت عينيها تدمع... لقد كانت تبكي... تألمت كثيراً لمنظرها وهي تقف هناك... وضعت يدي على كتفها وأنا أسألها... :"ما الأمر؟!. لم كل هذه الدموع؟!!."
تداركت دموعها... وجففت ما كان يجري على وجناتها... :"لاشيء!.. تذكرت أحمد وهو يقف هنا في الأمس بعد قدومكم... كان يمسك بفرشاته ويلقي بألوانه على اللوحة... كان يتألم ويبث همومه إلى العالم بالألوان... كان يشكو حزنه إليّ... وهو يلطخ اللوحة بالألوان... دون وعيّ... لقد آلمني منظره يا حوراء... ... اعذريني!.. ضيقت روحك بهذا الحديث..."
هززت رأسي وأجبتها بعبرة تخنقني...:" لا بأس... لكن نظرة الحزن في عيون الجميع... كلما نظرت في وجه أحدكم... فما السبب؟!.."
_:"لا شيء... لكن حضور والدتك في الأمس ذكرنا ببداية الحرب... كانت بعد قدومها إلينا بيوم أو يومين... هيا لنكمل العمل... فما زال أمامنا الطابق السفليّ..."
أكملت العمل وأنا أفكر في كل هذا الحزن الذي يغلف عيون الجميع... لا أدري ما سببه... ولا أدري ما مصدره...
نزلنا بعدها للأسفل... دخلنا الصالة فوجدنا الخالة غيداء مع والدتي... أما الخالة فاطمة فكانت قد خرجت لسوق الخضار مع كوثر... أما علي الصغير فقد كان يشاهد مسلسلات الكرتون من الشاشة الصغيرة... ويقلد حركات الرسوم ويردد ما يقولون... حالما رأى غدير تدخل الغرفة قفز من مكانه ليقف أمامها يعيد حركات البطل في الرسوم... وهو يصرخ قائلاً...:"سأقتلك أيتها المتوحشة"...
ابتسمت غدير وهي تقول ضاحكة... :"ما الأمر أيها المقاتل الشجاع؟!."
ردد بصوت عال...:"سأقتلك... إنك خطر على العالم... فأنا البطل الخارق!..."
أكملت غدير اللعب معه... :"يا إلهي يريد قتلي!... يجب أن أهرب..."
جرت خارجة من الغرفة وهي تصرخ... وخلفها علي الصغير... فيما الخالة غيداء تناديها... :"غدير!... هل اشتقت للطفولة؟!."
ضحكت وتقدمت للجلوس معهما... :" دعيها يا خالة!... فربما يتغير مزاجكم بوجود علي الصغير!..."
قالت أمي... :"وما به مزاجهم يا حوراء؟!."
_:" لاشيء أمي... لكن الجميع هنا يغلفهم الحزن... وبالأخص غدير وأحمد!..."
أطرقت الخالة غيداء رأسها... ثم انهمكت في سكب الشاي بأحد الأكواب التي أمامها... رفعته لتقدمه لي... فوجدت في عينيها بريق الدموع... أردت سؤالها عن سبب دموعها لكني تراجعت بقولي...:" شكراً يا خالة... فأنا لا أشرب الشاي..."
اهتزت يدها وسقط الكوب لينكسر... وبعده انكسرت دمعة خالتي لتطعن قلبي...
نهضت لأجلس بجانبها وأسألها... :"لم كل هذا الحزن؟!. ما يؤلمك يا خالة؟!."
ضمتني إلى صدرها... بكت لتبللني دموعها... نظرت إلى أمي بتساؤل... فوجدت في عينيها الحيرة والألم معاً...
حينها دخلت الفتيات كلهن... وبينهن علي الصغير... أول من تقدم للخالة كان هذا الصغير... الذي قال بلكنته الطفولية... :"ما بك يا خالة؟!."
أبعدتني الخالة عن صدرها... لتضم علي وهي تجيبه...:"لاشيء يا صغيري... لاشيء..."
استدرت بوجهي إلى الفتيات... فرأيت ريم قد خنقتها العبرة... أما غدير فدمعتها على خدها... وياسمين تقف مستندة عن الباب بحزن وألم...
يا إلهي أدركني!...
بل أدرك هذه الدموع وأرسل من يكفكفها!...
مسحت الخالة غيداء دموعها بمنديل قدمه لها علي!... ثم تداركت أي سؤال سيوجه لها... :"هل انتهيتم من التنظيفات؟!."
أجابت ياسمين...:" نعم يا خالة!... لكن تبقت الغرفة المجاورة... سنكملها الآن..."
_:"أجركم على الله... الغداء اليوم علينا..."
ابتسمت ياسمين وهي تهم بالخروج... لكن استوقفها صوت الباب الخارجي وهو يغلق بقوة... ومن بعده يأتي صوت ياسين مستأذناً بالدخول... :"يا الله!... يا الله!..."
ردت عليه ياسمين مرحبة... :"تفضل ياسين..."
ونحن وضعنا الأغطية على رؤوسنا لنسمح له بالدخول... لكنه صرخ بياسمين... :"ياسمين تعالي إلى هنا بسرعة..."
فخرجت إليه وعلامات الاستغراب تعلو وجهها... ووجهه الجميع...
| +* +* +* +* |

شجرة الكرز
07-06-2010, 08:03 PM
كيف أخبركم؟!..

وقفت أمام باب المنزل لبضع دقائق... أفكر في طريقة ما للحديث... ولنشر الخبر المؤلم لأهلي...
كيف سأخبرهم؟!. لا أدري... حقاً لا أدري!... ...
فتحت الباب... وأغلقته بقوة من شدة غيضي... استأذنت بالدخول... وحالما وصلني صوت ياسمين... ناديتها مستعجلاً... فلن يفهمني أحد ولن ينقذني أحدٌ غير توأمي الحنون... أتت إليّ مستغربة... فصوتي الذي سمعته... نبرته غريبة بالنسبة لها... وأعتقد بأن الجميع استغرب مني هذه النبرة...
فأنا رغم أنني تعلمت الركادة قليلاً... إلا أن روح الفكاهة والدعابة لا زالت موجودة في دمي...
أمسكت بساعدها قبل أن تنطق بكلمة واحدة... وانطلقت أعبر الممر الطويل أمامي... رغم قصره... إلا أنني أحسست بطول المسافة...
لم آبه بمن في المنزل من النساء... مررت أمام باب الصالة الواسع... متجها للسلم... وياسمين خلفي تسألني...:"ما بك؟!. لم كل هذه السرعة؟!."
وخالتي تصرخ عليّ من الصالة... :"ما الأمر يا ياسين؟!. أين البقية؟!.."
لكن ياسين تائه الآن... فكيف سيجيب؟!.
إنني حقاً تائه!!..
دخلت إلى غرفتنا نحن الشباب... وأغلقت الباب خلفي بإحكام... نظرت إليّ ياسمين نظرات تعجب واستفهام...
بدأت أسير ذهاباً إلى النافذة... وعودةً إلى الباب... تكرر مني هذا الفعل أربعة أو خمسُ مرات... فأمسكتني ياسمين من ذراعي وهي تقول... :"تكلم ما الذي حدث؟!... هل أصاب البلاد مكروه؟!. تكلم فقد اعتدنا على كل ما يحصل من إنفجارات وقتل..."
نظرت إلى عينيها... فهي قد فهمت ما أريد قوله تقريباً... جلست على سريري... فقلت... :"ليس البلاد هذه المرة!... بل نحن!..."
_:"ياسين!... البلاد هي نحن... ونحن البلاد!..."
أخذت نفساً عميقاً... فياسمين لم تفهمنِ هذه المرة!... قلت بنفاذ صبر...:"أحدنا أصيب بمكروه يا أختاه!..."
حملقت عينيها... وازدردت ريقها... :"ياسين!... هل أصيب أبي؟!..."
آآآه يا أختي... كيف سأقول... أعلم بأن مصاب الأب مؤلم... لكن هذا الشخص مصابه أكثر إيلاماً لنا... وبالأخص لك أنت!...
_:" ليس بأبي..."
تقدمت إليّ لتسأل...:"هل هو عليّ أخي؟!."
هززت رأسي نافياً... رغم أن الأخ مصابه مؤلم... ويكسر الظهر... :" وليس بعليّ... إنه بخير!!.."
جثت على ركبتيها أمامي وعينيها ترجفان... :"أرجوك تكلم!... ولا تحرق لي أعصابي..."
ليست أعصابك هي التي ستحرق فقط... بل قلبك سيتألم كذلك يا أختي!...
هيا انطق يا ياسين!.. انطق وأرح قلبك!... :"إنه أحمد!... لقد أصيب إصابة خطيرة كما قال الطبيب... إنه في المشفى الآن..."
أحسست بها!.. أحسست بالألم يعتصرها... لكنها كانت قوية... قويةً بما فيه الكفاية لتقول... :"كيف حدث ذلك؟!."
أجبت بهدوء... :"في مساء الأمس... ... كنا نداهم الإرهابيين في مدرسة وادي الحرية... وعندما كان يحمي ظهر العم مصطفى أصيب بطلق ناري في أماكن عدة من جسده... ... ولازال في غرفة العمليات... ... وقد قال لنا الطبيب بأن العملية خطرة جداً... ... لوجود إحدى الرصاصات قريبة جداً من قلبه... ... و... ... ياسمين! اطلبي له النجاة... ... و حاولي إخبار البقية..."
دمعت عينها... حين سألتني... :"لمَ؟!.. لم ذهبتم لتقاتلوا الإرهابيين؟!. ألم تكونوا ذاهبين لمد يد المساعدة للناس؟!.. ياسين أخبرني لماذا؟!."
أخذت نفساً عميقاً... لأخرجه بآهةٍ مزقت شرايين قلبي... :" لأننا دوماً نفعل ذلك... لأننا دائماً كنا نذهب لمقاتلة الإرهابيين... نحن يا ياسمين!.. نحن!... نحن رجال الشبكة!... الذين يذكرهم رجال الإعلام بالتلفاز... وتدعون لهم بالتوفيق!... نحن يا منهم يا ياسمين..."
رمت بنفسها إلى صدري وبدأت تبكي... وهي تسأل عنا واحداً تلو الآخر... :"كيف هو أبي؟!. و عليّ؟!. وكيف حال العم مصطفى؟!.. "
كيف أجيبها؟!. الجميع بخير... أبي ومحمد زوج أختي لازالوا في الموقع... وعلي مع العم مصطفى في المشفى... في انتظار عملية أحمد...
لم أجب على سؤالها... بل تركتها تفرغ شحنة الحزن على صدري... لدقائق قليلة... حين أبعدت رأسها عني... نظرت إليّ والدموع تتلألأ في عينيها... فقلت لها قبل أن تسأل أي سؤال آخر... :"هيا حبيبتي... انهضي للنزل للأسفل ونخبرهم بما حدث... لكن انتبهي! لا تخبريهم عن هويتنا الحقيقية..."
هزت رأسها بالإيجاب... ثم ذهبت لدورة المياه لتغسل وجهها... حتى تزيل عنه آثر البكاء...
دخلنا بعد الاستئذان... لنجد الحيرة على وجوههن... والتساؤل يسبقها... :"ياسين ما الأمر؟!. إن قلبي يخبرني بأن هناك خطب ما!.."
نظرت لياسمين التي تقف بجانبي... كانت في حيرة من أمرها أكثر مني... تحدث قائلاً وأنا أتجه إلى الكنبة المجاورة للباب... :" خالتي!... هناك موضوع يجب أن تعرفيه..."
تحركت خالتي من مكانها... ووضعت يدها على قلبها... وهي تقول:" علمت أنه هناك خطب ما... تكلم يا ياسين.!.."

| +* +* +* +* |


بعد ذهابنا لسوق الخضار القريب من منزلنا... عدنا للمنزل حتى نجهز طعام الغداء...
دخلنا إلى البيت... فسمعنا صوت خالتي وهي تتحدث مع ياسين... شعرت بأن هناك أمر قد حدث... وقد كان شعوري صحيحاً...
تطلعنا أنا وأمي إلى بعضنا... ونحن نستمع لما تقوله ياسمين لخالتي... :"أحمد في المستشفى يا خالة..."
_:"ماذا؟!."
ردت ياسمين...:" لقد أصيب!... ونقل إلى هناك..."
حينها على صوت ريم وهي تصرخ منادية خالتي...
ركضنا للصالة التي لا تبعد سوى أمتار قليلة عن مكان وقوفنا... وإذ بخالتي مغشياً عليها... وبجانبها ريم تحاول أن تعيدها لوعيها...
الصدمة شلت الجميع عن الحركة... إلا غدير التي تقدمت إلى ياسين وهي تسأله بعدم تصديق... :"هل ما قالته ياسمين صحيح؟!."
سكت ياسين... ولم يجب... بل ظل صامتاً وساكناً كالصنم...
لكن غدير هزت كيانه بصرختها... :"ياسين!... تكلم!... أرجوك قل أنها ليست بالحقيقة..."
ياسين!... بقى صامتاً لفترة قصيرة جداً... قبل أن يقول...:" إنها الحقيقة يا غدير!... لقد أصيب حينما كنا نساعد من يحتاج للعون... أتى الإرهابيين وأطلقوا النيران علينا من كل جهة... لكن أصيب أحمد فقط لأنه كان بعيداً عن أي مكان يحميه... وهو الآن في المستشفى..."
في هذه الأثناء كانت ريم قد أحضرت عطراً قوي الرائحة... لتجعل خالتي تشتمه... فاستفاقت... لكنها كانت مصدومة... فالصدمة كانت قوية جداً علينا جميعاً... فقالت وهي توشك على البكاء... :"خذني إليه... ياسين خذني إليه..."
تقدمت أمي إليها...:"اذكري الله يا غيداء... لابد وأنه بخير... أليس كذلك يا ياسين؟!."
لم ينطق ياسين بحرف واحد... بل ظل صامتاً... مما جعلنا نتأكد بأنه ليس بخير... نهضت خالتي إلى ياسين ترجوه الكلام...:"ياسين أرجوك أخبرني كيف حاله؟!!.."
جميعنا يعلم أن ياسين لا يحب الكذب حتى لو كانت الحقيقة مرة... لذلك قال لنا...:" لن أكذب يا خالة... وأنت تعلمين ماذا يعني الصدق بالنسبة لي... ... إن حالة أحمد خطرة جداً... وهو لازال في العمليات حينما تركته... ولا أعلم هل أخرجوه أم لا!!..."
بكت خالتي... بل كلنا خرت دموعنا من هذا الخبر المؤلم... ومن حال خالتي غيداء وبناتها...
تقدمت لغدير التي كانت تبكي بألم وحرقة... ضممتها نحو صدري لأبكي معها... غدير كانت قوية جداً... لكن من حادثة بتول وهي لا تتحمل أي مصيبة... والآن حادثة أحمد... تكسر ظهرها...
خالتي كانت تبكي وهي تهمس بالدعاء لأحمد... دوماً أراها تضمد أحزانها بالدعاء...
| +* +* +* +* |


لماذا تبدو الأيام مخيفة؟!.

ها قد طلع النور... لتتبدد جميع مخاوفي... ويبقى في داخلي خوف آخر...
فتحت عيني هذا الصباح لأجد نفسي بين ذراعيه... كطفلة لم تصل العاشرة من عمرها... نظرت إليه... فوجدته ساكناً يتأمل السقف بفراغه الواسع... رفعت رأسي من على صدره العاري... ليتحرك من مكانه ناظراً إليّ بابتسامةٍ حنونة... لأول مرة أراها على شفتيه...
_:"صباح الخير يا بدر البدور!..."
ازدردت ريقي بصعوبة قبل أن أبادله الصباح...:" صباح النور!.."
سألني وهو يرفع شعري عن وجهي...:"هل نمت جيداً؟!.."
هززت رأسي بالموافقة...
لقد كان جالساً على ذات الوضعية التي كان عليها البارحة... مستنداً بظهره إلى الوسادة خلفه... وممداً رجليه إلى الأمام...
ثم قلت له... :"لأول مرة أنام بهذا الشكل... فلم أشعر بالطمأنينة طيلة العشر سنين الفائتة..."
رفع حاجباه وهو يقول...:"حقاًّ!!!!... إذن سأتركك تنامي في كل يوم على صدري وبين ذراعيّ..."
نكست رأسي... هل حقاً هذا هو السبب؟!.. أم أن هناك سببٌ آخر؟!...
فأنا منذ يوم الحريق لم أشعر بالراحة إلا الأمس... فحينما أخرجت ما بداخلي من تساؤلات... ارتاحت نفسي قليلاً... وعندما حصلت على أجوبتها من إسماعيل ارتحت أكثر وأكثر...
لكن سؤالي الآن... كيف نمت على صدره طيلة الليل دون أن أشعر بالتملل أو التعب؟!!..
رفع رأسي بأصابع يمناه... وعندما وقعت عيني في عينه قال لي...:" لن أكون معك كما كنت سابقاً... ولم أكذب عليك عندما قلت لك أنني لم أعرف شيئاً عن هويتك... ولا عن مخططات جمال كلها... إنني عرفت بأن جمال من الإرهابيين... وأقولها لك... أنا كذلك!.. لكني لم أعرف بتاتاً أنك لا تقربينه... كيف أكفر عن ذنبي تجاهك؟!. سوى أن أحمِك منه..."
بعد الحديث معه... ارتحت قليلاً... لكن في الوقت نفسه كنت خائفةً من الأيام القادمة... فأنا لا أدري ماذا سيفعل جمال إن علم بأني أخبرت إسماعيل عن حقيقتي... وهو قد حذرني من أن أخبره مهما حدث...
_:"إسماعيل!... إنني أخشى الأيام القادمة... لماذا تبدو لي مخيفة؟!.. أريد التحرر من هذا الخوف الذي يلازمني دوماً..."
لم أحصل على أي إجابة منه... بل تركني كما أنا... ونهض من مكانه ليخرج بعدها من غرفتي...
حقاً أنا خائفة... فها هو موعد لقائي بأكرم يقترب!... منذ سنة وأنا أنتظر منه أن يأتيني بالأخبار التي تسر قلبي... وحتى الآن لم أحصل على شيء ينير بصيرتي... ومنذ اليوم سأنتظر لقاءاتٌ أخرى... أكرم من جهة... وإسماعيل من جهة أخرى... ولنرى من هو الصادق معي؟!..
| +* +* +* +* |


أخبرني عن أحوالكم؟!.
الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً... عند أحد شوارع المدينة...

بقيت أمشي في الشوارع طيلة النهار... أبحث عن هويتها الضائعة... ربما ألتقي بهويتها مرميةً هنا أو هناك!...
لقد تغيرت مطر في الفترة الأخيرة كثيراً... أصبحت تألفني... ولا تخشى قربي منها أبداً... دوماً أطلب من الله تعالى أن تعود لها ذاكرتها... فأنا أشعر بمدى ضياعها... أنظر في عينيها فأرى فيهما تساؤلاتٌ كثيرة... من أنا؟!. ومن أنتم؟!..
إنني تائه أكثر منك يا مطر!!..
بودي لو ألتقي ببقية رجال الشبكة... فاندماج محمد قبل خمسة سنين معهم يساعدنا كثيراً... إنني لم أتحدث عن الصدفة التي جمعتني معه... بعد الحادثة والاحتلال الكامل لبلدنا... كنت مصاباً... مما أدى إلى دخولي في إغماءةٍ قصيرة نوعاً ما!.. ذهبت حنين لتحضر من يساعدها على علاج إصابتي... فقد استطاعت علاج إصابة مطر...
وعندما وصلت للمنطقة التي بأسفل الجبل... كانت تجري في أحد الشوارع... تبحث عن أي مواطن شريف يساعدها... لكنها لم تشعر إلا بأصوات شخص يجري بسرعة عالية... وفجأة أمسك بها ليدخلها إلى أحد الأزقة القريبة منهم... حاولت المقاومة لكنه حذرها وهو يهمس...:"الإرهابيين خلفي!!.." لم ينتظر منها رداً... بل أمسكها من يدها وبدأ يجري من زقاق إلى آخر... حتى وصل لمنزل فتح إحدى نوافذه ودخل إليه برفقتها...
عندما التقطت أنفاسها... عرفت بأن المكان عبارة عن عيادة لجراحة الأسنان... فسألته...:"هل هذا المكان لك؟!. أم أتيت بالصدفة إلى هنا؟!.."
هز رأسه لها وهو يشير لثيابه... نظرت إليها مستغربة... لكن بعد ثوانٍ معدودة... عرفت بأن لباسه لباس طبيب قد خرج لتوه من معركة حامية مع الإرهابيين...
فرحت بالقدر الذي ألقى بها بين يديه... وأخبرته عن إصابتي... فكان سعيداً بالمساعدة... ولم تمض أيامٌ قليلة حتى أصبح صديقاً لي... وبقيت على اتصال معه بين فترة وأخرى... وقد علم طبيعة عملي مع الفتيات... حتى تزوج وطلب مني حضور عقد قرانه... كني خشيت الذهاب وترك الفتيات لوحدهن في المنزل... فعمار لا يستطيع الحركة بسهولة...
وبعد زواجه... عرف بأن رجال الشبكة الذين أرعبوا الإرهابيين وفقدوا الكثير من رجالهم... لم يكونوا إلا أهل زوجته... وقد انضم إليهم ليصبح الطبيب الخاص لرجالهم... وكذلك واحداً من الشجعان الذين يهابهم الإرهابيين...
وقد اتصل بي هذا الصباح ليخبرني بآخر التطورات وأن عليّ أخذ الحذر والحيطة... فموقع آخر للإرهابيين قريبٌ من مكان سكننا أنا والفتيات...
في ساعة اندماجي بالذكريات... دوى انفجار في مكان قريب من مكاني... وبعدها بدقائق... سمعت أصوات عيار ناري... كان قريباً جداً من مكاني...
انتابني الخوف الشديد... فأنا قد تركت الفتيات مع عمار في المنزل... وأخشى أن يكون هؤلاء المجرمون قريبون منهم...
مباشرة!... رفعت هاتفي الخليوي لأتصل بالهاتف الذي مع عمار... سمعت صوت الرنين في الجهة الأخرى... وأنا أجري بأقصى سرعة ممكنة نحو البناية التي نقطن فيها... وقلبي يدق أسرع وأسرع مع كل نغمة رنين أسمعها... رفع الهاتف لأسمع صوت عمار مجيباً... فسألته بسرعة وخوف...:" هل أنتم بخير؟!. طمئني!..."
| +* +* +* +* |


مدرسة وادي الحرية...
مضت سبعُ ساعات منذ حادثة أحمد... والهجوم على المدرسة... لازالت الأحداث محفوظة في ذهني... بل لا زالت تتكرر أمام عينيّ كلما سمعت صوت صفعةٍ أو صراخ أحد هؤلاء المجرمين من شدة تألمه...
كنا ما يقارب السبعون رجلاً... أحطنا المدرسة من كل زاوية... بيننا المسلح وبيننا الأعزل... دخل منا نحو خمسة وعشرون مسلحاً... نجحنا بالتسلل بعد أن قتلنا المناوبين على الحراسة بهدوء... ودون حدوث أي ضجة... ثم تسلل بقيتنا بهدوء وروية... لكن بقي في الخارج عشرة رجال مسلحين وخمسة عزل... أما نحن الذين دخلنا فكنا جميعاً مسلحين ما عدى خمسة...
بالطبع ستستغربون سبب وجود العزل معنا في مثل هذه العملية... السبب هو تزويد المسلحين بكافة المعلومات حول المكان... وكذلك تنبيهنا إن حدث أي طارئ يغير في الخطة... لكن لا تقلقوا فهم مدربون على طرق الاختباء السريعة... وكذلك سريعيّ الحركة...
أخيراً استطعنا الوصول إلى مبنى المدرسة الرئيسي... بعد قتال وصراع دام ثلاث ساعات ونصف الساعة من الليل...
قتل منا الكثير... كما قتلنا منهم ضعف عددنا... و عشرون منهم استسلم في الدقائق الأخيرة... كانت هذه من أكبر العمليات التي قمنا بها...
أما عن القبض على زعيمهم... كان بحد ذاته أكبر عملية نقوم بها... دخلنا إلى المبنى الرئيسي كان في مقدمتنا قائدنا... ومن خلفه عمي حسين أعني أبا علي... وبعده ثلاث من الرجال الأقوياء... رابعهم كان العم مصطفى... الذي لا يبعد سوى مترين أو ثلاث عن أحمد... أما بيني وبينهم فكان مسافة العشر أمتار أو أكثر...
فقد كانوا الدفعة الأولى التي دخلت... وأنا مع علي وياسين في الدفعة الثانية... وبعدنا كانت دفعتين...
لم نلحظ ذلك الرجل المختبئ خلف الباب الذي عبرته الدفعة الأولى... ويبدو أن أحمد لم يلحظه كذلك...
لم أرَ شيئاً فقد كان أمامي اثنان من الشباب... لكني سمعت صوت إطلاق نار... وصيحة أحمد وهو يصرخ بأبيه ليختبأ... ويطلق النار من سلاحه... ومن كان أمامي بدأ بإطلاق النار على ذلك الإرهابيّ الحقير...
أصيب أحمد بالكثير من الرصاصات... لكنه قاوم حتى سقط المجرم سابحاً في دمه... بعدها انهال المجرمون علينا بالرصاص... والخروج من مخبأهم واحداً تلو الآخر...
جميعنا أصيب برصاصة أو ثلاث... لكن حب الوطن جعلنا نقاوم ونقاوم... حتى سقط زعيمهم بين أيدينا...
علي وياسين والعم مصطفى... أخذوا أحمد إلى أقرب مستشفى... كانت الساعة الرابعة فجراً حين سقوط أحمد...
قطع عليّ التفكير صوت قائدنا وهو يصرخ بزعيم الإرهابيين يطلب منه الحديث وإفشاء أسرارهم... من ضمن هذه الأسرار مكان إخفاء الأسرى... لقد كنا نعتقد أنه مخبئون هنا... لكن يبدو أنهم نقلوا إلى مكان آخر...
_:"تحدث وإلا قتلتك... أخبرني أيها اللعين أين تخفون رجالنا وأبناءنا..."
ضحك الخبيث بصوت عال... ونتيجة على تلك الضحكة أتته صفعة قوية من القائد... لكنه واصل عناده بقوله... :"كف عن تهديداتك التي لا أصل لها... فأنت تحتاجني للكثير من أعمالك... فبدوني لا تساوي درهماً..."
احتقن وجه القائد غضباً... مما جعله يفلت أعصابه من يديه ويبدأ بضرب الزعيم كما ينادونه هنا... كان يضربه دون رحمة ودون توقف...
يستحق أكثر من ذلك!!..
تقدمت منه مع أحد الشباب الذين معنا... وبصعوبة بالغة حاولنا الإمساك به و تهدئته... لقد كانت طموح القائد أن نحرر الأسرى الذين بين أيدي الطغاة... لكن باءت آمالنا وطموحنا بالفشل... فهنا لا يوجد غير هؤلاء الخونة والمجرمون... وزعيمهم مطبقاً على شفتيه... و ورجاله الذين استسلموا لم نبدأ معهم بعد!...
خرجنا من الغرفة تاركين الزعيم لوحده!... يعيد تقليب أوراقه!!!..

لقد كان يشعر بأنه لن يخرج من هذه العملية سالماً... ففي الأمس كنت أقول له...:"أووه!... ما هذا الذي سمعته يا أحمد؟!.."
نظر إليّ باستغراب قبل أن يقول...:"ما الذي سمعته يا صاحبي؟؟!.."
ضحكت وتوجهت لأجلس بجانبه وهو ينظف سلاحه... :"هل تخفي علينا؟!.. أم أنك لا تريدنا أن فرح لفرحك؟!.."
ترك ما بيده... وابتسم قائلاً...:"ماذا تقول يا محمد؟!.. أنت عزيز وغالي على قلبي... فكيف لا أريد أن أخبرك بما يفرحني... هيا هات ما عندك؟!. وأخبرني ما الذي سمعته؟!.."
_:"لقد سمعت من والدك!... أنه بعد انتهاءنا من هذه العملية سيكتب عقد قرانك..."
نظر إليّ وعينه تمتلئ بالتساؤل والاستغراب... حاولت أن أفهم ما تعنيه تلك النظرات... وتلك التساؤلات... لكني لم أجد أي شيء... يجعلني أفهم ما يدور في رأسه...
_:" ما الأمر يا أحمد؟!. هل هناك خطب ما؟!.."
ازدرد ريقه... ونهض من مكانه... أخذ يتحرك في المكان على غير طبيعته... مرة يقف هنا ومرة يقف هناك...
كنت أجلس وأنا في حيرة من أمري... نظرت إلى عليّ وياسين... اللذين لم ينتابهما أي تساؤل أو حيرة... كانت عينا عليّ تتحدث بألم وهو ينظر إليّ...
لم أفهم سبب هذا الألم الذي في عينيه... وأحمد لا يصدر أي شيء يفهمني...
لكنه أخيراً تكلم بعد طول انتظار... :"إن أبي دائماً يتمنى أن يراني عريساً... وأمي كذلك... وهو قد خيرني بين اثنتين... بين ياسمين وبين هدى... والاثنتان تعرفان بأن قلبي لا يميل لأي منهما... أو بالأصح لا يمكنني الارتباط بأي فتاة أمام عينيّ الآن..."
صمت قليلاً... ثم أكمل...:" وأنا أعلم بأن أبي لن يفرح بزواجي الآن... لأن ضميري لا زال يؤنبني على فعلتي الشنيعة... يؤنبني على نكراني لقلبي... إنكم جميعاً لن تفرحوا بي... ولن تروني عريساً... فمن يعلم ماذا سيحدث الليلة!... ربما أموت هذه الليلة..."
لم ينطق بهذه الجملة حتى قفز علي بوجهه قائلاً...:"ما هذا الجنون؟!.. لا تقل ذلك فأنت لا تدري ماذا يخبأ لك القدر!..."
_:"وأنت لا تدري ماذا سيحدث غداَ... إن لم أمت غداً... سأموت في يومٍ ما..."
أحمد!... تؤلمني نظراتك دوماً... ويؤلمني حديثك!!!..
| +* +* +* +* |


كنا جميعاً في المشفى... أنا وأمي وريم وياسين وياسمين... وكذلك الخالة فاطمة... أما في البيت فكانت عمتي سارة وحوراء مع كوثر وعلي الصغير...
سأل ياسين موظفة الاستقبال عن أحمد فأخبرته أنه قد خرج من العمليات... لكنه لازال في غيبوبة...
زال الخوف قليلاً... لكن قلبي يدق سريعاً... فأنا أريد أن أراه وأطمأن عليه... ذهبنا إلى جناح العناية الفائقة... رأيت أبي جالساً على أحدى الكراسي واضعاً يديه بين رأيه... أما علي فكان واقفاً في الممر الواسع وهو ينظر من خلف إحدى النوافذ الكبيرة... عرفنا جميعاً بأنه ينظر إلى أحمد من خلف الزجاج... انطلقت أمي إلى هناك... ومن خلفها أنا وريم... حالما رأيناه ممداً على السرير... والأجهزة تلف جسده خرت الدموع تحيي جسده...
أمي لم تتحمل رؤيته بهذا الشكل... فالضمادات البيضاء تغطي جسده في أنحاء كثيرة... والدم قد لونها بالأحمر... فخرت على الأرض فاقدة الوعي... صرخت ريم وهي تمسكها... حاولت جاهداً أن مساعدة أمي... لكن عليّ كان أسرع منا نحن الاثنتين... حيث أحضر ممرضتين حملتاها بمساعدتنا... وأدخلناها إلى غرفة الممرضات التي كانت قريبة منا...
خرجت من هناك وأنا أجهش بالبكاء... عدت إلى حيث أحمد... تاركة أمي برفقة ريم... رأيت أبي يقف في وسط الممر لا يدري أين يذهب... هل يلحق بأمي... أم يقف عند أحمد؟!.. إنها مشكلةٌ وقعنا فيها كثيراً... فأنا لم أستطع أن أكمل الطريق إلى النافذة الزجاجية... ولا أن أعود إلى أمي... وقفت محتارة ماذا أفعل...
خالتي أتت إليّ لتقول لي...:" اذهبي حبيبتي وقفي بجانب أخيك... أنا سأبقى مع والـ... ..."
لكن لم تنهي جملتها... فقد سمعنا صوت الممرضة تقول بصوتها العالي...:" أرجوك يا سيدة أن تبقي قليلاً مرتاحة هنا... لنطمئن عليك..."
ويأتي صوت أمي صارخة...:"لااا... لا أريد!... أريد أن أرى ابني!.. أريد أن أكون قريبة من فلذة كبدي..."
ركضت إلى هناك وأنا أرى أمي تحاول نزع إبرة المغذي... أمسكت بيدها وأنا أحاول تهدئتها... :"أمي أرجوك!... أرجوك ابقي لدقائق فقط!..."
صرخت بي أمي...:"غدير!.. إنه أحمد!!.. هذا أحمد يا غدير... إنه في خطر يا ابنتي!... أريد رؤيته..."
_:"أمي!.. إن أحمد يحزن إذا رآك مريضة... أو تشكين من شيء... فابقي هنا قليلاً حتى تكوني قوية عندما يستيقظ... حتى يراك وأنت بأحسن حال... أمي هل تحبين أن تجعليه حزيناً؟!.."
خرت دموعها... قبل أن تأمرني...:"ابنتي!.. اذهبي إليه... وابقي إلى جانبه... وبين لحظة وأختها أطلعني على أخباره..."
هززت لها رأسي وأنا أجيبها...:" أمرك مطاع يا أمي..."
تركتها برفقة خالتي وياسين... وذهبت أنا وريم إلى أخي مهجة قلبي... كان عند النافذة هناك أبي الذي يمسك دمعته رغماً عنه... أما ياسمين فقد كانت واقفة على بعد متراً واحداً من النافذة... ودموعها تبكي حبيبها... فعيونها فضحت هذا الحب البريء...
وقفنا هناك نبكي... وندعو الله أن يعيده لنا كما كان وأفضل...
_:"يكفي بكاءً يا غدير..."
نظرت إليه... كان يقف خلفي بخطوتين... أومأت له برأسي وأنا أقول بصوت باكي...:"كيف لا أبكي يا عليّ؟!... إنك تعلم مدى علاقتي بأخي... إنه الدنيا التي أعيش بها... فكيف لا أبكي على جراحه.؟؟.."
مد يده بتردد... ليجفف دمعاتي الهاربة... ثم رفعها إلى رأسي يمسح عليه بحنان وحب... ... :"الصبر يا غدير!..."
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أبكي على صدره بحرقة... :"كيف أصبر!... ملني الصبر يا عليّ... ملني الصبر..."
لقد شعرت باستغرابه مني... لكني كنت بحاجة لصدر حنون كصدره... أبث له حزني وألمي... وهو لم يرفض هذا الشيء... بل وجدت عنده أكثر من الحنان... وجدت عن هذا الصدر الواسع كل ما كنت أفتقده...
وقد كنت أعتقد بأنه سيرفض كل طلبات روحي المتعبة... فأنا كنت أرفض له طلباته الواجبة عليّ... وأرفض حتى الحديث معه... وربما كنت سأرفض الارتباط به لولا أن الجدة كانت دوماً تقسم عليّ أن لا أعكف على حبي... لذلك وافقت... لكن هل يمكن أن تغير حادثة أحمد مجرى حبي؟؟!...
| +* +* +* +* |


آآآه يا قلبي المجروح!... كم مرة ستحزن بعد؟!.. كم مرةً ستتألم بعد؟!..
كنت أقف عن شباك العناية الفائقة... أنظر إلى جسد أحمد الذي لم يخلو من جهاز أو ضمادات... وكانت دموعي تبكيه حزناً وألماً... لقد كان منظره يؤلمني ويعصر قلبي عصراً...
عندما أخبرني ياسين بما حدث... أحسست بروحي تخرج من جسدي... ليبقى جسدي آلة تتحرك وتدار كما يشاء البشر...
أحمد!.. أحببته منذ الطفولة... كنت أحبه حباً لا يوصف حتى مع علمي بحبه لبتول... كنت أحاول منافسة بتول عليهّ... ودوماً كنت أغيضها بما يفعله لي أو يقوله لي... كنا نحن الاثنتين كما القطة والفأر... نتشاجر ونحفر الحفر لبعضنا البعض... ولكنها الرابحة...
فها هو أحمد لا زال يعشقها حتى بعد موتها... أصبح مجنوناً بها... رغم أنها أصبحت تحت الثرى... إنه لا يلتفت لأي فتاة من الأحياء...
لقد أخذت عقله يا بتول!...
كيف أصف حال خالتي؟!! بل كيف أصف حال العم مصطفى؟!! أم هل أصف حال غدير؟!.. أم حال ريم؟!..
إن هذا المنظر مؤلمٌ جداً... بعد أن عانقت غدير أخي علي... اتجهت لتهدأ ريم... لكنها عانقتها لتبكيان معاً...
أما العم مصطفى... فتارة يقوم لينظر للجسد الممد... وأخرى يجلس على المقعد بتهاون... وتارةً يمشي في المكان بضياع...
وخالتي!.. في غرفة الممرضات ممدة على السرير... تبكي وهي تدعو الله أن يحمي أحمد ويشفيه...
خرج من غرفة الممرضات ياسين!.. ليضمني إلى صدره... لأبكي بصمت تام... كنت أسمع همساته الحنونة... :"تشجعي يا أختاه!.. وكفكفي دموعك الغالية... اطلبي من الله أن يشفيه... ويعيده لنا سالماً... إنه الآن بحاجة لدعائك يا أخيه... اطلبي له الرحمة في مرضه... واطلبي لنا الصبر على مصابه..."
قبلني على جبيني... ثم مسح دموعي المنسابة على وجنتي... قبل أن يقول...:"لو كانت بتول على قيد الحياة... لكانت الآن تجلس في تلك الزاوية وبيدها قرآنها تقرأ وتدعو الله... وتسجد لله شكراً على ما ابتلاها..."
نظرت حيث أشار ياسين... كان يشير إلى كرسي في زاوية غرفة أحمد... بجانب سريره... سألت ياسين بألم...:" تسجد لله شكراً؟!.."
فأجاب...:" نعم!... فهناك العديد من رجالنا استشهدوا في هذه العملية..."
لا أدري ما الذي جعلني أرى طيف بتول جالسةً هناك... كما وصفها ياسين بالضبط... رأيت في تلك الفتاة وجهاً يسر الناظر إليه... وعينين كأنها السماء حين تمطر...
فدائماً أرى فيها بريقاً كبريق الدموع!!...
| +* +* +* +* |


عندما يعلو صوت الأذان من المساجد... تعلو أصوات الانفجارات في المناطق من حولنا... ويعلو معها صراخ النساء والأطفال في كل زاوية...
ويبدأ الجميع بالهرب والاختباء في أماكن بعيدة... يحاولون حماية أنفسهم وأرواحهم من الموت... لكن يد الموت تطال أحدهم... أو بعضهم!!..
ونحن هنا!!.. نبقى في مكاننا ننتظر من يساعدنا... ويمد لنا حلولاً تسعفنا...
أما أنا!... فلوحدي أنتظر من يمد لي باقةً من الذكريات!...
بدأ القصف في الساعة الثانية عشرة والنصف من هذه الظهيرة... لقد كنا نتوقع هذه المفاجأة فعمار قد أخبرنا بأن المجرمون لن يجعلوا الأمر يمر مرور الكرام عليهم... فهم سيردون الصاع صاعين... وقد فعلوا!!...
فرجال الشبكة الأقوياء لم يقتلوا إلا من هم جنوداً... أما هم!.. فيقتلون الجميع... رجالاً ونساءً... صغاراً وكباراً...
آآآه يا الله!!... :"أين خالد يا ترى؟!.."
نظرت إلى حنين التي تحاول جاهداً أن تمسك بأعصابها... فهي لا تستطيع الجلوس وعدم فعل شيء في مثل هذه الأجواء... كانت تخرج دوماً برفقة خالد ومريم ليساعدوا من هم بحاجة لمساعدة...
أجابتني بنفاذ صبر...:" وما أدراني أين ذهب!!!. إنني سأجَن إن بقيت في مكاني دون أن أفعل شيئاً..."
كانت تقطع الشقة الصغيرة بخطواتها هنا وهناك... توقفت فجأة وهي تتحدث لمريم...:" هل ستأتين؟!. أنا لن أبقى هنا مدة أطول!.."
نهضت سعاد وهي تقول...:"ماذا؟!. أجننت؟!!... كيف تخرجين!!. إن خالد حذرنا من الخروج بمفردنا... في أثناء الانفجارات..."
_:"وما دخلي بخالد!.. لابد أنه الآن يساعد الناس والمصابين... إنني سأذهب فمن سيأتي؟!.."
تحدث عمار زاجراً...:" لن تخرجي من هذا الباب!!.."
تطلعت إليه حنين وهي في غاية الاستغراب... في حين علياء نطقت...:"لا يمكنك فعل شيء لوحدك... خاصة أنكم لم تجدوا سلاحاً يحميكم..."
أحسست بخيبة أمل حنين... فعلياء لمست الوتر الحساس لدينا جميعاً... فذلك المدعو حسام خدعهم وأخذ نقودهم ولم يسلمهم أي سلاح... كان محتالاً كبيراً... فلجأوا لمساعدة الأبرياء...
_:"لا تتهوري!.. فخالد أخبرني بأنه قادم بسرعة... بقدر ما يمكنه الوصول خلال هذه اللحظات..."
هذه جملة عمار التي وجهها لحنين!...
لكن حنين غير أنها كانت تملك روح عبدالرحمن... لكنها تملك عناداً لا يقاس بعناد أحد...
خرجت لتتركني بين الحياة والموت...
لقد كنت خائفة جداً... لكن بعد خروجها... خر قلبي بين قدميّ رعباً...
فهذه الأصوات تذكرني بشيء ما!!...
ها هي اليد الضخمة تقبض على ساعدي... لتجرني خلفها... أحاول أن أصرخ مستنجدة بأحدهم... لكن اليد الضخمة تطبق على فمي لتجرني نحو... نحو ماذا؟؟؟... إنه زقاق يفصل بين بيتين...
دوى صوت انفجار آخر... قطع عليّ ذكريات الرعب التي لم أستطع أن أصل إلى شيء منها... لكن ماذا سيفعل بي هناك؟!.. من هو؟!.. وماذا يريد مني؟!!..
| +* +* +* +* |

شجرة الكرز
07-06-2010, 08:09 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...


نعتذر عن التأخير...

لكن هذا ما كان باستطاعتنا أن نفعله...
وأسأل المولى عزوجل أن ينال رضاكم قبل إعجابكم...


ملاحظة مهمة...
هذا الجزء لم يتم التدقيق عليه من قبل الأساتذة الأفاضل...
ولكن قمت بالتدقيق عليه حسب خبرتي القليلة في هذا المجال الأدبي...


تحياتي القلبية لجميع القراء...
|| شجرة الكرز||

الملاك الطائر
08-06-2010, 02:18 PM
انتي فعلا بارعة جدا جدا جدا
البارت بجنننننننننننننن
وبيحمل كتير مشاعر وبجد اسلوبك بيخلي القارئ يندمج بالرواية ويكونلها صورة بمخيلتو
انا بجد بهنيكي
وشكرا كتير على البارت الرائع

شجرة الكرز
11-06-2010, 11:47 PM
انتي فعلا بارعة جدا جدا جدا
البارت بجنننننننننننننن
وبيحمل كتير مشاعر وبجد اسلوبك بيخلي القارئ يندمج بالرواية ويكونلها صورة بمخيلتو
انا بجد بهنيكي
وشكرا كتير على البارت الرائع

أهلا وسهلاً بك غاليتي || الملاك الطائر ||

أنرتي الصفحات بوجودك الطيب...

وأسعدني تواصلك الدائم معنا...

وكذلك وجودك هنا تشجيعاً لنا...

تحياتي القلبية لك...

كوني دوماً قريبة...

خولة يوسف
12-06-2010, 12:21 AM
الـأحداث زادت تعقييد..!

حمستونا نعرف النهاايه كييف..

نشووفكم بعد لمتحانات..:lock:

شجرة الكرز
20-06-2010, 09:51 PM
الـأحداث زادت تعقييد..!

حمستونا نعرف النهاايه كييف..

نشووفكم بعد لمتحانات..:lock:


حبيبتي... أشكر لك هذا التواصل...
رغم تأخيرنا وتقصيرنا...

إنشاء الله يكون الجزء القادم...

بين أياديكم بعد الاختبارات...

فالغالية شمعة... في طور الكتابة والابداع...



وأنا في انتظار البقية الأعزاء...

معلم لغة عربية
27-06-2010, 11:40 PM
السلام عليكم
عذرًا على التأخير وذلك لانشغالي بالاختبارات التي أخذت مني وقتًا طويلاً ، ولكن الخير فيما اختاره الله .
في البداية أرحب بالأختين ( شمعة وشجرة الكرز ) على هذا الإنجاز الأدبي الرائع وأسأل المولى لهما كل التوفيق .
كنت ممن أشرف تصحيح على أجزاء كبيرة من الرواية ولهذا أكون قد أطلعت عليها عن قربٍ .
الرواية تتجلى فيها الروح الوطنية لبعض شخصيات الرواية ، حيث تظهر الأحداث تمسك الإنسان بوطنه وتضحيته بكل ما يملك من أجله كمشكلة الإرهاب وحجز الرهائن ، والرواية تعالج بعض مشاكل فتياتنا من تعرفهم على بعض الشباب وتنبه الفتاة إلى ضرورة الانتباه لمثل هذه الأمور الخطيرة التي يمكن أن تغفل عنها الفتاة .
وأما من الناحية الفنية ، فالرواية تتسم بالبساطة في ألفاظها وكذلك في أحداثها ومما يجعلنا نلتمس العذر لكاتبة الرواية أنهما مازالت في التجربة الأولى وهما مع ذلك كله مبدعتان في رسم الشخصيات وتحركاتها وكذلك في التصوير المكاني والتحديد الزماني وكذلك لان الرواية تعالج أحداث اجتماعية فإنها عادة ً ما تتصف بالبساطة والسهولة كي تصل إلى ذهن الملتقي بيسر ٍ .
والرواية بها صور فنية ولفتات إبداية كقولها ( أبحث عن هويتي الضائعة ) و( وصوته الهامس تخلل سمعي بين شعاع الضوء الخفيف ) وغيرها من الصور الجميلة ومما أنبه إليه أن تحاول الأختان الكريمتان لتوسيع الخيال لأن من العناصر المهمة في العمل الأدبي ، وكذلك استعمال الألفاظ الرقيقة التي تناسب الحدث المقدم للمتلقي والأديب لا يستغني عن قاموس الألفاظ حيث يعمل على توجيه تلك المفردات في مكانها المناسب ، فلو أن الأختين اختارتا مفرداتٍ رقيقة وجديد على المتلقي لكان للحادثة جمال أروع وأوقع في نفس المتلقي ؛ حيث إن المفردات الجديدة تشد المتلقي وتلفت انتباه أكثر من المفردات القديمة التي طالما سمع بها .
وأخيرًا أرجو من الأختين الفاضلتين أن تفصحا عن اسمهما كي تعرفا في عالم الأدب ويُشار إليهما بأنهما أديبتان وروائيتان صاعدتان ، فمن غير الصحيح أن من يكتب مثل هذا الأدب الرائع أن يظل باسم ٍ مستعار ٍ ، هذا رأيّ وأرجو تقبله بروح ٍ مرحة ٍ ومتفهمة ٍ ...........أخوكم معلم لغة عربية .

بسمة ألم
29-06-2010, 02:44 AM
احتار كيف اصف هذه الروايه
انها انجاز رائع فاق حد الابداع
مهما بقيت اثني عليها لااعطيها حقها
انها روايه ذهلتني بجمالها
وطريقة كتابتها
رائعتان انتما فاستمرا بانجازكما الراقي
وانا مع الاخ معلم لغة عربيه
في الافصاح عن اسمكما لتحفظ حقوقكما
ودي
الف مبروك عزيزتي شجرة الكرز

الطفل الجديد يتربا بعز والديه

مريم كلوديا
30-06-2010, 09:55 PM
رواية قمة ... متابعتها من فترة بسيطة ..
فعلا لإنك مبدعة صراحة و بدون مجاملة :icon26::icon26:
سلم الله ايديك بما خطت و سلم لك ذاكرتك الغنية بما جادت ..
واصلي أختي .. ننتظر الجزء الجديد عن قريب .. :flex::flex:
و مبروك عليك البيبي يتربى في عزكم و يخدمكم في كبره .. :icon26::icon26:
ننتظرك غاليتي .. :play_ball

شجرة الكرز
12-07-2010, 07:11 PM
السلام عليكم
عذرًا على التأخير وذلك لانشغالي بالاختبارات التي أخذت مني وقتًا طويلاً ، ولكن الخير فيما اختاره الله .
في البداية أرحب بالأختين ( شمعة وشجرة الكرز ) على هذا الإنجاز الأدبي الرائع وأسأل المولى لهما كل التوفيق .
كنت ممن أشرف تصحيح على أجزاء كبيرة من الرواية ولهذا أكون قد أطلعت عليها عن قربٍ .
الرواية تتجلى فيها الروح الوطنية لبعض شخصيات الرواية ، حيث تظهر الأحداث تمسك الإنسان بوطنه وتضحيته بكل ما يملك من أجله كمشكلة الإرهاب وحجز الرهائن ، والرواية تعالج بعض مشاكل فتياتنا من تعرفهم على بعض الشباب وتنبه الفتاة إلى ضرورة الانتباه لمثل هذه الأمور الخطيرة التي يمكن أن تغفل عنها الفتاة .
وأما من الناحية الفنية ، فالرواية تتسم بالبساطة في ألفاظها وكذلك في أحداثها ومما يجعلنا نلتمس العذر لكاتبة الرواية أنهما مازالت في التجربة الأولى وهما مع ذلك كله مبدعتان في رسم الشخصيات وتحركاتها وكذلك في التصوير المكاني والتحديد الزماني وكذلك لان الرواية تعالج أحداث اجتماعية فإنها عادة ً ما تتصف بالبساطة والسهولة كي تصل إلى ذهن الملتقي بيسر ٍ .
والرواية بها صور فنية ولفتات إبداية كقولها ( أبحث عن هويتي الضائعة ) و( وصوته الهامس تخلل سمعي بين شعاع الضوء الخفيف ) وغيرها من الصور الجميلة ومما أنبه إليه أن تحاول الأختان الكريمتان لتوسيع الخيال لأن من العناصر المهمة في العمل الأدبي ، وكذلك استعمال الألفاظ الرقيقة التي تناسب الحدث المقدم للمتلقي والأديب لا يستغني عن قاموس الألفاظ حيث يعمل على توجيه تلك المفردات في مكانها المناسب ، فلو أن الأختين اختارتا مفرداتٍ رقيقة وجديد على المتلقي لكان للحادثة جمال أروع وأوقع في نفس المتلقي ؛ حيث إن المفردات الجديدة تشد المتلقي وتلفت انتباه أكثر من المفردات القديمة التي طالما سمع بها .
وأخيرًا أرجو من الأختين الفاضلتين أن تفصحا عن اسمهما كي تعرفا في عالم الأدب ويُشار إليهما بأنهما أديبتان وروائيتان صاعدتان ، فمن غير الصحيح أن من يكتب مثل هذا الأدب الرائع أن يظل باسم ٍ مستعار ٍ ، هذا رأيّ وأرجو تقبله بروح ٍ مرحة ٍ ومتفهمة ٍ ...........أخوكم معلم لغة عربية .



تحياتي لك أستاذي العزيز...

في البداية أشكرك جزيل الشكر على وقوفك بجانبنا دوماً...

وأشكرك أكثر من مئة مرة لــ صبرك على أخطاءنا الإملائية والنحوية...


أما بخصوص الألفاظ الجديدة...

فلا أقول سوى... أنه معك الحق فيما تقول...

أعلم أني مقصرة في هذا المجال... لكن هذا كل ما بيدي...

فحين أنتهي من الجزء الخاص بي... أبدأ بقراءة الروايات العالمية المترجمة للعربية...

ولكن حتى الآن لم أحصد بالكم ولا حتى الكيف!..

لأصل لمستوى الإبداع العالمي... وربما لن أصل إلا بعد أن أصبح عجوز طاعنة في السن...

لكن لا بأس من الاستمرار في المحاولة... ولو بأقل القليل...


وأما بخصوص النقطة الأخيرة...

فهي حتى الآن صعبة نوعاً ما... فحين نود الإفصاح عن أسماءنا الحقيقة...

علينا تقبل انتقادات الأفراد الذين يعيشون معنا...


ربما نجد شخصاً أو إثنين يشدون على أيدينا...

لكن هناك أيضاً من لن يعجبه ما تخط أقلامنا...

وهناك أيضاً من يفكر بصورة قديمة جداً... بأن الفتاة منزلها الدائم بيتها...

فأنا حتى الآن قلمي لم يراه أحد من أقربائي...

لا أدري إن تطلع أحدهم لما يجود به قلمي ماذا سيكون رأيه...

لكني لا أجرأ على إظهاره على الملأ... سوى باسم || شجرة الكرز ||

فربما تكون هي الأحق مني للشهرة...



ولا تقلق فكرتك حازت على إعجابنا أنا وشمعة...

وإن وصل الأمر للنشر بطرق النشر الاعتيادية... أعني بذلك الطباعة...

سأحاول إعلان اسمي الحقيقي... بعد الأخذ برأي من حولي ممن أحب...



وأشكرك للمرة المليون... على جهودك و وقوفك بجانبنا...


أرق وأجل التجايا...
|| شجرة الكرز ||

شجرة الكرز
12-07-2010, 07:21 PM
احتار كيف اصف هذه الروايه



انها انجاز رائع فاق حد الابداع
مهما بقيت اثني عليها لااعطيها حقها
انها روايه ذهلتني بجمالها
وطريقة كتابتها
رائعتان انتما فاستمرا بانجازكما الراقي
وانا مع الاخ معلم لغة عربيه
في الافصاح عن اسمكما لتحفظ حقوقكما
ودي
الف مبروك عزيزتي شجرة الكرز



الطفل الجديد يتربا بعز والديه



|| بسمة ألم ||

أشكرك لتواجدك هنا عزيزتي...

وأتمنى أن تنال الرواية في نهايتها على إعجابك كذلك... ^_^

شجرة الكرز
12-07-2010, 07:43 PM
رواية قمة ... متابعتها من فترة بسيطة ..
فعلا لإنك مبدعة صراحة و بدون مجاملة :icon26::icon26:
سلم الله ايديك بما خطت و سلم لك ذاكرتك الغنية بما جادت ..
واصلي أختي .. ننتظر الجزء الجديد عن قريب .. :flex::flex:
و مبروك عليك البيبي يتربى في عزكم و يخدمكم في كبره .. :icon26::icon26:
ننتظرك غاليتي .. :play_ball


|| مريم كلوديا ||

نشكرك على هذا التواجد...

ويباركك الله تعالى...

وانتظري بصبر جميل ضوء الغالية شمعة...

شمعة
17-07-2010, 09:48 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

طال الانتظار .. لكن لك انتظار نهاية .. وها هي نهايته تلوح في الأفق ...

أيام معدودة وسوف يكون الجزء بي أيديكم .. جزء بإذن الله سوف يعوضكم أيام الانتظار الطويلة .. بأحداث كثيرة أرجو بأن تنال على اجابكم :)

شكرا لكل من خط كلمة في لوحتنا المتواضعة التي تزدان بتواجدكم ...

دمتم بود ..

مريم كلوديا
17-07-2010, 09:58 PM
نحن على يقين تام شمعتنا العزيزة أن هذا الانتظار ...

سينم عنه بآآرت رآآئع و مفعم بالأحداث و التشويق ..

صرآآحة حيآآآك المولى على هذا الإبدآآع بوركتي أخيتي ..

=>> مريم

شمعة
20-07-2010, 06:38 PM
نحن على يقين تام شمعتنا العزيزة أن هذا الانتظار ...

سينم عنه بآآرت رآآئع و مفعم بالأحداث و التشويق ..

صرآآحة حيآآآك المولى على هذا الإبدآآع بوركتي أخيتي ..

=>> مريم
أختي مريم لا أعلم كيف أجازيك على كلماتك المفعمة بتشجيع ...
ردك هذا يجعلنا نستمر بخط القصة بلا كلل ولا ملل ...

فلا تحريمينا من أطلالتك المميزة :)

بخصوص الجزء القادم .. فكما قلتُ هو قد اكتمل والآن هو في مرحلة التدقيق الإملائي واللغوي والتي بإذن الله لن تطول ...

نترقب تعقيبك على الجزء القادم بكل شوق...

دمتي بخير :)

white heart
21-07-2010, 01:11 AM
بجد بجد روايه تجنن
وانتم مع بعض تيم هايل ياربفى تقدم دايماا مع يعض
ومستنين الجزء الجديد بفارغ الصبر
ميرسي على مجهودكو الرائع والروايه الجميله

شمعة
08-08-2010, 06:40 PM
بجد بجد روايه تجنن
وانتم مع بعض تيم هايل ياربفى تقدم دايماا مع يعض
ومستنين الجزء الجديد بفارغ الصبر
ميرسي على مجهودكو الرائع والروايه الجميله
شكرا لك أختي القلب الأبيض على هذا الرد الذي سعدنا به كثيراً ...
ولم تنجح القصة وتتطور إلا بتواجدكم وردودكم المحفزة هذه .. التي نرجو بأن لا تغيب عنا فهي وقودنا للإستمرار :)

دمتي بألف خير ...

وكل عام وأنت بخير بحلول شهر رمضان المبارك :)

شمعة
08-08-2010, 06:44 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قراءنا الأفاضل ....

في البدء أريد أن أشكر كل من أنار صفحتنا المتواضعة بردوده ...

ثانياً ...

نعتذر على التأخير في إنزال الجزء 11 ... لضروف خارجة عن إرادتنا .. فعذرا عذرا عذرا ...

إن شاء الله ..بإذن الله سوف يكون الجزء بين أيديكم في القريب العاجل ....

نكرر إعتذارنا ...

وكل عام وأنتم بخير بحلول شهر رمضان المبارك :)

دمتم بألف خير ...

شمعة
14-09-2010, 10:56 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
وكل عام وأنتم بألف خير بحلول عيد الفطر ...
أحب قبل أن أنزل الجزء بأن نعتذر على التأخير بأنزاله ...
وبإذن الله الجزء القادم سوف ينزل بعد أسبوع إن شاء الله ...

قراءة ممتعة نتمناه لكم ...




|+*|الضوء الحادي عشر في درب الكلمات|*+|



قنابل تتساقط من السماء كزخات المطر ... لا تعرف صغيراً ولا كبيراً ..

خرجتُ وقد كنتُ عاقدة العزم على المضي من أجل أن أقوم بتلبية نداء الوطنية, فكيف أجلس مكتوفة اليدين, وأنا أسمع تلك القنابل تنهال من كل صوب, مستحيل أن أجلس بلا حراك, خرجت وما إن خطوت أول خطوة خارج البيت, حتى هجمت يدُ أحاطت على معصمي, فقيدت حركتي, وجعلتني أقف رغماً عني, نظرتُ إلى صاحب تلك اليد, لأجد أنه خالد, ونظرةٌ من الغضب تسكن عيناه, قال وهو يلهث:- " إلي أين أنتِ ذاهبة؟ "

رددتُ عليه من فوري:-" لأداوي الجرحى, فأنا لا أستطيع الجلوس مكتوفة اليدين"

قطب حاجبيه, وصرخ بي قائلاً:- " ألم أقل لكُن بألا تخرجن إلا وأنا معكن ؟"

لم أعهد منه هذا, لأول مره يصرخ بوجهي هكذا, فرددتُ ورعشة هزت نبرة صوتي:- " لكـــــــــــــن ... ... لكنك تأخرت..."

أحسستُ بقبضة يده تشتد على يدي, وهو يقول:- " حتى لو تأخرت, هذا لا يسمح لكِ بالخروج من دون أن أكون معكِ, تخيلي لو أصابكِ شيء, لن أُسامح نفسي ما حييت "

شعرتُ بالخجل مما فعلت, فهربتُ ببصري بعيداً عن مرآه, وقلتُ بصوت بالكاد يسمع:- " أنا آسفة يا خالد, لم ..لم "

بتر جملتي بقوله, وقد بدأ صوته يلين:-" بل أنا آسف يا حنين!... على تصرفي هذا..."

حرر معصمي من يده وأكمل قائلاً:- " نحن عائلة واحدة, والله لو أصاب أحدًا منكم مكروهٌ, فلن أسامح نفسي ما حييتُ"

تجرأت ورفعت بصري إليه, لأجد نظرةً من الحزن ترتسم على عينيه, فقلتُ له:- " لن أعيدها, أعدك"

خط ابتسامة لم تدم على شفاهه, وقال:- " أعلم... هيا بنا فلندخل, الأوضاع الآن ليست آمنة, دعي الأمور تهدأ قليلاً, وبإذن الله سوف نخرج ونساعد المصابين والجرحى"

أنصعتُ لكلامه ودخلنا معاً....




| +* +* +* |



دخلتُ المنزل, ولا يزال الخوف يقبض على قلبي بيد من حديد, أخذتُ أنظر إليهم الواحد تلو الآخر وأنا أسألهم:- " هل الجميع بخير؟"

قام الجميع من مقاعدهم وقالوا دفعة واحدة:- " نعم "

فزفرة زفرة ارتياح وأنا أنزل رأسي للأرض, لكن لم يطل ارتياحي, فهي .. هي لم أطمأن عليها, رفعتُ رأسي من فوري, وأخذتُ أبحث عنها بعيني في أركان المكان...
لأجدها أخيراً, جالسة وراء طاولة المعيشة, لكن .. لكنها لم تكن .. لم تكن بخير, تلك العينان كانتا مفتوحتين على مصراعيها, ووجهها يعتليه الخوف... بل الذعر, وجسدها الهزيل يرتجف, وكانت تحضن نفسها بيديها,لم أقوَ على النظر إليها أكثر من ذلك, فهرعتُ إليها, وضعتُ يدي على كتفها, لكنها نفرت مني, وبحركة سريعة أبعدت كتفها عن يدي, ليزداد ارتعاش جسدها...

بعيني اللتين ترسمان الذهول نظرتُ لمن خلفي, وسألتهم :- " ما الذي جرى لها؟!!! "
جاء الجواب من عمار:- " لقد كانت بخير !!! "
كان التعجب يكسو وجهه... وكذلك الفتيات عندما وجهة بصري إليهن ...

أخذتُ نفساً عميقاً, وجثوتُ بالقرب منها, رفعتُ رأسي نحوها وقلتُ لها بصوت حاني أبعدتُ عنه نبرة الخوف الذي يتملكني نحوها:- " مطر, صغيرتي... ماذا بكِ؟؟ "

لم يأتني الجواب, فزادت حدتُ خوفي...

حاولتُ جاهداً أن أكتم خوفي بداخلي, وأنا أكرر سؤالي لها:- " صغيرتي, هذا أنا أخوكِ خالد, ألن تخبريني ما الذي جري لكِ, حبيبتي أخبريني أرجوكِ, أنا خالد ... خالد"

أبعدت أخيراً نظرها المصوب ناحية طاولة المعيشة التي كادت تخرقها بتلك النظرة, وسلطت نظرها نحوي, لكن صمتها لا يزال يلازمها, فقلتُ لها لعلي أسحب منها الكلام:- " عزيزتي, ما الذي جرى؟ أخبريني, أخبري أخاكِ"

فتحت فمها, لكن الكلمات لم تخرج من حنجرتها, أخذت شفتها السفلى تاهتز, والدمع ينهال من تلك العينين المذعورتين, هنا قمتُ واقفاً, ومددتُ يديّ المترددتين نحوها, و ببطء أخذتُ أمسك بيديها الحاضنتين لها, لعلها تحس بوجودي, وتخرج لي ما يجعل الخوف يتربع في قلبها, وقلتُ لها:- " عزيزتي, أنا هنا, أخبريني ما الذي يخيفك, ما الذي جرى لك؟ لعلي استطيع أن أساعدك"

نظرت إليّ بتلك العينين المختفيتين وراء سيل الدمع, وأخذت تلك الرعشة التي أصابت شفتها السفلى تزداد, وهي تنطق بصوت مخنوق بعد طول انتظار, بكلمات مبعثرة, غير مفهومة:- " رجل... يخيف.... زقاق...ظلام ...يخيف... يخيفــــــــــــــــ.... خائفة"...
وأخذت أنفاسها تتسارع ...

رغم أن كلماتها خرجت من فمها مشتته غير مفهومه... إلا أنني فهمتها .. للأسف فهمتها ... وشعرتُ بتلك الغصة .. التي شعرتُ بها عندما رأيتها لأول مرة مرمية .. تكسوها الدماء... رفعتُ رأسي ناحية السقف ... وعضضتُ على شفتي السفلى وأنا أحاول بأن أتمالك تلك الحرقة التي في صدري .. والوجع ...

لم أعلم كم مضى من الوقت وأنا على هذه الحال التي لم يبعدني عنها, سوى صوت حنين وهي تسأل والتعجب كان جلياً في نبرة صوتها:- " ما الذي تقوله مطر يا خالد ؟!! "

نظرتُ إليها لبرهة, وأغمضتُ عينيّ, وأنا آخذ نفساً عميقاً, ومن ثم عدتُ أنظر إلى مطر, التي بدأ صوتُ بكاءها يعلو, فيقطع فؤادي أكثر فأكثر, كانت قد طأطأت رأسها, حين قلتُ لها:- " انظري لي... مطر, انظري نحوي"

لكنها لم تستجب...

حررت كلتا يديها, وأحطت وجهها الطفولي الذي شوهتها تلك الدموع بكفيّ, ووجهته نحوي, وقلت لها وقد جعلت عينيها المكتنزتين بالدمع, تتقيدان بعينيّ, فتشلان حركتهما, وقلتُ لها:- " هذا خيال, لم يحصل شيء, لم يحصل شيء, هذه فقط ذاكرتكِ الضعيفة, تخلط الأمور, لم يحصل شيء "

أنزلت عينيها, لكني أسرعت أقول لها:- " كلا .. انظري لي .. واصغي لكلامي.. انظري لي يا مطر"

عادت تنظر إليّ, لأكرر لها كلماتي, لعلها تبعد شبح هذه الذكرى من عقلها:- " أتذكرين حينما قلت لي بأنك تريني أضربكِ... هذا نفس الشيء... عقلك يصور لك أمورًا لم تحصل.. أنه مشوش .. فلا تصدقيه "

أبعدتُ أحد كفيّ عن وجهها, ومسحتُ على جبينها وأنا أقول:- " أمسحي هذه الذكرى من عقلك, لأنها لم تحصل.. صدقيني لم تحصل "
خطيتُ ابتسامة مهزوزة على شفاهي... أخذت تحدق بي بتلك العينين العسليتين... اللتين سمحتا لفوج جديد من الدمع بالانهمار... بدأت أنفاسها تركد .. وتعود لوتيرتها الطبيعية... ثم فجأة رمت بنفسها علي! ... وأحاطت ذراعيها على خصري, وأخذت تصرخ وبكاؤها بدأ يعلو من جديد:- " أحقاً.. أحقاً لم يحصل شيء... أحقاً ذلك الخوف الذي كنتُ أشعر به لم يكن له وجود ... أحقاً يا خالد .. أحقاً "

زادت تلك الغصة التي جعلت الكلمات تتحشرج في حنجرتي....كم شعرتُ حينها برغبة بالبكاء.. من بين كل ذكرياتها .. لم تنتعش سوى هذه الذكرى في عقلها.. لماذا .. لماذا ؟؟

شعرتُ برأسها يبتعد عن خاصرتي, ومن ثم سمعتُ صوتها الباكي, وهي تسأل:- " خالد .. لماذا لا تجيبني... ؟!! الذي رأيته حقيقة أم خيالاً ...؟ أجبني أرجوك أجبني "

أنزلتُ رأسي ببطء, وقعت عيناي بتلك العينين الراجيتين, فخنقتني العبرة, كان لا بد من فعل شيء, وأنهي معاناتها مع تلك الذكرى السوداء, فرفعتُ يدي المرتعشة, وضعتها على رأسها, وقلتُ بعد صراع طويل مع الكلمات الآبية عن الخروج:- " نعم .. نعم يا مطر .. أنه خيال... ليست حقيقة .. ليست حقيقة "

شمعة
14-09-2010, 10:59 PM
أغمضت عينيها, وزفرت تلك الزفرة التي شعرتُ بأنها تعبر عن الارتياح الذي أرجو بأنه قد وصل لقلبها الصغير, وعادت تلقي برأسها إلي, وهي تقول:- " الحمد لله .. الحمد لله .. لم يحصل شيء.. لم يكن لذلك الخوف وجودًا .. الحمد لله .. الحمد لله "

حينها رجوت الخالق بأن يبعد تلك الذكرى الكريهة من ذاكرتها ,, بأي طريقة .. حتى لو كان الثمن بألا تتذكر ماضيها أبداً .. أبداً ..


| +* +* +* |


بعد عناء مع الجميع ( خالتي وغدير وريم وأختي وأمي), وافقن بأن يذهبن إلى البيت معي, بعد أن أصر عمي أبو أحمد علي وعليهن بالذهاب للمنزل وقضاء الليلة هناك, فمبيتهن في المستشفى وأحمد في الغيبوبة ليس له معنى, ومن ثم نظام المستشفى لا يسمح إلا لشخصين بالبقاء مع المريض.

طلب عمي بأن يبقى معه ياسين, وبأن نذهب نحن, وبالفعل فعلنا...

طوال طريق العودة, ضل الصمت مرافق لنا, إلا تلك الدموع التي كانت تنطق بالكثير في عيونهن....

دخلنا منزلنا, فهرع نحونا كلن من سارة أخت عمي مصطفى وابنتها ووسام, والخوف منحوت على وجوههم المتعطشة لخبر يطفأ نار الخوف في صدورهم, بادرت سارة بسؤال:- " ها .. طمأنونا.. أأصبح بخير؟!!"

بادرت بالرد عليها .. فالجميع عبرته في حنجرته لا يستطيع التكلم:- " كلا .. لازال في الغيبوبة "

لترد سارة:- " لا حول ولا قوة إلا بالله.." ورفعت يديها متضرعة لله وأكملت قائلة :- " يا رب يخرج منها سالماً معافى "

قالت أمي لخالتي:- " أختي.. هيا اذهبي ونالي قسطا من الراحة .. فأنتِ مجهدة وتحتاجين للراحة "

هزت خالتي رأسها بمعنى لا ... وقالت ونبرة البكاء لا تزال تغلف حنجرتها:- " كلا .. أنا لن أتزحزح من قرب الهاتف "

ودخلت غرفة الصالة .. حيث يقبع الهاتف.. ونحن نتبعها بأعيننا ... قالت أمي موجهةً كلامها لريم:- " ابنتي ريم ... حاولي أن تقنعي أمك بأن تنام .. فجسدها لا يتحمل ... كل هذا الإجهاد "
تنهدت ريم قبل أن تقول بصوتها المبحوح من البكاء:- " لا فائدة يا خالتي.. لن ترضى .. لن يهدأ لها بال حتى تطمأن على أحمد "

لتقل أمي وقد اعتصر تعابير وجهها الألم :- " المسكينة ... أنا سوف أبقى معها... أما أنتِ يا ريم اذهبي وارتاحي.. وأنتِ كذالك يا ياسمين... أين غدير ؟!! "

سؤال أمي جعلني انتبه من أن غدير لم تعد بيننا... أخذتُ كالمجنون أتلفتُ من حولي بحثاً عنها ... لكن لم أجدها فزاد خوفي عليها ...

لم أرتح إلا عندما سمعتُ وسام وهو يقول:- " لقد صعدت لفوق "

هنا ارتحتُ جزئياً... فلازال خوفي عليها ينبض مع نبضات قلبي العاشق لها .... نظرتُ لأعلى وكل شوق لضمها إلى صدري كما فعلتُ في المستشفى... في تلك اللحظة شعرتُ بالسكينة ... وشعرتُ بأن جسدينا اتحدى... لدرجة بأني شعرتُ بذلك الألم الذي يحتل قلبها... لكنني لم أستطع الذهاب والجميع هنا متجمع... فطأطأتُ رأسي وخيبة الأمل في صدري تغرس ...

قالت سارة:- " أنا سوف أبقى معها يا فاطمة.. أنتِ اذهبي وارتاحي.."

لم أنتبه لباقي الحوار .. فقط كان فكري متعلق بمن سكنت قلبي ... القابعة في الأعلى ... عدتُ أنظر إلى أعلى وكل شوق لرؤيتها والاطمئنان عليها...

لاح لنظري طيف أحدهم ينزل من الأعلى .. فتهلل قلبي بالفرح .. فربما هي غدير .. لكن للأسف كانت كوثر.. فكسيّ وجهي خيبةُ الأمل...

دنت مني كوثر ... وأنا كنتُ أتتبعها بعيني بشيء من التعجب ...

ثم همست في أذني ...:- "علي أذهب إلى غدير ... هي منهارة تماماً .. حاولتُ بأن أهدأها بلا فائدة .."

كلامها هذا أجج الخوف في قلبي ... فركضتُ بدون تفكير جهة الدرج.. إلا أن يد كوثر التي أمسكت بمعصمي أوقفتني... فنظرتُ إليها مستغرباً.. وقبل أن أفتح فمي قالت:- " إنها في غرفتكم.. جالسة على سرير أحمد "

ومن ثم تركت يدي ... فأكملتُ طريقي راكضاً .. غير آبه لمن حولي...


| +* +* +* |



ما إن رأيته جالساً على الكنبة... حتى تهلل وجهي بالفرح .. وابتسمت ابتسامة واسعة ... فهو الشخص الوحيد الذي أشعر معه بالأمان والسكينة .. واستطيع التحدث معه بلا قيود ... وهو كذلك بالمثل ابتسم لي ... وقال مرحباً:- " أهلا بك يا بدر البدور.. أهلا بصغيرتي الغالية " كان قد قام من على الكنبة...

رددتُ عليه وقد أصبحتُ بالقرب منه:- " أهلا بك عمي أكرم ... كيف حالك ؟ .. لقد افتقدتك كثيراً "

:- " وأنا كذلك يا بدور .. لقد افتقدتُ لهذا الوجه الندي .. لكن تعلمين المشاغل والأجواء المشحونة في الفترة الأخيرة حالت دون أن أزورك ِ ... وكذلك هذا المنزل بعيد جداً ... لا أعلم لماذا جمال يجعلك تقيمين هنا "

لأرد عليه وقد رحلت عن وجهي الفرحة :- " يقول بأن هنا آمنُ ... أنا لا أعلم عن أي آمن يتحدث عنه ... فأنا في هذا البيت أشعر بالخوف أكثر من القنابل "

لاحظ عمي أكرم تلك الغصة التي تجلت في نبرة صوتي.. فأراد أن ينتشلني منها فقال وقد وضع يده في جيب معطفه :- " خمني ماذا أحظرتُ لكِ؟ "

وأخذ ببطء يخرج ما في جيبه .. وأنا في داخلي أعلم ما هو ... فهو في كل زيارة يحظر لي لوحاً من الشوكلاتة ..
فتبسمتُ ضاحكة وأنا أرى لوح الشوكلاتة قد بات خارج جيبه ..وقلتُ:- " عمي.. أنا لم أعد صغيرة "

فابتسم لي وهو يقول ونظرة من المكر قد لمعة في عينيه:- " أأفهم من كلامك بأنك ِ لا تريدينه .. حسناً أنت الخاسرة .. وأنا سوف آكله ..فأنتِ تعلمين كم أحب هذه الشوكلاتة "

فقلتُ وأنا آخذ لوح الشوكلاتة من يده بحركة سريعة : - " كلا .. لم أقصد ذلك .. فقط .. فقط "

فبتر كلامي وهو يقول:- " لا تحاولي أن تبرري لي .. فأنا أعرفكِ جيدا .. لا تقاومين هذه الشوكلاتة مثلي ... مهما حاولتِ " وعلا صوت ضحكته ... لأضحك أنا الأخرى ...

ثم توقف ... وقال وأنا لا أزال مستمرة بالضحك :- " إن شاء الله لا تفارقكِ هذه الضحكة ما حييتي "

توقفتُ عن الضحك .. وأخذتُ أنظر إليه... وإلى تلك العينين الحانيتين... وقلتُ:- " لا أعرف كيف أشكرك يا عمي أكرم.. فلولاك لا أعلم كيف كنتُ سوف أعيش حياتي "

فقال :- " لا تقولي هذا الكلام ... فأنتِ تعلمين بأنك بمثابة ابنة لي ..."

فقلتُ له وقد رسمتُ ابتسامة على طرف فمي:- " وأنت يا عمي.. أشعر بأنك فرد من عائلتي "

فعادت تلك الابتسامة تعانق شفتيه ... ثم رفع حاجبيه للأعلى وهو يقول :- " أسوف نظل واقفين هكذا إلى الأبد .. ألن نجلس؟!!"
هنا ضربتُ جبيني براحة كفي وأنا أقول:- " أووووووووه .. أنا آسفة ... تفضل عمي "

فجلس وأنا تبعته وجلستُ في الجهة المقابلة له ...

ومن ثم سألته : - " أتريد أن تشرب شيئاً عمي ؟ "

فقال:- " كلا شكراً ... بدور أخبريني كيف حالك ؟؟ أأنتِ بخير ؟؟!! "

شمعة
14-09-2010, 10:59 PM
طأطأتُ رأسي وزفرة تلك الزفرة القوية ... وقلتُ له:- " سؤالك صعب يا عمي ... لا أعلم ماذا أقول لك ... أمممممم .. أنا بخير ولستُ بخير..."

ومن ثم رفعتُ عيني ناظرة نحوه .. لأجده قد رفع حاجبيه إلى أعلى.. وألف علامة استفهام في وجهه ..:- " أهذا لغز يا بدور؟!! "

فرددتُ عليه .. وابتسامة منكمشة سكنت شفاهي .. :- " كلا عمي ... ليس لغزاً .. ولكن ..."

وتوقفتُ عن الحديث ... ليأتي صوته الخائف يزور مسمعي:- " بدور .. ماذا هناك .. ؟ لقد بدأت أخاف... أفعل بكِ جمال وإسماعيل شيئاً ؟؟ "

ذكرُ اسمه جعل غريزة الدفاع تستيقظ في داخلي .. فردتُ من فوري نافية:- " كلا .. إسماعيل لم يفعل شيئاً بالعكس .. لقد .. لقد ..."

وابتسمت ُ باستحياء ... وأطرقتُ ببصري للأرض ...

فعاد صوته الذي بات جدياً يهز طبلتي أذنيه:- " لقد ماذا يا بدور ؟؟ ما الذي جرى بينك وبين إسماعيل ؟"

رفعتُ عينيي جزئياً ناحيته .. وقلتُ له:- " لن تصدق يا عمي ... إسماعيل ليس هو إسماعيل الذي كنتُ أتصوره في خلدي .. أقصد ..بأنه ليس شريراً .. ليس أنانياً.. ليس بلا قلب ... "

فقاطعني بقوله :- " وكيف عرفتِ هذا ؟؟!!"

هنا رفعتُ عيني وقلتُ له بحماس:- " لقد تكلمنا البارحة .. فتحنا قلوبنا لبعض .. لم نخفِ شيئاً عن بعض... تصور عمي أكرم .. بأنه نفسي يشعر بأن جمال وراءه شيء ..."

هنا هو الذي نكس رأسه ... ولم يقل شيئاً ...

شعرتُ بالاستغراب من فعله ..فسألته .. :- " ماذا هناك يا عمي ؟!! "

رفع رأسه نحوي ... وأدخل نفساً عميقاً إلى صدره ... وأخرجه مرة واحدة ... وقال ونظرة جادة تنحتُ على كلا عينيه :- " بدور .. أنت ِ لا تعرفين إسماعيل جيداً ... هو وجمال وجهان لعملة واحدة ... لا يعني بأنه تكلم معكِ وقال لك بأنه يظن بأن جمالاً شخصًا غير جيد بأنه شخص طيب ... صدقيني .. أنتِ لا تعرفين إسماعيل مثلي .."

لا أعلم لماذا شعرتُ بالضيق من كلام عمي ...

:- " بدور .. صغيرتي ... لا تنسي بأن إسماعيل دخل إلى حياتك عن طريق جمال... صدقيني أنتِ لا تعرفين إسماعيل "

بدون سابق إنذار ..وبدون وعي مني .. انتفضتُ وقمتُ من مقعدي ..و انفجرتُ على عمي أكرم وقلتُ له صارخة... :- " وأنت أيضاً لا أعرفك ... ودخلت إلى حياتي عن طريق جمال... فلماذا أثق بك ؟!! "

حدق بي مذهولاً ... ومن ثم أشاح ببصره بعيداً عني وقال وقد قام هو الآخر من مقعده:- " أنتِ محقة .. لماذا تثقين بي ؟ ... لا تثقي بي .. ولا تثقي بأي شخص .. إلا نفسكِ ... ( أعاد بصره إليّ وكرر كلامه قائلاً وقد صوب أصبعه السبابة نحوي ) لا تثقي إلا بنفسك " كان صوته يقطر حزناً .. وكانت خيبة الأمل تحتل أركان وجهه..

وأكمل قائلاً:- " يجب أن أذهب الآن .. فقط تأخرتُ .. مع السلامة .."

لم أصحُ لنفسي إلا عندما هجم على مسمعي صوت الباب وهو يغلق ... (( ما الذي جرى لي ؟؟!! .. وما الذي فعلته ؟؟!! )) سؤال تلو الآخر تدفق لحظتها إلى عقلي ...


| +* +* +* |



شخصان نقتحم خلوتهما لأول مرة ...

كان جالساً على طرف السرير .. مطأطأ الرأس ... مطبق الشفتين ... هائمًا في اللا شيء ... وهي تنظر إليه ... تترقب كلماته... لكن بات لها الانتظار لا ينتهي ... طال صبرها ... فزاد تعجبها ... وشيء من القلق يطبق على قلبها ... فهو من لا تفارق الابتسامة شفاهه.. فهو الذي لا يعرف الحزن مكان في قلبه ... فهو الذي يمد يده بالأمل .. يجلس هكذا .. وهالة من الحزن تحيط به منذ دخل الغرفة ...

كان لابد من أن تسأله ... لتخرجه من صمته ... وتكشف النقاب عما يكدره ... بتردد خرجت تلك الكلمات من فمها:- " عمار ... عمار .. هل .... هل أنت بخير..؟"

أخيراً رفع رأسه .. ونظر إليها بعينين فيهما خنقةُ ... لكنه لم يلبث إلا وقد عاد لوضعه السابق... لكن تلك النظرة كانت كفيلة لتؤكد كل شكوكها ... وتجعل خوفها يزداد ... ابتعدت من الشباك حيثً كانت تقف ... وجلست بالقرب منه .... وعاودت تسأله :- " عمار .. أأنت بخير .. ؟؟ أرجوك أجبني .."

أغمض عينيه بقوة ... وزفر زفرة قوية .... وتحركت شفتيه بعد طول انتظار ويا ليتها لم تتحركا :- " أشفق عليك يا علياء ... لقد تزوجتِ بشخص عاجز ... لا فائدة منه ..."

كانت تنظر إليه بذهول .. لا بل بصدمة شلت كل أركان وجهها ... وسدت الطريق على الكلمات لتخرج من حنجرتها ...

وهو أكمل حديثه مسترسلاً بدون أن يرفع رأسه ناحيتها ... والسكون الناطق بالحزن يرسم على قسمات وجهه:- " أنا لا أصلح لشيء ... لا كزوج .. ولا كرجل يدافع عنكن ... المسكين خالد مقيد .. لا يستطيع أن يتركننا ليجاهد في سبيل الوطن ... لأنه يعلم بأني لا أستطيع أن أحميكن .. أو أن أؤمن لقمة العيش لكن ... حتى أنتن لا تروني رجلاً .. اليوم حنين كسرت كلمتي .. وخرجت ... رغم أني منعتها من الخروج ... لكنها لا تراني رجلاً .. إنها تراني كا ... "

في تلك اللحظة ... كسرت ذلك الجمود الذي أحتل جسدها ... ووضعت يدها على شفتيه مانعةً لتلك الكلمة من أكمال طريقها لمسمعها... فرفع رأسه نحوها .. ليجد خيوط الدمع تشق طريقها من مقلتيها حتى وجنتيها ... وتهز رأسها بمعنى لا .... وتأكدها بكلماتها الزاجرة :- " كلااااا.. كلااااااا .. إياك .. ثم إياك بأن تقلها ..فأنت رجل .. أنت عمود هذا البيت .. الذي لولاك لانهار منذ زمن ... "

رفع يده .. فطوق بها يدها .. وأبعدها عن شفتيه ... وحركهما قائلاً :- " لكن هي الحق..."

لتعود لتضع يدها على شفاهه من جديد ... وتعود تزجر به لكن هذه المرة برفقة يدها الثانية المشيرة ناحيته مهددة :- " قلتُ لك إياك أن تقول هذا الكلام من جديد ... فأنت مصدر الأمل ... فأنت الذي تنتشلنا من الحزن .... لا يعني أنك مبتور القدم .. بأنه لا فائدة لك ... بالعكس ... لولاك لكنا نحن من الأموات ... فأرجوك .. بل أتوسل إليك ألا تقول هذا الكلام مرة أخرى ... "

نظر إلى عينيها المتكدس بها الدموع ... وهي الأخرى بادلته النظرة الحاملة معنى الرجاء فيها ... أبعد يدها مرة أخرى من على شفتيه ... وغلف يدها المصوبة ناحيته بيده ... ووضعهما على حجرها وقال وهو لم يبعد عينيه عن عينيها:- " أنا آسف ... لا أعلم ماذا كان سوف يحصل لي بدونك ... هيا امسحي هذه الدموع "

ابتسم وهو يمسح دموعها من على وجنتيها ... وهي الأخرى ردت عليه بابتسامة حانية تذيب قلبه الحنون....


| +* +* +* |




دخلتُ إلى غرفتي .. فوجدتها مستلقية على بطنها على سرير أحمد .. وغارسة رأسها في وسادته ... وصوت بكائها يصل لمسمعي .. فيقطع قلبي إلى أشلاء صغيرة .... بخطى واسعة اقتربتُ منها جلستُ على السرير ...
مددتُ يدي المرتعشة ناحيتها ... وضعتها على ظهرها .. لأشعرها بوجودي ...

لكن صوت بكائها زاد حدة ً... ليزداد ألمي ... فما وجدت نفسي إلا أن لجأت للكلمات .. لعلها توقف بكاءها .. فتحل السكينة على قلبي :- " غدير ... غدير اسمعيني ..إن أحمد بإذن الله سوف يكون بخير.. أنتِ تعرفين أخاكِ .. لا يستسلم بسهولة ... فلا داعي للبكاء .. بإذن الله سوف يعود لنا أحمد .. فقط تحلي بالصبر والإيمان ..."

شمعة
14-09-2010, 11:00 PM
هنا غرست رأسها أكثر بتلك الوسادة ... وصوت بكائها لا يزال يعلو في الغرفة .. وتستمر سلسلة آلامي ... وحزني على رؤية من أحب تبكي بحرقة وأنا عاجز لا أقوى على إيقافها .. أو حتى تهدئتها...
كرهتُ نفسي لحظتها ... كرهتُ عجزي ...

كان لابد من أن أفعل شيئاً ... فأنا أتمنى الموت قبل أن أرى دمعة واحدة تذرفها عيناها ...

(( أفعل شيئاً .. أفعل شيئاً ... )) جملة كانت تتردد مراراً وتكراراً في ذهني ...

بصوت منهك من عذاب الوجع المنبثق من قلبي قلتُ لها :- " أرجوكِ توقفي يا غدير .. أرجوك توقفي ... أرجوكِ توقفي ..."

بلا جدوى .. فموجة بكائها لازال يتردد صداها في أرجاء الغرفة ... فيزيد ذلك الوجع القابع في قلبي ... وشراييني ... فيثير أنفاسي .. التي بدأت تتصاعد ... أمسكتُ بكتفيها في لحظة توقف عقلي فيها عن العمل .. ورضختُ فيها لقلبي المتوجع... وأجبرتها على أن تحرر تلك الوسادة التي غرقت بدمعها .. وجعلتها تجلس مجبرة وهي لا تزال تبكي بحرقة ... بحركة سريعة جعلتها تلتفت نحوي ... وصرختُ بها قائلاً:- " كفى بكاءً ... فالبكاء لا يجدي نفعاً "

لم تتوقف .. فقط استسلمت للبكاء تماماً .. وهذا ما جعلني .. أمسك برأسها ... وأوجهه نحوي .. وأصرخ بها بأعلى طبقة من صوتي :- " قلتُ لكِ توقفي .. توقفي .. توقفي .."وكالمجنون أخذتُ أهز رأسها ...

ساعتها فتحتُ عينيها أوسع ما يكون ... وأخذت تحدق بي ... بنظرة كلها خوف ... حطمتني .. وأعادت لي عقلي ...ووعي لفعلي .. عضضتُ على شفتي السفلى .. وأغمضتُ عينيّ .. متأسفاً على فعلتي ...

جذبتها نحوي ... وأسكنتها حضني ... وضميتها بكل ما أوتيتُ من قوة .... وقلتُ لها آسفاً:- " أرجوكِ سامحيني .. لم أقصد أن أخيفكِ .. في الحقيقة لا أعلم كيف فعلت هذا .. لكنني لم أتحمل أن أراكِ تبكين وتتألمين هكذا ... أنت لا تعلمين كم أتعذب وأنا أراك بهذه الحال.. أرجوكِ أنهي عذابي وعذابك ِ .. وأخرجي لي كل ما في قلبك من وجع .. صدقيني سوف ترتاحين .."

بدأت موجة بكائها تدنو ... فشعرتُ براحة .. التي للأسف لم أتمتع بها طويلاً .. فقط رحلت عن حجري ... فنظرتُ إليها وكلي توجس وخوف من فعلها القادم ...

نطقت قائلة بعد صمت طويل ... بصوت لم يخلُ من شهقات البكاء:- " أنت لن تفهمني ... لن تفهمني ..."

أخذتُ أحدق بها بذهول من كلماتها التي أصابتني بالصميم ... وقلتُ لها:- " كيف لن أفهمكِ ؟!! ...أنه من المستحيل بأن لا أفهمكِ ... أنا فقط بنظره واحدة إليكِ أشعر بكل شيء تحسي به .. أشعر بألمكِ بفرحكِ .. بنظرة واحدة فقط ... أنتِ لا تعرفيني يا غدير ... أنتِ حتى لم تجربيني ... جربيني مرة وأخرجي لي كل الذي يثقل على قلبك .. وصدقيني سوف ترتاحي ... صدقيني ..."

رفعت رأسها لتنظر إليّ ... فأجبرتُ شفتيه المغتمتين على الابتسام .... لعلها تشعر بأني البلسم لأحزانها ...



| +* +* +* |




واقفة وراء شباك غرفتي ... أنظرُ إلى ذلك الظلام الحالك الذي احتل السماء .. ونثر سواده على الأرض ... شعرت حينها بأن هذه الظلمة لا تحتل السماء فقط .. بل أيضاً تحتل عقلي ... وقلبي ... فتصعب علي مهمة المسير في طريق الصواب ... إنني أتخبط في هذه الظلمة بلا هداية... من أصدق ومن أكذب ؟؟؟.. من أمسك بيده ومن أترك يده معلقة في الهواء ...؟؟ سؤال تلو الآخر .. لا يجد قرينة من الإجابات ....
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه .. كنتُ أشعر بالضياع .... بالضياع .. بضياع يخنقني ... ويعذبني ... ويزيد من همي ...

سمعتُ صوت باب الغرفة وهو يفتح ... فخرجتُ من عالم التساؤلات للحظة ... نظرتُ لخلفي ... لأجد سبب حيرتي واقفًا أمام الباب ... وابتسامة واسعة وجدت طريقها على شفاهه ... لم أعطه أي ردة فعل تعتلي وجهي... ضل سكون الحيرة يتجلى على وجهي ... وعدت أنظر إلى ظلمتي التي تتصور لي خلف الشباك ....

قال بصوت استشفيتُ فيه الفرح :- " مساء الخير يا حبي ...."

حبي ؟؟؟!!!! تلك الكلمة فجرة فوج جديد من التساؤلات في خلدي...(( أهي كلمة نابعة من قلبه ... أم من عقلة ؟!! ))

فوج جديد لن يكتب له بأن يلاقي أجوبة كمن سبقها من الأسئلة.... وزادت من انغماسي في تلك الظلمة التي أعيش بها ....

شعرتُ بيديه تحيط بخصري ... ومن ثم ذقنه يستند على كتفي الأيمن ... لحظتها لا أعلم ماذا أصابني .. أحسستُ بأن جسدي قد أصبح كورقة رضخت لنسمة الهواء العليلة التي مرة بها ..وباتت مهددة للسقوط في شركها... بعد ذلك داعبت كلماته أذني ليهمس قائلاً :- " ماذا بك حبي لا تردين عليه ...؟؟ "

كنتُ على وشك الاستسلام لذلك الوهج الضئيل الذي بدأ يخترق تلك الظلمة الموجودة بداخلي ... لكن صوت عمي أكرم عاد يعلو في عقلي ... فأخرجني من لحظة الضعف التي كدتُ أستسلم لها ..

فانتفضتُ بكلماتي السائلة:- " لماذا أتيت اليوم ..؟ ليس من عادتكِ أن تأتي ليلتين متتاليتين ...؟"

أجبرني على الالتفاف نحوه بحركة سريعة .. ويدياه لا زالتا تقيدان خاصرتي ... وقال وابتسامته لم تفارق محياه:- " لأني لم أعد أستحمل البعد عنك أكثر من ذلك ... لا أستطيع بأن أنتظر إلى الأسبوع القادم ... لو كان الخيار خياري لما تركتك اليوم .. وضللتُ معكِ طوال اليوم ... يا قلبي "

ودنا مني ..وفي نيته تقبلي ... ولا أخفيكم ... كنتُ أتوق لتذوق تلك الشفتين .. لكن صوتُ عمي أكرم أخذ ينخر بعقلي أكثر .. فأكثر.. لدرجة لا تطاق... فأشحتُ بوجهي بعيداً عن شفتيه ....وأنا مغمضة العينين ...

قال بنبرة تنم عن التعجب:- " ماذا بكِ يا بدور ؟!! "

نظرتُ نحوه بعيني الشبه مفتوحتين ... وقلتُ له بصوت أرهقه الصراع الداخلي :- " أأنتَ تحبني حقاً يا إسماعيل؟ "

ليرد على سؤالي بسؤال:- " ما هذا السؤال يا بدور ؟!! "

هنا فتحتُ عيني بأكملهما .. وقلتُ له وقد علا صوتي فأنا بحاجة ماسة لجوابه لكي ينهي هذه الحروب الداخلية التي تقطعني أرباً أربا .:- " أتحبني يا إسماعيل ؟؟ أجبني ..أجبني أرجوك "

هنا عادة الابتسامة تتربع على كلتا شفتيه... وقال وقد أحاط وجهي بكفيه ..:- " أنا لستُ فقط أحبكِ .. أنا أعشقكِ وبجنون"

هنا أخترق النور تلك الظلمة الموحشة التي كنتُ أعيشها ... وشعرتُ بسكينه ... وأنا أسمع هذا الجواب الذي كنتُ أبحث عنه ...

شقت ابتسامة فرح طريقها على محياي .. وأنا أقول له:- " لا تعلم كم أنك أرحتني بجوابك هذا"

قال وهو مقوس الحاجبين إلى أعلى :- " لماذا ؟؟!! .. ألازلتِ تشكين بي ...؟!!"

كان يريد أن يقول المزيد .. لكني ألقيتُ بجسدي نحوه ... واحتضنته بقوة .. وقلتُ له وأنا أهز رأسي بنفي:- " كلا .. كلا .. لم أعد ... لا أعلم لماذا.. لماذا ...؟؟ أنسى الموضوع ...أنه غباء مني.. وحماقة ..."

وضع يده على رأسي وأخذ يمسحه وهو يقول:- " لا عليك يا قلبي ...أنا أعلم بأن السبب الذي جعلك لا تؤمنين لي .. أنني جعلتُ جمال يرغمكِ على الزواج بي ... لقد اخترت الطريق الخطأ للظفر بكِ .. لقد دخلتُ إلى حياتكِ بدون استئذان.... سامحيني حبي سامحيني ... لو كان بمقدوري العودة بالزمن للوراء لما تزوجتكِ بهذه الطريقة ..."

أبعدت نفسي عن حضنه ... وقلتُ له بحماس المنتشي بالفرح :- " كلا لا تعتذر ... لا تعتذر ... لولا لم تفعل هذا .. لما تعرفتُ إليك عن قرب ... وعرفتُ بأنك إنسان رائع ...."

تلاقت أعيننا الباسمة مع بعضهما ... فتعانقت أخيراً ... وفاضت بما في القلوب... لتتبعها شفاهنا المتعطشة لبعضها البعض... وتمازجت تلك الأنفاس الثائرة .. لتنتج بهجة عارمة تسكن الصدور الجرداء من جفاف الحزن الذي طال بقاءه فيها ....

دقائق كانت كالحلم الذي لم أُرد أن استيقظ منه ... أبداااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ما حيت ....


| +* +* +* |

شمعة
14-09-2010, 11:01 PM
بغضب يختلجني من تصرفه الغريب ... قلتُ له وأنا أقترب منه:-" ما هذا التصرف يا سعيد ؟!! لماذا تطلب مني بأن ألقاك عند باب البيت الخارجي ؟؟!! وفي هذا الوقت المتأخر !!! .. لماذا لا تدخل؟!! كأي إنسان طبيعي
..."

رد عليّ ببرود قهرني :- " أنا لا أعرف أحداً هنا سواكِ والأولاد ... ومن ثم أنا جئتُ لأكلمكِ .. لا أن أكلم أصحاب البيت ..."

:- " ولو هذا ليس عذراً .."

بتر جملتي بقوله :- " سارة .. أنا لم آتِ لكي تفتحي لي هذا المنوال عن أهلك وعن الأخلاق الحميدة التي لا أعلم من أين حلت عليكِ .."

أجج كلامه غضبي ... ففضلتُ الصمت لأعرف ما الذي جاء به ... وأنتهي من هذا الأمر ...

عاد ليكمل قائلا:- " سارة .. لآخر مرة أطلب منكِ بأن تذهبي معي... فالمكان ليس آمنًا ... ليس آمنًا ..."

كظمت غضبي .. وقلت له :- " هل انتهيت من الكلام ...؟ "

هز رأسه بمعنى نعم ...

فعدت أقول له .. وأنا لم أبعد بصري عن تعابير وجهه :- " حسناً .. حان الوقت الذي تصغي لي ... أنا لن أرحل من وطني مهما كان ... هذا كان ردي وسوف يضل ردي .. فلا تتعب نفسك بالقدوم مرة أخرى .."

عقد حاجبيه غاضبا ... وقال:- " هكذا لن تحكمي على نفسك فقط بالموت .. بل على أولادك ... أأنتِ مدركة لهذا الشيء ؟؟"

فرددتُ عليه بهدوء مناقض لما في داخلي من غضب نحوه:- " لا تنسَ يا سعيد بأن نهايتنا الموت ... لهذا أفضل بأن أموت في وطني على أن أموت في بلد غريب .. بعيداً عن أهلي وناسي .. أما بخصوص وسام وحوراء ...( أشرتُ له ناحية المنزل وأنا أكمل قائلة ) اذهب واسألهم .. فهم كبار بما فيه الكفاية لكي يقررا إذا يريدان الذهاب معك أو لا "

كور يديه ... كأنها محاولة منه لامتصاص الغضب الجلي على وجهه .. وقال:- " أنتِ تعلمين بأنهم لن يرحلوا بدونك.. سارة فكري جيداً ... بعملك هذا فأنت سوف تحكمين عليهما بالموت "

صوبت نظرة إصرار وتصميم في مقلتيه .. وقلت بعزم لا يهزه خوف :- " كما قلتُ لك هذا ردي الأول والأخير .. ولن أتراجع عنه .."

فجر غضبه في صوته وهو يقول وقد زاد من تقطيب حاجبيه :- " أنت حمقاء .. بل مجنونة .. لقد فقدتِ عقلك مذ ماتت بتول ... "

هنا قاطعته بصوت أعلى من صوته :- " كلا بالعكس .. لقد عاد لي عقلي .. ووعيي ... أنا نادمة لكل الذي فعلته .. على كل تلك السنوات التي قضيتها ..."

هنا هو استوقفني وهو يقول وقد على تقوس حاجبيه للأعلى:- " أأفهم من كلامكِ .. بأنكِ نادمة على حياتكِ معي ؟؟!!.. على زواجكِ بي ؟!!!"

لا أعلم لماذا التجم لساني لحظتها ... واكتفيتُ بالنظر إلى تلك العينين المصدومتين ....

على صدره على نفس عميق .. ومن ثم هوى .. وهو يخرج ذلك النفس الذي شعرت بأنه أخرجه بصعوبة بالغة من رئتيه... ومن ثم قال :- " أفعلي ما شئتِ .. فأنا لم أعد أكترث ... موتي .. تعذبي .. لا يهمني ... "

وأولاني ظهره ... ورحل ... بلمح البصر...


| +* +* +* |



الهدوء الذي يسبق العاصفة...

كان مستلقياً على بطنه بجواري ... فاتحاً نصف عينيه ... وابتسامة تسكن شفتيه المكتنزتين اللتين تلذذت بعناقهما سحرت عيناي...
أحنيتُ رأسي .. وأسندته على السرير رأس السرير .. وأخرجتُ تنهيدة راحة ... تعبق من قلبي الطرب السعيد .. وأغمضتُ عيني .. لأسترجع ما حصل .. فارتسمت ابتسامة صادقة ... قلما تنبع من الفرح ... وقلتُ :- " أتعلم بأني أسعد كائن بهذا العالم في هذه اللحظة ..."

جاءني صوته الناعس :- " كاذبة "

فتحتُ عيني مذهولة .. ونظرت نحوه ... وقلتُ :- " ماذاااااا؟!!! "

رفع بصره نحوي .. وقد زاد من امتداد ابتسامته الساحرة التي لم تهجره :- " لأني ببساطة أنا أسعد كائن ليس في العالم فقط .. بل في الكون قاطبة ..."

سحبتُ الوسادة التي ينام عليها من تحته.. وبسرعة أخذتُ أضربه بها .... وهو يصرخ قائلاً وضحكته تطرب مسمعي :- " توقفي آيتها المجنونة .. توقفي ..." كان يحاول أن يقي نفسه من الضرب بيديه...

قلتُ له وأنا أكاد أموت من الضحك...:- " لن أتوقف ... إذا أردتني أن أتوقف فأجبرني على ذلك.."

من بين ضحكاته المتصلة .. عاد يقول:- " إذا تتحديني يا بدور ... حسناً .. سوف تندمين ...سوف تندمين ..."

وبالفعل شرع بتنفيذ ما قال.. وقام جالساً .. وأمسك بالوسادة وسحبها بقوة من بين يديه .. وألقى بها بعيداً عني ... وانقض عليّ ... وأمسك بيديّ ..ودفع بهما إلى ظهري ... ومنعهما من الحراك ... رغم محاولتي لتحريرهما من قيد يديه القويتين ... انحنى نحوي .. وبات لا يفصل بيني وبينه مسافة لا تتجاو( الإنش) الواحد .. وقال وقد تصنع تعابير الشر على وجه:- " الآن أريني ماذا سوف تفعلين بي ؟.." وخط ابتسامة انتصار ...

كان لابد من أن أرد على تحديه لي ... فجاء ردي عليه بأني نفختُ في وجه ... فنظر إليه متفاجئا ... وانفجر ضاحكاً وهوى بجسده على السرير ...

وقال وهو يجاهد من أجل أن تخرج الكلمات من فهمة:- " آيتها المجنونة ... أهذا ردك ... " وعاد يضحك بهستيريته ....

هويتُ بجسدي عليه .. لتتلامس أجسادنا من جديد .. وتساقطت خصلات شعري على وجهه ... وقلتُ :- " ألم أجعلكَ تفك قيدي ...؟"

مرر أصابعه خلال خصلات شعري ... فتجلى لي وجهه الباسم ... وقال:- " نعم .. لقد انتصرت علي ... أنا أعترف .." وأخذ ينظر إلي بنظرة جعلت الحمرة تشتعل في خدي ... فابتسمتُ باستحياء ... وأنا منكسة بصري بعيداً عنه ...

أخذ يلامس بأصابعه الناعمة شفتي الباسمتين... وقال:- " كم أتمنى بأن لا تزول هذه الابتسامة من على شفتيك "

فابتسمتُ ضاحكة .. وأنا أقول:- " بإذن الله لن تفارق شفتي ما ..."

صوتُ رنين هاتفه قاطعني ... فسلط كلانا أعينه نحوه ... قمتُ من عليه ... وجلستُ متوجسة خائفة ... كأني كنتُ أعلم من كان صاحب الاتصال ... ألقى علي نظرة بعد أن عرف شخصية المتصل.. فجاءني التأكيد بتلك النظرة ... شعرتُ بغصة القهر .. فأنا لم أهنأ طويلا بلحظات الفرح ...فقلتُ له راجية:- " لا ترد ... دعها ... لا تفسد هذه اللحظة ..."

أنزل رأسه من جديد نحو الهاتف الذي أبى أن يصمت ويريحني ... قتلني صمته ... دنوتُ منه ... وأحطتُ ذراعه بكلتا يديه ... وقلتُ له :- " إسماعيل ... أتريدني بأن لا أحزن .. بأن أبتسم دائماً ... دعنا نرحل من هنا .. نهرب عنهم جميعاً ... عن جمال .. وعنها ... ونعيش سعداء للأبد .. بدون خوف .. بدون توجس منهم ... "

أخيراً استسلم الهاتف ... وآثر الصمت ... لكن إسماعيل ضل ينظر إليه بصمت وسكون جعلني أخاف منهما ...

مرت الدقائق والصمتُ يقيد شفتيه .. ومع كل دقيقة تمر كنتُ أتكد أكثر فأكثر من أنه لن يفعل شيئًا ... أخيراً أعلنتُ استسلامي .. فحررتُ ذراعه من يديّ... وأدخلتً كلتا شفتيه لفمي .... لأتمالك تلك الحرقة التي انفجرت بداخلي ...

وأغمضتُ عيني بكل ما أوتيتُ من قوة ...

نطق بعد فوات الأوان ... وأكد ما توصلتُ له من إجابة.. وقال:- " بدور حبيبتي .. الأمر ليس سهلاً كما تظنين .. أنت تعلمين بأني حقا أريد أن أهرب بك إلى عالم ..."

رفعتُ يدي آمرة له بالصمت .. فكلماته لا تواسيني .. بل تغرس خيبة الأمل أكثر في قلبي ...

قلتُ بعدها :- " اذهب إليها .. ... قبل أن تشك بشيء... اذهب ... اذهب "

قال:- " بدور حبي .. أنا .."

شمعة
14-09-2010, 11:02 PM
هنا صرختُ بأعلى صوتي عليه .. وأنا أشد الخناق أكثر على عيني المغمضتين ..:- " قلتُ لك اخرج ... اذهب إليها .. ودعني لوحدي.. فأنا قد أعتدتُ على الوحدة ... اذهب إليها .. اذهب .. اذهب .."

فقال وهو يحاول بأن يهدأني :- " حسنا .. حسنا سوف أذهب .. فقط لا تغضبي .. اهدئي .. أنا سوف أذهب ... ها أنا ذا خارج .."

وبالفعل لقد ذهب ... وأكد علي كلامه صوت الباب وهو يغلق .. معلناً رحيله ... وأذن لي بتفجير تلك الدموع الساخنة التي لم أعد أقوى على حبسها أكثر ...


| +* +* +* |



صباح يخفي في طياته أحداث .. وأحداث ..وأحداث ...


آآآآآآآآآآآآه من أين ابدأ الحديث .. حقا أنا لا أستطيع الكلام ... فلا أجد الكلمات المناسبة التي تصف مدى سعادتي اليوم .. لقد ... لقد شاركتني البارحة همومها وأحزانها .. لقد فتحت لي قلبها ... وفوق ذلك تشاركنا نفس السرير لأول مرة ... نامت على حجري ... آآآآآآآآآآآآآآآآآه ... أنا لازلتُ لا أصدق الذي حدث ...

أخذتُ أرش وجهي بالماء .. لأتأكد بأني مستيقظ ولستُ نائماً .. وبأن الذي جرى ليس حلماً نسجه لي خيالي الظمآن .. بل حقيقة جميلة ....

أغلقتُ صنبور الماء .. ورفعتُ رأسي أنظر إلى المرآة ... وابتسامة عريضة تعتلي محياي .. وقد تيقنتُ بأن الذي حصل لم يكن حلماً بل حقيقة . حقيقة لم أتخيلها في أكثر أحلامي تفاؤلا... أمسكتُ بمنشفتي المعلقة بجوار المغسلة ... ومسحتُ وجهي المبلل بسرعة .. حتى أتمكن من العودة إليها .. وإشباع عيني من النظر أليها .. بدون قيود الخوف .. بدون حواجز ... بخطى متسارعة توجهت للغرفة التي تركتها فيها نائمة كالملاك ... دخلت الغرفة والابتسامة تأخذ أكبر حيز من وجهي ... لكن تلك الابتسامة بدأت تتقلص .. حتى بات لا وجود لها ... عندما وجدتُ السرير خاوياً .. بحثتُ عنها بعيني .. لكن لم يكن لها أثر في الغرفة...

خرجت من الغرفة .. وهرولتُ ناحية غرفة الفتيات... لعلي أجدها هناك ... وجدتٌ الباب شبه مفتوح ... لدرجة أمكنتي من رؤيتها والاطمئنان عليها .. عادت تلك الابتسامة تحتل موقعها الطبيعي على شفتي ... كنتُ في صدد أن أفتح الباب كاملاً ... ألا أن يدي تسمرت في منتصف الطريق ... والابتسامة عادت تتقلص ... لترحل ... ويحتل مكانها الصدمة الممزوجة بالمرارة ... وأنا أرى ذلك الشيء اللامع الممسكة به وتقبله بحرارة... والدمع ينسكب من عينها المغمضتين... وتقول آسفة :- " أنا آسفة يا حسن .. أعذرني لقد أخطأتُ.. أخطأتُ .. أرجوك أصفح عني أرجوك..."

من الصدمة جمدت في مكاني ... ومقلتيه تكادان تخرجان من محجريهما.... من الصدمة القاتلة ... نعم قاتلة ...

لم أصح إلا على صوت أختي كوثر:- " علي أنت هنا ونحن نبحث عنك .... هيا الجميع ينتظرك لكي تقلنا للمستشفى .. هيا ..."

كنتُ أنظر إليها .. لكن كلماتها لم تصل إلى عقلي بسرعة ... فهناك حاجز الصدمة يسد طريقها ... كما يبدو بأنها لم تلحظ ما بي .. فقط كانت واقفة بعيدا عني .. في أعلى السلم ... أخذ شيء يشدني .. يرغمني للنظر إليها .... ففعلت ... لتتشابك عيناي بعينيها ... عيناي اللتان ترسمان كل معاني الصدمة .. بعينيها الدامعتين لشخص قد رحل عن هذا العالم ... لم تقل شيئاً اكتفت بالصمت والجمود الذي يكسو تعابير وجهها .. ذبحني فعلها هذا .. ذبحني من الوريد إلى الوريد .. ... أخذ صدري يعلو وينزل ... وهو يدخل وينفذ الهواء بقوة .... اضطربت أنفاسي .. وضاع عقلي في معمعة ما حصل ... كان لابد من أن أذهب عنها في هذه اللحظة.. فأنا لم أعد أطيق النظر إليها .. لم أعد أطيق ... فابتعدتُ بالفعل بخطى واسعة .. والهم يثقل على صدري ...


| +* +* +* |




كنتُ أنظر إلى الفتيات وهن منهمكات في شوي اللحم الذي أعددناه... وسعادة مرسومة على قسمات وجوههن ... تابعت المسير نحو الزوجين عمار وعلياء اللذين كانا يتسمران وهما جالسان بالقرب من النهر .... ومن ثم التفتُ نحو اليمين ... حيث كانت مطر جالسة بالقرب مني ... أخذتُ أتأمل ذلك الشيء المرسوم على شفاهها .. والذي أكد لي نجاح مبتغايّ من هذه الرحلة ... فقط أردت بأن أخرجها من جو تلك الذكرى الأليمة... التفتت هي الأخرى نحوي متعجبة... وقالت:- " لماذا تحدق بي هكذا ؟!!!"
ابتسمتُ لها وأنا أقول بعد أن وضعت ُ أصبعيّ السبابتين على طرفي ابتسامتها المضيء:- " لكي أصور هذه الابتسامة التي افتقدتها "

ضربت رأسي بكفها وقالت ضاحكة:- " إنك مجنون أتعرف ذلك ؟ "

أبعدتُ أصبعيّ عنها .. وقلت لها وأنا أغمز لها:- " نعم مجنون بحب أختي العزيزة "

أحنت رأسها للخلف .. وأطلقت العنان لضحكاتها ..

سعدتُ .. بل طرتُ من الفرح وأنا أراها تضحك من قلبها ... شعرت بنشوة الانتصار حينها .. فقد انتصرت على تلك النقطة السوداء التي تريد أن تخرج للعلن من صندوق ذاكرتها ... أخذتُ أردد في داخلي بكل إصرار: ( لن أسمح لكِ يا أيتها الذاكرة بأن تنعشي تلك الذكرى من جديد .. سوف أحاربكِ بشتى الطرق ... )

قلتُ لها وأنا في نيتي بأن أبعث المزيد من الفرح إلى قلبها :- " أسوف يطول انتظاري ؟"

توقفت عن الضحك ... وقوست حاجبيها بحركة تنم عن التعجب.. وقالت:- " انتظارك لماذا ؟!!"

فأجبتها بقولي:- " انتظاري لاعترافك .. فأنا قد اعترفتُ لكِ بأني أحبك ... وحان دورك بأن تقولي لي بأنكِ تحبيني .. أليس كذلك ..؟ "

هنا رفعت رأسها بزاوية لا تتجاوز الثلاثين درجة .. ونظرت لي بطرف عينيها وقالت:- " لن أقولها .. لأني لا أحبك ..."

تصنعتُ الدهشة وأنا أقول لها :- " إذا أنتِ لا تحبيني ؟ "

فهزت رأسها بالإيجاب...

فقلتُ لها متحدياً:- " حسنا أنا أعرف كيف أجعلكِ تحبيني "

فقالت وقد خطت ابتسامة طرفية:- " كيف سوف تجعلني أحبك؟!!"

فهجمت عليها بدون سابق إنذار .. وأخذت أدغدغها ... وقلتُ لها:- " هكذا سوف أجعلكِ تحبيني "

فعلت قهقهاتها وهي تقول بصوت طغت عليه صوت الضحك:- " توقف أيها المجنون .. توقف .."

:- " لن أتوقف حتى تقعي في حبي ..."

فسقطت على الأرض المكسوة بالعشب وهي تتلوى تحاول بأن توقفني عن دغدغتها... لكني لم أدعها .. تبعتها واستمررتُ في دغدغتها ... وأنا أقول لها أمراً:- " هيا اوقعي في حبي ... هيا ... اعترفي بأنك تحبيني... هيا ... هيا .."

من بين ضحكاتها قالت :- " حسنا .. حسنا يا خالد.. أنا أحبك .. أحبك ... أرجوك توقف..توقف ..."

تلك اللحظة بدون إرادتي ... شيء غريب حل بي ... لا أعلم ما هويته... لكنه شيء أذوقه لأول مرة في حياتي ...


| +* +* +* |



همستُ لعمي مصطفى الجالس بجواري بأني سوف أذهب لأحظر ماءاً يروي ظمأنا .. فنحن ننتظر منذ ساعات كانت كسنوات بالنسبة لنا .. لاستيقاظ أحمد من الغيبوبة التي أبت أن تعتقه.. وتريح قلوبنا ...

هز لي عمي بمعنى نعم ...
فنهضتُ وشرعتُ بالمسير... لكني لاحظتُ صوت خطا متسارعة تتبعني ... فتوقفتُ بعد أن تيقنتُ تماماُ بأن تلك الخطى تتبعني أنا .. فالتفتُ بسرعة لأعرف من هو ملاحقي... فوجدتُ غدير .. التي من أن نظرتُ لها حتى أحنت رأسها للأسفل ...
لا أخفي بأني قد تفاجأت ُ .. لكني في ذلك الوقت .. لم أكن مستعداً للتحدث معها .. ولا حتى
رؤيتها .. فجرحي لم يبرأ بعد ... لهذا أوليتها ظهري لأنهي الحديث قبل بدأه .. وخطوت أول خطواتي ... على أساس أن تتبعها خطوات أخرى ... لكنه لم يحدث .. فقط استوقفني صوتها الهامس :- " أرجوك توقف ... فأنا .. أنا .."

أدخلتُ أكبر قدر من الأكسجين إلى رئتيّ ... لأخمد ولو جزء صغير من نار الغضب المتقدة في صدري جهتها ... وقلتُ لها:- " غدير.. ليس الآن ...أنا لا أستطيع التحدث الآن ..."

فجأة أصبحت أمامي... وقالت:- " كلا الآن .. يجب أن نتحدث الآن... "

هنا زمجرتُ قائلا:- " ماذا سوف تقولين ؟ .. بأنكِ آسفة لجرحكِ لي.."

فردت عليّ من فورها:- " كلا أنا.. لا أقصد ..."

أحسستُ حينها بأن دمي يغلي من شدة الغضب... كورتُ قبضت يدي ورفعتها.... أخذت تحدق بي بذعر يطوق عينيها... لا أعلم كيف قذفتُ بيدي ناحية الجدار .. لأضربه بكل ما أوتيتُ من قوة ....لم أقوَ على النظر إليها .. لهذا صرختُ بها :- " اغربي عن وجهي الآن يا غدير ... اغربي ... اغربي .."
كنتُ خائفاً بان أؤذيها في لحظة غضب .. فأندم مدى الحياة ... سمعت

شمعة
14-09-2010, 11:03 PM
كنتُ خائفاً بان أؤذيها في لحظة غضب .. فأندم مدى الحياة ... سمعتُ أنفاسها تضطرب ... ومن ثم تبعتها خطاها الراحلة ...


| +* +* +* |




ساعة الاعتراف ...

تتبعتُ تلك الأسلاك المحيطة به من كل جانب ... فشعرتُ بقلبي ينقبض .. تنهدت بحزن ... وقلتُ ممسكة بدمعي:- " آآآآآآآآآآآآه يا أحمد ... لا تعلم كم يؤلمني رؤيتك وأنت بهذه الحال... ليتني كنتٌ أنا من تحيط به هذه الأجهزة ولست أنت ..."

انتصرت دموعي عليّ.. ووجدت طريقها للخروج ... مسحتها من فوري وقلتُ بإصرار وعزم:- " لن أبكي.. لن أبكي … فأنت سوف تعود لنا .. أنا متأكدة .. نعم متأكدة …فأنت شخص مقاتل.. لا يستسلم بسهولة …"

نظرتُ إلى وجهه الساكن عن الحركة … تأملته .. فقلما أجد الفرصة سامحة لي للنظر إليه بدون خجل … بدون خوف من أن يلحظني هو .. أو من حولي من الناس … في كل الأوضاع يبدو لي جميلاً… نائما.. صاحيا ً .. فرحاً … غاضباً …

في تلك الدقيقة … عقدت العزم بأن أفشي له الذي حبسته في قلبي زمناً طويلاً …. ابتلعتُ ريقي وأنا أهيأ نفسي لكشف سري له وقلتُ :- " أحمد هناك شيء أخفيته عنك .. بل عن الجميع زمناً طويلاً .. لقد آثرتُ الاحتفاظ به في قلبي .. لكني لم أعد أقوى على حبسه في ( ووضعتُ يدي على قلبي وأنا أسترسل في اعترافي ) قلبي أكثر من ذلك … وكذلك لا أظن أني سوف أتجرأ أن أقوله لك وأنت مفتوح العينين … هذه الفرصة ربما لن تسنح لي من جديد … فأنا وأنت لوحدنا … لا يوجد أحد .. فالجميع ذهب لتناول الإفطار… "

توقفت ُ لبرهة عن الحديث …أبعدتُ يدي عن قلبي … ومددتُها نحو يده الممدودة على السرير أبيض اللون …لكنها توقفت في منتصف الطريق … لكني أصررت عليها للمضي قدماً.. رغم صراخ العقل الرافض لذلك … غلفتُ يده بها … لعلي أستشف من عروقه النابضة ردت فعل لما سوف أكشفه له من سر دفين في قلبي … أخذتُ نفساً عميقاً لعله مع خروجه من صدري يدفع بتلك الكلمات المتحشرجة في حنجرتي … وبالفعل نجحت الخطة … فنفثت الهواء مصحوبا باعترافي:- " أحمد أنا أحبك … أحبك منذ زمن .. منذ كنا صغاراً … نعم أحبك … أحبك.. أحبك … ولا أستطيع أن أحب شخصاً غيرك … صدقني أني لا أستطيع العيش بدونك.. ولا فكرة أن تأخذك امرأة أخرى مني .. لهذا كرهت البتول .. كرهتها من كل قلبي.. لأنني كنتُ أرى في عينك تلك النظرات التي كنتُ أنظر إليك بها ..كنتُ أعلم بأنك تحبها … كان هذا يؤلمني .. يؤلمني كثيراً … والذي آلمني أكثر بأنك لازلت وحتى بعد موتها تحبها …. لماذا أجبني يا أحمد …؟ لماذا لا تزال تحبها ؟ ما الذي فعلته لك حتى تحبها هذا الحب.. ؟ أجبني .. أنا سوف أفعله .. مستعدة لأفعله حتى أحصل ولو على جزء صغير من هذا الحب "

وضعتُ يدي الأخرى على يده الممدودة … أغرقت عيناي بالدمع … وكررتُ سؤالي وكل أمل بأن يجبني …:- " أجبني يا أحمد على سؤالي …. ما الذي في بتول ؟ .. ما الذي يميزها عني.. قل لي "

عصرتٌ يده بقبضتي … وعاودتُ نفس السؤال:- " قل لي يا أحمد ؟؟ أخبرني بالسر … الذي كنتُ أحاول أن أكتشفه منذ زمن بعيد …"

رفعتُ رأسي وقد تيقنتُ تماماً بأنه لن يأتني الجواب لهذا اللغز الذي تعبت ُ من البحث عن مفتاح إجابته …


| +* +* +* |


كانت نفسي ثائرة مما ترى وتجود بغضبها في كلماتها فهذا ما تملكه للأسف:
( يالك من فتاة خبيثة يا ياسمين ... تدعين البراءة والحياء أمام الجميع وأمام أحمد بالذات ... في حين أنك حية رمل... يالوقاحتكِ كيف تمسكين يد أحمد هكذا ؟!! من سمح لك بذلك ؟؟!! أنا لا أستطيع فعل هذا... لكنكِ حية ليس بالغريب عليك هذه التصرفات.... )

كنتُ أنصهر في حمم الغيرة وأنا أراها معه مع حبي أحمد لوحدهما... بدون أحد يفسد عليهما هذا الجو العابق بالرومانسية...

لقد رأتني .. نعم رأتني ... لم أرد أن تراني منافستي وأنا أموت من الغيظ وأنا أراها معه لوحدهما...... فالتفت ُ إلى يميني هرباً من عينيها ونار الغيرة تحرق قلبي... لتقع عيناي على شيء غريب يحدق بي ...

أنه شاب ينظر إلي بكل وقاحة... كم أكره هذه النوعية من الشباب اللعوبين... الذين لا يشغل فكرهم سوى الفتيات... كم تمنيت ساعتها بأن أصفعه ... فنظراته لم ترحني ... فهي نظراتٌ فاحصة ... لكني تراجعت عن عزمي ... فهؤلاء الأشكال إذا تصرفت نحوهم بأي تصرف سوف يعتبرونه انتصاراً بالنسبة لهم ... لهذا لن يتركني لحالي أبداً ... ومن ثم في تلك اللحظة كان مزاجي متعكراً بسبب تلك التي تدعى ياسمين ... لهذا أخذتُ أمسك بأعصابي التي تريد بأي وسيلة بأن تهرب من قوقعة نفسي وتظهر للعلن بصعوبة لن يتخيلها أحد... وذهبتُ بخطى مهتزة فهناك أحساسان يهجمان علي لحظة واحدة في ذلك الوقت ... أحساس الغيرة القاتل من تلك الحية ... والغضب من ذلك الشاب المستهتر ...

مررتُ بجواره ولم أعطه بالا .. فكان هذا من وجهة نظري أكبر رد مني له... فهذه الأشكال لا تستحق بأن أتعب نفسي برد عليها...




| +* +* +* |



|+*| قلـم || شمعة |*+|

|+*| التدقيق النحوي || معلم لغة عربية |*+|

اللهم صلي عليه
22-09-2010, 10:45 AM
بانتظااااااار التكمله باسرع وقت
روايه رائعه جداااااا

شمعة
30-09-2010, 05:50 PM
بانتظااااااار التكمله باسرع وقت
روايه رائعه جداااااا


أهلا بك اللهم صلي عليه بك متابعة جديدة لروايتنا المتواضعة ...
وشكرا على ردك :)
نورتي المكان...

ها هو الجزء 12 يضيء الصفحة ...
أرجو بأن يعجبك ...

شمعة
30-09-2010, 05:52 PM
|+*| الضوء الثاني عشر من درب الكلمات |*+|


كانت نفسي ثائرة مما ترى وتجود بغضبها في كلماتها فهذا ما تملكه للأسف:
( يالك من فتاة خبيثة يا ياسمين ... تدعين البراءة والحياء أمام الجميع وأمام أحمد بالذات ... في حين أنك حية رمل... يالوقاحتكِ كيف تمسكين يد أحمد هكذا ؟!! من سمح لك بذلك ؟؟!! أنا لا أستطيع فعل هذا... لكنكِ حية ليس بالغريب عليك هذه التصرفات.... )


كنتُ أنصهر في حمم الغيرة وأنا أراها معه مع حبي أحمد لوحدهما... بدون أحد يفسد عليهما هذا الجو العابق بالرومانسية...


لقد رأتني .. نعم رأتني ... لم أرد أن تراني منافستي وأنا أموت من الغيظ وأنا أراها معه لوحدهما...... فالتفت ُ إلى يميني هرباً من عينيها ونار الغيرة تحرق قلبي... لتقع عيناي على شيء غريب يحدق بي ...


أنه شاب ينظر إلي بكل وقاحة... كم أكره هذه النوعية من الشباب اللعوبين... الذين لا يشغل فكرهم سوى الفتيات... كم تمنيت ساعتها بأن أصفعه ... فنظراته لم ترحني ... فهي نظراتٌ فاحصة ... لكني تراجعت عن عزمي ... فهؤلاء الأشكال إذا تصرفت نحوهم بأي تصرف سوف يعتبرونه انتصاراً بالنسبة لهم ... لهذا لن يتركني لحالي أبداً ... ومن ثم في تلك اللحظة كان مزاجي متعكراً بسبب تلك التي تدعى ياسمين ... لهذا أخذتُ أمسك بأعصابي التي تريد بأي وسيلة بأن تهرب من قوقعة نفسي وتظهر للعلن بصعوبة لن يتخيلها أحد... وذهبتُ بخطى مهتزة فهناك أحساسان يهجمان علي لحظة واحدة في ذلك الوقت ... أحساس الغيرة القاتل من تلك الحية ... والغضب من ذلك الشاب المستهتر ...


مررتُ بجواره ولم أعطه بالا .. فكان هذا من وجهة نظري أكبر رد مني له... فهذه الأشكال لا تستحق بأن أتعب نفسي برد عليها...


| +* +* +* |








أخذتُ أصرخ في داخلي وقد رأيتها تلتفتُ نحوي.. ( لقد اكتشفت أمري ... لقد اكتشفت أمري ... يا إلهي ...لا أعلم ماذا أفعل .. ماذا أفعل ...؟ )

فكانت ردتُ فعلي بأن طأطأت رأسي خجلا من فعلي ... لقد كنتُ أحدق بها بدون استئذان.. كان تصرفاً أحمقاً لا أعلم كيف فعلته .... لكني الذي أعرفه بأني عندما رأيتها أمام غرفة أحمد تنظر من وراء الشباك... شلت كل أطرافي ... وحدقتُ بها كالأبله ... غير مدرك لفداحة تصرفي هذا...

جاءني صوت خطوات قادمة من جهتها تدنو مني ... ففز قلبي رعباً مما سوف يحصل...فقد كنتُ متيقناً بأنها سوف تصرخ بوجهي... وسوف تجعل الناس يتجمهرون عليه ...

عصرتُ عيني المغمضتين .. وأنا أصرخ في داخلي موبخاً نفسي: ( أحمق... أحمق... ها هي ذا وصلت .. وصلت ... )

بدون سابق إنذار توقف الزمن عندي ... وأنا أشتم ريحاً عطرة تمر من جواري ... فتدخل رئتي .. وبقدرة قادر تصل إلى قلبي فتدب الحياة فيه ....

عقارب الزمن لم تعد للحركة عندي إلا على صوت أختي حوراء وهي تناديني :- " وسام ... وسام .. أخي وسام "

فتحت عيني .. فاستغربتُ من المكان الذي أنا فيه .. لقد فقدتُ الذاكرة لحظتها ...

عادت حوراء تناديني :- " وسام .. ماذا بك ؟ وسام .. أتسمعني .."

نظرتُ إليها وأنا لا أزال غير مدرك لما يحصل من حولي... فأخذت تحدق بي مقوسةً حاجبيها متعجبة:- " وسام ... أخي .. أأنت بخير..."

فأجبتها ببلاهة :- " هااااااااااااااااا "

تحول تعجبها إلى خوف وهي تسألني :- " حبيبي وسام .. ماذا بك ؟ لقد بدأتُ أخاف عليك .."

رددتُ عليها وأنا في متاهة النسيان أدور:- " أنا.. أنا... " وعيتُ لنفسي .. وتدفقت الذكرى لخلدي ... فتلفتُ من حولي بحثاً عنها .... لكن الأوان كان قد فات ..... فشعرتُ بضيق .. فربما كانت هذه أول وآخر مرة أراها فيها ...

جذبتني حوراء من يدي وقالت بذعر واضح وضوح الشمس في صوتها:- " وسام .. أجبني .. أأنت بخير..؟ "

نظرتُ إليها ... واكتفيتُ بهز رأسي بالإيجاب.. لأبعد الخوف من محياها .. في حين أنني أشعر بألم مبرح في صدري ... لكنه ألم محبب للقلب ....



| +* +* +* |





دخلتُ إلى الغرفة قاتمة اللون التي تبعث الكآبة عندما تنظر إليها ..نظرت إليه وهو جالس من وراء الطاولة التي تتوسط الغرفة ونظرة الخزي تكسو عينيه... وبعدها نظرت إلى يديه المتشابكتين اللتين الموضوعتين فوق الطاولة ...واللتين شد الخناق عليهما ما أن رآني ...جلستُ أمامه وأنا لم أبعد عيني عنه غير مصدقة لما سمعتُ ... بدون تحية ولا سلام .. قال:- " كيف عرفتِ ؟ "

رددتُ عليه :- " أخبرني زميلك في العمل عدنان "

زاد من انحناء رأسه إلى الأمام وهو يقول:- " والأولاد .. هل عرفوا ؟ "

:- " كلا .. لم أخبر أحداً "

فزفر زفرة ارتياح ...

كان يجب عليه بأن أدخل في صلب الموضوع.. وأعرف حقيقة الأمر ... فأنا لازلتُ غير مصدقة لما أخبرني به عدنان ...

بتردد قلتُ له:- " سعيد ... أصحيح ما سمعته ؟!! .. بأنكَ سرقت أموال الدولة ...؟؟!! "

حرر يديه من قيدهما .. ورفع أحد يديه ووضعها على جبينه .. وهو يضحك وقال...وأنا متعجبة من ضحكه الذي بدا لي أنه ليس في محله:- " هذا ما يقولونه ... لكن الحقيقة هي بأن هذا حقي.. هذه هي المكافئة التي وعدوني بها منذ خمسة سنوات .. والتي أخذوها مني .."

سألته متعجبةً:- " من أخذها ؟!! "

هنا وبدون مقدمات .. هوى بيده التي كانت على جبينه على الطاولة التي اهتزت من شدة الضربة المباغتة .. وكشف عن عينين يتقدان غضباً .. وقال صارخاً :- " أولائك الذين يلعبون بنا كيف يشاؤون .. أولائك الذين يريدوننا بأن نراهم يأخذون حقوقنا ونظل صامتين ... إنهم يوسف ورفاقه ... الذين لا يرون إلا أنفسهم.. وينسون جهودنا نحن الصغار..."

شمعة
30-09-2010, 05:56 PM
ذلك الاسم جعل قلبي يرتعش من الخوف .. ويضيق صدري ...

فأكمل وهو في أوج غضبه:- " والآن بعد أن حصلتُ على حقي بيدي.. يريدون قتلي..."

اتسعت عيني على ذكر القتل.. فقلتُ له:- " أسوف يقتلونك بسبب هذا ؟؟ لا أظن أن الموضوع يصل إلى القتل ؟!! "

ابتسم ساخراً وهو يقول:- " كل من يخرج عن طريقهم الذي أجبروه على المسير فيه.. حكمة الموت في قانونهم ..."

عاتبته بقولي:- " ما دمت تعلم هذا الشيء يا سعيد .. فلماذا فعلت هذا ؟!! نحن الحمد لله في نعمة وخير.. لا ينقصنا شيء..."
أخذ يهز رأسه يمينا ويساراً وهو ينفي كلامي بقوله:- " كلا .. أنتِ لا تعلمين شيئاً... نحن ينقصنا الكثير والكثير... ينقصنا الأمان والاستقرار..."

:- " سعيد ... مستحيل أن يؤذوك ما دمت تعمل معهم ... أليس هذا كلامك ؟؟!!"

انفجر ضاحكا .. وهو يهز رأسه بنعم ... ومن ثم قال:- " نعم ... هذا الذي كنتُ أعتقده أو بالأصح الذي سمموا أفكاري به .. لكن الحقيقة أنهم لا يهتمون بنا ... والدليل صديقي كمال الذي انفجر بيته منذ شهرين.. أتذكرين ... قالوا بأن المتمردون هم الذين فجروا بيته .. في حين أن الحقيقة أنهم هم فعلوا ذلك ..."

حدقتُ به مذهولة ًمما يدخل أذنيه ... وسألته:- " لماذا .. لماذا قتلوه هو وأهله ؟!! "

أخرج زفرة قوية من صدره ..وهو يقول:- " هذا الذي للأسف لا أعرفه "

:- " ألم أقل لك بأن تترك هذا العمل؟ "

نظر إليه لفترة ليست بالطويلة .. ومن ثم رد عليّ :- " وهل تظنينهم سوف يتركوني وشأني إذا استقلت... لا .. ( هز رأسه بأسى وهو يسترسل في كلامه ) كلا لن يتركوني بسلام ... حتى وأنا معهم لن يتركوني بسلام ... للأسف اكتشفت هذا متأخراً "

شعرتُ بغصة الندم في كلامه ...
لم أعلم ماذا أقول أو أفعل كان لساني ويديّ مكبلين بالعجز ...

سلط علي عيناه .. بنظرة لم أشاهدها من قبل ... فاحترت في معناها .... أخذتُ أنظر إليه بتعجب تجلى على وجهي ... مد يده فأمسك بإحدى يدي الجالسة على الطاولة ... فرفعها .. أنام ظهر كفه على سطح الطاولة ... ووضع يدي عليها وغطاها بيده الأخرى ... وأنا ألعب دور المتفرج المتسائل عما سوف يحصل... ابتلع ريقه ... وكسر صمته بقوله وهو لم يبعد عينيه عني المحملة بتلك النظرة المملوءة بالألغاز:- " سارة .. أنا ... أنا تربيت في عائلة محافظة ... عملية جدا... لا تعترف بالمشاعر ولا بالأحاسيس... وبأنه إذا أحب أحداً منا فلا ياعترف بحبه .. فهذا سوف ينقص من رجولته ... هذا ما علموه لنا والدينا "
توقف .. توقف .. وأنزل عينيه للأسفل ... وأنا قد وصلتُ لقمة الاستغراب الذي لا يخلو من الحيرة ..

لهذا سألته .. رغم ملاحظتي للعذاب الذي يعيشه من أجل أخراج تلك الكلمات... :- " ماذا هناك يا سعيد...؟!! ماذا تريد أن تقول لي؟؟؟!! "

رفع عينيه إليّ ... أدخل شفتيه العليا والسفلى لفمه ... ومن ثم أخرجهما ... ليفتح الطريق لكلماته:- " الذي أريد أن أقوله لكِ .. بأني .بأني.... بأني أحبكِ... نعم ... أحبك يا سارة..."

حدقت به مشدوهات ....وأنا في حيرة من أمري ... بين المصدقة وغير المصدقة ... قلتُ لنفسي بالتأكيد أني أحلم ... فطوال تلك السنوات التي عشتها معه كزوجة لم أشعر بأنه يشعر بشيء اتجاهي يسمى الحب...

سألني:- " ماذا بكِ تحدقين بي هكذا ؟!!! "

فسألته فأنا لأعلم إذا كنتُ أحلم .. أم هو حقيقة ما سمعته يخرج من فمه:- " تحبني ؟؟!!! "

هز رأسه بالإيجاب..وقال:- " نعم منذ زمن "

وضعتُ يدي على فمي وأنا أغوص في صدمة الحقيقة غير المتوقعة...

شد على يدي المحبوسة بين يديه ..وقال:-" نعم ..أحبكِ " كأنه عرف بأني غير مصدقة لما سمعته منه...

نظرتُ إلى يديه المحيطتين بيدي من أعلى وأسفل .. ومن ثم رفعت عيني نحوه بحاجبين مقوسين للأعلى ..وقلتُ له :- " لماذا الآن ... لماذا تعترف لي الآن ؟!! "
ابتسم باقتضاب ...وقال:- " طوال لليلة البارحة كنتُ أفكر وأنا في زنزانتي بالأشياء التي سوف أندم إذا لم أفعلها و أنا أرى الموت أمامي ... هناك أشياء كثيرة خطرت في بالي ... لكني وجدتُ أن أكثر شيءٍ كنتُ سوف أندم عليه هو أن أجعل حبك حبيساً هنا " وقد كان يقصد بهنا .. قلبه .. الذي أشار له بسبابته...

تهاد الدمع إلى خارج مقلتي دون أمري .. فساحت لتمر بوجنتيه ... وأنا أسمع وأرى شيئًا زلزل مشاعري بقوة...

وهو الآخر كانت عيناه مخنوقتان تريدان أن تفيضا بالدمع لترتاحا.. لكنه ظل يقاوم ... ويقام حتى لا تخرج... فغريزة الرجولة كانت أقوى ...

دخل الشرطي .... قائلاً بأن الزيارة قد انتهت..... في حين أنها بالنسبة لي قد بدأت الآن ... أمسك بمعصمه .. فجذبه لكي يقوم ... فاستجاب له سعيد.... أقتاده إلى الباب أمام ناظري... توقف سعيد والتفت إلى الوراء حيث كنتُ وقال:- " سارة .. أيمكنني بأن أطلب منكِ طلبا ؟ "

شمعة
30-09-2010, 05:57 PM
فجاءه ردي سريعاً:- " بالطبع "

ملأ رئتيه بما قدر عليه من الأكسجين... ليحرره بصورة أخرى مصحوبا بالكلماتِ:-" لا تزوريني مرة أخرى... فلا فائدة من زياراتك ... فأنا رجل حكم عليه بالموت ... انسيني ... وجعلي وسام وحوراء ينسوني ... أرجوكِ نفذي هذا الطلب "

اتسعت حدقة عيني لهذا الطلب ... وأنا أقول في داخلي ...:( أتريد مني أن أنساك بعد أن وجدتك...؟!! )

صرخ به الشرطي بضيق:- " هذا يكفي .. هيا .. يجب أن تذهب لزنزانتك الآن " وسحبه بقوة من ذراعه...
فما كان من سعيد ألا ليرضخ له... لكنه قبل أن يخرج ألقى علي كلمة:- " الوداع "
وغاب عن ناظري...


| +* +* +* |




انهيار الجبل ...
الساعة الثانية عشر ظهراً...

وجدته بعد طول بحث في أحد أروقة المستشفى المطلة على شبابيك عدة تمتد من بداية الرواق إلى نهايته... كان ينظر إلى ما وراء تلك الشبابيك ... اقتربتُ منه وأنا أقول:- " أنت هنا ونحن نبحث عنك ... وعندما نتصل بك لا ترد .."

برد فعل غريب أخذ يبعد وجهه عن مرآي...وفوق ذلك لم يرد علي.... استغربتُ من فعله .. أحنيتُ رأسي للأمام لأرى ذلك الوجه المخفي ... لكنه استمر يشيح بوجهه بعيداً عن عيني ... شعرتُ بتصرفه هذا بأن خطباً هناك... أمسكتُ بكتفه .. وسألته:- " علي أهناك شيء؟!! "

أيضاً لم يجبني ... ظلت شفتاه منطبقتين...

بدأتُ أخاف ... ولكي أضع حداً لخوفي الذي بدأ لتوه أول خطواته إلى قلبي... أخذتُ أجذبه من كتفه .. لأجبره على الالتفات إلي ... وأنا آمره بقولي:- " انظر إلي يا علي ...علي انظر إلي "

قاوم جذبي .. وظل مصراً على إخفاء وجهه ... ظللنا بين جذب من قبلي ورفض من قبله.. حتى أنهى هذا الصراع بصوته المكبل بالحزن:- " اتركيني بحالي "

ذهب الشك وحل محلة اليقين في قلبي ... أخي يشكو من شيء ... وشيء كبير لدرجة أن صوته اهتز بالحزن..
:- " أخي ماذا بك؟؟!! .. أحصل لك شيء .. أخبرني .. ؟"

أومأ برأسه بلا ... وقال بصوت أشد خنقة:- " اذهبي أنا بخير.."



هذه المرة باغته بسحبي له لجهتي... لتنكشف لي عيناه الدامعتان ... حاول أن يغطي دمعه بيده ... لكن بعد فوات الأوان ... شعرتُ بوجع في قلبي .. فأخي لا يبكي بسهولة.. بالتأكيد أنه أمر جلل جعل عينيه تذرفا الدمع ...

:- " أخي..أتبكي ...لماذا ؟؟!! " كنتُ أنظر إليه والدهشة ملء وجهي ....
أشاح بوجه إلى ميمنة... ماسحا دمعه.... جامد الشفتين ...

حاولتُ سحب الكلام منه بقولي:- " علي ... أخي .. هذه أنا..أختك كوثر .. التي لا تخفي عليها شيئاً .... أخبرني .. فضفض لي "

نظر إلي لفترة ليست بالقصيرة.. كأنه يشاور عقله .. أيخبرني أم لا ...

تنهد تنهيدة طويلة ... لا تخرج إلا من صدر مثقل بالهموم والأحزان ...

واختار البوح بما في صدره :- " أنا خائف يا كوثر ... خائف بأن استسلم... وأصغي إلى عقلي .. وأدوس على قلبي ... أنا حقاً خائف... لا أريد بأن أترك هذا الشعور الجميل... لكنها هي.. هي لا تريد أن تفتح لي المجال لأسكن قلبها... دائما تصدني .. دائماً "

كنتُ في قرارة نفسي أعلم بأن الموضوع الذي جعل دموع أخي تخرج له صلة بغدير...

في ذلك الوقت لم أجد كلاما يواسيه... فلا أملك في قاموسي اللغوي كلمة تواسيه تشد من أزره ... وتبعث الأمل إلى قلبه المهموم ... وضعتُ يدي على كتفه وشددت قبضتي عليه ... وأنا أقول له بعجز :- " لا أعلم ماذا أقول لك يا أخي ...لا أعلم حقاً .. لكن الذي أعلمه حقاً .. بأني مستعدة للإصغاء لك ... لا تكتم همك في قلبك ... شاركني إياه ... فإن الكتمان هو الذي يتعب ... ويزيد الهم هماً .."

طبطب على يدي وهو يقول بابتسامة صفراء .. تنقصها الحياة ... وقال:- " هذا يكفيني يا كوثر .. يكفيني ..."

رن هاتفي النقال ... كنتُ حاملته في إحدى يدي ... فألقيتُ عليه نظرة .. لأجد رقم محمد... فتذكرتُ سبب بحثي عن علي ... فرفعتُ رأسي نحو علي وقلتُ له :- " لقد نسيتُ أن أخبرك بأن الطبيب للتو قد تحدث مع العم مصطفى .. و كما يبدو بأن هناك أخباراً جيدة"

شمعة
30-09-2010, 05:58 PM
فوجدت وجهه قد بانت عليه بداية الابتسامة.. وعينيه كسرتا نظرة الحزن تلك ... وقال معاتباً:- " أهذا أمر ينسى يا كوثر ... هيا بنا .. هيا لنرى ما حدث .."

حقا سعدت برؤية أول خيوط الفرح بادية على وجهه... لكني كنتُ متأكدة بأنها فرحة ناقصة... فذلك الحزن القابع في قلبه .. لم يرحل بعد ... بل سوف يكبر ويكبر ويكبر .. لدرجة لن يسعه قلبه المنهك ... حينها لا أعلم ما الذي سوف يحصل لأخي ... وهذا الذي كان يخيفني ... بل يرعبني ...



| +* +* +* |




عودة الماضي ...

الساعة الثانية من الظهيرة ...


دخلتُ كأسد مفترس غير آبهة لصراخ واحتجاج السكرتير الذي كان يلاحقني.. رأيته .. نعم رأيته بعد مضي كل تلك السنين .. كان جالساً وراء طاولته الضخمة ... وفي يديه حزمة من الأوراق ... ما إن رأيته حتى مر شريط الذكريات أمام عيني ... ذكريات الدموع والأحزان ... تسمرتُ مكاني أمام تلك الذكريات الكريهة ...

أما هو ما إن رآني ... وقف والصدمة تصبغ وجهه ...

قال السكرتير:- " سيدي ... لقد حاولتُ أن أمنعها من الدخول .. لكنها دخلت دون أن تصغي لكلامي ... أنا ..."

توقف عن الكلام بحركة من يده ... نظر نحو السكرتير الواقف بجواري .. وقال له :- " أخرج .."

أما أنا فقط ظللتُ على حالي ... مشلولة الحركة... ساكنة اللسان... لقد تبخرت كل تلك القوى التي كنتُ أشحذها قبل دخولي له... لازال يرهبني .. لازال يخيفني للأسف ... حتى بعد مضي تلك السنين الطوال...

أما هو فقد كان يحدق بي بعينيه المتسعتين ... ولازالت الصدمة لم تفارقه ... ابتلع ريقه قبل أن يشرع بفتح فمه.. وأعلن لغة الكلام :- " س... سارة ... أمعقول ..؟!! أهذه أنتِ ؟؟!! "

بدأ خوفي يكتم على أنفاسي ... وقلبي ينبض بسرعة تضاهي سرعة الضوء... كان نفس ذلك الشعور الذي شعرة به تلك الليلة.. تلك الليلة السوداء ... كان الخوف أكبر من عزيمتي ... فآثرت التراجع قبل أن أبدأ القتال... فخطوت للخلف ... صورته حرقت ذلك الشريط القادم من الماضي المؤلم أوقفتني ... صورته وهو يقول لي وداعاً ورحل عن ناظري ... تلك الصورة فجرت مصدر آخر من القوة في داخلي ... جعل تلك الأنفاس المسلوبة ترجع لوتيرتها الطبيعية .. وذلك القلب النابض بالخوف ... بات ينبض بوقود الإصرار والعزيمة .. خطوتُ بثبات نحوه .. ووقفتُ أمامه .. ولم يفصل بيننا سوى الطاولة ... وهو ينظر إليه باستغراب ... لم أعره اهتماماً ... ونفذتُ قوتي في كلماتي .. قائلة:- " نعم .. أنا سارة ... جيد بأنك لا تزال تذكريني "

أنزل رأسه ناحية الأوراق التي في يده .. فوضعها جانبا ً ... ثم رفع عينيه نحوي .. تلك العينين اللتين تجسدان الشر بعينه...وقال وقد بدأ وجهه يتحرر من علامات الصدمة:- " ما الذي جاء بك ؟!! أهو الماضي...؟ أتريدين أن تفتحيه من جديد..؟ "

رددتُ عليه بسرعة .. وبصوت ثابت .. لم تأثر به ذكر سيرة الماضي :- " كلا ... أنا لم آتي لأتكلم عن الماضي .. ولا أريد أن أفتحه من جديد... فقد جاهدت لسنوات وسنوات .... لكي أنساه ... رغم أنه من الصعب أن ينسى... أنا جئتُ لكي أكلمك عن شخص .. قمتم بالقبض عليه ليلة البارحة .. يدعى سعيد سعد ..."

أخذ يتذكر ... ومن ثم قال:- " آآآآآآآآآآآه .... سعيد سعد .... ذلك الخائن ... لماذا تريدين أن تكلميني عنه...؟ ومن ثم من هو بالنسبة لكِ كي تحدثيني عنه ..؟ "
قالها بأسلوبه الساخر السخيف الذي كما يبدو لم يتركه ...

رغم ذلك الغضب الذي أنفجر كبركان ثائر في داخلي إلا أنني جاهدت بألا أخرجه له ... فأنا أعلم بأنه سوف يستمتع برؤيتي وأنا أموت من الغيظ .. فهذا غذاؤه.. وقلتُ له بهدوء أعصاب :- " هذا ليس من شأنك ... المهم هو بأن تطلق صراحة ... هو لم يأخذ إلا حقه .. الذي أنتم سلبتموه منه ... ومن غيره من الضعفاء "

ما إن أنهيت كلامي حتى انفجر ضاحكاً ... وأخذ يصفق ... ومن ثم جلس على الكرسي .. وضحكه الذي زاد من غضبي يصاحبه ..أسند رأسه على الكرسي ... توقف عن الضحك و قال بعد أن وصلت قمة الغضب عليه:- " جميل .. جميل حقا ما قلته .. ضعفاء ... أتسمين أولئك ضعفاء ...
( أبعد رأسه عن الكرسي ... ونظر إلي وابتسامة شيطانية على شفاهه .. وأكمل كلامه ) هؤلاء الذين تقولين عنهم ضعفاء كانوا سيتغدون بنا ويجعلونا عظاماً ويرمونا في الشارع بدون أن ترف لهم رمش ..."

في تلك اللحظة تحررت تلك الحمم البركانية من الحواجز التي كنت ابنيها لكي لا تخرج للملأ... دروعي لم تعد تقوى على كبتها أكثر... فتدفقت لتخرج له في لحظة فقدت فيها رباطة جأشي .. واستسلمتُ لحرقة الماضي ...وقلتُ له : - " كما فعلت بي ... أليس كذلك ... ؟!! أخذتني لحماً ..ورميتني عظاماً بدون أن يرف لك رمش ... أمنتك على كل شيء .. على قلبي وروحي ونفسي .. فماذا كان جزائي ؟ ... بأن دنستني ...

( بدأتُ أحس بحشود الدمع تريد أن تقفز من مقلتي وأنا أخرج كل ذلك الألم والوجع والحقد والكراهية التي تراكمت في صدري لأعوام وأعوام ) ولم يكفك بأنك قد لوثتني... بل تركتني ورحلت ... غير آبه بما سوف يحصل لي... جعلتني أواجه أهلي ... لوحدي ... كم شعرتُ بأني قذرة ... عندما علم أهلي بالذي جرى
( حضنتُ نفسي بيدي ... وأنا أشعر بالمراراة .. كأني أعيش تلك الذكرى من جديد ) لقد حكمت على سارة المرحة... الحالمة ... المحبة... بالموت .. بالموت ... وبالفعل ماتت .. وحلت محلها سارة متحجرة القلب ... القاسية .. التي لا ترى في هذا العالم إلا نفسها فقط ... ومن كانت الضحية .. بتول ...التي كلما رأيتها تذكرتك تذكرة خداعك.. وجرمك ... "
هنا لم أقو على الإكمال فحنجرتي باتت ترتجف أمام عصف البكاء الخانق ... وللأسف انهرت أمامه ... لم أرد أن أريه ضعفي ... لكني فعلتُ .... فعلتُ للأسف ... وانهرتُ باكية ... فجروح الماضي تفتقت من جديد ... ولا سيما ذكرى بتول التي لم تندمل بعد ...

لم أرد بأن أجعله يتمتع برؤية ضعفي أكثر... فهرعتُ خارجةً ... دائماً أفشل أمامه.. دائماً هو ينتصر عليه ...

لا أعلم كيف خطرت في عقلي هذه الفكرة الغبية ... وأنا أعلم بأني سوف لن أتغلب عليه ... لن أتغلب على هذا الكائن الجليدي ... الذي لا يعرف معنى المشاعر و الأحاسيس الإنسانية ...

شمعة
30-09-2010, 06:00 PM
| +* +* +* |




لقد توجسنا من رؤية الطبيب وهو يرافق عمي أبا أحمد... لكن تبدو على عمي والطبيب علامات تبشر بالخير... رغم وجود الحزن والألم في عينيه...

تقدمنا إليه جميعًا بمجرد أن ذهب الطبيب... بينما العم مصطفى جلس بتثاقل على الكرسي الذي في آخر الرواق...
سألته الخالة غيداء بلهفة...:"ما الأمر؟؟!. هل أحمد بخير؟!.."
صمت العم قليلاً قبل أن يجيب بشيء... فانهالت دموع خالتي غيداء دون أي رادع... وهي تسأل من جديد...:"هل أحمد بخير يا مصطفى؟!!. أرجوك أجبني..."

أخيراً أجاب... بعد أن أخذ نفساً قوياً... :"الحمد لله... لقد تعدى مرحلة الخطر... وهو الآن بصحة جيدة... تقريباً"

ماذا يعني تقريباً؟!!...

قفزت أختي ياسمين سائلة...:"ماذا يعني ذلك؟!!.."
نظر لها العم وهو يقول...:" آآآه... هناك احتمال كبير بأن يواجه أحمد صعوبة في تحريك يمناه..."
صاعقة ضربتنا جميعاً... أولنا الخالة غيداء التي تهاوت مستندة على الحائط الذي خلفها وهي تتمتم...:"إلهي لك الحمد والشكر..."

لازالت الخالة غيداء تحاول أن تظهر تماسكها... وتتحلى بالصبر والشجاعة... لولا دموعها الهاربة من مقلتيها... إلا أنها لم تكن كتلك السيدة التي صرخت ومزقت ثوبها مساء الأمس على فقد ابنتها... كان منظرها يقطع القلب... فابنتها قتلت بسبب الإرهابيين الذين اختطفوها في إحدى الشوارع...

النبأ لم يكن ساراً كما كنا نعتقد... بل كان مؤلماً جداً...
نظرت حولي لأرى الدموع تحيط بي...

فجأة صرخ بنا عمي مصطفى قائلاً:- " لا أريد أن أرى الحزن على وجوهكم ... يجب أن نحمد الله بأنه عاد لنا من الغيبوبة ... أما بخصوص يده .. ما الذي جرى .. ؟ لم يحصل شيء... هو أحمد نفسه ... اسمعوا جميعاً ..وأنتِ بالأخص يا أم أحمد ... ( ووضع يده على كتف خالتي غيداء المنهكة من البكاء وقال ) هذا هو نفسه .. لم يتغير .. والذي يقول عكس ذلك ... لا أريده بأن يدخل على أحمد .. ولا حتى أن يكلمه ... أسمعتم ... " قالها وهو ينقل بصره للواحد تلو الآخر ...

هززتُ رأسي بنعم ...

ومن ثم قال:- " أنا سوف أدخل إليه ... ومن يريد أن يدخل معي إليه .. لا أريده أن يذرف دمعة واحدة أمامه ... مفهوم "

لم أنتبه لما حصل بعد ذلك ... فخوفي عليها كان أقوى من كبرياء .... كان يجب بأن أطمأن عليها .. وأريح قلبي الذي أرهقني بندائه ... فأنا كنتُ متيقًا بأنها منهارة الآن.. فهي مرهفة الإحساس .. لا تتحمل .. بسرعة تنهار ... كيف الآن وقد عرفت بأن أخاها بات مشلول اليد ... بالتأكيد إنها ميتة من البكاء.. أخذتُ نفساً عميقاً مهيئاً نفسي لرؤيتها فأنا كنتٌ أتحاشى رؤيتها منذ عدنا أنا وكوثر.. التفتُ إلى الوراء حيث كانت واقفة .. فأحسستُ بأن روحي تخرج من جسدي .. وأنا أراها تبكي بحرقة .. وحيدة .. بلا صدر يحويها .. ويهدئها ... شيء في داخلي أخذ يسحبني نحوها ... وبقوة ... وبالفعل استسلمتُ له ... وبدأتُ أخطو نحوها ... لكن صفعتها لي لاحت أمام ناظري .. فوعيتُ لنفسي ... وتذكرت كبريائي الذي كدتُ أدوسه من جديد ... كم كان صعباً أن أقف مكتوف اليدين وأكتفي بتفرج .. وأنا أراها بهذه الحال التي تدمي قلبي .. لكن سوف يكون أكثر صعوبة أن أدوس على كبريائي مرة أخرى ... كبريائي الذي تعذب معي كثيراً فعذبني ... آآآآآآآآآآآآآه ما أوجع نداء القلب ... أنه يؤلم .. يؤلم ...

كان لا بد من أن أسكته ... فما كان مني إلا أن التفتتُ إلى يميني ... حيث تقف أختي كوثر ... التي وجدتها تنظر إلي ... فسألتها العون بعيني ... فاستجابت لسؤالي.. وهزت رأسها بنعم .. وذهبت إلى غدير .. وأحاطتها بذراعيها وضمتها إلى صدرها .. وأنا أنظر إليهما من بعيد...



| +* +* +* |



عشية ذلك اليوم الطويل المثقل بالأحزان .....

كنتُ لا أزال أعاتب نفسي على فعلي .. وفي نفس الوقت أشعر بخوف لا يخلو من حزن يغلف قلبي .... كم تمنيتُ بأن أخبر أحداً بما يحصل لي .. لعلي أرتاح .. وأجد حلا لمصابي ... لكني لم أستطع فما فيهم يكفيهم ... وبالتأكيد لا أستطيع أن أخبر وسامًا وحوراء ... فكيف أخبرهم بأن أباهم سوف يقتل ؟؟؟.. صعب .. صعب ...

رن هاتفي النقال ... قمتُ بتثاقل من الكرسي فالإنهاك من كثرة التفكير قد تفشى بجسدي .. وذهبتُ إلى الطاولة التي تبعد ثلاث خطوات عن المكان الذي كنتُ أجلس فيه ... أخذتُ الهاتف من على الطاولة ... رأيتُ الرقم .. لقد كان رقماً غريباً .. لم أره من قبل.. لهذا لم أرد عليه ... ضل الهاتف يرن ويرن .. حتى توقف ... عدتُ لأجلس على الكرسي .. فقدماي لم تعودا تقويا على حملي... علا صوتُ رسالة تنذر بوصولها لهاتفي... نظرتُ إلى هاتفي .. لأجد نفس الرقم الغريب على الشاشة ... قوستُ حاجبي إلى أعلى مستغربة .. فتحتُ الرسالة ... ووجدتُ التالي فيها:

( قابليني في أول الشارع المطل على منزلكم ...إذا كنتِ تريدين أن يعيش زوجك... سوف أكون بسيارة حمراء اللون ... يوسف .. )

فشهقتُ من الصدمة ....



| +* +* +* |



بالفعل كانت هناك سيارة حمراء اللون تقف في أول الشارع .. أنه هو ... لا يفصلني عن تلك السيارة إلا عشر خطواتِ فقط ...

كان الشارع خاويا من المارة ... والظلمة تبسط جناحها في أرجاء المكان ... أخذتُ أعي لفعلي المتهور شيئا فشيئاً .. حتى توقفت عن المشي ... وعقلي يصرخ بي... ( آيتها الحمقاء أتذهبين إليه برجليكِ كما فعلتِ في الماضي ... أتكررين خطأك مرة أخر...)

أخذ صوت نبض قلبي يصل إلى مسمعي من شدة نبضه... كنتُ خائفة .. بل مرعوبة ...فقلتُ في نفسي : ( إنه غدار... فعلها مرة .. والله يعلم ماذا سوف يفعل هذه المرة ...)

عزمتُ أمري ورجعتُ أدراجي ... لكن صوتُه الذي ناداني أوقفني عن المضي بعيداً عنه :- " سارة .. إلى أين أنتِ ذاهبة ..؟"

لم أعر لسؤاله بالا .. فعدت أكمل طريقي .. لكن بخطى أوسع من قبل ...

عاد يناديني :- " سارة .. توقفي .. سارة ..."

لكني واصلت المسير ..

تناهى إلى مسمعي صوت خطواتِ قادمة من جهته ... فقلتُ في داخلي: ( أيتبعني ... لااااا ) فأشتد خوفي ... فأسرعت في المسير ...

خطواته هو الآخر أخذت تتسارع ... وهو يناديني :- " توقفي سارة .. سارة .."

شمعة
30-09-2010, 06:01 PM
فتحتُ عيني أوسع ما يكون .. وأنا أسمع صوت خطواته قريبة مني ... فأسرعت الخطى غير منتبهة لما حولي .. ففكري كان محصورا به ... كان يجب أن أهرب منه ...

أصم أذني صوت بوق سيارة ... فنظرتُ ناحيتها فعشيّ ضوءها القوي عيني.. لقد كانت بمقربة مني ... توقف عقلي عن العمل في تلك الدقيقة ... لقد شعرتُ بقرب نهايتي ... إلا أن يداً طوقت معصمي .. وانتشلتني من الموت المحتم ... التطم رأسي بشيء صلب .. فتحتُ عيني اللتين أغلقتهما منتظرة نهايتي ... فوجدتُ نفسي في حضنه ...

فتحتٌ عيني على مصراعيهما من الصدمة ... ودفعتُ بجسدي بعيداً عنه ... إلا أن معصمي كان مقيداً بقبضة يده .. فسحبته بكل ما أوتيتُ من قوة لأحررها... وصرخت به قائلة:- " كيف تفعل هذا ؟!! أيها القذر "

فرد على صراخي بصراخ وقد كان عاقد الحاجبين:- " إذا لم أفعل هذا .. لكنتِ في عداد الموتى..."

نظرت إليه بنظرة تتقد بحطب الكراهية .. وقلتُ له:- " أفضل الموت على أن تلمسني.."

توقعتُ بأنه سوف يصرخ بي أو أنه سوف يرفع يده ويضربني ... لكني تفاجئت بصمته ... أغمض عينيه وأخذ يجذب الهواء لصدره ويخرجه بسرعة... أخذ يكرر هذا الفعل لدقيقة تقريباً ... وأنا أحدق به بتوجس ...

أخيراً فتح عينيه ... ورماني بتلك النظرة التي جعلت أوصالي تحتك ببعضها البعض... وقال بصوت أقل حده من قبل:- " أنا لم أطلب منك المجيء لمقابلتي لكي نتشاجر... أنا جئت لكي نتحدث .. نتحدث وبهدوء... لهذا تعالي لسيارتي ودعينا نتحدث "

ازدرتُ ريقي وأنا أعترف له بشكي:- " ما الذي يضمن لي بأنك لن تغدر بي .. كما .. كما فعلت من قبل؟ "

نظر إلي لبرهة ..ومن ثم أنزل عينيه للأرض وقال:- " أقسم لكِ بأني لن أؤذيك "

تبسمتُ ساخرة من قسمه وقلتُ له:- " تقسم ... أتظن بقسمك سوف أصدقك ؟ أنت إنسان مخادع .. مستعد أن تفعل أي شيء حتى تحصل على غايتك .. . حتى لو تطلب الأمر أن تقسم .."

رفع عينيه نحوي بسرعة... كانت عيناه تحملان غضباً عارما ً .. فأدركتُ بأني تماديتُ في كلامي معه ..

فعدت أزدرد ريقي ... وقلبي مقبوض من القادم ...

زفر زفرة قوية ... وقال وهو يوليني ظهره بنبرة صوت غلفها الضيق:- " كما تشائين .. لا تأتين ... وانتظري غداً خبر موت زوجكِ "

وذهب ناحية سيارته .....

أما أنا فشعرتُ كأن صاعقة التطمت بي ... وأنا أسمع كلمة الموت...

رميتُ بخوفي وكرهي وكل شيء جانباً .. وقلتُ له:- " حسنا يا يوسف فلنتحدث "

التفت نحوي فكشف عن ابتسامة نصر على محياه وهو يقول:- " لماذا لم تقولي هذا الكلام من قبل ؟ أكان يجب أن تفعلي هذا الفيلم ؟ "

طأطأت رأسي ... وأنا أشعر بالخزي .. لقد انتصر علي مرة أخرى ... ورضختُ له من جديد ...

قال:- " هيا .. فالوقت يمر .."


رفعتُ رأسي فوجدتهُ قد فتح الباب المجاور للسائق ... وعاد يقول لي:- " هيا يا سارة .. أغيرتِ رأيكِ ؟!! "

أخذتُ أمشي بخطى متثاقلة ... وعندما بتُ بالقرب من السيارة ... فتحتُ الباب الخلفي للسيارة .. وجلستُ على المقعد الخلفي منكسة الرأس .. وأغلقتُ الباب بتردد .. سمعته يقول:- " حسنا كما تشائين .." وتبع كلامه صوت الباب وهو يغلق ...

ثم ما لبث وأن عاد صوت الباب يفتح من جهة السائق ... ومن ثم صوته وهو يغلق ... رفعتُ عيني جزئياً لأراه يوجه المرآة المتواجدة في كبد شباك السيارة الأمامي ناحيتي ... ومن ثم قال:- " أسوف تظلين منكسة الرأس هكذا طوال حديثنا ..؟ ارفعيه ..فأنتِ تعلمين جداً بأني لا أحب أن أكلم أحداً وأنا لا أرى وجهه "

رفعتُ رأسي وقد وصلتُ حدي من الغضب الذي لم أعد أقدر على تحمله.. لهذا أردتُ أن ندخل في صلب الموضع وأنتهي من هذا اللقاء الذي يكتم على صدري:- " بماذا تريد أن تحدثني ؟"

أخذ ينظر إلي من خلال المرآة..وقال:-" كما قلتُ لك .. عن زوجك .."

فقلتُ له:- " كيف عرفت بأنه زوجي؟! "

أطلق ضحكة سخرية قبل أن يقول:- " أتظنين أن هذا الشيء سوف يصعب علي...؟!! "

ضحكت على نفسي أنا أيضاً.. فقلتُ له بسخرية :- " هذا صحيح .. كيف أنسى ؟ أنت يوسف الكل في الكل في البلاد .."

رفع عينيه من جديد ينظر إلي من تلك المرآة.. وقال:- " وأعلم أيضاً بأن لديكم بنت وولد ... حوراء .. ووسام "


لا أعلم كيف ابتسمتُ وأنا أقول له:- " كما يبدو بأنك لم تدع شيئاً لم تعرفه عني ؟ "

كان لا يزال مسلطا عينيه علي من خلال المرآة .. تلك العينان اللتين تشعر بأن الشر يتجسد بهما ...

ظل ينظر إلي .. بصمت ... وأنا أترقب منه أن يقول شيئاً بخصوص سعيد ... طال صبري ... وطال صمته ... ونظراته المصوبة ألي التي لم ترحني ...

قتلتُ الصمت بكلامي نافذ الصبر :- " أجعلتني أدخل السيارة لتنظر إلي فقط ... ؟!! "

تحررتُ أخيراً من عينيه ... وعاد صوته الكريه يغتصب طبلتي أذني :- " كلا ... سارة أنا أريد أن أتكلم معك بخصوص ... ( عاد للغة الصمت القاتل )

أردتُ بأن أنهي هذا العذاب الذي أعيشه .. فأنا منذ جلستُ في السيارة وأنا أشعر بأني أجلس على جمر ... فأردتُ أن أصرخ به قائلة :- ( لماذا لا تتكلم وتريحني ...) وبالفعل كنتُ قد فتحت فمي لأقول ما في قلبي ...

لكنه أكمل قائلاً بصوت أقرب منه إلى الهمس:- " أنا أريد أن أتكلم معكِ بخصوص بتول.. "

بذكر اسمها شعرتُ بأن قلبي توقف عن الخفقان ...

هذه المرة لم ينظر إلى انعكاسي على المرآة .. بل التفت إلى الخلف حيث كنتُ جالسة ... وقال:- " أهي .. أهي حقاً ابنتي ..؟!! "

شعرتُ بحرقة ....

بوجع ...

بألم ...

بأن الدنيا مظلمة ...

شمعة
30-09-2010, 06:02 PM
لم أعد آرى شيئاً من حولي ... سوى السواد ...

أغمضتُ عينيي ... فشعرت بشيء ساخن يفرز منهما...

عاد ليسألني:- " لماذا لا تجيبيني... أهي ابنتي ..؟ " كان نفاذ الصبر واضحا في نبرة صوته ...

لم أجبه ... وكما يبدو بأن صمتي قد أثار غضبه .. لهذا أمسك بمعصمي بقوة .. فتأوهت متألمة ... وهو يقول بغضب :- " أجيبيني .. أهي ابنتي..؟ "

لم أعد قادرة على تحمل الألم الصادر من معصمي الذي شعرتُ بأن عظامي سوف تتكسر من قبضته.. فقلتُ له وأنا أصرخ من الألم :- " نعم ابنتك .. للأسف هي ابنتك.. ابنتك.." وانهرتُ باكية ...

أطلق صراح يدي .. التي ما أن تركها حتى أحطتها بيدي الأخرى.. وأسكنتها صدري... لمحتُ الصدمة قد شلت وجهه ... عاد ينظر إلى الأمام ...

رجع الصمت يسكن المكان ...

وعادت الكلمات تقتله.. لكن هذه المرة منه:- " لماذا لم تخبريني..؟!!"

نظرتُ إليه مستغربة من سؤاله .. وبصوتي الذي لم يخلُ من نبرة البكاء:- " أتسألني ... ؟!! .. أنا التي يجب أن أسألك أين هربت .. أين ذهبت بعد تلك الليلة ... ومن ثم أكنت سوف تساعدني إذا علمت بحملي ...؟ ( هززتُ رأسي بلا وأنا أقول ) لا ... بالتأكيد لا "

لم أتمكن من أن أرى تعابير وجهه ... فقط كان مولياً ظهره لي.. ومنكس الرأس على غير عادته ...

قال:- " لماذا إذا هي تحمل اسم ابن عمك .. الذي كان سوف يتزوجكِ ؟؟!! "

قهرني أسلوبه في الحديث .. كأنه يقول لي بأني كاذبة ... فرددتٌ عليه بصوت وقوده الغضب:- " أتحقق معي ..؟ "

بتر حديثي وهو يزجر بي وقد هوى بيده على مقود السيارة:- " أجيبي على سؤالي فقط ..."

من وراء فوج الدمع المتراكم في مقلتي .. حدقت به مذهولة ... وعاد الخوف يحيط بي من كل جانب...

التفت إلي .. وقد ارتخى وجهه .. وقال:- " أنا آسف .. لم أقصد أن أصرخ في وجهكِ .. أنا أريد فقط أن أعرف.. فأرجوك أجيبيني .. ولا تثيري غضبي .. أرجوكِ .. لأني إذا غضبت لا أعلم ماذا سوف أفعل .. "

التفتُ نحو شباك السيارة المجاور لي ... هربا من وجهه الذي لم أعد أطيق النظر إليه... وأخذتُ أغرس أظافري بساقي .. لعلي أمتص غضبي الجارف ...

وقلتُ له بنبرة صوت مناقضة لما في داخلي:- " أخي أخبره.. لم يرد بأن يتزوج بفتاة لم تعد طاهرة... المسكين صدم بما سمع ... لقد كان يحبني كثيراً... كان هذا الخبر كالصاعقة بالنسبة له .... توقعتُ بأنه سوف يغضب علي.. سوف يفضحني .. لكن بالعكس ... كظم غضبه.. وقرر بأن يكمل بإجراءات الزواج ... تزوجنا .. وليتنا لم نفعل .. فقط كان بالكاد ينظر إلي.. وإذا فعل رأيت ُ الاشمئزاز في عينيه.. كنا كلانا نتعذب في هذه الزيجة ... لهذا عقدت العزم بأن أطلب منه الطلاق وننهي عذابنا ... وبالفعل فعلت .. لكنه رفض ... أصررت عليه.. حتى وافق في النهاية ... وقال بأنه سوف يطلقني عندما أنجب ... وبالفعل في اليوم الثاني من ولادتي طلقني بعد أن كتب بتول باسمه ... ومن ثم رحل إلى الخارج ولم يعد ... ولم نسمع عنه شيئًا من حينها ..."

فتح أوراق الماضي لم تكن سهلة لدي.. شعرتُ بأن كل أوجاع الماضي تصيبني مرة واحدة في تلك اللحظة...

فانغمستُ أكثر في البكاء المرير الذي لم أملك غيره ...

استمر في تعذيبي بأسئلته التي تفتح علي أبواب جاهدتُ في سبيل إغلاقها طوال تلك السنين:- " أين هي الآن ؟ "

عند هذا السؤال لم أقدر على كبت غضبي أكثر من ذلك ... فانفجرت في وجهه غير أبهة بالعواقب :- " يا لـوقاحتك .. أتسألني عن مكانها ... ؟؟ ألا تعلم بأنك قد قتلتها ...قتلتموها أنتم القتلة... بقنابلكم... وجعلتها رماداً ... وهي لا تزال طفلة صغيرة ..."

كم أردتُ بأن أخنقه حينها ...أبرد ولو جزء صغير من غضبي ...

أشاح بوجهه بسرعة البرق عني ...

ومن ثم قال لي:- " أخرجي .."

ظننتُ بأني لم أسمعه جيداً .. فسألته لأتأكد:- " ماذا قلت؟ "

فرد علي صارخاً :- " قلتُ لكِ أخرجي من السيارة وفوراً "

كنتُ في معمعة الصدمة وأنا أسأله :- " وسعيد .. ما الذي سوف تفعل به ..؟"

ألقى علي نظرة جمدت الدماء في عروقي .. وقال بغضب يعصف بصوته:- " قلتُ لك أخرجي الآن ... وإلا سوف تندمين ..."

فتحتُ الباب وجسدي قد بدأ يرتعش ليس من الخوف .. بل من الغضب الذي سرى في جميع أرجاء جسدي .. وخرجت .. لكن كان لا بد من أن أخرج ما في قلبي نحوه من كره :- " أيها المخادع .. كنتُ أعلم بأنك سوف تخدعني كعادتك ... كم أتمنى بأن تموت بأبشع صورة كما فعلت ببتول ... أيها القاتل .. الخسيس المجرم ..."

وأغلقتُ الباب بأكل ما أوتيتُ من قوة ... لينطلق هو من فوره كالصاروخ بالسيارة ...



| +* +* +* |




دخلت علي غدير وهي حاملة علي الصغير الذي لازال يبكي لكني لم أكترث ببكائه... كنتُ منهمكة في غسل الأطباق ساعتها... سألتني غدير وقد بدا عليها القلق:- " ماذا به علي ...؟!! لماذا يبكي ؟!! "

عدتُ لإكمال ما بدأت من غسل الأطباق ...رددتُ عليها بهدوء أعصاب:- " أنه يريد بأن أجعله يأكل كعكة الشوكولاته .."

فسألتني وقد بان في صوتها نبرة التعجب:- " ولماذا لا تجعلينه يأكل القليل منها ؟!!"

عاودتُ النظر إليها .. وقلتُ لها:- " لأنه أنهى عشاءه منذ قليل... وإذا جعلته يأكل الكعكة سوف يصيبه مغص... وأيضاً أنا لا أريد أن يتعود على هذا الأمر ..."


كان علي منهمك ببكائه .. حين نظرت إليه غدير بعطف ... ومن ثم صوبت عينيها علي.. وقالت والرجاء يكسو وجهها:- " أرجوكِ من أجلي دعيه هذه المرة يأكل الكعكة.. أرجوك ِ ..فأنا لا أتحمل رؤيته وهو يبكي ... أرجوكِ من أجلي ..."

أغلقت عليّ جميع أبواب التملص من طلبها للأسف .... فقلتُ لها :- " حسنا.. هذه المرة فقط..." وصوبت إصبعيّ السبابة ناحية علي .. الذي تهلل وجهه بالفرح وكذلك غدير التي عانقت شفتيها ابتسامة بعد هجر طويل .. هز علي رأسه بنعم ... ابتسمت أنا الأخرى ... وذهبتُ ناحية الثلاجة ... تناولتُ

شمعة
30-09-2010, 06:03 PM
طبقاً في الطاولة المجاورة للثلاجة ... وفتحتُ الثلاجة .. وقطعت قطعة صغيرة من الكعكة ... فأنا لازلتُ لا أريد أن يتناول الكثير منها حتى لا يتعب ... كانت غدير قد جعلته يجلس وراء الطاولة التي تتوسط المطبخ ... فوضعتُ الطبق أمامه ... وعدتُ أعطيه قائمة من الأوامر :- " أسمع يا علي .. إياك أن توسخ نفسك أو المكان .. وإلا سوف آخذ الكعكة منك... "

هز رأسه بنعم ... وهجم على الكعكة وشكله يدل بأنه يطير من الفرح ... قاطعته عن أكله وأنا أقول موجهة الكلام له:- " لقد نسيت أن تشكر الخالة غدير.. فلولاها لما وافقتُ ..."
رفع رأسه إلى أعلى حيث تقف غدير بجواره.. وقال لها :- " شكرا لك خالة غدير..."

زادت من حجم ابتسامتها وهي تقول له:- " لا شكر على واجب يا حبي .."

وانحنت نحوه.. وطبعت قبلة على جبينه ...

عدتُ لإكمال مهمتي الموكلة لي .. تبعتني غدير .. وقالت:- " أتريدين بأن أساعدكِ ؟ "

نظرتُ إلى يساري حيثُ كانت تقف ..وقلتُ لها:- " لا شكراً .. فهذا آخر طبق ..."

ورفعت يدي حاملة الطبق ... ومن ثم أعدته إلى تحت صنبور الماء المنسكب... في حين أنها عادت تنظر إلى علي المتلذذ بالكعك مبتسمةً... نظرتُ إليها ثم نحو علي ..وقلت لها مازحة :- " سوف تفسدين علي بدلالك ... متى سوف تنجبين طفلا .. وتجعليني أربي ابني على راحتي...؟ "

أحنت رأسها للأسفل .. وقد بدأت ابتسامتها بالانكماش ... ومن ثم قالت:- " أنتِ تعلمين بأن هذا الأمر صعب "

استغربتُ من كلامها ... واحترتُ في معناه ... فسألتها مستفسرةً:- " لماذا الأمر صعب؟!! فأنتِ وعلي لا تشكوان من شيء يمنعكما من الإنجاب ..."

رفعت رأسها بسرعة .. وأطلقت علي نظرة زادت من حيرتي ... ومن ثم عادت لسابق وضعها ... وهي تقول:- " كوثر ... أنتِ لا تفهمين شيئاً "

استفزني كلامها ... وعادت لي صورة أخي ودموعه الغالية تنسكب من عينيه الحزينة بسببها ... كانت الفرصة مواتية لي لفتح الموضوع ... لأنهي عذاب أخي ... وإجبار غدير للاستيقاظ من الحلم الذي تعيشه .. كانت فرصة لا تعوض .. فاستغليتها .. فوضعتُ الطبق المبلل على الطاولة .. والتفت نحوها بكامل جسدي ... وأخرجتُ ما في صدري لها دون قيود :- " بالعكس يا غدير .. جميعنا مدركون ما يحصل ... لكن أنتِ التي ترفضين أن تصحي للواقع ... وتدركي بأن الذي تفعلينه غباء ..."

رفعت رأسها ... ونظرت إلي بعينيها اللتين تعكسان الذهول ....

لم تقل شيئاً .. ضلت تحدق بي وقد رسمت الدهشة تضاريسها على وجهها...

فأكملتُ كلامي الذي لم أفرغ منه بعد :- " نعم .. نعم يا غدير .. أنتِ لا تقدرين الكنز الذي تملكينه .. علي كنز قلما نجده هذه الأيام ... لو كان شخصاً آخر غير علي .. لما تحمل العيش معك يوماً واحداً .. لكن علي ضل صامداً طوال تلك السنين .. وهو يراك تحبين شبحاً يدعى حسن ...ولم يقل شيئاً لك .. بل ظل صامتاً .. يكتم حزنه في صدره .... وأنا خائفة بأن يأتي يوم لا يستطيع أن يكتمه أكثر... حينها الله وحده يعلم ماذا سوف يحصل..."

هربت بوجهها بعيداً عني ..وأخذت بصعوبة تتنفس ... وصرخت بي :- " توقفي ... لا أريد أن أسمع شيئاً .."

فرددتُ عليها بطبقة أعلى من صوتها:- " كلا سوف تسمعين كلامي كله .. حتى تعودي لرشدك ... حسن قد مات .. مات .. مات "

أغمضت عينيها وأخذت تعصرهما ... وعلا صوت صرير احتكاك أسنانها ... وأنفاسها بالكاد تلتقطها ... خفتُ عليها وأنا أراها في هذا الوضع .. لكنه كان لا بد أن أصفعها بالحقيقة لعلها تعود لنا غدير التي نعرفها ...

فكررت جملتي الأخيرة فهي طريقها إلى العودة :- " حسن قد مات .. أتفهمين يا غدير ..مات.. مات ..."

دوت صرختها في أرجاء المكان .... :- " لااااااااااااااااااا "

واندفعت هاربة .. إلا أنني أمسكت بيدها مانعة إياها من الهرب ... نظرت إلي بعينين تشتعلان غضباً ... وقالت لي بصوت ثائر :- " اتركيني .. اتركيني ..."

وسحبت يدها بقوة من بين قبضة يدي ... فحررتها ... وهرولت بعيداً عني ... لكني لم أتوقف عن الصراخ قائلة:- " أنه مات ..حسن مات .. مات فاستيقظي ... استيقظي .."

توقفتُ عن الصراخ عندما اختفت عن ناظري ... شعرتُ في تلك اللحظة بأني شريرة ... بلا قلب ... لكن للأسف لم أجد سوى هذه الطريقة .. وكم أتمنى بأن تنجح ... كم أتمنى ذلك ...

دخل إذني صوت علي الصغير المرعوب ..وهو يسأل:- " أمي لماذا أنتِ وخالتي غدير تتشاجران...؟!!"

نظرتُ نحوه .. فرأيتُ الخوف يسيطر عليه ... ذهبتُ إليه .. وضممته إلى صدري وأنا أقول له مطمأنة:- " لا تخف يا عزيزي إنه شجار بسيط وقد انتهي .. فلا تخف ... فأنا وخالتك غدير سوف نعود لسابق عهدنا .. فلا تخف حبي ...لا تخف "



| +* +* +* |



غضب المحب ...

في حوالي الساعة التاسعة ليلاً...

فتحتُ باب الغرفة .. ثم صفقته بقوة لأغلقه ... كان جسدي يرتعش من شدة الغضب الذي تملكني ... لم أكن أرى ما يوجد أمامي .. فدخان نيران الغضب أعمت بصيرتي ... كان يجب بأن أفجر هذا الغضب في شيء... لهذا أخذتُ أحطم كل شيء يقع تحت يدي ... لم يسلم لا صور ولا مجسمات .. ولا مصابيح من إعصار غضبي الجارف...

أمسكتُ بغطاء سرير ..وأنا في نيتي بأن ألقيه إلى الأرض .... لكن ذلك الخاتم الذي يحيط بأصبعي في يدي اليسرى استوقفني ... لقد قيدني هذا الخاتم لعام كامل وأكثر.. بذلك الشخص الذي يريد أن يحتل مكان حسن ... قلتُ في نفسي الثائرة بالغضب :- ( نعم أنت السبب .. أنت الذي تريد بأن تنسيني حسن ... لن أسمح لك .. لن أسمح لك )

فاندفعتُ ناحية الباب .. الذي فتحته بقوة .. لدرجة أن صوت ارتطامه بالجدار تردد في كل أرجاء المنزل ... وركضتُ ناحية غرفته وأنا في قمة غضبي... خلعت قيدي من أصبعي ... وفتحتُ باب غرفته ... لأجده جالساً على سريره وفي يده كتاب... قوس حاجبيه للأعلى وهو ينظر إلي بتعجب...بخطى واسعة اقتربتُ من سريره...
وما أن بتُ أمامه .. ألقيت بالخاتم على وجهه ... وفجرتُ تلك الحمم البركانية التي تسري في عروقي عليه :- " هذا خاتمك .. لم أعد أريد العيش معك ... فأنا أكرهك .. أكرهك.. لن تحتل مكان حسن .. لن أسمح لك أبداً " قلتها وأنا أضرب بقبضة يدي على قلبي ...

شمعة
30-09-2010, 06:04 PM
لم أدع له المجال لكي يرد علي... فقد أعطيته ظهري ورحلت عنه نحو غرفتي .... ما إن وصلتُ إلى الغرفة.. حتى هويت على سريري العاري .. وأطلقتُ العنان لدموعي ...

لم يعلو ألا صوت بكاء في الغرفة .... ظل هو المسيطر حتى دخل هو كالموج الهائج:- " تكرهينني ... تكرهينني ..."

التفتُ إلى جهته.. كان وجهه أحمر اللون ... وأنفاسه ينفثها كثور هائج ... شعرتُ بالخوف عندما رأيته بهذا الحال ...أغلق الباب ورائه الذي كاد يتحطم من قوة دفعته .. ثم تقدم نحوي... وأنا أتراجع إلى الخلف متسعة العينين.. حتى ارتطمتُ برأس السرير ... جلس أمامي مباشرة ... لدرجة أن أنفاسه الحارقة كادت تحرق وجهي من سخونتها...

أكمل صراخه علي بصوت هز أوصالي ...:- " أهذا جزائي لأني أحببتك .. لأني صبرت على صدك ... لأني أفضل الموت على أن أرى دمعة تخرج من عينيك ... أهكذا تجازينني بالكره ... بتمسكك بحب شخص مات ... مات ولن يعود للحياة "

رفعت يدي .. وصفعته بكل ما أوتيت من قوة .... فلم أقدر على تحمل قوله بأن حسن قد مات...

هدأ هيجانه ... وهو ينظر إلى يمينه حيث أسكنته صفعتي ... أما أنا فقط كنتُ أنظر إليه بشيء من الخوف...

حرك رأسه موجها إياه نحوي ... ثم ضيق الخناق على عينيه ... وهو ينظر إلي بنظرة لم أرتح لها ...
أنزلت كفي عندها... وأنا أحاول أن أتكلم... لأبني صرحاً يحميني... من هيجان ذلك الوحش المتلبس خلف علي...
ارتخت عيناه فجأة... ليمعن النظر في وجهي... وتقاسيمه... كانت نظرته غريبة... أغرب من نظرات الغضب... بل كانت تخيفني أكثر من نضرت الغضب التي كانت ترتسم في عيناه... سألته بتردد...:"ماذا... ...؟ ماذا بك؟!."
لم يجبني... لم تصدر منه أي حركة تذكر... سوى أنه أحكم شباكه عليّ... سيطر على جميع حواسي...
في تلك اللحظة حاولت النهوض قبل أن يتحرك ويقدم على فعل أي شيء... بمجرد أن زحزحت قدمي ناحية الأرض... حتى أمسك بي وهو يصرخ بوجهي... :"لم أطلب منك الرحيل"...

جلست بمكاني... والغضب يتملكني... نزعت نفسي من بين يديه... لأجري ناحية الباب... لكنه كان أسرع مني لينقض علي كأسد جائع.. لم أتمكن من ردعه فقد سلط كل شباكه عليّ... وأدار جسدي ناحيته... ليحبسني بين الباب وجسده...

رغم محاولاتي للابتعاد عنه... إلا أنه كان أقوى مني... وكان أسداً لم تجدي صرخاتي المستنجدة بمن في البيت ليساعدني...



| +* +* +* |



كنت جالساً بطرف السرير... أنظر إلى تلك العينين اللتين طالما سيطرتا على عقلي وروحي... تلك العينين الخائفتين...
كنت غاضباً من تصرفاتها... ولم تعد أعصابي ملكاً لي... بل كنت بكاملي ملكاً للوحش الذي سكنني...
خاصة بعد صفعتها تلك...
كنت أريد منها أن تعلم من أنا... وماذا أكون بالنسبة لها...

كانت تعرف بأنني لن أتراجع عن أي شيء أريد فعله... فحينما قفزت هاربة ناحية الباب... أسرعت خلفها... لأنقض على جسدها الرشيق... وأحبسها بين الباب وجسدي الضخم... دنوت منها رويداً رويدا...
لم أكن في يومٍ ما أتمنى حصول ذلك... بتلك الطريقة الهمجية... فقد كنت أريد أن أوجه مشاعرها تجاهي أنا... وأن أطبخ تلك المشاعر بهدوء وروية...

لكن الوحش سيطر عليّ بالكامل... سيطر على جميع حواسي... وفكرة أنها زوجتي أمام الله... جعلت يمناي تزحف ناحية قفل الباب لتقفله بإحكام... وليزحف جسدي ناحية جسدها... ولأخمد النار التي اشتعلت بجسدي... حالما سمعت صوتها وهي تطلب المساعدة ممن يسمعها... فكتمت صرختها بشفتيه اللتين لامستا شفتيها لأول مرة...


قاربت الساعة لدخول الفجر...
عندما كان ذلك الوحش يغادرني... لكن بعد ماذا؟!!.. بعد أن وقع الفأس بالرأس... استحقرتُ نفسي في تلك اللحظة... لم أستطع حتى النظر إليها من شدة نكراني لفعلتي ... والذي زاد من عذابي صوت نحيبها ...

ازدردتُ ريقي بصعوبة.. وأنا أرغم تلك الكلمات للخروج من حنجرتي ... :- " أنا ..أنا آسـ..."

بترت جملتي بكلماتها النارية ... التي حرقت قلبي :- " اصمتُ . اصمتُ .. إياك أن تتكلم .... أيها المجرم ... مجرم .. كم أكرهك .. كم أتمنى أن تموت .. أن تموت .. تموت ..."

وعلا صوت نحيبها من جديد ...

كلماتها تلك جعلتني أكره نفسي أكثر من قبل ...كم تمنيتُ ساعتها بأن تنشق الأرض وتبلعني قبل أن أسمع منها هذا الكلام ...

أمسكتُ بطرف السرير وكدتُ أهشمه بقبضتي التي ركزتُ فيها جل غضبي من نفسي ...

عادت تضربني بسياط كلماتها من بين شهقات بكائها :- " اغرب عن وجهي ...أنا لم أعد أطيق رؤيتك .. اغرب .. اغرب .. اذهب .. لم أعد أريد رؤية وجهك الكريه .. ارحل .. ارحل ..."

كانت هذه الضربة القاضية التي أردتني قتيلاً ... ماتت روحي التي كانت تتغذى على حبها ... فبت جسداً خاويا ...انصاع لأمرها .. ورحل بدون هداية .. ولا جهة معينة ... حقاً كنتُ ضائعاً بدون روحي ... بدون غدير...

مات حبي رغم وجوده...



| +* +* +* |



|+*| قلـم || شمعة |*+|

|+*| التدقيق النحوي || معلم لغة عربية |*+|

شمعة
02-10-2010, 12:59 AM
في أنتظار إطلالتكم :)

خولة يوسف
03-10-2010, 02:10 PM
الـى الآن الصوره لم تتضح ..

لكن كالعاده جزء رائع جداَ

أتمنى ان تكملوا ..!

شمعة
03-10-2010, 05:51 PM
الـى الآن الصوره لم تتضح ..

لكن كالعاده جزء رائع جداَ

أتمنى ان تكملوا ..!


السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة أختي خولة ...

طولتي الغيبة علينا :)

إن شاء الله الأجزاء القادمة سوف توضح الكثير من الأمور التي تبدو غمضة ....

وبأذن الله سوف نكمل ...


شكرا على مرورك الجميل كالعادة ...

دمتي بخير ...

اللهم صلي عليه
07-10-2010, 12:02 AM
شكرا لك
اكيد الجزء رائع كالعاده
بانتظار الاجزااااء الجديده
لن اقرئه الان سوف اقرئه مع جزء اخر مع اني متشوقه للاحداذ بس شوي مشغوله مع الجامعه والواجبات وو
ابي اقرا جزززززء كبير مره وحده


يعطيج الف عافيه

بسمة ألم
07-10-2010, 10:45 PM
بت اعشق كتباتكم

واتشوق لاجزاء جديده لكم

فلاتطيلو انتظاري

فانا متابعه لجديدكم

شجرة الكرز
14-10-2010, 10:55 PM
أختي العزيزة... || اللهم صلي عليه ||

أمدك الله بالصحة والعافية...
وأعانك على الدراسة ويوفقك في كل خطوة تخطينها...


وأختي الغالية... || بسمة ألم ||

لك جزيل الشكر لهذا التواجد العبق...


لكن!...

بصراحة شديدة... أنا متشوقة للكتابة... جداً جداً...
لكن سياستي في الكتابة تأخذ مني وقتاً كثيراً...

لذا أرجو من الجميع الصبر فأنا أعدكم وعداً صادقاً بأن لهذه القصة نهاية...

لكن متى وأين أنا لا أدري...

كل ما أعرفه أنني أعشق القصة التي أعتبرها طفلتي المدللة...
أخيط لها أثواباً عدة... وأرى تناسقها عليها...
وحينما يعجبني التصميم واللون...
سأعرضها عليكم...


وغير هذا كله... فأنا موظفة ولدي طفل صغير مدلل...
لذلك تجودني دوماً خلف الكواليس...
لأن الفضل يعود لأختي الحبيبة "شمعة"...
لأنها تدللني كذلك...

لكن ثقوا جميعاً بأن الرواية مدللة أكثر من طفلي...


وأبشركم بأن الجزء القادم على وشك الانتهاء... وحينما ينتهي سيكون بين يدي الأساتذة حتى يخضع لأصول اللغة العربية...


هذا وأقدم للجميع شكري وامتناني على تواجدهم وصبرهم معنا...

اللهم صلي عليه
16-10-2010, 05:21 PM
بانتظاررررررك على احر من الجمر
اختك
اللهم صلي عليه

شجرة الكرز
06-12-2010, 07:06 PM
|+*| الورقة الثالثة عشرة من غصن الحرية |*+|









عندما تمتلئ أيامنا بالآلام... تمضي بطيئة مثقلة بالهموم...
الأحد... الرابع من شهر مايو...


كنت قد عدت أخيراً إلى منزلي برفقة كوثر وابننا علي... بعد أيام عصيبة قضيتها في مدرسة وادي الحرية...
ألقيت بجسدي على أول كنبة صادفتني... وأنا أقول لعلي...:"لا أريد سماع أي ضوضاء..."
زم شفتيه متذمراً... لكن نظرةً واحدة مني أجبرته على الصمت والمضي إلى غرفته... لكنه يبقى مزعجاً في كل حركة يمضي بها...
حالما أغلقت عيني لأريحهما... سمعت صوت كوثر المتسائلة...:"ما بك حبيبي؟!."
أشرت لها بالاقتراب والجلوس بجانبي... لكنها بقت في مكانها لفترة قصيرة قبل أن تأتي وتسألني ثانية...:"ما بك؟!. لأول مرة أراك منهك هكذا..."
_:"العمل هذه المرة متعب جداً..."
قالت بهدوء...:"لا تحاول الفرار هذه المرة..."
ضحكت قبل أن أقول لها...:"لا يمكن أن يخفى عنك شيء أبداً..."
_:"ياسين يأبى التحدث بشيء... وأبي وعلي كذلك... ليس عندي غيرك لأجبره على الحديث..."
ابتسمت وأنا أجرها خلفي إلى الغرفة... وهي تقول بإصرار...:"لن أتركك حتى تخبرني الحقيقة..."
دخلنا الغرفة لأغلق الباب خلفنا... وقد كانت تقف في وسط الغرفة متكتفة... وعلى وجهها علامات الإصرار والتحدي...
قلت لها بكل برود... :" أريد أن أنام لبضع ساعات فقط... فأنا لم أنم طيلة الأيام الفائتة... إلا واقفاً..."
رفعت حاجبيها وهي تشاهدني أندس تحت اللحاف... لكن بمجرد أن مددت جسدي... حتى أحسست بكفيها تمسكانني بقوة... لترفعني من السرير قائلة...:"هل ستنام بهذه القذارة التي على جسدك؟!.."
نظرت إلى ثيابي المتسخة... فقلت لها باستهبال... :" أوه أشكرك حبيبتي... اخلعيها عني إن سمحت بذلك..."
دون أن تتكلم فتحت لي أزرار القميص... فخلعته... وعدت للسرير ثانية...لكن هذه المرة أمسكتني قبل أن أعود للسرير... ودفعتني ناحية الحمام بكل ما أوتيت من قوة... نظرت إليها بإنهاك...:"أرجوك بعد أن أرتاح..."
هزت رأسها بعدم الموافقة... فاستسلمت لها...
أردت الدخول للحمام لكن هناك شيء خطر في ذهني... فالتفت إليها وأنا أقول...:"لن أستحم قبل أن تنفذي طلبي..."
نظرت إلي بغضب وقالت...:"لن أنفذ طلباتك قبل أن تستحم..."
اتجهت للسرير قائلاً...:"حسناً... لن أستحم..."
صرخت عليّ...:"يا إلهي... ماذا تريد الآن؟!.."
ابتسمت وأنا أرى علامات الهزيمة في وجهها...:"أريد قبلاتي..."
عقدت حاجبيها وهي تقول باشمئزاز...:"ماذا؟!. ماذا تريد؟!.."
_:"أريد قبلاتي..."
قالت بصوت أشبه بالهمس وهي تصر على أسنانها...:" ليس قبل أن تستحم... وتزيل عنك آثار القذارة والعرق..."
رفعت لها حاجبي وأنا أقول...:"كلا... الآن أريد قبلاتي... هيا..."
أخيراً استسلمت وهي تتقدم لتسلمني قبلاتي التي اشتقتها...
| +* +* +* +* +*|




ماذا يخفي أبي؟؟!...


في تلك الأثناء كنت أهيم بغرفتي بحثاً عن حل... فأنا أصبحت حبيسة اليأس الذي سيطر عليّ منذ تلك الليلة... عندما ذهبت للمستشفى لأطمئن على أحمد... لكن يا للأسف!.. ليتني لم أذهب وأرَ من لا أحب بقربه... كانت تتشبث بيده كما يتشبث الغريق بطوق النجاة... آلمني كثيراً ذلك المنظر مزقني أشلاء كثيرة...
دخل أبي في تلك اللحظة التي كنت سأترك دمعتي تهرب مني... لكن بدخوله سيطرت عليها... :"مساء الخير حبيبتي..."
_:"مساء الخير... أبي..."
نظر إليّ وكأنه يشعر بي... سألته مباشرة...:"ما الأمر أبي؟!... هل أطلب منهم تجهيز العشاء؟.."
هز رأسه رافضاً... ثم قال...:"لقد علمت من السائق أنك ذهبت للمستشفى يوم الخميس!.. فلماذا كنت ذاهبة لمكان كهذا؟!.."
ازدردت ريقي وأنا أحاول أن أجد عذراً أعتذر به... فأبي قد حذرني مراراً إن كان لي اتصال بعائلة صديقتي القديمة... ولا أدري ما السبب الذي يخفيه...
صرخ بوجهي وهو يسأل...:"أخبريني يا هدى!.. إلى من كنت ذاهبة؟!."
_:"أبي أرجوك!.. إنني لم أرتكب إثما..."
رفع حاجبه وهو يسأل ثانية...:"أجيبي دون أن تتملصي من السؤال!.. إلى من كنت ذاهبة؟!."
أنزلت رأسي قبل أن أجيب... :"لقد ذهبت لعيادة أحمد... فهو قد أصيب من قبل الإرهابيين كما أعتقد..."
ظل في صمته لفترة لا تتعدى الدقائق... ثم قال...:"ولم لم تستأذني مني؟!."
أخذت نفساً عميقاً قبل قولي...:"كنت أعلم أنك لن تقبل بذلك... أتمنى ولو مرة واحدة أن تخبرني سبب رفضك لاستمرار علاقتي بهم..."
رأيت حينها الشر في عينيه... عينيّ أبي الحنون يتطاير منها الشرر!... أمرٌ أخافني كثيراً...
تقدم مني ليمسك ذراعي بقوة... وهو يقول بصوت لم أسمعه من قبل منه... :"إن رأيتك تذهبين إلى منزلهم... أو تتصلين بهم... ستندمين على فعلتك... لأنك سترين وجهي الآخر..."
ثم دفعني باتجاه الحائط... وخرج من الغرفة... شعرت بألم شديد في ذراعي... لقد تغير أبي كثيراً من بعد حادثة بتول... يا ترى ما الذي يخفيه أبي؟!. ما هو السر؟!.
| +* +* +* +* +* |



في منزل غاب عنه الفرح!...
الساعة الثامنة والنصف ليلاً... من ذات اليوم!...



كنت جالسة في غرفتي أبكي أيامي الحزينة السابقة... وأبحث بينها عن ساعة سعيدة قد مرت عليّ... لكنها كانت ساعات قديمة... قد ترك الزمن عليها غباراً كثيفاً... لقد كانت السعادة في طي النسيان...
رافقتني السعادة منذ الطفولة حتى أول عامين من زواجي... وكل ذلك بسبب مشكلتي التي أعاني منها... لم يترك إسماعيل شيئاً إلا وقد فعله من أجل إسعادي في تلك الفترة... والآن قد تركني وحيدة في هذا المنزل الموحش... باحثاً عن السعادة خارجه...
وأنا الغبية!... أحاول جاهداً حل مشكلتي بمفردي... صابرةٌ على فراقه وابتعاده عني... حتى أجد حلاً يساعدني!... ويعيد لمنزلنا هذا السعادة والحيوية كما كنا سابقاً...
في الآونة الأخيرة كلما حاولت الاتصال به... لا يجيبني!... وحتى أنه بدأ يتغيب عن البيت أياماً متتالية... وعندما أسأله يتعذر بالشركة والمهمات الملقاة على كتفه... وفي داخلي شكٌ قوي بأن في الأمر امرأةٌ غيري!... لكن من هي؟!.. ومن تكون؟!.. ولماذا يفعل إسماعيل بي هكذا؟!.. أود سؤاله لكني أخشى ثوران بركانه الهادئ...
لو لم يكن يحبني لما جلس في الأسفل ينتظر مني الحديث معه... فسأكتفي بإعادته لحياتنا... سأعيده لمنزلي وحجري...
| +* +* +* +* +* |



الزمن لا يمكن تغييره...


كنت جالساً في صالة منزلي الواسع... والذي أشبه بالقصر الكبير... قصراً يتمنى كل إنسان العيش فيه... لكن أنا الوحيد الذي أكره العيش هنا... وأتمنى لو أن الموت يأخذني من هنا...
ولكن ما الفائدة؟.. فأنا من اختار هذه الحياة الكئيبة من أجل والديّ... والنهاية... أنني وصلت لمرحلة لا أطيق فيها رؤية هذه المسكينة التي تبكي الليل مع النهار منذ ثلاثة أيام وأكثر...
لا أستطيع إسعادها وتلبية رغباتها... ما العمل؟!.. إنها تظن الآن بأنني أكره العيش معها لأنها عقيمة!!!... لكن ليس الأمر كذلك... فأنا لم أعرف معنى الحياة معها... لكنني حاولت أن أحب الحياة بوجودها!... حتى لا تظلم معي...
كانت في بداية حياتها مرحة... متألقة... مبتهجة دوماً... وكانت حياتنا تمشي بكل سهولة ويسر... لمدة عامين فقط!!..
فحينما اشتاقت لطفل يلهو في أحشائها عزفت عن الحياة... وهجرت كل شيء... وظلت تدور في المستشفيات والعيادات بحثاً عن حل لها... ولكن للأسف... لا يوجد...
جعلني هوسها بالأطفال أكره وجودي في المنزل... فهي دوماً تلح عليّ أن نسافر إلى مكان بعيد من أجل إيجاد حلول أخرى جديدة... ووافقتُ ذات مرة... وذهبت معها... ولكن لا يوجد شيء!!!... الحل بيد الله تعالى...
كم مرة أخبرتها أنني راضٍ بقضاء الله وقدره... ولكنها دمرت كل شيء بنته في قلبي لها... جعلت قلبي يهجرها... ليبحث عن إنسانة أخرى تشيد لها قصوراً فخمة في قلبي... كنت كالنحل الذي يقطف من كل بستان زهرة... والقط الذي يلهو في كل منزل مع هرة شقراء كانت أم سمراء...
فقط لأبحث عن تلك التي تنسيني الدنيا وما فيها من متعة... عن أثنى تسكنني وأسكنها... فوجدتها أخيراً...
ولكن إلهي ما ذنب من ارتبطت بها أمام الناس؟؟.. أن تعيش حياتها تعيسة بسبب حبها لي ولطفل يسليها... إنها الآن تخطت الثلاثين من عمرها... ولا أعتقد بأن هناك احتمالاً واحداً أن تنجب... إلهي سامحني على كل ذنب اقترفته في حقها... وفي حق غيرها...
لقد كان أبي ووالدها مخطئان... فأنا رفضت كثيراً الارتباط بها ولكن والدي أبى الإصغاء لي أو حتى فهم احتياجاتي... فكانت هذه النتيجة بأن ظلمتها معي...
منذ ثلاثة أيام وأنا أحاول مقابلتها ولكنها ترفض... رغم اتصالاتها المتكررة لي في ذلك اليوم... إلا أنها ترفض مقابلتي رغم مكوثي في المنزل منذ تلك اللحظة... سأذهب إليها لأتحدث معها...
طرقت الباب ولم تجب... وحينما ألححت بالطرق... فتحته لي... نظرت إليها فكانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء... فتكلمت مباشرة....:" إلى متى ستبقين هكذا؟!!... أرجوك ارحمي حالك..."
أجابتني من بين شهقاتها...:" لماذا أرحم نفسي؟!.. فأنت لا تدري عني ولا عما يحدث لي... لقد تعبت من الحياة معك... دوماً تتجاهلني لتمارس الرذيلة... تمارس الرذيلة والحرام ولديك ما هو حلال ومباح!!!!... أرجوك أنت من يجب أن ترحم حالي... إسماعيل!... لقد وجدت أحدهم يعرف حلاً للعقم الذي أعاني منه!... فلم لا تعود لي كما كنت سابقاً؟!.."
أمسكتها من كفها لأجلسها على الكنبة التي تتوسط الغرفة... :" اسمعي جيداً!!!... لقد سأمت من جنونك بالطفل... لقد كبرنا كثيراً ليكون لنا طفلاً... انظري إلى البياض الذي يتخلل شعري... و انظري لنفسك جيداً... لقد تخطيتي الثلاثين من عمرك... فكيف تريدين أن تنجبي؟!.. هل تودين أن تموتي في أثناء المخاض؟!!!... وتتركين لي طفلاً يحتاج للرعاية والمتابعة... إنني سأقول لك كلمة قلتها قبل سبعة عشرة سنة أو أكثر... إنني قبلت بك كما أنت... تنجبين أو لا تنجبين هذا ما كان قد كتبه الله لي... حقاً أنني لم أتزوجك لأني أحبك... لكني أحببتك... أحببتك! لأنك مرحة ومبتهجة في الحياة..."
تطلعت في وجهي وسألتني...:" وما الذي تغير الآن؟!... هل كرهتني؟!..."
أخذت نفساً لأجيبها بكل صعوبة...:" وماذا تتوقعين أنه قد تغير؟؟... لقد تغيرتِ كثيراً يا فرح!... تغيرت بك أشياء كثيرة... كنت شابةً مرحة طموحة... سعيدة ومبتهجة... ولكن فكرة الطفل والأبناء غيرتك كثيراً... أصبحت تبكين كل يوم... و تشتكين من عدم إنجابك للأطفال... و... وقلت بأنه يمكن أن يكون بي عيباً ما... وذهبت معك للطبيب وأجريت جميع الفحوصات المطلوبة... كنت في داخلي كأي رجل... يغضب ويستنكر ويرفض... فقط لأنه قيل عنه ما قد قلته أنت لي...."
صمت لثوانٍ قليلة... ثم أكملت...:" لكن لأجلك أنت... ولأجل حبي لك... وافقت على ما كنت تريدين... ولكن للأسف... بقيت تذهبين من طبيب لآخر... ومن عيادة لأخرى... إنني أعلم كم أن الفتيات يحبون أن ينجبن الأطفال لدافع الأمومة... ولكن لم أتوقع أنكِ ستضحين بحبي لك من أجل دوافعك..."
_:" إسماعيل!!!.. ماذا تعني؟!!.. بــــ... بأني أضحي بحبك؟!..."
نهضت لأبتعد عنها... فأنا لا أحب رؤية خيبة الأمل على وجهها البريء... كم كنت أعشق النظر إليه... وقد أفصحت لها عن ذلك... :" فرح!... كنت في بداية علاقتنا التقليدية تلك... أتقبلك كزوجة... وبعدها أصبحت أحبك... وأعشقك بجنون... كنت أهوى الجلوس أمامك والنظر في وجهك البريء ذو الملامح الصغيرة الجذابة... كنت تجذبينني بابتسامك وضحكاتك التي تثير عواطفي و أحاسيسي..."
التفت إليها وأنا أحاول تذكر ذلك الوجه... بل كنت أتأمل لو أنها تكون تلك الفتاة الصغيرة التي تزوجتها سابقاً... سكت قليلاً لعل الحلم يصبح حقيقة... :" أتدرين!... أنني أتمنى لو تعود تلك الأيام لأجلس تحت جناحيك وأتغزل بجمالك... لكن للأسف... للأسف يا زوجتي العزيزة لقد جعلتني أكره وجودي في هذا المنزل... وبالأخص في هذه الغرفة..."
وأشرت إلى باب غرفتنا التي جمعت كل ذكريات حبي لها... :" لقد هجرتِ غرفتنا هذه لتكوني في غرفة منفردة لك وحدك من أجل علاجات كثيرة كنت تتبعينها... كانت تلك خرافات وليست بعلاجات... وتبعتي كلام المشعوذات اللاتي كنت تقولين عنهن مؤمنات... يعطونك عوذة أو بخوراً من نوعٍ شرقيٍ... ذو رائحةٍ منتنة... وتفرحين بكل ما كنت تفعلين... دون أن تنتبهي أن ما كنت تفعلينه مكروه وحرام... كل ذلك كان من خطط أمك أو عمتي التي كنت دوماً أرى في عينها الكره لك... وكنت تعتقدين بأنها تحب لك الخير..."
نهضت لتقترب مني لكني أوقفتها مكملاً حديثي... :" اجلسي مكانك يا فرح!... دوماً حذرتك من الاستماع للنسوة... وخصوصاً عمتي يا ابنة العم!!... ألا تعلمين بأنها كانت تخطط لتوقع بك في شباكها... لتزوجني من ابنتها... هذه هي عمتنا التي كانت منذ الصغر تغار منك لأنها تريد أن تكون أملاك أبي لأحفادها... كنا صغاراً وتغار منك... فكيف بها وأنت زوجتي؟؟.. لقد تعبت وأنا أنصحك كثيراً... كنت أنتظر الفرح التي أحببتها أن تعود لتتزين لي وتتبرج لي!... لتبهرني وتشل تفكيري عن كل شيء... عن كل شيء إلا هي!!!... لكن لم أجد سوى ابتعادك عني تطبيقاً لوصايا المشعوذة التي تقول لك لا تمارسي الحب مدة أسبوع أو شهر... وانثري عبق الهند في أرجاء الغرفة... واسقي زوجك كأساً من ماء البصل... وأكلي رأس ثوم... و أشياء غريبة وكريهة كذلك..."
أطرقت برأسها تبكي... فقلت لها متأسفاً...:" لقد أضعت الكثير من الأيام التي كان لابد لها أن تكون جميلة... أضعت عليّ الكثير من الذكريات... وجعلتني أهرب منك... كنت!... كنت في كل مرة أ... ... أخونك أو... حتى أهرب منك إلى أخرى... أعود إليك متأملاً أن تكوني قد عدت كما السابق... ولكن للأسف!!!... كنت أجدك قد انغمست أكثر في خرافات العجائز والمشعوذات... لماذا يا فرح؟!.. لقد هدمت كل الذكريات الجميلة التي كانت بيننا بتصرفاتك تلك... أضعت كل شيء كنا سنفعله سوياً... جعلتني... جعلتني ماذا؟!... فأنا متيقن بأني لا أكرهك... ولكني لا أحبك في الوقت ذاته!!!.. لم يعد في قلبي حبٌ لك... أصبحت عندي كأي فتاة ألقاها في الشارع... فتاة عادية تعيش في منزلي كأي فرد من الخدم والوصيفات اللاتي يعشن هنا..."
شهقت وهي تقول... :"ولكني كنت أفعل كل هذا من أجلك!!... كنت أعتقد بأنك تريد ولداً يحمل اسمك..."
_:" فرح!... قلتها لك من قبل... كل ما أتمناه هو عيشي في ظل حبك أنت!... كنت أود لو أعيش في قلبك... وأكون لك وحدك وتكوني لي وحدي!!!... ولكن انظري إلى أين أوصلتنا... ومن ثم كنت أتوقع بأن إيمانك بالله كبير... فهو من كتب لنا أن نجتمع سوياً دون أبناء..."
رأيتها تنهار على الكنبة باكية... اقتربت لأمسح على رأسها بحنان...:" اعذريني لأنني كلمتك بهذه الطريقة... لكن!... هذه هي الحقيقة... كنت أود لو سنحت لي الفرصة أن أتحدث معك هكذا قبل سنين طويلة... ولكن للأسف... لم تجعلِ لي فرصة واحدة..."
رفعت رأسها لتنظر ناحيتي... ودموعها تنهمر على الأرض... :" أنا من يجب أن تعتذر... أنا من عليها الاعتذار... إنني حمقاء... لم أستمع لأي كلمة كنت تنصحني بها... كنت أضن بأن عمتي تحبني... ولكنها هي من كانت تأخذني لتلك الأماكن اللعينة..."
_:" ماذا ينفع كل هذا الآن؟!!..."
أمسكت بياقة سترتي بين أناملها... لتقرب وجهها لصدري... وتنظر لعيني برجاء... :" لنفتح صفحات جديدة... لنبدأ حياتنا من جديد... إنني أحبك!!... بل أعشقك بجنون يا إسماعيل!!!... أرجوك لا تتركني أبقى حبيسة الزمن اللعين..."
أمسكت بكفيها لأبعدهما عني... قبلت جبينها بألم... فأنا لا أدري ماذا أقول لها... لا أريد جرح مشاعرها أكثر... ولا أريد أذيتها كذلك... أما هي فنظرت ليديّ باستغراب... وفي مقلتيها الدموع رقراقة... :" لماذا؟!.. هل يعني أنك لم تعد تريدني؟!.."
أغمضت عيني واستدرت... أريد الهرب من دموعها... أريد الهرب من آلامها التي سأتسبب بها... لكنها سببت لي الكثير من الألم... وأنا أقف بين الباب وفرح... أخرجت صوتي بهدوء...:" إن الزمن لا يمكن تغييره يا فرح!!... لقد كنت أتمنى أن لا أخسرك في يوم كهذا!!!... لكن!... أصبح لي حياة أخرى أريد أن أعيشها... فرح!.. لقد وجدت ما قد منعتني منه أنت وأمك وعمتي... وجدت السعادة!... وجدت الحب!... وجدت كل شيء أريده!... لكن لا تضني في يومٍ ما أني أعني بما أريد هو الأبناء... لا!!!... لا يا فرح... إنني كنت أريد قلباً يضمني إليه بحب وحنان... دفءٍ وأمانٍ... وجدت ذلك القلب الذي سيأويني..."
أحسست بحزنها ينغرس في فؤادي... وآلامي تهرب من أعماقي لأعماقها... وصلت إلى الباب وأمسكت بدفته... :"تأكدي بأنني كنت أحبك!!!..."
أغلقت الباب لأنزل درجات السلم سريعاً... حينما وصلت للباب الرئيسي... سمعت صوت باب جناحنا يفتح... لتخرج هي تجري باكية... أسرعت بخروجي فأنا لم أعد أستطيع المكوث بين جدران حزنها... سمعت صرختها خلف جدران المنزل ركبت سيارتي لأخرج من المنزل تاركاً فرح يرافقها الألم!!...
| +* +* +* +* +* |




_:"مساء الخير أيها القائد!..."
نظر إليّ وابتسامة حزن بالية على محياه... :"مساء الخير... كيف حالك يا علي؟!."
كانت جملته مصاحبة لإشارة منه لي بالجلوس... جلست وأنا أجيب...:"بخير... وأنتم ما هي أحوالكم؟!.."
_:"جميعنا بخير... لكن ذلك الزعيم يؤرق راحتي..."
ابتسمت في صمتي... ليسألني...:"ما هي أخبار أحمد؟!.. هل استيقظ من غيبوبته؟!.."
_:" تستطيع قول ذلك... أخرج من غرفة العناية الفائقة... بعد أن استيقظ... ليطربنا بشتى أنواع الشتائم والكلمات الطيبة... وأعطاه الطبيب دواء منوم... ليعود لرشده قليلاً... لكنه لازال تحت تأثير المنوم... أنت تعلم فإصابته كانت خطيرة... والنتيجة مؤلمة لأي رجل..."
أنزل القائد حسين رأسه بأسف... :"ليعينه الله على ما ابتلاه... سأحاول زيارته في أقرب وقت ممكن..."
_:"أفضل أن تزوروه في المنزل... فهو الآن في حالة صدمة..."
في هذه اللحظة دخل أحد الشباب المرافقين لنا... بعد أن ألقى تحيتنا المعتادة...:"مساء الخير أيها القائد..."
ففي شبكتنا لا توجد رسميات طائلة...
_:"هل أحضرتموه؟!."
أجاب الشاب...:"نعم إنه في انتظارك في الغرفة المجاورة..."
أشار لي القائد بأن أرافقه إلى زعيم الإرهابيين... وعلامات من الرضا القليل على وجه القائد... لابد أنه عثر على خيط ما...
دخلنا الغرفة المجاورة... لأرى ذلك الزعيم الذي طالما رغبت برؤيته مكتفاً ومطأطأ الرأس... لكن للأسف الشديد كان لا يزال يتمتع بروحه القوية...
صرخ به القائد...:"كيف حال زعيم المجرمين اليوم؟!!.."
ابتسم الزعيم ابتسامة مكر ودهاء... قبل أن يجيب بــ...:"حالي أفضل من حالك اليوم مئة مرة..."
جملته تلك جعلت القائد حسين يشد أعصابه قليلاً... حتى لا يضربه ويتحقق ما يرمي إليه الزعيم... رأيت القائد يمسك بأوراق بين يديه وهو يقرأ ما بها من كلمات...:" إنني أرى أن لك تاريخاً عريقاً هنا..."
قهقه ذلك اللعين بصوت تشمئز له الأنفس... وقال...:"تاريخي أحمر... وتاريخك أبيض... أهذا ما تقولون أيها العرب؟!."
استغربت من هذه اللكنة الغريبة التي تلفظ بها... إن زعيم الإرهابيين هنا عربيّ الأصل... وهذا لكنته غريبة قليلاً... نظرت إلى القائد حسين الذي لم تخفَ عليه هذه اللكنة في لسان هذا الرجل الذي يجلس على الكرسي أمامنا... تقدم القائد بخطوات ثابتة خفيفة... حتى وصل إلى جانب الرجل... وانحنى إلى جانب أذنه اليمنى... ليهمس فيها...:"لقد كنت رجلاً شجاعاً... سيطرت على الكثير من المناطق العربية... وقتلت الكثير منا... ودمرت بيوتنا... فتاريخك أسود أكثر مما هو أحمر... لكنك ستموت بعد أن تقر لي بمكان أسرانا..."
حاول الزعيم أن يضرب القائد بقدمه لكن قدميه ويديه مقيدتان إلى الكرسي... فلم يستطع أن يحرك سوى رأسه بغضب شديد... ويصرخ...:"لن تقتلني!.. فأنت لا تجرأ على ذلك..."
كنت أنظر إلى تلك المناقشة الحادة... لكن القائد تمالك أعصابه أكثر وأكثر... فكلما صرخ الزعيم كان دليلاً قاطعاً على ضعفه... فيبدو أنه بات ليلتين من أسوء الليالي في حياته...
كانت ابتسامة الراحة تعلو وجه القائد... حين قال...:"أنت لست جمال يا هذا... أنت السيد جون... الملقب بـالحصن المنيع... الذي أتى من بلاده ليرفع علم النصر على أرضنا الطيبة... ولكن يبدو أننا سنرفع علم بلادنا على جثتك..."
كانت عين الزعيم... أو السيد جون تبرق بالغضب والتوتر... فها قد كشف القائد شخصيته الحقيقة... وقد كان يخدعنا بأنه هو جمال زعيمهم والرأس الداهية للإرهابيين... خاصة وأنه يملك بشرة سمراء وشعرٌ أسود... يخفي حقيقته...
كنا سعداء جداً بأننا أمسكناه... لأننا إن أمسكناه يعني أنه أمامنا رأس واحد للإطاحة به... لكن للأسف... يبدو أنه لازال أمامنا طريق طويلة...
_:"هيا!... تكلم وأخبرني أين أجد جمال؟.. والأهم نريد أسرانا... وهم أحياء!.."
كان هذا صوت القائد... الذي جعل فرائص السيد جون تهتز خوفاً... فها هو الآن سيخاف من أن يموت... لأنه يعلم بأن أهميته أصبحت في الحضيض... لأنه أصبح تلميذاً صغيراً لدى جمال الداهية...
_:"لقد قلت لك لا أدري... لا أدري..."
تكلم القائد بصوت ثابت أكثر... وصبور أكثر مما كان عليه قبل يومين... :"حسناً... حسناً... لا تخبرني أين هم... لكني أود معرفة أساليب الضيافة لديكم لأبناء وطني..."
ارتعدت فرائص السيد جون قليلاً قبل أن ينطق...:" ماذا تقصد؟!. أي ضيافة تعني؟..."
لكن القائد لم يستسلم... كما هو في كل مرة... نظر إليّ وهو يقول...:"إذن!.. سأترك الذراع اليمنى لي ليعلمك كيف هو أسلوب الحديث معنا..."
خرج ليتركني والسيد جون.. مع صلاح الشاب الذي رافقنا إلى هنا...
تقدم صلاح من جون... وقبض بكفه على قبضة كفه الأخرى... لأسمع فرقعة أصابعه... عرفت من حركة صلاح هذه أنه تهديد لجون...
يبدو أن جون ليس حصناً منيعاً كما يقولون... فها نحن دخلنا الحصن... وهاهو صاحب الحصن بين يدينا يرتجف كالجرو الصغير... لكن تفآجأت حينما رأيت صلاح يصرخ بجون... لدرجة أنني ارتعدت من مكاني بسبب سهياني... نظرت لصلاح وجون في آن واحدة... كنت أرى صلاحًا لأول مرة بهذا الوجه الغاضب... أما جون فكان يعقد حاجبيه وهو يصر على أسنانه خوفاً من أن ينطق بكلمة تفشي أسرارهم...
لكن لكمة قوية من كف صلاح أردته والكرسي أرضاً... حالما سقط حتى خرجت الدماء من أنفه... صدمت... لأول مرة أرى شخصاً يعذب من أجل أن ينطق بحرف... فقد كنت أهرب من غرف التعذيب رغم قلتها بيننا...
كانت تأوهات جون تمزق قلبي... لكنه إرهابيّ يستحق أكثر من ذلك... إننا مسلمون وهذا لا يجوز... تقدمت لكي أتحدث مع صلاح... لكنه صرخ بجون ثانية وهو يسأله...:"تحدث وأخبرني أين نجد أسرانا... أيها المجرم الخبيث..."
وركله على معدته... حينها تكلمت...:"صلاح!... هذا لا يجوز يا صلاح... ارحم أسيرك... ليرحموا أسرانا..."
رفع صلاح حاجبيه وهو يسألني...:"ماذا؟!.. هل تعتقد بأنهم يرحمون أسرانا؟!.. ألم تدخل لتلك الغرفة التي كانوا يعذبون أسرانا بها... إنها ملطخة بالدماء... صبغت حوائطها بدماء أبنائنا... ألم تخبره يا جون؟! ألم تخبره ياجون عن بطولاتك على نسائنا وبناتنا... ..."
كان صلاح يدور حول جسد جون الملقى على الأرض... كما يحوم الأسد حول فريسته... ثم دنا منه ليمسكه من ياقته ويقول...:"أخبره كم فتاة قتلت صباها بيديك؟!!. وأخبره كم طفلاً مزقت؟!.. وكم شيخاً كسرت؟!.. وكم جندياً عذبت؟!.. كل هذا وتقول لي ارحم أسيرك!!!... أي أسير سيرحمون؟... هل هو ضيف لديهم ليكرموا ضيافته؟!.. ... تحدث أيها اللعين!..."
ركله مرة أخرى على معدته... كلامه ذاك أثر في قلبي ليتحجر رويداً رويداً...
هذه الركلة كانت كفيلة بأن تجعل جون ينطق أخيراً... لكن بماذا؟!.. :"لا لم أفعل لم أفعل شيئاً..."
لكن صلاح لم يهنأ له الوقوف هكذا... بل اتجه ناحية الباب ليصرخ بالحارس الذي خلفه... :"أعطني علبة السجائر التي معك..."
هنا ارتعدت فرائصي من الخوف... فكيف بجون؟!..
| +* +* +* +* +*|





إنها أنباء لا تسر البعض منا...
قصر جمال... الساعة العاشرة والربع مساءً...



_:"ألم تقل بأنه حصنٌ لا يتخطاه أحد؟!.."
اهتز الرجل الواقف أمام جمال وهو يقول مرتعشاً وبلكنة غربية... :"سيدي اعذرني... فهو في بلادنا لا يتخطاه أحد... وسوره عالٍ جداً... لكن يبدو أنكم أنتم العرب لديكم عقولٌ داهية..."
ضرب جمال الطاولة التي أمامه بكل قوته... وهو يقول غاضباً...:"إنكم بلهاء... بلهاء... ها هم رجال الشبكة يدخلون المقر... وسيعرفون حتماً أين هم الأسرى... وسيحررونهم... وفوق ذلك كله... سيصلون إلى هنا لا محالة..."
عاد الرجل للارتعاش قبل أن يقول...:"كيف هذا وقصركم محاط بالحرس!!... وأفضل أجهزة حماية موجودة حول قصر سيادتكم؟؟؟!!"
نظر إلى الرجل باحتقار قبل أن يقول...:"انصرف... ودبر أمر نقل السجناء بأي طريق ولأي مكان..."
خرج الرجل بسرعة هائلة من خوفه... ودون أن ينطق بأي كلمة تذكر...
دخلت في هذه اللحظة فتاة في مقتبل العمر... تمشي بثبات ناحية جمال... كانت عيناها تبرق بريقاً واضحاً... :"مساء الخير..."
نظر إليها جمال...:"مساء الخير عزيزتي... كيف حالك اليوم؟!.."
أجابته بعد أن طبعت قبلة على خده...:"إنني بخير... وأنت؟!."
أجاب بامتعاض...:" إنني بخير... بخير..."
دون أي اهتمام سألت...:"لا أرى إسماعيل هنا اليوم... هل حدث خطب ما يا عم؟!.."
كانت يد جمال ترتجف وكأس شرابه بيده... لا يدري كيف يتصرف أو حتى ماذا يمكنه أن يفعل... تساءلت بدر البدور ماذا أصاب هذا الرجل الذي تراه اليوم بحالة غريبة جداً... سألته...:"ما بك يا عم؟!..."
نظر إليها جمال بعد أن وضع الكأس على الطاولة... اقترب منها وهو يعيد تقليب ذاكرته رأساً على عقب... ليصل إلى اليوم الذي وصلت فيه بدر البدور إلى هذا القصر... وكيف تم ترويضها... لتكون بالصورة التي يراها الآن أمامه...
لقد أصبحت خاتماً في إصبعه... وإصبع إسماعيل... لكنه بدأ الآن يقلب الأمر بطريقة أقوى... قطعت تفكيره بسؤالها مرة أخرى...:"ما الأمر؟!. إنني أراك تتصبب عرقاً... وتبدو متوتراً جداً... هل أنت مريض يا عم؟!.."
وضع كفيه على كتفيها... وهو يقول...:"اسمعي جيداً... لقد أخبرتك سابقاً بأن أخاك أوصاني بك خيراً... وأن من قتل أمك وأخاك حبيبًا هم الإرهابيون... أليس كذلك..."
فأجابت بهدوء...:"نعم هذا صحيح..."
_:"والآن سأخبرك الحقيقة... لم يوصنِي أحد عليك... بل أنا أنقذتك من أخيك بكل سهولة... لقد أرسل أولئك الرجال ليقتلوكم... فقد أصبح واحداً من الإرهابيين... وأراد قتلكم لكي لا تكونوا عثرة في طريقه... وغير ذلك كان أمرا من الإرهابيين حتى يتأكدوا من الثقة الموكل بها... إنه إرهابيّ كبير الآن... له مركز عظيم جداً بينهم..."
كلماته هذه وجدت طريقاً خالياً في قلب بدر البدور... لقد كانت تائهة لا تعرف طريقاً لأخيها... وها هي توضع على أول الطريق...
تطاير الشر من عينيها... وذهب البريق الذي ظهر منذ أيام قليلة فيهما... واحتل الشر مكانهما... نطقت تسأل...:"ماذا تعني بكلامك هذا..."
_:"نعم!... إنني أنقذتك منه... وحميتك منه طوال هذه السنين... كم كنت أود أن أخفي عليك هذا الخبر المؤلم... فأنت تعلمين بأنني أفضل أن أوصل لك خبر موتي على خبرٍ كهذا..."
كان يتحدث ببراءة كبيرة... كان في عينيه بريق اللطف والخير... وهي كطفلة تربت على يديه... لم يكن لديها أدنى شك بما يقوله... لكن قلبها يرفض الانصياع لحديثه... وهي تحاول جاهداً أن تكتم أنفاس عقلها وأذنيها بما يسمعانه...
_:"لكنه أخي يا عم!!!... يستحيل أن يفعل ما تقول... إني لا أصدقك..."
فقال لها وهو واثق من انتصاره... :"لا تصدقي اليوم... ولكن إن رأيته في يوم ما... سيصدم من وجودك على قيد الحياة... وسيحاول قتلك مرة أخرى..."
| +* +* +* +* +* |





كان جون يصرخ بألم عندما يضع صلاح إصبع السجائر على جسده... في كل ناحية من ظهره كان صلاح يحرق جسد جون... بعد أن فك وثاقه... و جعله مستلقيا على بطنه... كان قلبي يلين ساعة وساعة أخرى يقسو بشدة...
صرخ صلاح للمرة الأخيرة به...:"إن لم تتكلم سترى ما لم تراه أبداً..."
سعل جون ليخرج دماً من بين شفتيه قبل أن ينطق أخيراً... :"حسناً... حسناً سأتكلم..."
أمسكه صلاح ليساعده على الجلوس... وحالما جلس... طلب القليل من الماء... توقعت أن صلاح سيرفض طلبه... لكنه خرج من الغرفة ليجلب عبوة ماء صغيرة... وسلمها له...
لم أصدق بأنه كان عطشاً لهذه الدرجة... شرب العبوة رشفة واحدة... حقاً إن الروح غالية...
_:"قبل أن أخبرك بمكانهم... سأقول لك شيئاً... إن جمالاً لن يتركهم في مكانهم... بل سيغيره بالتأكيد... لكن لو أسرعتم..."
سكت قليلاً ليجذب أنفاسه...:" ستجدونهم في القصر المهجور... في جنوب المنطقة الشمالية... وإن سألت... ..."
قطع حديثه ليسعل ويخرج الدم من فمه...:" وإن سألت الشباب الصغار... فسيخبرونك بأنه مقرٌ آخر لنا... فأنت تعلم بأنهم كانوا يقضون وقت فراغهم هناك... يرسمون على الحوائط... ويلعبون ما يخطر في أذهانهم... حتى... حتى... ..."
كان يتألم بحديثه... فقد أنهكه تعذيب صلاح... :"حتى أتينا نحن لنخرب استمتاعهم بهذا المكان..."
لم ينتظر صلاح أي كلمة أخرى... بل نظر إليّ وهو يقول... :"انتبهوا له جيداً يا علي... سآخذ بقية الرجال ونذهب إلى هناك..."
ضحك جون باستهزاء...:"هل تظن أنك تستطيع الوصول إلى الداخل من دون خطةٍ محكمة؟؟.. ... هناك حوالي مئتا رجل يحرسون القصر... وغير ذلك أنهم جميعاً مسلحون بأفضل وسائل الحرب والدمار..."
ابتسم صلاح بمكر... :"أنت لا تعرفنا جيداً... هل تظن أننا نحن فقط من يدافع عن بلاده... هناك الألوف منا..."
إنني لا أعرف ما الذي غير صلاح إلى هذا الحد... حقاً لقد تغير كثيراً...
خرجت خلفه مباشرة لأمسك بيده قبل أن يدخل على القائد...:"ماذا ستصنع؟!.."
نظر إليّ بعتاب...:"ألم تسمع ما قال؟!.. إنني ذاهب لأحرر أسرانا... حتى لا يتعذبوا أكثر مما رأيتُ وسمعت... أنت لم تكن هنا في اليومين الفائتين... في أول يوم بعد إصابة أحمد وجدت جثة فتاة لازالت في ربيع العمر... أتعلم كيف كانت جثتها..."
سكت لينظر إليّ... وإلى ما ستتركه كلماته من جبال في نفسي...:" عارية تماماً... محروقة بأنحاء عدة من جسدها... مكهربة في دماغها... مكسورة الأضلع... مقيدة الأطراف على طاولة المعلمين... وسابحة في دمها... ... وغير ذلك كله..."
خرت دمعة من عينه... قبل أن يقول هامساً...:" قد أخرج رحمها من جوفها... بسبب التعذيب الجنسي..."
لقد هدت كل جبال الرحمة على هؤلاء في نفسي... أي مذهب هذا؟!.. وأي دين ذاك؟!.. وقبل أن يمشي... أطلق عليّ رصاصة أماتت قلبي...:"لقد كان وجهها أزرق اللون... لكني عرفت من تكون... عرفت من هي... إنها لم تكن سوى خطيبتي التي اختفت منذ أسبوعين فقط... وانظر ماذا فعلوا بها..."
طأطأت رأسي... فأنا لم أعد قادراً على تحمل أي كلمة أخرى... ألهذه الدرجة قلوبهم من حجر؟؟.. أيعقل ذلك؟!.. أم أنني أحلم!!!...
_:"وتريد مني أن أكون مشفقاً عليهم... وخصوصاً ذلك الحقير الذي دنسها بيديه... لم يأتوا إلى بلادنا إلا للفسق والفجور بها... لم يأتوا إلا طمعاً بنا..."
لقد كان يصرخ دون أن يشعر بنفسه... ولو كنت مكانه لفعلت ذات الشيء...
أتى القائد من الممر الذي على يميننا... قال سائلا...:"ما الأمر؟!. ماذا بك يا صلاح؟!.."
ألقى بدمعته الهاربة من عينه... ليجيب بصوت حازم...:" لاشيء أيها القائد... فقط كنت أخبر علي بأعمال الإرهابيين فينا..."
وضع القائد كفه على كتف صلاح... وقال له بهدوء...:"إنني أعلم بما تقاسيه يا صلاح... لكن عليك أن تتحلى بالصبر... فإن كنت ستستمر على هذه الطريقة... وتفقد أعصابك على أقل شيء... سأعفيك من كل المهمات التي سنقوم بها..."
انتصب صلاح وقال بحزم...:"لا أيها القائد... سأكون عند حسن ظنك بي..."
| +* +* +* +* +* |

شجرة الكرز
06-12-2010, 07:15 PM
بعد أسبوع مر بطيئاً على الجميع... ليكشف الكثير من الخفايا...



مرت الكثير من السنوات وأنا أبحث عنهما... لقد تعبت من السير وراء خيوط وهمية... وقلبي لازال ضائعاً في وسط زحام الأفكار السيئة والطيبة...
ربما قتلوها كما فعلوا مع الجميع... وربما كذلك فعلوا بخالد... لكن ما السبب الذي جعلهم يحرقون بيتنا من بين بقية البيوت التي تجاورنا... هل فعل خالد شيئا ما حتى يقتلوه؟!.. ولكن ما هو؟ وأين هو الآن؟...
في آخر مكالمة له... قال إنه في مركز البلد... وأخبر أمي بأنه قادم إلى هنا لنصرة الوطن... ربما أمسكوه وعذبوه... لكن أين أجد الخيط الذي يدلني على أثرٍ له... فقط أريد أثراً يدلني عليه...
ها أنا في أجول في شوارع المدينة... فقد أشرقت الشمس ولعلي أجد شيئاً يبدد ظلمة الليل التي في داخلي...
توقفت لدى المخبز العربي الذي في هذا الشارع... طلبت من الخباز خبزةً واحدة أخذتها لأنصرف إلى الشقة التي في الجانب الآخر من الشارع... لكني عدت أدراجي لأحادث الخباز وأسأله:" سأزعجك معي يا عم... لكن هل تناولت فطورك؟.."
قبل أن يجيبني... ضحك ليكشف لي عن هموم السنين التي مر بها...:"و ما هو فطوري يا بني؟!.. سوى كوبٍ من الشاي وخبزة صغيرة..."
ابتسمت له... لأكشف له عن همومي... :"إنني لم أفطر... فهل أجد هنا متجراً للخضروات؟!.."
نظر إلى خارج نافذته وأشار لي بيده الملطخة بالطحين... :"انظر هناك... هذا الباب الخشبي الأخضر... في آخر الشارع... إنه متجر الخضار والفاكهة... ألا ترى سلال الفاكهة بجانب الباب في الخارج؟!.."
أجبته بنعم... وتركته لأحضر لي بعض الخضار وحبتين من التفاح... ثم عدت إليه... عندما رآني ابتسم وقال...:" والآن بماذا يمكنني أن أخدمك؟!."
_:"إنني اليوم وحيداً... فهل يمكنني تناول الإفطار معك؟!.. أرجوك أن لا ترفض مشاركتي..."
أنزل رأسه ينظر لما حوله... ثم أمسك بمنشفة قريبة منه... لينفض عن يديه بعضاً من الطحين... وسحب مفرشاً ليفرشه على أرض المخبز... ليتقدم بعدها إلى الباب الصغير الذي على الجانب... وخرج ليرحب بي...:"تفضل يا بني!... لولا أن المكان لا يليق بك..."
دخلت وأنا أقول...:"لا يا عم!... إنني مرتاح هكذا..."
دخلت لأضع ما اشتريته على المفرش وجلست على الأرض... بينما كان الرجل واقفاً يتأملني... ابتسمت له وأشرت له بالجلوس...:"أرجوك يا عم!... إنني ضيف ليس إلا..."
استأذن بإشارة من أصابعه الدقيقة... وأحضر إبريق الشاي وسكب لي في كوب وله في كوب آخر...
وبينما نحن كذلك!.. إذ طرقت نافذة المخبز... ليطل علينا رأس شاب في بداية الثلاثينات تقريباً... لم أكن أرى ملامح الصورة التي أمامي... بسبب ضوء الشمس في الخارج...
نهض الخباز العجوز وهو يرحب بالشاب... :"مرحباً يا يني!.. كيف حالك؟!.. وكيف هن أخواتك؟!.."
لم يصدر من الشاب شيء... أو بالأصح لم أسمع ما قاله الشاب... لأنه كان يتحدث بصوت أشبه بالهمس... وأنا أتناول قطعة من الخبز... إذ أتى ظلاً على يديّ... مما جعلني أرفع رأسي لأرى ظل من هذا...
كان لفتاة حيث سمعت صوتها وهي ترحب بالرجل العجوز...:"مرحباً يا عم!... كيف هي الأحوال؟!.."
_:"إنني بخير يا مطر... كيف حالك أنت؟!."
كنت أستمع للحديث الذي يدور بينهما... فيما كان الخباز يجهز الخبز لهما... وعندما مد الشاب يده بالنقود له... سمعت صوته يقول...:"شكراً لك يا عم!... كان الله معك من أجل الوطن!..."
ماذا؟!.. من أجل الوطن!.. كلمة لا أسمعها كثيراً في هذه الأيام... فمن يقولها يكون وطنياً... ومن ثم هذا الصوت ليس غريباً علي!... صوتاً يبدو مألوفاً... هل هذا هو؟!.. هل يمكن أنه الآن يبعد عني بضع خطوات فقط...
أعدت الكوب إلى الأرض... ووقفت لأنظر لمن يقف خلف الشباك... لكني لم أجد أحداً... نظرت للخباز سائلاً...:"أين ذهب؟!!.."
تطلع لي مستغرباً... ثم إلى النافذة... وأجاب...:"هل تعني خالد؟!.. لقد ذهب بحفظ الله..."
خالد!!!... هل هذا معقول...
خرجت إلى الشارع... لأنظر في أي اتجاه ذهب خالد وتلك المدعوة مطر... أين ذهبا؟َ!.. نظرت لليمين ولم أجد أحداً... ونظرت للشمال فوجدتهما يقتربان من نهاية الشارع...
استوقفني الرجل العجوز بسؤاله...:"ماذا تريد منه؟!.. هل تعرفه؟!.."
تحركت من مكاني لألحق بهما قبل أن يختفيا من أمام عدستي... :"إنه أخي... شكراً لك..."
صرخ بصوته البالي...:"ليس بينكما أي شبه!!.."
نعم! أيها الخباز... ليس بيننا أي شبه... نعم خالد لا يشبهني... فهو لازال يتمتع بجماله... أما أنا فقد تركت الحرب آثارها على جسدي...
بقيت أجري بكل ما أوتيت من قوة... كنت أود الصراخ ومناداته... لكن كنت أفكر فيما سأقوله له... أخي الحبيب... انتظر!... أخي أرجوك توقف...
انعطفت إلى الشمال... بعد أن وصلت لنهاية الطريق... لأرى الاثنين عند باب إحدى البنايات... فلحقت بهما حينما وصلت إلى هناك... كانا قد صعدا السلم إلى الطابق الأول... صعدت مباشرة خلفهما... والحارس استوقفني بسؤاله...:"من أنت يا هذا؟!."
لكني لم أجبه بشيء... بل اتجهت خلف أثر خالد وتلك الفتاة التي برفقته...
هل كانت شكوك بدور في محلها؟!.. هل حقاً أنه تزوج دون أن يخبر أحداً منا؟!... وماذا يهم في الأمر إنني أريد رؤيته... رؤيته ومعانقته فقط...
وصلت أمام الباب الذي للتو قد أغلق... وقفت أنظر إليه... هل أطرقه أم لا؟!.. هل أتقدم وأتحدث معه؟!... وأخبره بما حدث لي ولأمي وبدور من بعده...
أطرق الباب أم لا... لا!... لا يمكن... لا يمكن!!!...
| +* +* +* +* +* |





في مكتب يدير كافة العمليات الإرهابية...




لقد دخل إلى هنا قبل نصف ساعة... ليتشاور مع يوسف وأكرم في موضوع رجال الشبكة... لكنهم لم يصلوا إلى نقطة نهاية...
_:"جمال!!... اسمعني جيداً!!!... إن رجال الشبكة أقوياء أكثر مما كنا نتصور... سقوط الحصن المنيع بين أيديهم سيدمر كل شيء... حتى الآن عقلة الإصبع ذاك لم يأتك بخبر عن القصر المهجور... ولابد أن يكون قد حدث معه شيء ما... إما أنه قد سقط بين أيديهم... أو أن الضابط المشرف على القصر قد فعل به شيء... فيجب علينا الآن أخذ الحذر والحيطة من رجال الشبكة.."
تحدث أكرم بصوته الخشن...:"ما العمل؟!.. إني لا أرى حلاً سوى هروبنا من هنا... ونترك الأمر من رأسه إلى أخمص قدميه..."
بان الغضب على وجه يوسف لكنه بقى في هدوءه... بينما زمجر جمال بأكرم قائلاً... :"أيها الغبي!... ألن تتغير أبداً؟!.. ستبقى دوماً خائفاً كالفئران... أرجوك يا أكرم أن تفهم أن هذه العملية تهمنا جميعاً... من خلفها سنستلم الملايين..."
أشار له يوسف بأن يهدأ... ثم قال...:" اهدأ يا جمال!... وأنت يا أكرم ألم تتغير؟!... إننا نحن هنا نعمل بقضية حياةٍ أو موت... كان يمكننا أن نتراجع لو كان الأمر قبل اثنتي عشرة سنة... قبل أن نقدم على حرق منزل أو قتل طفل حتى... أما اليوم فلا يمكننا أتعلم لماذا؟!..."
_:"اعذر غبائي يا سيدي!.. لكني حقاً لا أدري لماذا لا يمكننا الهرب والتراجع..."
نهض يوسف ليسكب لنفسه كأساً... وأجاب... :"إن أسماءنا وصورنا موجودة في كل أقطار العالم... يطالبون بالقبض علينا لقتلنا وإيقافنا أمام القضاء الدولي... نحن انتهكنا حرمة بيوت ووطن
تساوي مساحته قارة كاملة..."
كان جمال واقفاً أمام النافذة التي بقربهم... فاستدار وكأن مرض الغباء أصابه كذلك...:" لماذا لا نهرب إلى أعواننا في الغرب؟!.."
نظر له يوسف باستغراب واستنكار... فقال جمال مباشرة... :"أوه!.. لقد نسيت!.. سيقتلوننا إن لم نقم بالمطلوب منا!!!..."
تحدث يوسف بثبات وثقة... :"اسمع الآن يا جمال... أريد منكم تطبيق الآتي!... هناك سجين سيعدم في الأيام التالية... فأرجو منك أن تخرجه من السجن بحكم البراءة... اسمه سعيد سعد عبد الناصر... بعدها أريدك أن تأخذه من السجن... وتنذره بعدم الاقتراب منا... أو حتى الاقتراب من أي شخص يعنينا بصلة... مهما كانت علاقته بنا صغيرة..."
_:" أمرك سيد يوسف!... هل من أوامر أخرى؟!..."
فقال له يوسف...:" نعم يا جمال!... هذه المهمة ستكون بإشرافك ومن يقوم بها أكرم!... وغير ذلك أريدك أن تخلي منزلك من أي ورقة لها صلة بخططنا السابقة أو المستقبلية... وأن تجد لك منزلاً آخر لحالات الخطر... وأنا سأفعل ذات الشيء... وأنت يا أكرم استبدل شقتك بشقة أخرى..."
نظر الاثنان لبعضهما بعض... وتكلم أكرم أولاً...:"هل لديك فكرة عن المكان الآمن لتكون فيه ابنتي بمفردها في المنزل؟!. ومن ثم أنت تعلم يا سيدي بأنني انتقلت من منزل لآخر في السنين العشر الأواخر أكثر من خمس مرات..."
_:"حسناً لا بأس!... يمكنك الانتقال إلى منزلي السابق... فلازال تحت الحراسة المشددة..."
بعد هذا استأذن جمال ليعود لمنزله... أو ربما لينهي بعضاً من أشغاله التي كلف بها...
| +* +* +* +* +* |




جنوب المنطقة الشمالية... القصر المهجور...
في الساعة التاسعة والنصف صباحاً... من يوم الاثنين... الثاني عشر من مايو...



لقد كنا حبيسي الظلمة والتعذيب طوال سنين عدة...
كنت أحاول جاهداً أن أحصل على معلومات تطمئنني على مجموعتي... بل إخوتي!... ولكن كل من يدخل إلى هنا يقول بأنه لا يعرفهم...
فهل من المعقول أنهم قد قتلوا؟!!.. ولكنني تركتهم يهربون من بين يديّ الإرهابيين الذين هاجمونا... ووقفت لأتصد لهم... وللأسف أنهم أمسكوني... ولكني دوماً أحمد الله على أنهم أمسكوني وتركوا البقية...
لكن ما يؤسفني هو انقطاع أخبارهم عني...
قطع تفكيري صوت الشاب الصغير الذي يجلس بجانبي... لقد قضى شبابه هنا بين هذه الجدران... :"في أي وقت نحن؟!..."
كان في الخامسة عشرة من عمره حينما أمسكوه... ابتسمت له ونظرت إلى ساعدي... قبل أن أجيب...:"إن ساعتي معطلة كما ترى..."
ضحك وهو يقول...:"وهل تركوا لنا ساعة لنعرف أين وصلت بنا عقارب الساعة!.. إن الزمن أهلكني..."
_:"ادعُ الله بأن يفرجها عليك... ولا تيأس فرحمة ربك واسعة... "
أجاب بعد أن ألقى بعود السجائر الذي بين أنامله... :"ما الفائدة من خروجي الآن... مستقبلي ضاع... وقضيت فترة دراستي في ظلام السجون... بدل أن أكون الآن في جامعة مرموقة..."
ابتسمت للشاب الصغير كما نطلق عليه...:"لازال الوقت أمامك..."
سمعت همسات رجل بجانبي... :" إن رجال الشبكة أقوياء جداً... أتمنى لو كنا في المدرسة حتى الآن..."
التفت إليهم في الظلمة... فسألته...:"ماذا تقول؟!.. ما الذي فعلوه هذه المرة؟!.."
فهمس لي الآخر بوهن...:"في الأمس عندما كنت في غرفة التعذيب... سمعت الجنود يتهامسون بلغتهم التي أعرف منها القليل... بأن رجال الشبكة قد سيطروا على وادي الحرية... وأسروا الكثير منهم... ويبدو أن الحصن المنيع قد أسر كذلك..."
_:"يا لهذه الأخبار!.. وكيف هي الأحوال؟!.."
فرد الرجل بتعب واضح على صوته...:"أيها الشاب الصغير!... إنها لا تسر أبداً... لكن لو حالفنا الحظ سنكون محررين في غضون ساعات..."
لقد بدأت الفرحة ترقص في قلبي... فها هو شعاع من النور يدخل إليه... فأنا فقدت الأمل منذ بضع سنين...
سمعنا صوت الباب المهترأ يفتح... ليدخل الضوء إلينا... وظل الجندي يتسلل لنا... ليصرخ بعدها باسمي... فاتنتفض ذاكرتي التي غطاها الغبار نوعاً ما... فأنا قد تركت دون تحقيق أو تعذيب لمدة سنة كاملة... فماذا يريدون الآن مني؟!..
_:"نعم سيدي!..."
كلمة اعتدنا قولها من جراء التعذيب... لقد مورس علينا شتى أنواع التعذيب... لأسباب نجهلها... ولكن السبب الوحيد الواضح... هو تقديم الاحترام والولاء لهم...
فقال...:"انهض معي... هيا تحرك!..."
نهضت من مكاني وانطلقت نحوه...
كنا عشرين رجلاً في هذه الغرفة التي تقع في طابق سفلي... مظلمة جداً... وصغيرة جداً... ونقوم بكل شي فيها... ننام... ونقضي جميع حاجاتنا فيها... مما جعلها نتنة و مقرفة... لكن أنوفنا اعتادت على هذه الروائح الكريهة... ونأكل فضلات طعام الجنود... وأحياناً لا نجد شيئاً سوى كسرة خبز واحدة... نقسمها بيننا...
وإن اعترض أحدنا على ذلك... يلاقي أشد أنواع التعذيب... ونحن الباقون نحاول أن نوفر له بعض الطعام لحين عودته... ومكاناً مناسباً لنداويه بما نستطيع... من كمادات ماء فاتر...
دخلت لإحدى غرف التعذيب... وتفتح عينيّ... لأصدم من الشخص الذي أمامي... كانت صورتي التي كنت أظنها قد تغيرت منذ آخر مرة رأيت نفسي بها في المرآة... كنت أظن بأن آثار التعذيب قد ذهبت من على جسدي... لكنها لازالت موجودة...
رغم لحيتي التي تخفي نصف وجهي... لكني عرفت بأن هناك الكثير من الندوب والنتوء التي عليه...
_:"كيف حالك ياااا...... عبد الرحمن على ما أظن أليس كذلك؟!.."
أجبته دون أن أنظر إليه...:"نعم!.. إنني مشتاق لك يا سيدي..."
قهقه باستهزاء... وقال...:"حقاً... لقد كنت أظن بأنك مرتاح من عدم رؤيتي في هذه الفترة..."
_:"لا!... لقد كنت أسأل نفسي دوماً... ألم تشتاق لي؟!.."
نظر لي نظرة حازمة... وقال...:"لازلت كما أنت... قوي العزيمة!..."
رفعت أحد حاجبي لأقول...:"مهما عذبتموني سأظل كما أنا..."
رفع يده ليصفعني بشدة... مما جعل خدي ينزف... فأصابعهم لا تخلوا من السلاسل المدببة...
وبين كل كلمة وأخرى... صفعة... وبعدها أصبح بين كل سؤال وقرينه... لسعة كهربائية خفيفة... لا أدري لمَ كانوا يبقونني سنة كاملة دون تعذيب... أو قتلي حتى...
هل كانوا يستمتعون بسؤالي عنهم يومياً؟!.. أم أنهم يخفون عني شيئاً ما؟!...
إنهم يستمتعون بالموت البطيء... فهناك الكثير منا من مات ببطء شديد... وهذا هو أسلوبهم المعتاد...
| +* +* +* +* +* |




لازلت أعيش في ضياع...


إنني في غاية البؤس والحزن... أعيش بين جدران تخنقني... وفي جوف بركان يحرقني... بين غصنين يابسين... وخلف سلسلة جبال مرتفعة...
جلست هذا الصباح في شرفة الصالة السفلى... لأتناول إفطاري هناك... برفقة العم جمال... لكن يبدو أنه لم ينه عمله... فهو ترك لي رسالة صغيرة على الطاولة... قبل يومين!...
[[ لقد ظهر لي عمل في مساء الأمس... لذلك خرجت باكراً... وربما يأخذ العمل مني يومين أو أكثر... فلا تقلقي... تناولي إفطارك جيداً عزيزتي... ولا تفكري كثيراً... بما أخبرتك به تلك الليلة... فهو لا يستحق أن تقلقي نفسك من أجله... ولو أمسكته بين يديّ فأنا سأجعله يندم على فعلته... وكذلك!... سأجعله يتمنى الموت قبل لقائي... انتبهي لنفسك عزيزتي...]]
كيف يهدأ لي بال وخالد فعل بي ما فعل!.. لقد يتمني الزمن ذات مرة... وخالد يتمني في المرة الثانية... لقد جعلني تائهة في حياتي والسبب هو المال والدنيا... لابد أنه الآن يعيش حياته في نعيم وسعادة... ويتركني هنا أقاسي لحظات الألم والحزن لوحدي...
آآآه يا ربي... هل من المعقول أن خالد قد فعل ذلك؟!... إن قلبي لا يصدق كل كلمة نطق بها جمال... لكن العقل... العقل يأبى أن يصدق قلبي!... إنني لا أصدق... ولكن إن لم تكن حقيقة... فلماذا يكذب عليّ جمال؟!.. ما الذي يريده من خالد؟!.. وما الذي يريده مني؟!...
إنني حقاً تائهة.... ولا زلت في نفس الدوامة...
أحسست بذراع تلتف حولي... وقبلة حانية تطبع على رأسي... :"صباح الخير!..."
حالما سمعت صوته أبعدت ذراعيه عني ...:" ابتعد عني!..."
ثم نهضت من مكاني لأواجهه... نظر لي باستغراب...:" لماذا؟!.. ما الأمر؟!..."
_:"يبدو أنك قد نسيت!... إنني لا أريد رؤيتك... اذهب من هنا!..."
تنهد قبل أن يجلس على الكرسي المقابل لكرسيّ... :"لماذا جلست؟!.. لا أريد رؤيتك!... يكفي ما تسببه لي من ألم في ابتعادك أيام طويلة... وعندما تعود توهمني بالسعادة..."
قال لي وهو يضع يده على جبينه... :"أرجوك بدور!... لقد تعبت كثيراً في الأيام الفائتة..."
_:" إن كنت قد تعبت في أيام قليلة... فأنا تعبة منذ سنين طويلة... أنا من يرجوك يا إسماعيل..."
نهض ليمسك بكفي بين كفيه... ونظر لأعماقي... :"ما بك؟!.. أعلم أنك متضايقة مني بسبب زوجتي... لكنك لا تعلمين ما أعانيه منذ سنين... إنني لم أصدق أني وجدت من أبحث عنها طوال تلك السنين..."
تناثرت دموعي كحبات اللؤلؤ على الأرض... :"لقد سئمت كل الأقاويل التي أسمعها... لقد سئمت من ضياعي بين الماضي والحاضر... إنني تائهة... تائهة بين أن أصدقك أم أصدق جمال أم أصدق أخي؟!..."
نظر باستغراب لي قبل أن يسألني... :"وما شأن جمال وأخيك فيما بيننا؟!.."
_:" لا أدري!... إنك تخبرني بأنك كنت تبحث عني... وجمال يخبرني بأن خالد يريد قتلي... وخالد أخبرني ذات يوم أنه لا يمكنه الحضور... ولكنه يشتاق لي... فمن أصدق يا ترى؟!..."
ضمني إلى صدره وأنا التائهة لم أمانع رقودي على صدره... كنت بحاجة لذلك العناق... قبل رأسي من جديد وهو يكفكف لي بضع دمعات... :"إنني لا أعلم ماذا أقول!!!..."
_:"لا تقل شيئاً... إنني تائهة وبحاجة لمن ينير لي الطريق... هل من الممكن أن يقتل خالد أمي وأخي؟!.. ويتركني هنا بين الحياة والموت؟!..."
أبعد رأسي من على صدره... ليضمه بين كفيه... :"يستحيل... هل تعتقدين أنه يوجد أخٌ في العالم يريد قتل أخته؟!... ثم ألم أخبرك بأن لا تصدقي ما يقال لك دون أن تتأكدي.. ربما كان جمال يمزح معك!... أو حتى يكذب!!!..."
نظرت إليه وعلامات الدهشة ترتسم على وجهي... رفعت الورقة التي بين يديّ حتى وصلت أمام عينيه... قرأها بهمس... ثم قال لي...:" قلت لك... ربما كان جمال يكذب أو حتى يمزح..."
_:"لكني أعرف جمال جيداً يا إسماعيل!!!... إنه لا يعرف المزاح أبداً..."
ضمني إلى صدره ثانية... :"أرجوك لا تفكري فيه الآن... إنني قادم إليك أحمل أنباء سارة لك!..."
رفعت رأسي سريعاً... فقلبي صار يتلهف لسماع شيئاً يفرحني.. :" وما هي تلك الأخبار؟!..."
فقال لي وهو يجلس على المعقد ثانية...:"أمتأكدة بأنك تريدين سماعها؟!.. قبل قليل لا تريدين رؤيتي!!!..."
غابت نصف الابتسامة عن وجهي... وقلت له بصوت يشبه الهمس...:"إنني!.. إنك تعلم بأنني لا أستطيع الصبر على فراقك... مهما كنت متضايقة منك... لكنك ضيقت نفسي تلك الليلة بطاعتك العمياء لهم..."
ابتسم لي قبل أن يمسك بكفي ويسحبني ناحيته... ليحبسني في حجره... أبعد خصلات شعري الطويل عن أذني ليقرب شفتيه منهما... :"إنك تعلمين أن عدم طاعتي تعني موتي!!!... ويجب عليّ أن أكون قريباً منهم... لحماية نفسي... والآن لابد أن جمال عرف قيمتك لديّ... فطاعتي له تعني حرصي على حياتك..."
التفت إليه لأطبع قبلة في نهايات وجنته... ثم قلت :"إنني أعرف ذلك... لكن هروبنا بعيداً عنهم لن تجعلهم خطراً علينا..."
_:"إنك لا تعلمين جيداً من هو جمال... المهم!!!... اتركينا من جمال وفرح!!!.. واتركينا معك..."
ابتسمت له باستحياء لأقول له...:"هل تناولت الفطور؟!..."
_:"ليس بعد!!!... سأخبرك قبل ذلك بالأخبار السارة..."
اعتدلت في جلستي بين ذراعيه... لأصغي لكل كلمة يقولها... :"منذ تلك الليلة التي تركتك فيها... وأنا أحاول الحديث مع فرح بخصوص علاقتنا التي أصبحت بلا معنى... ولكنها كانت حزينة جداً... وقبل أسبوع تحدثت معها لأخبرها أنني بدأت حياة جديدة... هي لا زالت عاكفة على البكاء منذ تلك الليلة... وكانت تحاول طوال هذه الأيام أن تعيدني إليها ... أما اليوم فقد تحدثت معها من خلف الباب... أخبرتها بأني نويت على الطلاق..."
تشعشع وجهي فرحاً... :"حقاً..."
لكن سرعان ما ماتت الفرحة في قلبي.... لأقول... :"لا أصدق!... فلابد أنها لم توافق على هذا الحل الوديّ..."
نظر لي إسماعيل بحزن واضح على وجهه... :"إنها لا زالت تحبني!... ولكن حبي لها مات منذ زمن... لذلك هي تحاول التمسك بي لأكثر وقت ممكن!... إنها ترفض هذا القرار الذي اتخذته أنا... لكنها رغم ذلك مكسورة الجناح الآن... وربما ستبقى يوم أو يومين على الأكثر وهي كذلك... ومن ثم ستأتي لي كاللبؤة التي افترسوا حبيبها... وخصوصاً لو علم والدها بالأمر... سيقضي على كلينا..."
عقدت حاجبي استنكاراُ... فقال لي مباشرة...:"أعدك يا بدور أني سأفعل ما بمقدوري لحمايتك..."
توقعت أن حضور إسماعيل اليوم سيوضح لي كل شيء... لكنه كان غامضاً بعض الشيء... فهو حتى الآن لم يخبرنِي بالمشاكل التي بينه وبين زوجته الأولى... كل ما أعرفه هو أنها لا تنجب... وأن حبه لها مات منذ زمن بسبب المشاكل التي ترتبت على عدم إنجابها... ما هي تلك المشاكل أنا لا أدري؟!... لا أدري سوى شيءٍ واحد.. أنني أعيش في ضياع مستمر...
بداية حياتي كانت بلا أب!... ومنتصفها بلا أخ!... ونهايتها بلا أم ولا أخ!!!... لأبقى يتيمة طوال حياتي... وأخيراً أكتشف بأن خالد قتل أمي وحبيب!!!....
وجمال هذا الغريب هو المحامي عني؟!...
فماذا يوجد أكثر من هذا الضياع؟!...
| +* +* +* +* +* |




شعور غريب أرحب به في أعماقي...



_:"مرحباً..."
_:"أهلاً بكما... هل استيقظتما مبكراً؟!..."
أجبتها وأنا أطير من الفرح... فأنا لأول مرةٍ أخرج برفقة خالد لإحضار الخبز صباحاً... فدائماً يذهب هو لوحده... :"نعم يا علياء!... ولقد أعددت لكم الفطور... البيض وأسفله حلقات من الطماطم الطازجة وقطعاً من الفطر [[المشروم]]... وكذلك سلطة الزعتر اللذيذة... وخالد حضر لكم... ..."
قاطعني خالد سريعاً...:"طبق الفول الممتلئ بالثوم والبصل و زيت والزيتون..."
عندما كنا نعد الفطور وشممت تلك الرائحة التي تنبع من طبق خالد... تخيلت أنه شخصٌ آخر... يقف خلف الموقد وهو يرتدي ملابس رياضية... بشرته تميل للاسمرار قليلاً... و يغيضني برائحة الثوم والبصل... لكن في الحقيقة كان خالد يقف بهدوء وهو يعد طبقه...
أخرجني من تلك الذكرى صوته قائلاً...:"مطر!... ما بك؟!..."
هززت رأسي قبل أن أقول...:"لا شيء!... إنني كنت أتذكر شيئاً..."
هنا الجميع صمت وبدأ ينظر لي بنظرات فيها نوعاً من الحزن... ابتسمت وأنا أقول...:"لا تقلقوا... ليس شيئاً عظيماً أو محزناً!!... إنما عادت لي صورة خالد أخي وهو يطهو نفس طبق اليوم قبل... قبل لا أدري كم سنة!!... فعندما رأيته وهو يقف خلف الموقد... تخيلت شكله فتى صغيراً يطهو في مطبخ منزلنا... ولكن يا خالد!... لماذا لم تضايقنِي اليوم برائحة الثوم والبصل؟؟؟... كما كنت تفعل سابقاً..."
نظر لي خالد وقد اختفت البسمة عن شفاهه... فقلت له وأنا أمسكه من ذراعه...:"ما بك؟!.. لقد كنت كما أتخيل الآن تضايقني دوماً بتلك الروائح التي أكرهها..."
تلعثم قليلاً وهو يجيب...:"لا!... لا شيء!!!... إنما أنا سعيد بأنك بدأت تتذكرين شيئاً من الماضي... لكن مطر أخبريني بشكل ذاك الفتى... وكيف كنت تشعرين تجاهه؟!.."
صمت للحظات أحاول أن أتذكر شيئاً يتعلق بالماضي... وخصوصاً تلك الذكرى... ضغطت قليلاً على نفسي... ولكني لم أتذكر شيئًا... سوى...:"عينيك تشبهان عينيه... وفيهما بريقٌ غريبٌ جداً حينما تنظر إليّ مباشرة... كنتُ... كنتُ أبعد عيني عنهما كلما سلطها عليّ... و... و... ولا أدري لماذا كان قلبي يرتجف كلما اقترب مني؟!... شعور غريب؟!.. ليس هو بالخوف... وليس بالأخوة... فأنا أشعر بأن الأخوة لم أعرفها إلا عندما ألتقيكم..."
نظر الجميع إليّ نظرات استغراب واستفهام... لحظتها قالت حنين...:"ماذا تعنين؟!..."
أردت إجابتها لكن صوت الجرس بدأ يرن... ليعلن وصول ضيف ما... فاستيقظ الجميع من الصدمة التي تركتها بهم كلماتي...
لكن ماذا أفعل؟!.. فأنا حقاً لا أدري ما هو ذلك الشعور الذي يراودني حينما تبدأ الذكريات المتعلقة بالماضي تظهر رويداً رويداً... خصوصاً عندما أتذكر تلك العينين اللتين تلمعان... فمعظم ذكرياتي هي أصوات تهتف باسم إحداهن... أو صورٌ لفتى في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة يحاول مضايقتي بأفعاله... ربما يكون خالد... أو شخص آخر... فأنا لا أستطيع تحديد تلك الملامح...
نهض خالد من مكانه ليفتح الباب للطارق... فرأيت شاباً يخفي نصف وجهه بقبعة كبيرة... وعندما رفع رأسه قليلاً... لم أتبين ملامحه جيداً... لكن انطباعي الأول عنه... أنه غريب عني... ولم يدق ناقوس الذكريات في ذاكرتي بصورة له...
| +* +* +* +* +* |




زائر الصباح...



لقد تفآجأت بصوت جرس الباب... فنحن لا ننتظر أحداً!...
عندما اقتربت من الباب أريد أن أسترق النظر من العين السحرية لكن خطر في ذهني أنه ربما يكون هو قد عاد لنا... نعم ربما يكون عبد الرحمن... لكني تفآجأت بشخص آخر... ضعيف البنية طويل القامة...
ألقى التحية دون أن أرى ملامحه جيداً...:"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..."
نظرت إليه بدقة أكثر... فصوته ليس غريباً عليّ... لكني أجبته...:"وعليكم السلام... هل من مساعدة؟!.."
رفع رأسه أكثر... لتظهر لي ملامح وجهه... لأصدم بذلك الوجه المصبوغ بلونين... بقع كبيرة داكنة على بشرته السمراء... فقال لي سائلاً...:" هل أنت خالد؟!.."
ازدردت ريقي وأنا أحاول كتمان خوفي وتوتري... وأيضاً استغرابي من معرفته لي...": نعم!.. من أنت؟!.."
نظر إلى يمينه في محاولةٍ منه لإبعاد نظراته عن نظراتي... :"هل يمكنني الدخول؟!.. والحديث معك قليلاً..."
نظرت لعمار الذي يقف على مقربة مني... فرأيت في عينيه نظرة شك وتوجس... فقلت للشاب...:"لا يمكنني إدخالك دون أن أعرف من أنت..."
نكس الشاب رأسه قليلاً ثم رفعه لينظر في عينيّ مباشرة...:"إن قلت لك من أنا هكذا لن تصدقني..."
ولمعت في عينه لمعة غريبة... لكن تلك الملامح ليست بغريبة عليّ... ترددت في تلبية طلبه... فهناك شيء في داخلي يدفعني لإدخاله...
فأتى عمار يحاول إسناد نفسه بعصاته... :"من أنت أيها الشاب؟!.. نحن هنا نعيش مع أخواتنا فلا يمكننا إدخال رجل أجنبي عنا مهما كان الأمر مهماً..."
نظر لي الشاب برجاء...:"أرجوك يا خالد أدخلني... فأخواتكم هن أخواتي!... صدقني لن آخذ منكم سوى خمس دقائق..."
نظرت للفتيات... وقلت لهن...:"درباً لو سمحتن!.."
ترددت الفتيات في الدخول إلى الغرفة المجاورة... وخاصة مطر... فهي وقفت تنظر إليّ برجاء أن أتركها برفقتي... لكن بنظرة حادة نوعاً ما... دخلت...
أدخلت الشاب إلى الصالة... :"تفضل واجلس..."
جلس بتردد... والتوتر بادٍ على محياه... هناك كلمات كثيرة تود الخروج من بين شفتيه... ولكنه قلقٌ جداً...:"تحدث أرجوك!... هل يمكننا مساعدتك بشيء ما؟!.."
نظر إليّ وبدأت عيناه تغرقان في بحر غريب... :"إنني أود أن أخبرك عن قصة قديمة... قصة مر عليها عشر سنين..."
سألته مقاطعاً...:"ماذا؟!.. ماذا تعني يا هذا؟!... ألن تخبرني من أنت في البداية؟!.. ومن أين تعرفني؟!.."
_:"سأخبرك!... لكن ليس قبل أن أتمم قصتي..."
أومأت له سامحاً له بالحديث... في حين أن عمارًا بدأ شكله يتغير... كان يظن بأن الفتى مجرماً أو ما شابه... لكن أسلوبه الذي بدأ فيه كان يجعل الناس تصغي إلى كل كلمة ينطق بها... ذكرني بشخص أشتاق إليه كثيراً... ولكن للأسف لا يمكنني رؤيته...
_:"قبل عشر سنين مضت... ربما أكثر!... كان لي عائلة صغيرة... تتكون من أمي وأخي وأختي الصغيرة المدللة... أما إن سألتني عن أبي... فهو قد مات قبل زمن طويل... ومن بعده كانت حياتنا بين فرحٍ وحزن قليل... وبقيّ أخي الأكبر وأمي يعتنيان بنا... حتى رحل أخي إلى الشمال كما أخبرنا ذات مساء... ليجد عملاً من أجلنا... وبعده كانت حياتنا بين حزنٍ وغم..."
نهضت من مكاني لأقاطعه...:"حــ...!! حبيب!!..."
_:"لم أنهِ حديثي!... تركنا ليؤمن لنا المال للعيش... لكنه لا يدري عن حياتنا أبداً... لا يدري أن من كان يعمل معهم قتلوا أمي... كبلوني معها في البيت... وأحرقوا المنزل بما فيه... وإن سألتني كيف هربت؟ فلا أدري كيف!!.. مجرد أني رأيتهم يكبلون يدي... شددت عليهما... وحينما خرج أولئك الذين يكسوهم السواد... حاولت جاهداً لفك وثاقي... ولكن بعد ماذا؟!!.. بعد أن اختنقت من الدخان... حاولت فك وثاق أمي ولكني لم أستطع فالدخان كتم أنفاسي... فخرجت قليلاً لأتنفس القليل من الهواء... حتى لا أموت بالدخان وتموت هي كذلك... وعدت مباشرة لفك وثاق أمي... بعد عناء مع الدخان والحبال فككت وثاقها... كنت أعتقد بأني سأنقذها... لكن للأسف كل ما استطعت فعله هو أن أخرج جسدها من الباب الخلفي... ولسوء حظي كان هناك واحداً منهم... مما جعلني أمسكه لأبرحه ضرباً حتى فقد وعيه... ودخلت به وسط النار لأربطه في مكاني... وهاهم... يظنون بأني مت... وأمي قد ماتت مختنقة..."
_تقدمت إليه ودموعي تعزيني...:"ماذا؟!.. وماذا عن بدور؟!.. أين هي؟!.."
رفع رأسه لي... ووديان الدموع على وجنتيه... :"أنا من أتى ليسألك هذا السؤال؟!.. منذ عشر سنين وأنا أبحث عنكما!... لقد أخذها أولئك الأوغاد... ولا أدري ما الذي دفنوه في قلبها ضدك... فهم هددوني بها كثيراً... وقالوا أنهم يحتاجون إليها..."
لقد كان حبيب!!.. نعم حبيب أخي!!!... جلست بجانبه لأضمه إلى صدري... وأبكي أمي وأختي... والأيام التي ضاعت من دون حبيب... :"لماذا فعلوا ذلك؟!.. وكيف سمحت لهم بأخذها؟!..."
أجابني بوهن... بينما أنا كنت أشعر بنفسي وكأنها بحلم...:"لم تكن بيدي حيلة!... فقد هددوني بقتلها إن لم أتركهم... وكذلك خدعوني في البداية... تركتهم يأخذوها لأنهم أوهموني بأنهم سيأخذون أمي وبدور... ولكني تفآجأت بعد أن قيدوني بتقييد أمي..."
_:"لا بد أنهم قتلوا بدور الآن!... فهي لن تخضع لهم!!..."
هز رأسه لي نافياً...:" لقد كانت نائمة عندما قدموا إلينا... خدروها حتى لا ترى شيئاً... عندما أخذوها كانت تغوص في الأحلام..."
أقسم أني لن أتركهم!!... لن أتركك يا بدور بين أيديهم مادمت حياً... سأجعلهم يندمون على كل شعرةٍ مسوها منك...
| +* +* +* +* +* |

شجرة الكرز
06-12-2010, 07:22 PM
الاثنين... الموافق الثاني عشر من مايو...
قبل ذلك الوقت بقليل... في منزل العائلة...





مر أسبوع أو أكثر على الحادثة...
هل يمكن أن أسميها حادثة؟؟!... نعم! إنها حادثة وقعت لي...
لماذا تصرف معي بهذا الأسلوب؟؟!... كان همجياً كالوحش... لم يعطنِ فرصة واحدة لأدافع بها عن نفسي...
أعطاني فرصاً كثيرة لأحبه... ولكنني بقيت متعلقة بخاتمي... وحبي الأول... ففي تلك الليلة اكتشفت لأول مرة في حياتي أنني بلهاء!!!... نعم بلهاء!!!...
لو كنت أخفي في قلبي مشاعري... أخفيها لي وحدي... لما حدث الذي حدث!!... لو أنني جاريته قليلاً... ما فعل بي ما فعل... إنني غبية حينما أعلنت كرهي له بهذه السرعة... ماذا سيكون لو أنني جاريته قليلاً؟؟..
والآن ماذا سأقول لأمي وأبي؟!.. حينما أخبرهم بكرهي له!.. أو أخبرهم بما حدث بيننا... هل سيغفرون لي؟!.. أم سيجبرونني على الارتباط به ارتباطاً نهائياً؟!!...
لقد تعبت... أسبوع وأنا مضربة عن كل شيء... عن الأكل... عن الكلام... وحتى عن النوم... أخشى أن أغمض جفنيّ ويأتيني عليّ ليمارس همجيته عليّ...
مهما فكرت ومهما بررت له... يضل مذنباً... مذنباً في حقي...
دخلت في هذه اللحظة كوثر التي غابت عنا بضع أيام... وأتت منذ عدة أيام أخرى لانشغال زوجها...
عند دخولها لم تتحدث إليّ بأي كلمة... لكنها لاذت بالصمت... أما أنا فقد بقيت أنظر إليها ببلاهة... حتى خرت دمعتي... وبعدها ألقيت بنفسي بين ذراعيها باكية...
لأصرخ لها بين بكائي... :"إنني نادمة!... نادمة!!..."
_:"أرجوك يكفي!... إنني آسفة عما قلته... لكنه الشيء الوحيد الذي كان سيعيد لك عقلك... أنظري إليه كيف يحبك بجنون وقد جعلت حبه يذبل... لم تسقِه بماء ودك حتى!..."
ضمتني إلى صدرها... محاولة أن تهدأ من حدة بكائي...
ولكن مهما ندمت على أفعالي... يبقى مذنباً... نعم مذنب... رفعت رأسي ومسحت نهر دموعي من على وجنتي!... ثم قلت لها بصوت مخنوق...:"لكنه أذنب في حقي!... هل تعتقدين أن ما فعله بي ليلة رحيلك شيئاً طيباً؟.."
رفعت حاجباها... :"ماذا؟!... ماذا فعل عليٌ بك؟!.. إنه لم يفعل أي شيء يقلل من احترامك..."
شككت في الأمر.. فقلت لها دون وعي...:"حقاَ إنه لم يقلل من احترامي... لكنه أخطأ بحقي حين اختلا بي..."
بحلقت كوثر عينيها وهي تسمع جملتي الأخيرة... وضعت يدي على شفتيّ لأطبقهما... فيبدو أن الخبر لم يصل لأحد ما... فقد كنت أعتقد أنه قد أخبر خالتي أو حتى كوثر... نهضت كوثر من مكانها لتقفل الباب بإحكام... وعادت لتجلس بجانبي على السرير...:"أعيدي ما قلته؟!.. أعيديه لي..."
هززت رأسي نافية...:"لم أقل شيئاً مهماً..."
_:"بل قلت يا غدير!... كيف حدث ذلك؟!.. ومتى؟!.."
نكست رأسي... ليس خجلاً... بل خوفاً... كانت كوثر غاضبة نوعاً ما... فتوترت أعصابي أنا أيضاً... لكنها أحست بي وقالت لي...:" لا تخافي من شيء!... فقط أخبريني كيف حدث ذلك... وصدقيني بأني لن أخبر أي مخلوق كان..."
تحدثت بسرعة من شدة خوفي... دون أن أشعر بأني جهاز تسجيل... _:"إنني لم أرتكب شيئاً... فقط ذهبت إليه لأخبره بأني لا أريده... ولكن الآن كيف أرفضه بعد أن اقترب مني... سيكون من المستحيل فعل ذلك... عدت إلى غرفتي لأبكي... فلحق بي ليسمعني كلاماً مثل كلامك... جرحني وآلمني... فصفعته صفعةَ من كل قلبي... فأعاد الصفعة لي بأعظم منها..."
هنا سكت لأنظر إلى وجه كوثر... لكن لم يبد عليها علامة الفهم... بل علامات كثيرة من الاستفهام... أخذت نفساً لتقول لي...:"أتقولين بأنك طلبت منه الطلاق؟!.."
_:"نعم!... وخلعت خاتمنا لأرميه بوجهه..."
زمت شفتيها على جنب... قبل أن تقول...:"وأتى ليرد لك الصاع صاعين!!.."
هززت رأسي موافقة على ما تقول... فقالت...:"والله أنكما مجنونان... تذهبين لتخبريه بكرهك... فيأتي إليك!... لم أرَ أحداً أكثر جنوناً..."
صرخت عليها بحزن...:"لا تقولي لي ذلك!... بل أخبريني ما العمل؟!!... لو علم أبي سيقطع رقبتي..."
_:"هل جننت؟!! فأنت لم ترتكب إثما... إن بينكما عقداً شرعياً... زواجكما تم منذ سنة... إلا أنه لم يتم الإشهار بالزواج..."
عقدت حاجباي في تساؤل... لأقول...:" هذا صحيح!... لكني لم أفهم!..."
تروت في شرحها المفصل...:" اسمعيني جيداً!... لقد رأيت طريقة زواجي... في يوم الملكة... أتى الملاك وأخذ موافقتي على الزواج أمامكم جميعاً... هل هذا صحيح؟!.."
أجبت باقتناع تام...:"نعم!... هذا صحيح..."
فأكملت...:"وفي يوم زفافي... رغم أنه كان زفافاً مصغرا... هل أتى أحد ليأخذ موافقتي على شيء؟؟؟.."
سكت قليلاً وأنا في حيرة من أمري... ثم أجبت...:"لا!... لم يأت أي شخص!... لكن كيف ذلك؟!!.."
_:"سأقول لك... عندما أتى الملاك أخذ موافقتي على الزواج بمحمد!... ومن ثم ذهب ليتم زواج محمد عليّ... أي أنه تم التحليل لنا منذ تلك اللحظة... ولكن في عاداتنا نحن العرب... أن لا يتم حدوث شيء إلا بعد الإشهار لسبب واحد فقط... وهو أن لا يأخذ الرجل ما يريد ومن ثم يقول لا أريد هذه الفتاة... و العكس صحيح كذلك... ففي كثير من الأحيان يحدث ذلك... وسمعت ذات مرة أن الرجل بين فترة وأخرى يملك على واحدة وبعد أن يوقعها في فخه يغير رأيه ويتركها... ليجرب غيرها... ولكن أناملنا ليست متساوية... وأيضاً الرجال ليسوا متشابهين!... فلا تخافي!... إني أعرف أخي جيداً... ربما كان هذا الشيء يقربكما أكثر..."
زممت شفتيّ قبل قولي... :"ولكني أشعر بحقد كبير عليه!..."
نهضت من مكانها لتقول...:"ألم تقتنعي بما قلت للتو... إنك زوجته أمام الله والرسول... فكيف تحقدين عليه لأنه فعل ذلك؟؟.. ومن ثم لا يحق للزوجة أن تمنع زوجها من حقوقه إلا بأسباب قوية جداً... وإلا كان الله في عونها يوم القيامة..."
_:"لكنه كان همجياً... كالوحوش المفترسة..."
ابتسمت حين قالت...:"أنا معك في هذا الأمر... إنه فعلا همجياً بالنسبة لما حدث لك... وأنا ألوم أخي على فعلته... فليس له حق بأن يعاقبك هكذا... كان أفضل لو تجاهلك..."
فتحت فمي على أوسعه... متعجبةً مما قالت في نهاية جملها... كنت أود معاكستها عليه... لكن حين استفقت من تعجبي كانت قد رحلت... فلحقت بها... للشيئين الأول التعارك معها والآخر شيئاً أضربت عنه في الأيام الفائتة...
| +* +* +* +* +* |



إنه مهذبٌ و خلوق...



منذ حادثة بتول وحال المنزل ليس على ما يرام... فالأوضاع كلها متدهورة... والآن حادثة أحمد تقلق الجميع فقلوبنا بأيدينا...
وبالمناسبة الحرب قربتنا كثيراً من عائلة خالتي فاطمة... فقد أصبحنا نعيش معهم في نفس المنزل... فالعم أبا علي لم يسمح لنا بالمغادرة رغم أننا نعيد بناء منزلنا رويداً رويداً... فكلما هدأت الأوضاع بدأ العمال يعملون بجهد كبير... ولكن أنا شخصياً أفضل العيش معه...
لا!.. لا!... لا يفهمني أحدكم بشكل خاطئ... فأنا أحب جميع من في المنزل... وربما بوجود عمتي سارة سنضطر للرحيل إلى منزلنا فأبي طلب من المقاول أن يسرع في البناء قدر المستطاع...
لكنه هو أيضاً شخص طيب وكريم... مهذبٌ و خلوق أيضاً...
كنت أنظر إلى الدرج حينما نزلت كوثر التي كانت تجري وهي تصرخ علينا...:"ما هذه الخيانة؟!.. سبقتموني بالإفطار..."
ضحكت وأنا أقول...:"ألم أخبرك بأن لا تتأخري!... ودعي تلك المضربة فلا فائدة منها..."
هنا نظرت إلى أعلى السلم... حين لاحت لنا غدير وهي ترتدي حجابها على عجل... بحلق الجميع فيها... كنت أود أن أصرخ معترضة عليها لكن سبقني ياسين بتوجيه الاتهامات لي...:"إنها ريم يا كوثر!... قالت لنا لا تنتظروا كوثر فهي ستنهي الطعام علينا..."
ضحك الجميع... فيما امتلأت غضباً... وأنا أقول...:"أيها الكاذب... إنني لم أقل ذلك..."
_:"حسناً حسناً... سأقبل بتلك الكلمة... لكنك دبة تخافين الجوع في الشتاء..."
مددت شفتيّ بضيق... فضحك عليّ الجميع وهو لم يتركنِ وشأني... :"إنك حقاً طفلة صغيرة... لن تكبري وتفهمي أنني أمزح لا غير..."
ألقيت عليه ملعقتي ليتلقفها بيده بكل مهارة وهو يقول...:"أنت لازلت طفلة يا ريم..."
حاولت خالتي إسكاته لكنه كان قد اختفى من أمامنا...:"إلى متى ستبقى مشاكساً؟..."
هذا هو!!. لن يتغير أبداً... في أحلك الظروف يبقى مبتسماً ومشاكساً... خصوصاً معي أنا... يحب أن يغيظني... ويرفع ضغطي... لكنه!... لكنه!.. لا أدري... لماذا أشعر بتجاهه بمشاعر مختلفة عن الآخرين... فحتى عليّ يحب مضايقتي... لكن مضايقة ياسين لي مختلفة... مختلفة تماماً...
كنت قد تهت في عالمي المنفرد... فأيقظني صوت غدير وهي تسأل عن أحمد...:"كيف هو حال أحمد يا أمي؟!!."
فأجابت أمي بحزن...:"لازال كما هو!... أشعر بأنه سيفيق قريباً... لكن متى؟!.. لا أدري..."
نكست غدير رأسها... وقالت بصوت أشبه بالهمس...:"إنني خائفة عليه جداً..."
أمسكت خالتي يدها بحنان...:"لا تخافي يا ابنتي!... إن الله معه... ولن يخذله أبداً..."
رفعت أمي رأسها ويديها للأعلى... وقالت بصوت يناجي العلي الأعلى...:"ارحمه يا الله!.. وأعده لي سالماً معافى..."
دخل أبي وقد كان مستعداً للخروج... فسألته أمي...:"إلي أين يا مصطفى؟!.."
أجابها وهو يضع مفتاح سيارته في جيبه... :"سأذهب لأرى العمال في المنزل أين وصلوا؟!.. ومن ثم سأذهب إلى المشفى لأرى حال أحمد وكيف هو وضعه!.."
_:"سأذهب معك..."
كانت هذه أمي التي نهضت من مكانها تحاول أن تجد عباءتها لترتديها... وكذلك غدير قالت... :"وأنا كذلك أبي..." لكن أبي أوقفهما... :"انتظرا... إنني سأذهب إلى المنزل كما قلت... وسأتأخر عندهم قبل ذهابي إلى هناك... ابقيا هنا وحينما أكون هناك سأرى الأوضاع وأخبركم بكل جديد..."
لكن أمي لم يأت كلام أبي في قلبها... فقالت وهي تجلس...:"حسناً كان الله معك... لكني سأطلب من ياسين أن يأخذنا إلى هناك... فلا تأكل هماً..."
ابتسم أبي لها قبل أن يخرج...
هنا قالت كوثر...:"أين أخي اليوم؟!.. إنني لم أره..."
فأجابتها الخالة فاطمة...:"لقد ذهب!!.. لديه عملٌ يجب أن ينهيه... كما قال..."
فقالت وهي ترمق غدير بنظرة غريبة...:"يبدو أنه يعيش في عالم آخر..."
_:"ما بك ترمقينني هكذا؟!.. وما شأني أنا به؟؟؟"
لم أفهم ما يدور بينهما... لكن كوثر أكملت تغيض غدير...:"لكنك السبب في فرحته... وانهماكه بالعمل... فأنا أعرف عليّ... إن كان مزاجه بحال ممتازة... يكون متفرغاً للعمل... أما إن رأيته قابعاً في المنزل فهو في حال لا يمكن إخراجه منها..."
_:"ولكنني أكره وجوده معي... فما ذنبي في مزاجه..."

ضحكت بقوة... وكأنني فهمت ما ترمي إليه غدير... فحقاً حال عليّ تغيرت منذ أقل من أسبوع تقريباً... سألتني ياسمين...:"ما الذي يضحكك؟!.."
_:"إنني انتبهت كذلك يا كوثر!... علي تغير حاله ومزاجه منذ ثلاث أو أربع ليال... فربما كانت مشاجرتهما تلك الليلة هي السبب بتحسن مزاجه..."
بحلق الجميع فيّ... حين سألتني كوثر وقد بدا التوتر على وجهها الذي لا أعلم ما سببه...:" ماذا تعنين بأنهما تشاجرا؟!..."
قلت بكل بساطة...:"رأيت أختي المصون تذهب إليه وترمي بوجهه خاتمهم... ومن ثم تعود لغرفتها... لكن صهرنا العزيز ذهب خلفها ليعطيها درساً في الحياة الزوجية... ومن ثم سمعت صوت بابها يغلق بقوة... ومن بعده صوت بابه أيضاً... لكن الشيء الذي حيرني هو بكاءها طوال الليل... فهل كانت حزينة لفراق عليّ؟!.. أم كانت متضايقة بسبب الدروس الزوجية التي لقنها لها..."
نظرت الاثنتان إلى بعضهما البعض... في حين أن ياسمين قالت...:" لكنني أتوقع أنها فرحة جداً لأنها تركتنا نبات مع الخالة سارة نحن الثلاثة... و وسام وياسين باتوا في الصالة..."
_:"لماذا؟... بات ياسين و وسام هنا؟؟؟"
أجبت غدير بكل براءة...:"لأن علي كان قد أغلق على نفسه الباب... يبدو أنك غاضبة منه... أما هو فقد كان في هذه الأيام بحال لا أدري كيف أصفها؟... لقد كان مرحاً... يداعب الجميع بدعاباته الغريبة... حقاً كان مزاجه مرتاحاً..."
ضحكت ياسمين وهي تقول...:"ربما لأنه كان مستمتعاً بتعليمك لدروس الزواج الجيدة..."
نهضت غدير لتهرب إلى غرفتها باستعجال... فقاطعتنا الخالة فاطمة بحدة... :"يكفي ذلك يا فتيات... إنكم تلهون بمشاعرها... إنني أعلم بأنها تقسو على ابني... لكن يجب أن لا نقسو عليها... فيكفيني أن أجد علي مرتاح البال هكذا..."
دخل ياسين ونظر إليّ مبتسماً... فهجمت عليه هذه المرة...:"لماذا تنظر إليّ هكذا؟!.. أهناك شيء؟!.."
ابتسم بغرور... وقال ضاحكاً... :"مجرد مزحة لا أكثر!..."
_:"أيها البغيض!... إنك أكبر مجنون على هذا الكوكب..."
فقال لي ببرود... :" الحمد لله!.. أي أنه هناك أكبر مني على كواكب أخرى!..."
تركته هذه المرة ولم أجب عليه بأي كلمة... لكن الضيق بدا واضحاً على وجهي... فقال مستهزئاً...:"أنت أكبر طفلة في الوجود..."
| +* +* +* +* +* |



أنا من يحتاج للإجابة؟؟؟...



إنني محتارة في ذلك الشاب الذي يجلس برفقة خالد!.. إنه شخص مجهول بالنسبة لي...
كنت أقف بجانب الباب... لأسمع ما يدور بينهم من حديث... ولكن صدمت لدى سماعي بأن هذا القادم هو أخٌ لي!... ولكن مهلاً لحظة!!!... لم يأتوا على ذكر اسمي في حديثهم عن الماضي...
إنما عن فتاة اختطفت واسمها بدور!!!! من هي ؟؟؟ اسمٌ جديد يطرق الأبواب في ذاكرتي!!!..
_:" ماذا تفعلين هنا؟!..."
نظرت إلى خالد الذي يحدثني... فأنا لا أدري كيف حملتني قدماي إلى الصالة... لأقف أمامهم بكل صمود وأسأل خالد...:"من هذا؟!.."
نهض خالد والتوتر واضح عليه... وكانت عيناه تقفز من وجهي إلى وجه الشاب الجالس... ومن ثم إلى عمار... الذي نهض من فوره ليحاول بصعوبة إعادتي إلى الغرفة... لكني رفضت ذلك...:"لا أريد!!!... أخبروني من هذا؟َ!!... فربما يستطيع مساعدتي في استرجاع ذاكرتي!!!..."
صدم مني خالد وعمار... فأنا منذ فترة لم أتحدث معهم عن ذاكرتي... لكن هذا الفتى المحترق قليلاً أعاد لي الكثير من التساؤلات الغريبة...
أبعدت يدي عن عمار لأقف أمام خالد بكل صمود وإصرار...:"أرجوك أخبرني..."
نهض الشاب وقال لخالد...:"لماذا لا تخبر زوجتك بأني أخيك؟؟!!..."
ماذا؟!.. زوجتك!!!!!...
كانت نظرات الاستغراب في عين خالد... ولكن عمار قال مصدوماً...:"هل هي زوجته؟!.."
ما الذي يدور من حولي؟!.. من أنا؟؟؟ ومن هؤلاء؟؟؟...
فسأل الشاب...:"إذن من تكون؟؟؟.."
صرخت بهم...:"أنا من يحتاج للإجابة؟؟؟... من أنا؟؟؟ من أنا يا خالد؟... ومن أنتم؟؟؟ ومن أين أتيت؟؟؟"
تلعثم خالد بحروفه... وهو يجيب...:" لا... لا... "
_:" لا ماذا؟؟؟؟؟ أرجوك أخرجني من هذه الدوامة التي أعيش فيها منذ سنين!!!..."
لم يتكلم ولم ينطق بحرف واحد... فذهبت لعمار أتوسله...:"أنا أخته!!.. أليس كذلك؟؟؟... أرجوك قل لي بأنني أخته... ولست شخصاً آخر... لكن... لكني لا أذكر شيئاً يربطني به... أو بهذا!!!.."
نظرت للشاب المحترق كانت نظرة الاستغراب ممزوجة بالشفقة في عينيه... لكن قلبي يؤلمني... وعقلي يدور بي في دائرة صغيرة جداً... إنني لا أجد مخرجاً منها...
إنه وجه واحد أذكره... وجه قبيحٌ يخيفني... وآخر وجهه يشع بالأمل والحب والاطمئنان... أريد الوصول إليه... لكنه بعيدٌ عني... بعيد عني مسافة سنين عدة... وهذا الذي يخيفني كلما مر الوقت يقترب مني أكثر وأكثر...
فجأة أحسست بيدين تمسكانني من ذراعيّ... تهزني...:"ابقي معي يا مطر!! ابقي معي!!!..."
انتفضت صارخة فيه...:"ابتعد عني!!! ابتعد عني أيها الحقير..."
استعدت الواقع الذي أعيش فيه... فرأيت خالد يقف أمامي بجانب عمار... كنت خائفة... وكانت أنفاسي تتسارع... ودقات قلبي تدق بقوة... لدرجة أنني أحسست به سيقتلع من مكانه...
لكن كل شيء غاب من أمامي بلحظة واحدة... لحظة واحدة فقط!...
| +* +* +* +* +* |



حدث في وقت ظهيرة الاثنين...



زحف رجال الشبكة... إلى القصر المهجور... ولحسن حظهم لم يكن ذلك الرجل الأجنبي قد وصل إليهم... إلا قبل دقائق... ولكن الضابط المسئول الذي يشرف على الأسرى والمساجين هناك لم يقتنع بكلامه... وهو جالس على كرسيه رافعاً رجليه على الطاولة التي أمامه... وبين إصبعيه الوسطى والسبابة ممسكاً بعود سيجار فاخر... كان بارد الأعصاب وكأنه يتعامل مع أحد سجنائه... برودة أعصابه ترجع لحبه لتدمير قوى الشخص الذي يحادثه...
_:"لا عليك!... إننا مستعدون لكل من يحاول مهاجمتنا... فلا تنسى بأننا قد حصنا القصر قبل أن ننتقل إليه..."
كان الرجل هو ذاته الرجل الذي كان يقف أمام جمال بخوف شديد... قصير القامة نحيف الجسد...
لقد تلعثم في حروفه من شدة خوفه...:"إن... إن... إنها... إنها توصيات جمال... يا... يا... يا سيدي!... ولابد... ولابد لنا إتباعها... من... من بعد موافقتكم سيدي..."
أنزل قدميه من على الطاولة... وأشار للرجل القصير بالاقتراب... ليهمس بأذنه..:"أنصحك بأن تذهب قبل أن تفلت أعصابي من بين يديّ... فهذا لن يكون جيداً لك..."
ازدرد الرجل ريقه بصعوبة... وقال بهمس وتوتر ولهجته الأجنبية...:"إنني عبد المأمور يا سيدي..."
شقت ابتسامة خبث شفتي الضابط... ليقول...:" وأنا الآن آمرك بالرحيل!..."
حمل الرجل حاله وهرب مسرعاً... وقد اختار أفضل وقت للهروب... فحالما وضع قدمه خارج أسوار القصر... تنفس الصعداء...
لكن راحته لم تدم طويلاً... فهناك يدٌ ضخمة أمسكته من الخلف... لتجره من مكانه...
| +* +* +* +* +* |



ليت الناس كلهم كانوا مثله!...



كان رجلاً قصيراً جداً... اعتقدت في بداية الأمر أنه طفلاً... لكن حالما خرج من البوابة الضخمة التي ربما تسقط اليوم أو بعده... رأيت شاربه الصغير الذي يعلو شفتيه...
أخذته بعيداً... بعد أن كان يرتجف بخوف... وهو يكتم صرخاته... فهو خائف مني وخائف ممن هم خلف الأسوار... أول سؤال سألته...:"من أنت؟!.."
أجابني بصوت متلعثم... :"إنني... إنني عبد المأمور يا سيدي..."
نظرت إليه بغضب يشتعل في أرجاء جسدي... فقال مسرعاً...:"صدقني يا سيدي!... أنا عبد المأمور... اذهب يا داني إلى هناك... وقل لهم يا داني أن يفعلوا كذا... وافعل أنت كذا... واصمت في الوقت المسموح لك... وتحدث في الوقت المحدد... فماذا يمكن أن يكون اسمي غير عبد المأمور..."
لا أدري لماذا اختفت العصبية مني... لدرجة أنني بدأت أضحك بعفوية... ضحكت مما جعل من معي أن يضحكوا... فهذا الرجل فكاهيٌ أكثر منه جدياً... فها هو يشتغل مع الإرهاب لكنه لا يعرف عن الإرهاب شيئاً كما بدا لي...
بعد أن رأيت نظرات التعجب على محياه... هدأت فسألني متعجباً...:"ما... ما الذي يضحكك يا سيدي؟!..."
ابتسمت... لأنزله وأضعه على الأرض... فهو ريشة خفيفة... بل كأنه طفل في الرابعة من عمره... لوزنه الخفيف... ودقة ملامح جسده...
نزلت لمستواه... فأطرق برأسه... وقلت...:"هل اسمك داني؟!.."
نظر إلي قليلاً قبل أن يجيب بسؤال...:"ومن أخبرك باسمي يا سيدي..."
_:"أنت!... ومن ثم حدثني وأنت رافع الرأس..."
رفع رأسه... فقلت له...:"أنت أخبرتني قبل دقيقة فقط... أخبرني ما هي مهمتك التي أتيت لها هنا؟؟..."
فقال...:" لا أدري إن كان مسموحاً لي بالإفصاح لك أم لا؟؟.."
ضحكت وقلت له... :" أنت الآن مأموراً من قبلي... فأنا لن أتركك تعود إليهم بعد أن أمسكتك..."
ارتعش حين أجاب...:" إن جمال أخبرني أن أبلغ الضابط المسئول هنا... أن يغيروا مكانهم بأسرع وقت ممكن... لـــ... لكنه رفض الاستماع لي... وقال بأنهم محصنون جيداً..."
_:" هل يمكنني مساعدتك؟؟... فأنا أشعر بأنك تعيش في رعب دائم..."
نظر إلي مستغرباً... :"لكن قبل ذلك أريدك أن تساعدني في الهجوم على القصر... وإعلامي بأدنى التفاصيل قبل أعلاها..."
في تلك اللحظة لم يترك لا كبيرة ولا حتى صغيرة... كأنه مسجلةً وقد شغلت... لكنه ذكي!... ذكيٌ جداً!... فالتفاصيل التي ذكرها كانت مهمة جداً بالنسبة لنا... ولولاه لما وصلنا إلى وسط القصر...
| +* +* +* +* +* |



ذكريات ما قبل ثلاثون سنة من عمري!!...



كنت أجلس في مقهى المستشفى... أرتشف القليل من القهوة... لتصحصحني قليلاً... فالنعاس بدأ يداعب عيناي... فقبل ساعتين كنت قد وصلت إلى هنا... وجلست عند أحمد ابني الوحيد... جلست لأقرأ على رأسه بضع سور من القرآن... وأدعية مستحبة... لقد كانت من أصعب لحظات حياتي تلك... والأصعب عندما رأيته يسقط أرضاً وهو يبتسم لي... بعد أن دافع عني... وحماني بجسده و روحه... آآآه يا بني!... ألم تكن روحك عزيزة عليك؟؟. لتفتديني بها!!...
لكني أنا لو كنت مكانك لفعلت ذات الشيء... فأنت أغلى من روحي التي تسكن بين جنبي... أنت الذي كنت أسأل المولى عز وجل أن يرزقني به... وأن يبلغني بك... أباً!... وذا مكانة عالية... والأهم ذا أخلاق حسنة...
كنت أطلب من المولى أن يبعد عنك أبناء الحرام... والحمد لله أنهم كانوا بعيدين منك بعد الشمس عن القمر... و.... وكنت أطلب منه أن يحفظك لي من كل شر ومكروه... ولكن... أراك الآن مسجى على فراش لا أدري متى تنهض منه...
ورغم ذلك... إني لا أيأس من رحمة ربي... فالله لا ينسى عبده مهما حدث!!... أحمدك وأشكرك يا رب!... أحمدك وأشكرك يا رب!... أحمدك وأشكرك يا رب!...
أحمد!... دوماً كنت أوصيك بصلاتك... وصيامك... وأن لا تكون بعيداً عن الله الواحد الأحد... فإن كنت قريباً منه يا بني!... فأنا متأكد بأن الله لن يخذلني لا أنا ولا أمك... وسيعيدك لنا...
قبل أكثر من عشرون سنة... [[ حينما دخلت عليها رأيتها ممدة على فراش المستشفى... ترقد بهدوء وسلام... ارتاح قلبي لرؤيتها هكذا... لكن آثار التعب بادية على وجهها... لقد تعبت غاليتي... جلست بجانبها لمدة نصف ساعة ثم نهضت لأسرق عدداً من النظرات للمولود الجديد... ابني الذي أسميته أحمد... نظرت إليه من خلف الزجاج وأنا أبتسم... أتأمل فيه الأيام القادمة... والتي ستكون برفقته من أسعد الأيام... نعم!... وقفت بجانبه فترة طويلة... وقبل أن أقرر العودة لزوجتي... سمعت صوت الممرضة تسألني... [[ هل تريد أن آخذه لكم إلى الغرفة؟..]] أجبتها بسعادة أنني لا أمانع ذلك... فأنا لا أشبع من رؤيته أبداً... وقد أخذته هناك... لأبقى بقية الوقت مراقباً لحركاته... وزوجتي غيداء... كانت الدنيا لا تسعها من الفرحة... في كل دقيقة تطلب مني أن أحضره لها... وأضعه في حجرها... وكلما أردت أخذه ترفض... [[ أرجوك اتركه قليلاً بعد]]... فأرد عليها...[[ يا الله لا تريني يوماً تطلب فيه حبيبتي مفارقة ابنها]]... ... لتضحك قائلة...[[لا تقل ذلك!.. إنني لن ولن أمل منه!... إنه فلذة كبدي... وقطعة من فؤادي... إنه دنياي وآخرتي...]]... ... [[ وأنا أين ذهبت يا غيداء؟؟؟]]... [[ أنت الأصل والأساس... وهذا ليس إلا فرعٌ صغير... وسيكبر ليكون أصلاً... يأتينا بفرع صغير مثله...]] ... ...
كانت أياماً لا تنسى... و أوقاتاً من أسعد أوقاتي... رحماك يا الله ...
مرت دقائق قليلة... وأنا أرتشف القليل من كوب القهوة الذي أمامي... وإذ أرى الطبيب المشرف على صحة أحمد يجري في الممر المؤدي إلى جناح العناية المشددة... وهو ذات الجناح الذي يرقد فيه أحمد... ومن خلفه الممرضة تجري... شلت أطرافي وأنا أرى ذلك المنظر... ماذا حدث يا ترى؟!...
تحركت من مكاني دافعاً الكرسي خلفي... لأذهب جرياً خلف الطبيب والممرضة... كنت ضائعاً بفكري... ولا أدري كيف أصف حالي... والناس ينظرون لي متعجبون...
عندما وصلت إلى الغرفة وقفت خلف النافذة الزجاجية... لأرى أن الطبيب والممرضة ومعهما ممرضة أخرى... مع أحمد!... كان الطبيب يحاول إسعاف قلب أحمد بجهاز الإنعاش الكهربائي... كلما تحرك جسد أحمد صاعداً نازلاً... ارتجف قلبي بقوة... واحد... اثنان... ثلاث... أربع... يا إلهي!.. لا فائدة...
وقف الطبيب ينظر قليلاً إلى جهاز القلب الذي يصدر أصواتاً على أن القلب توقف... ولكن الخطوط لا زالت صاعدة نازلة... ولكن بشكل بسيط... ودقيق جداً... مما جعل الطبيب يحاول الكرة مرةً أخرى...
لأربع مرات... كنت سأيأس من عودته للحياة... ودمعتي خرت تجري على وجنتيّ... وشفتي بدأت بالتهليل والتسبيح... لكن عندما تقدم ليضعه للمرة الخامسة... ارتفع صدر أحمد بشكل قوي... ليصمت الجهاز للأبد... ويسكن في مكانه... وتبدأ دقات قلبه تمضي في درب الحياة بسهولة ويسر...
نظرت للطبيب مستفهماً... فأعاد لي النظرة بابتسامة رضا... وأومأ لي بعينيه... ارتاحت نفسي وسكنت... خرج الطبيب بعد أن اطمأن على نبض أحمد... وخرجت خلفه إحدى الممرضتين... بينما الأخرى ضلت تراقب أحمد...
ذهبت للطبيب وسألته فوراً...:"ماذا حدث؟!.."
_:"لا تقلق يا عم!... إنه بخير الآن... الآن تبين لي أنه تخطى مرحلة الخطر تماماً... ويبدو أنه شاب قوي جداً... كنت أخشى فقدانه... لكن الآن أنا متيقن بعودة وعيه... أرجو له الشفاء العاجل..."
_:"أحمدك وأشكرك يا رب..."
ثم وجهت حديثي للطبيب...:"شكراً لك يا بني!... لولا الله تعالى ولولاك لكان أحمد في البرزخ الآن..."
وضع يده على كتفي وقال...:"نعم إنها إرادة المولى عز وجل... يمكنك الدخول إليه..."
ثم تركني ورحل... وقفت خلف الزجاج أنظر إليه لدقائق... وأنا غير مصدق بأنه تخطى تلك المرحلة الحرجة... أشارت لي الممرضة التي في الداخل بالدخول إلى أحمد... تحركت بسرعة لأذهب إليه... وأطمأن عليه عن قرب...
نظرت إلى وجهه... ثم إلى الممرضة وقلت لها لأفهم الأمر جيداً...:"هل هو بخير الآن؟!.."
_:"نعم يا سيدي... فهو الآن بخير حال... لكن يتبقى أن ننتظر استيقاظه من الغيبوبة المؤقته..."
جلست على الكرسي الذي بجانبه... لأتأمل وجهه المغطى نصفه بقناع الأوكسجين... حتى يمده بالهواء...
بعد ساعة وأنا على هذه الحال... أمسكت بيده اليسرى... لأضمها بين كفي... مسحت عليها بهدوء... ثم فتحت القرآن الكريم لأقرأ له بضع سور قصار... ولم أصل لنهاية الجزء الثلاثون حتى أحسست بحركة أنامله الخفيفة... أمسكت عن القراءة... لأنظر إليها... فعاد يحركها قليلاً قليلاً...
ومن ثم... سمعت همساته...:"بابا!... بابا!..."
تلك الكلمة!!.. نعم تلك الكلمة... أول كلماتك التي نطقت بها... والآن كذلك... همست له بهدوء...:"أحمد عزيزي!.. أنا بجانبك يا بني!..."
ضغط على كفي في تلك اللحظة... نهضت لأقترب منه... حالما التقت عيني بجفنيه... رأيتهما يتحركان بصعوبة... فقلت ...:"أحمد! هل تسمعني؟!.."
لكنه همس...:"أبي!... أبي!..."
تركت يده لأذهب إلى غرفة الممرضات جرياً... لكن قبل وصولي رأيت تلك الممرضة تخرج من عند مريض آخر... ناديتها... :" أيتها الممرضة... لقد استيقظ!... لقد استيقظ..."
نظرت لي ببلاهة... لكنها ذهبت تسبقني إلى الغرفة... كان أحمد في تلك اللحظة يحرك شفتيه منادياً إياي... وكذلك حرك رأسه قليلاً... قليلاً فقط...
لم أنتبه للممرضة التي خرجت وعادت برفقة الطبيب... صحت لحظتها... :"لقد حرك رأسه!... حركه بمسافة مليمتر واحد..."
أومأ الطبيب لي مبتسماً... كان أحمد ينادي باسمي حيناً وحيناً آخر يسكن...
تقدم إليه الطبيب وبدأ يفحصه... حينما سأله الطبيب...:"أحمد! هل تسمعني؟؟؟..."
حرك أحمد رأسه جهة الطبيب... وحاول فتح عيناه... كان يصعب عليه فعل ذلك... لكنه همس...:"أبي!!... أين هو؟؟؟.."
ابتسم الطبيب لي وهو يرفع قناع الأوكسجين من على وجه أحمد... :"حمداً لله على سلامتك... إن أباك هنا..."
_:"هل استيقظ حقاً؟..."
التفت أحمد إلي... وفتح نصف عيناه... ابتسم بوهن... وهمس لي...:"بابا!!.. تعال إلي!..."
تقدمت لأمسك يده اليمنى... وابتسمت له...:" إنني هنا يا بني!..."
نظر لنا الطبيب وسأله... :"كيف حالك يا أحمد؟!.. هل تشعر بألم ما؟!.."
_:"إنني متعب... جسدي كله يؤلمني..."
أومأ له الطبيب وقال له...:"لا عليك!!... لأنك تبات على هذا السرير منذ أسبوعين كاملين... لكني أود سؤالك بأن تمسك يد والدك..."
نظر لي أحمد فترة من الوقت... ولكنه سألني...:"هل يمكنك أن تقرب يدك مني... فيمناي متعبة!..."
أومأت له... وفي الحقيقة كنت أمسك يمناه... لكني رفعتها أمام عينه المتعبة قليلاً... وقلت...:"ها أنا قد أمسكتها..."
كنت قد رأيت الطبيب يعطي أحمد حقنة ما... فسألته...:"ما هذا الدواء أيها الطبيب؟!..."
أجابني وهو يشير لي بأن ألحق به...:"إنه مسكنٌ للآلام... فحتى الآن يبدو أنه لم يستيقظ جيداً..."
خرجت خلفه... فقلت دون أن أعطيه مجالاً للحديث...:"هل شلت يده يا بني؟!.."
_:"للأسف نعم يا عم!... لقد بذلنا ما كان باستطاعتنا يا عم!... لكن هذه إرادة الله عز وجل..."
قلت بصبر...:" نعم... إنه كذلك... وأنا متيقن بأن لله حكمة... شكراً جزيلاً أيها الطبيب..."
_:" عفوا يا عم... خلال أربعة وعشرون ساعة سيبقى تحت العناية الفائقة... وحينما نرى أن صحته تحسنت... ننقله لغرفة أخرى..."
مضى الطبيب في عمله... وأنا مضيت لأخبر غيداء بأن أحمد قد استيقظ... ودمعتي تسبقني إلى مثواها الأخير...
| +* +* +* +* +* |

شجرة الكرز
06-12-2010, 07:25 PM
أتمنى لكم قراءة ممتعة...

^_^

اللهم صلي عليه
12-12-2010, 09:23 PM
اجزاااااااااء رائعه
بانتظاااااار المزيد

اللهم صلي عليه
15-12-2010, 12:46 PM
اجزاااااااااااااااااااااااااااااااااااء جميله جدا جدا جدا
استمتعت بالقراااااااءة
سهل الله لك

شجرة الكرز
19-01-2011, 08:22 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أعتذر بسبب التأخير عن عرض الجزء الجديد...

هو جاهز لعيونكم الجميلة...

لكن ظروفي هذه الأيام صعبةٌ جداً...

لذلك لم أتمكن من المرور على الساحل نهائياً...

في الفترة السابقة...


فأرجو المعذرة منكم جميعاً...

وانتظروا الجزء القادم مع أحداث جديدة...


لكن أرجو منكم التفاعل معنا...


تحياتي وأشواقي لكم...

شجرة الكرز
06-02-2011, 04:45 PM
|+*| الورقة الرابعة عشرة من غصن الحرية |*+|





الاثنين... الساعة الثانية والربع ظهراً...
عندما تركني صلاح وذهب إلى القصر المهجور برفقة البقية الباقية... والذين بقوا هنا عدداً يكفي لتأمين الحماية هنا... استأذنت من القائد وذهبت إلى المنزل لأطمئن على أفراد العائلة...
في حين ركوبي إلى السيارة تذكرت ما حدث بيني وبين غدير... هناك في داخلي إحساس بالندم... رغم ثقتي بأني لم أفعل منكراً... لكن غدير لم تخرج من غرفتها منذ تلك الليلة... وسمعت من أختيّ أنها مضربة عن كل شيء... لذلك أنا حزين عليها...
هل أكلمها؟!... وأعتذر لها عما فعلت!!!... أم أتركها وشأنها؟!!!...
لا أدري كيف أتصرف معها!!!...
يجب عليّ أن أنفذ ما يأمرني به عقلي... فهي تحتاج لأن أتجاهلها حتى يعود لها عقلها الضائع... فلا شيء ينفع معها أكثر من ذلك!!!.. فحينما كنت أعطيها قيمة في حياتي... وأظهر لها مدى حبي كانت تتجاهلني... ولكن يبدو أن هذا الأسبوع كان درساً لها... لم أذهب إليها ولم أتحدث معها... ومن حبسها لنفسها يتبين لي أن جزءاً من عقلها قد عاد لها...
وهذا أكثر ما يسعدني!!... فأنا أعرف غدير جيداً!...
سمعت صوت هاتفي المزعج يرن... لكنه كان اتصالاً من كوثر... ليس من عادتها أن تتصل بي في مثل هذا الوقت فلم تبتعد عقارب الساعة عن الثانية ظهراً... ربما تريد مني أن أقلها إلى منزلنا... رفعت السماعة مجيباً...:"مرحباً كوثر!!..."
جاءني صوتها فرحاً... :"أهلاً بك أخي الحبيب!!... كيف حالك؟!.. وصلتني أخباراً رائعة عنك!!..."
نظرت إلى المرآة التي بمستوى عيني وابتسمت قائلاً لها...:"إنني بخير!!... ما هي تلك الأخبار التي وصلتك أيتها الشقية؟؟؟.."
ضحكت بخبث...:"لقد تصالحت مع غدير أيها المخادع!!!...."
عقدت حاجبي مستفسراً...:"ماذا؟!!... ليتها ترضى عني لو يوماً واحداً... أو اسمعي أتمنى أن تحدثني من قلبها لمدة دقيقة فقط..."
_:"يا إلهي!! إذن ما سمعته غير صحيح!!!... لكني متأكدة بأن معظم الذي سمعت به صحيحاً..."
تعجبت من أسلوب كوثر هذا... لكنها في بعض الأحيان تكون مخادعة... تكون لم تسمع شيئاً وتوهمني بسماع الأخبار... فتسرق مني كل الأخبار...
فقلت لها ...:"اسمعي أيتها الشريرة!!... إن لم تخبرينِي بكل حرف سمعته فلن أخبرك بأي شيء...."
لكنها سكتت قليلاً قبل أن تهمس لي قائلة...:"أخبرتني غدير بما حدث!!!... ولا يمكنني قول ما حدث بالهاتف..."
أوه يا إلهي لقد تحدثت إليها... أكملت كوثر...:"علي!!... أنا من جعلها تنفجر عليك تلك الليلة لتخلع الخاتم وتتشاجر معك!!!... لقد ضغطت عليها كثيراً ورددت عليها كلمة [[حسن مات... حسن مات]] لدرجة أنها غضبت مني كثيراً... فتركتها... وعندما خرجت من المنزل برفقة محمد... وعدت إليكم في بداية هذا الأسبوع... رأيت بأن كلامي معها له مفعول... ربما هي تقبلتك قليلاً... فانعزالها دليل تفكيرها في الصواب..."
ثم سكتت لثوان قبل أن تصرخ بي بغضب...:"لكني لم أكن أتصورك وحشاً هكذا!!!..."
لقد صمت آذاني من شدة صراخها وغضبها... :"يا الله!!!... ما بك أيتها المجنونة؟؟.. لقد صممتني!!..."
_:"ليس هناك مجنون سواك!!... حقاً لم أكن أتصورك وحشاً مفترساً... لقد أخفت الفتاة منك... أتوقع أنها لن تقترب من وحش مثلك... وربما ندمت على ارتباطها بك!!!..."
سكت أنا لدقيقة واحدة... دون أن أسمع من كوثر حرفاً واحداً... :"لماذا؟َ؟... هل لازالت متضايقة مني؟!... إنني لم أفعل شيئاً... إنها زوجتي يا كوثر!!..."
_:"أعلم!!!... إنها تقول لو أنك سايرتها أكثر... وصبرت عليها أكثر... لكان أفضل لها!!..."
غضبت من هذا الكلام... فكوثر أكثر شخص يعرف كم صبرت عليها...:"إنك بلهاء... والحديث معك لن ينفع!!!... وكلكن كذلك... لو تحدثت مع أمي أو خالتي... سيكون ردكن هكذا!!!... لو صبرت!! لو صبرت... إنني صابر عليها منذ سنة... وقبلها سنين طويلة... وكنت كلما حاولت الحديث معها بخصوص زفافنا غيرت الموضوع وقالت لازال الوقت باكراً... إنكن مجنونات وغبيات كذلك..."
أغلقت السماعة وألقيت بهاتفي على المقعد بجانبي... لأنطلق إلى المنزل... كنت أود لو أمسك كوثر وغدير وألقنهما درساً قاسياً... فقد آذياني بجنونهما...
لكن ما أفرحني أكثر بأن ما فعلته كان سبباً في استيقاظها من حلمها الساذج...
وصلت للمنزل خلال ربع ساعة... دخلت إلى الصالة وأنا أستأذن بالدخول...:" يا الله!!!... يا الله!!!..."
سمعت صوت خالتي غيداء تسمح لي قائلة...:"تفضل يا بني!... نحن هنا في الصالة..."
دخلت إلى الصالة لأجد الجميع مجتمعين أو بالأصح جميع النسوة...:" السلام عليكن..."
_:"وعليك السلام... ..."
وأمي أكملت...:" طاب يومك..."
لم يتسنَ لي الرد عليها... فعلي الصغير قد قفز علي فرحاً بقدومي...:"خالي... خالي!!!.."
ضممته إلى صدري وأنا أقبله...:"كيف حالك أيها الصغير المشاغب؟!!..."
_:"إنني بأحسن حال... وأنت؟.."
أنزلته على الأرض وأجبته...:"إنني بخير..."
ثم همست في أذنه...:"هل آذيت أمك في الأيام الفائتة؟!..."
هز رأسه نافياً... فهتفت له...:"إذن اذهب وأرها مشاغباتك..."
لم يصدق الصغير كلامي... فذهب بهدوء ناحية أمه وهو ينظر لي بترقب...:"ثم قفز عليها صارخاً...:"إنني البطل... أمسكت بالمجرمة التي سرقت نقود خالي!!!..."
ضحكت له... :"لا لم تسرق نقودي بل سرقت راحتي..."
قبلت رأس أمي وخالتي... ثم سألت عن ياسين...:" أمي أين ياسين؟!.."
_:"إنه في غرفتكم مع وسام... المسكيان ملا من مجالستنا طوال النهار... فنحن ننتظر مكالمة من عمك أبي أحمد فهو قد ذهب للمشفى..."
فسألت الخالة غيداء...:"كيف حال أحمد؟!.. ألم يتصل العم!!..."
ردت غدير بسرعة...:"ليس بعد!... ربما لازال أحمد في الغيبوبة..."
نظرت إليها بنظرة عابرة سريعة... ثم سألت ريم محاولاً إغضابها...:"ريم!.."
رفعت ريم رأسها متسائلة... فقلت لها...:"أنت تعلمين بأن أختي العزيزة غاضبة مني الآن... وياسمين يبدو أنها لا تريد محادثتي... وأظن أن غدير لم تعد زوجتي... فهل يمكنك أن تصنعي لي كأساً من عصير البرتقال الطازج؟!..."
نهضت والابتسامة شبه مهزوزة على شفتيها... لكنها قالت بروحها المرحة...:"أمرك أيها المحقق!... ألا تريد أن أسخن لك الغداء؟!..."
_:"شكراً لك... فليس لي نفسٌ للطعام!...."
صعدت للأعلى إلى ياسين و وسام... دخلت عليهما... فرأيت ياسين مستلقياً على السرير أما وسام... فقد كان واقفاً أمام لوحة كان أحمد يرسمها في الأيام السابقة...
التفت إليّ... وعندما رآني قال...:"رسمه رائع!..."
تعجبت من قوله... فرسم أحمد لا معنى له في نظري ونظر الأغلبية... فقلت له متعجباً...:"رسمه رائع؟!!.. إنني لا أرى سوى خطوطٍ سوداء متداخلة في بعضها البعض... وبضع خطوط حمراء...على أرضية بيضاء... فماذا يعني هذا بالنسبة إليك؟..."
نظر للوحة بتمعن أكثر... ثم قال...:"إن أحمد كان يخرج ما بداخله عن طريق فرشاته... إنه... إنه لازال يعشق بتول!!!... إن حبه لها سيطر على كيانه بجنون... إنني لم أكن أعرف ما معنى الحب إلا حينما التقيت به... ولم أعرف الحب جيداً... إلا من خلال هذه اللوحات التي يرسمها... وخصوصاً تلك..."
نظرت إلى حيث يشير... فرأيت تلك اللوحة التي انتهى منها في يوم عزاء بتول... دققت النظر فيها... ثم قلت...:" لا أرى أي شيء يدل على الحب..."
فسألني...:"متى رسمها يا ترى؟!..."
_:"في يوم عزائها وضع الخطوط الأخيرة فيها..."
فقال لي بثقة تامة...:"إذن عرفت السبب... انظر هنا... أرضية سوداء تمثل الظلمة... و طريقٌ في وسط الظلام لا يبدو واضحاً في النظرة الأولى... وهو يمتد إلى النهاية... وفي آخرها دائرة صفراء باهتة قليلاً... كأنه مصباح ينير الطريق... وغير هذا انظر إلى هذا الجسد المحلق... إنه روح بتول التي فارقت الدنيا... ربما أحمد يقصد بالظلام نفسه... والمصباح... يدل على حبه الذي لا يعرف كيف يضعه في مكانه الصحيح... لذلك هو باهتٌ.."
نظر لي وابتسامة حزينة على محياه...
طرق الباب في هذه اللحظة... ليقطع الحديث علينا... فتحت الباب لأرى غدير واقفة خلف الباب... وبيدها كأس العصير الذي طلبته... أخذته منها وكحركة مني لتجاهلها...:" أوصلي شكري لريم..."
نظرت لي باستغراب ودهشة... فقالت هامسة...:" أنا من صنعه..."
نظرت للكأس وقلت لها...:" كان من غير الضروري أن تتعبي نفسك... طلبته من ريم..."
نكست رأسها وقد لاحت عليها علامات الحزن...:" أحبــ... أحببت أن أصنعه لك بيديّ..."
أدرت لها ظهري قبل أن أقول...:" لم أعلم أنك تحبين فعل شيء لي..."
صرخت فيّ غاضبة...:" إنك مجنون وأبله..."
ثم أتاني صوت ريم قائلة...:"أبي اتصل..."
فالتفت إليها لأجد غدير في منتصف الطريق... فقلت لريم...:" وما الأخبار؟!!"
كان ياسين قد استيقظ من إزعاجي أنا وغدير... وقف بجانبي حين قالت ريم... :" لقد... لقد استيقظ!!!"
أمسك ياسين بمفاتيح سيارته وخرج من الغرفة قائلاً لها...:" هيا ماذا تنتظرين؟؟!"
| +* +* +* +* +* |



براءة...
_:"ماذا؟!... ومن أين أتوا لي بأدلة البراءة؟!.."
هز الجندي الواقف عند الباب كتفه لا مبالياً... قبل أن يقول... :"وما شأني أنا بك؟!.. إذا كنت تريد المكوث هنا فلا مانع لدينا!!... لكني أكره المساجين الزائدين عن الحاجة..."
نهضت من مكاني باستنكار واستغراب شديد... وصلت للباب الحديدي... فلا أدري كيف أتصرف معها!!!...نظرت له قائلاً...:"هل حقاً سأخرج؟!... ولن أعدم!!!..."
أمسكني الجندي من ذراعي وأخرجني من الزنزانة... ليقفل البوابة من خلفي... كنت لا أزال غير مصدقٍ... لكن صوت المساجين الآخرين في الزنزانات المجاورة لزنزانتي... أكد لي...:"مبروك عليك البراءة... ليت من أخرجك يخرجنا... نلقاك في خير..."
تلك الأصوات يائسة لنفسها... مبتهجة لي...
دخلت برفقة الجندي إلى غرفةٍ واسعة... ليطلب مني الضابط الجلوس على أقرب كرسي أجده... في حين أنه انهمك في الحديث مع رجلٍ أعرفه جيداً... ذلك الأبله أكرم!!!...
_:"ها قد انتهينا من إجراءات إخراجه... يمكنك أخذه الآن..."
نهض أكرم ليشكر الضابط... ثم تقدم لي لنخرج سوياً... بعد أن قال لي...:"مبروك عليك البراءة..."
_:"بارك الله فيك... كيف حصلت عليها؟!..."
ضحك أكرم بثقة... كانت ضحكته تثير الاشمئزاز في نفسي... تركته يغرق في ضحكه حتى يشبع منه... وعندما انتهى واصلنا المسير حتى خرجنا من السجن المركزي... لأجد عند البوابة سيارة فاخرة بانتظارنا... ركبنا فيها... ليقودها أكرم... ونحن في الطريق تحدث أكرم قائلاً...:"إنك محظوظ يا سعيد!... فمن يخون يوسف لا يمكنه أن يرى الحياة أبداً..."
عقدت حاجبي لأقول...:"ولماذا أعدتم لي الحياة؟!.. وكيف استطعتم إيجاد دليلاً لبراءتي؟!.."
ابتسم أكرم بخبث ودهاء لم أعهده منه... :"إن يوسف يستطيع إيجاد حلولٍ لكل مشكلة... وأنت كنت بالنسبة له مشكلة أراد أن يحلها... وغير ذلك يريد أن يبين لك مدى كرمه وتفضله عليك..."
_:"مقابل ماذا؟!.. أن أقتل أو أسرق أحدهم؟!.. لا أريد!... أعدني للسجن ثانية فأنا قد تبت..."
ضرب أكرم بيده على المقود ليقول ضاحكاً...:" ماذا؟!.. سعيد يتوب!!.. وهل يتوب الشياطين عن نذرهم؟!.. اسمع أنت قلت مقابل ماذا؟!... ولكن السيد يوسف تخلى عنك... لا يريدك من ضمن رجاله... هذا هو مقابل إنقاذك من الموت!..."
سكت للحظات أفكر فيما قاله... ولكني لم استغرب ما قاله... وما طلبه مني يوسف مقابل الحياة... فقال لي:"هل هو أمراً صعباً أن تبقى بعيداً عنا... وعن كل شخص له علاقة بنا مهما كانت صغيرة..."
هززت رأسي لأجيبه... :"لا ليس بالأمر الصعب!... ولكنه شيءٌ كنت أتمناه منذ فترة قصيرة لأجل عائلتي... وللأسف..."
توقفت السيارة بجانب منزلي الذي أصبح مهجوراً والجنود لم يتركوه وشأنه... فسألني أكرم...:"لم التأسف؟!... إن كنت تتمنى ذلك..."
_:"لقد هجرتني عائلتي!... وبقيت بمفردي للأبد!!!..."
| +* +* +* +* +* |




أصبحت حياتنا قصة...
قبل ذلك الوقت بقليل... ربما يفصل بينهما دقيقتان أو ثلاث...
عندما سقطت مطر مغشياً عليها حملها خالد إلى غرفة الفتيات... ليمدد جسدها على ذلك السرير الأرضي... لقد كنت في حيرة من أمري... فهذا الشاب والذي هو أخٌ لخالد قال عن مطر زوجة خالد... كيف يمكن أن يكون هذا؟!.. ومطر فتاة تصغر خالد بالكثير من الأعوام...
عاد خالد لينظر لي والدمعة لا زالت على وجنته... فسأله أخوه مباشرة...:" من هي تلك الفتاة؟!.. أليست زوجتك؟!.."
هز خالد رأسه نافياً... وقال...:"تلك قصة أطول من قصتك يا حبيب!!!.. سيطول شرحها... وسيصعب فهمها... فأنا لا أزال عاجزاً عن فهم ما حدث!!!!... "
وأنا لا أزال واقفاً في مكاني سألت خالد...:" خالد!... هل ما قلته لنا في الماضي هو الحقيقة؟!.."
_:"أجل هو كذلك... لكني سأعيد عليكم الأحداث بما أن حبيب لا يعرف بالقصة... لقد كنت ملتحقاً بجيش الإرهابيين..."
صرخ حبيب قائلاً...:" ماذا؟!.. هل ما قالوه لنا أولئك المجرمون حقيقة؟!..."
أشار له خالد بالصمت... :"اسمعني يا حبيب... إنني لا أدري ماذا قالوا عني... لكني كنت معهم لأنهم خدعونا بشخصيتهم... وما حدث هو كالآتي..."
تحدث خالد لفترة طويلة وهو يسرد لنا قصته منذ اليوم الذي التحق به في الجيش الإرهابي... إلى اليوم الذي التقى به فينا... كانت القصة أشبه بالخيال... لكنه كان صادقاً في كل كلمة قالها... وخاصة حينما أكمل القصة إلى هذا اليوم الذي التقى به بأخيه حبيب واكتشافه للقصة التي لفقها الإرهابيون له...
_:"إنني حقاً لا أدري ماذا أقول!... لكنك لم ترسل لنا أي رسالة تطمئننا عليك... حتى ظنت بدور أنك قد تزوجت... وعندما رأيتك اليوم معها عند الخباز... اعتقدت بأنها زوجتك..."
كان خالد يود التعقيب على جملة حبيب... لكن صوت حنين قاطعه... :"إنني آسفة... لكن حالة مطر تسوء... ولا يمكنني السيطرة عليها أكثر من ذلك..."
نهض خالد مسرعاً ليحملها بين يديه... فسأل حبيب...:" هل يمكنك البقاء هنا لحين عودتي؟!.."
_:"بل سآتي معك!..."
ومن ثم قالت حنين...:" خالد!... خذ مريم برفقتك... ربما ستحتاج لها مطر حين تستيقظ... خاصة بعد أن اكتشفت الحقيقة..."
دخلت مريم لتجلب حقيبة يدها الصغيرة... في حين أن حبيب وخالد خرجا من المنزل... أما مريم فحينما أرادت الخروج قلت لها...:"انتبهي لمطر جيداً... وحاولي أن تكوني بقربها دوماً... فأنت تعلمين مدى خوفها من الأجانب عنها..."
ثم خرجت لتتبعهم وهم يذهبون بمطر إلى المستشفى... تلك الفتاة التي غيرت نظام حياتنا بفقدان ذاكرتها... لتصنع منا قصة طويلة... و رواية أغرب من الخيال...
| +* +* +* +* +* |




القليل من التنزه...
ذهب الجميع إلى المستشفى لكن أنا وأمي و وسام بقينا في المنزل... لأنهم ذهبوا للقاء أسري... وأمي قالت بأننا سنذهب غداَ... للاطمئنان على أحمد...
نهض وسام متمللاً... فسألته أمي :"إلى أين أنت ذاهب يا بني؟!..."
نظر إلى كلينا وقال...:" لا أدري!... إنني متملل من الجلوس هكذا... ما رأيكما أن أذهب لشراء بعض المثلجات؟.. أو شيئاً من الحلويات؟.."
وافقته أمي... فقلت لها سائلة...:" هل يمكننا مرافقته يا أمي؟!..."
فقالت لي وبعضٌ من الحزن باديٌ على وجهها... :"اذهبا أنتما... فأنا سأبقى هنا خشية أن يأتي أحدهم ولا يجدنا..."
رد وسام مبتسماً... :"حسناً... هيا بنا... سنذهب ونعود سريعاً..."
فقالت لنا ونحن نهم بالخروج من الصالة...:" انتبها لبعضكما..."
_:"حسناً... إلى اللقاء..."
خرجت برفقة أخي لأول مرة بعد هذه السنين الطويلة... خرجت معه برحلة قصيرة وسريعة... لكني كنت أود لو نأخذ على الأقل ساعة في التنزه... فقلت لوسام... :"هل من الممكن أن أطلب منك معروفاً؟!..."
ابتسم وهو يضمني بين ذراعه ليقبل رأسي بحنان... :"تفضلي..."
_:" أريد التنزه لساعة في المنطقة... فأنا منذ فترة طويلة لم أخرج من المنزل..."
ضحك وهو يقول...:" أنا كلي تحت أمرك... ومن ثم أنا أيضاً أحتاج للخروج والتنزه... إلى أين تريدين الذهاب؟.."
أخذت نفساً عميقاً... :"إلى أي مكان... فقط أريد استنشاق الهواء النظيف..."
_:" لم يعد هناك هواءً نظيفاً في بلادنا... الانفجارات التي تحدث بين يوم وآخر... والحريق الذي يأكل متجراً أو منزلاً هنا وهناك..."
أجل كلام أخي صحيح... أين يمكن أن نجد مكاناً فيه هواءً نقياً...
_:"لنذهب لشراء بعض الحلوى مثل التي أتيتَ بها قبل شهر ربما..."
| +* +* +* +* +* |

شجرة الكرز
06-02-2011, 04:51 PM
غضب الحليم...
ما الذي حدث له؟!... وما الذي غيره هكذا؟!..
إن الأمر كله بسببي...
حينما كنت أقف بين الباب والسلم تركتني ريم وذهبت برفقة ياسين... وكذلك فعل وسام... الذي انسحب ببطء شديد... وسمعت أصوات أمي وخالتي وكوثر... وهن يثرثرن للذهاب إلى المستشفى... فقد استيقظ أحمد!...
وقفت في مكاني عاجزة عن الحركة... وكذلك لا أدري ماذا أفعل!!...
ثم فجأة خمدت الأصوات إلا من صوت كوثر وابنها علي... والعمة سارة وابنيها... أردت النزول لكنه سبقني!... ليمنعني من نزول السلم... نظرت إليه باستغراب... فقال لي:"ما الأمر؟!.. يبدو أنك لست مشتاقة لأخيك أحمد!..."
ترددت في الإجابة... فحقاً هو لقد تغير... أصبح لا يريد قربي منه... ولا يريد مني أن أحبه... أو حتى أصبح زوجته... سمعنا صوت كوثر وهي تصرخ بنا... :"علي!... غدير!... هيا لقد تأخرنا..."
تقدم ناحيتي ليطبع قبلةً على جبيني... ويمسك بكفي ليجرني خلفه نزولاً من السلم...
_:" ما بك؟!..."
نعم !... منذ تلك اللحظة وأنا لا أدري ما بي...
أفعاله معي تشل عقلي عن التفكير... مرة يكون في غاية اللطف... ومرة يكون في غاية الوحشية...
تحدث كوثر ثانية... :"ما بك يا غدير؟!.."
نظرت إليها بارتباك... :"ماذا هناك؟!... هل وصلنا؟!.."
كانت تقف خارج السيارة وهي تنظر إليّ بضيق...:" نعم!.. منذ خمسة دقائق أحدثك ولا تجيبين!..."
تحركت من مكاني لأنزل... لكن صوت علي الذي أتاني من جهة اليسار أوقفني ...:" اتركيها ربما أعجبها الوضع بجانبي!..."
نظرت إليه باستغراب شديد... :" أخبرني ماذا تريد مني؟!... ألم تأخذ ما تريد؟!.. ألم تكتفي بأذيتي طوال هذه السنة؟!.. أرجوك ارحمني!..."
أمسكني من ذراعي لتخرج لي الشياطين من عينيه... وليعود ذلك الوحش ثانية... :"إن لم تحسنِي التصرف معي فسترين شخصاً آخر... انتبهي لطريقة كلامك معي!..."
سحبت ذراعي من يده... وكانت تؤلمني جداً... فصرخ بوجهي... :"ماذا تنتظرين؟!.. انزلي قبل أن أرمي بك خارجاً!.. هيا انزلي!!!..."
نزلت سريعاً... وأنا خائفة منه بشدة... لا أعلم ماذا يمكن أن يفعل بعد نوبة الغضب التي أصابته... فهو إن غضب لا يرحم أبداً...
صدق من قال... " اتق شر الحليم إذا غضب"
لقد كان طيباً ولطيفاً معي... كان أفضل رجل قابلته في حياتي... لكنه تغير...
نطقت بلا شعور مني... :" ما به؟!..."
التفت إليّ كوثر ونحن ندخل من بوابة المستشفى... فسألتني:" أتسألين عن علي؟!... اسألي نفسك أولاَ... لقد تغير بسببك يا غدير!... "
توقفت أفكر فيما قالته... هل حقاً أنا من غيرته؟!...
قاطع تفكيري صوت علي الصغير... :"ماما!... ما به خالي؟!... لماذا هو غاضبٌ هكذا؟!.."
نظرت إليه بألم... فغضب عليّ لم يكتشفه أحد إلا في تلك الليلة... وأنا من اكتشفته... وحقاً كان بسببي... لكن لماذا؟!.. لماذا فعلت به كل ذلك؟!...
أمسكتني كوثر لتجرني خلفها...:" هيا!... قبل أن نتأخر على أخيك..."
تحركنا سريعاً لننطلق إلى جناح العناية المشددة... حيث غرفة أحمد...
عندما وصلنا هناك رأينا الجميع يقف عند النافذة... لا أدري كيف أحسست تلك اللحظة... كنت خائفة على أخي... وخائفة من علي... فأسرعت في خطاي تاركةً كوثر خلفي...
_:"ما بكم تقفون هنا؟!.."
التفت إليّ ياسين الذي كان أقربهم لي... :"لا شيء... لا زال نائماً!... ولا يسمح لنا بالدخول مجتمعين..."
نظرت للنافذة الزجاجية فكانت أمي تجلس بجانبه... تمسح على رأسه بأناملها تارة... وتقبل يمناه تارةً أخرى... وتدعو حيناً آخر...
وعندما سقطت عيناها عليّ... نهضت لتخرج من الغرفة... ذهبت أنا وريم ناحيتها سريعاً... كنت أريد الدخول وريم كذلك... نظرنا لبعضنا البعض... فقالت لي ريم...:" هل يمكنني الدخول قبلك؟!.. أرجوك لن أتأخر!!!..."
ابتسمت بوهن لها... :"سأنتظر... ادخلي..."
دخلت ريم وجلست بجانب سرير أحمد... على يمناه بسبب وجود الكرسي في ذاك الاتجاه... وبدأت تتحدث معه وهي تمسك بيده...
التفت إلى أمي أسألها...:"كيف حال يده الآن؟!..."
فخرت دمعة من عينيها... قبل تجيبني... :"إنها... لقد أصابها الشلل..."
صرخ قلبي متوجعا من الخبر... وبدأت أوصالي ترتجف خوفاً على أخي عندما يسمع الخبر... فسألت أمي بصوت يرتجف...:"وهل... علم... أحمد؟!..."
هزت رأسها نافيه... فخرت دموعي تعزي حال أخي... لم أكن أتصور أنني في يوم ما سأرى أخي محتاجاً لأحدنا... وها هو الآن محتاجٌ لأن نكون بجانبه...
إلهي ساعدني على تحمل ذلك... وساعده بالصبر...
رأيت علي وهو يقبل باتجاهنا بعد أن ركن سيارته... سأل مباشرة...:" ما الأخبار؟!..."
فأجابته خالتي...:" لازال تحت تأثير المنوم... فالطبيب قال بأنه لم يستيقظ جيداً حتى الآن..."
أبعدت أنظاري عنه... فلا أريد منه أن يراني وأنا بهذه الحال من الحزن... وقفت في مكاني أنتظر خروج ريم من الغرفة... لأدخل بعدها...
ولم تمضِ دقائق أخرى... حتى خرجت تسبقها الدمعة والشهقة...
سحبت نفساً قوياً لأهم بالدخول... لكن علي كان واقفاً عند الباب... نظرت إليه برجاء... وقلت...:" لم أدخل لرؤيته!... أرجوك أريد... ..."
قاطعني بفتح الباب... أنزلت رأسي لأنني خفت منه أن يصرخ في وجهي... لكنه فاجأني وهو يشير لي بالدخول...
_:"شكراً لك!..."
تحركت سريعاً لأدخل عند أخي... ذهبت إليه متلهفة لعناقه وتقبيل يديه... لأذرف دمعتي على صدره... وأشكو إليه همي الذي يتعب نفسي...
لكن اليوم... اليوم بالذات لن أبكي أمامه!... لن أفرش ضعفي أمامه... فيكفيه ما هو فيه!... سأضمه لصدري لأبث له بعضاً من الصبر... الصبر الذي كان بداخلي... نعم!... فقد مللت الصبر وملني كذلك...
كنت جالسة على الكرسي... أتأمل وجهه المتعب... أعادني وجهه إلى ذلك اليوم الذي كنا فيه صغاراً لم ننضج بعد...
[[ كنت معه أعود للمنزل بعد يومٍ دراسي متعب... وكان لابد أن نذهب لأخذ بتول من المدرسة... فسألته...:" هل نمر بتول؟.." فأجاب...:" ستذهب اليوم مع ريم إلى منزل الخالة فاطمة..."... لكن عند وصولنا قريباً من المنزل... سمعت منه شهقة... فسألته...:" ماذا هناك؟!..." ... فقال والتعب واضح على وجهه...:"لقد نسيت بأن اليوم هو الثلاثاء... وبتول لا تذهب إلى هناك إلا يوم الأربعاء... يا الله!..."... ثم سلمني رزمة كتبه وقال...:" لم يبق لك سوى هذا الشارع تابعي إلى البيت... وأنا سأذهب لآتي بها..." ... ولم يتنظر مني رداً بل ذهب يجري في طريق المدرسة... عدت للبيت وبعد نصف ساعة رأيته يدخل البيت مع بتول والاثنان يبدو عليهما التعب جلياً... قلت لأحمد بعد أن سلم الاثنان وصعدت بتول إلى غرفتها...:" يمدك الله بالعافية!..." ... نظر لي بوهن... :"سلمك الله!... إنني حقاً متعب... الجو في الخارج ملتهب... وذهابي وإيابي بهذا الجو ربما يلقيني في السرير يوماً كاملاً..." ... ابتسمت له بامتنان ثم قلت له...:" لا تقلق لن يخذلك الله بذلك... انهض واغتسل لنتناول الغداء..." ... نهض دون أن ينطق بكلمة واحدة... ]]
لقد كان وجهه ونظراته كما هو الآن...
ماذا؟!.. لقد فتح عينيه... ها هو ينظر لي بتعب...
نهضت لأقف على قدميّ... وأنا أمسك بيده... ابتسمت ودمعتي تسبقني بالفرحة... :"حمداً لله على سلامتك..."
ازدرد ريقه بصعوبة وهو يتابع حركاتي... :" أين!... أبي؟!.."
أجبته والبسمة تسبق كلماتي... :"إنه بخير... إنه يجلس في الخارج بانتظار استيقاظك..."
حرك رأسه قليلاً... ليسأل...:"أين!.. أنا؟!.."
_:"نحن في المستشفى... لقد مضى على وجودك هنا أسبوعين... كيف حالك الآن؟.."
التفت ينظر إلى يده التي بين كفيّ... قبل أن يجيب... :" إنني بخير... لكن!.. لكني لا أشعر بيمناي!..."
ترددت في كلماتي... ولم أجد شيئاً أقوله... والعبرة خنقتني... ولم أستطع الحديث... بل كتمت حزني وخوفي... وعضضت على شفتي السفلى بألم وأسى... فقال لي وهو يحدق بي... :"ما الأمر؟!.. ما بها يدي يا غدير؟!..."
هززت رأسي وأنا أقول... :"لا شيء!... "
صرخ بي غاضباً... :"ما بها يدي؟!.. إنني لا أستطيع تحريكها... إنني لا أشعر بها... أين الطبيب؟!... ما بها يدي يا غدير؟!..."
صرخته تلك أربكتني... فتركت يده بحركة لا إرادية... وابتعدت عنه باكية...
فعاد يصرخ عليّ... :"تكلمي يا غدير!... ما الذي حدث ليدي؟!.."
على إثر هذه الصرخة دخل أبي ومعه أمي... فزعين من صرخته... أما البقية فاجتمعوا على النافذة الزجاجية يراقبون ما يحدث...
تقدمت أمي إليه لتضمه إلى صدرها... لكن حالما وضعت يديها حوله أبعدها بشماله وهو يصرخ...
فتحدث أبي إليه... :"اهدأ يا بني!... هذا ما كتبه الله لنا... وليس علينا سوى الرضا بما كتبه الله عز وجل... عليك بالصبر والإيمان... اهدأ وأذكر الله... وأشكره بما قد أعطاك... فغيرك يا أحمد قد مات... وآخر قد فقد قدمه أو إحدى يديه بترت... وغيره من فقد بصره... فأنت الآن أفضل من غيرك..."
لم أستطع رؤية أحمد بهذا الحال... كنت أجهش بالبكاء... وأنا أستند على الحائط... في تلك اللحظة وأنا أرى أحمد يعالج سكرات ألمه... أحسست بمن يمسك بذراعي ليخرجني من الغرفة... وبالطبيب مع الممرضات يدخلن إلى الغرفة... ليتكلم مع أحمد...
نظرت لمن أخرجني من الغرفة كان عليّ... الذي لم يتركنِ بأي موقف أكون في حاجة شديدة له...
| +* +* +* +* +* |





دخلت إلى المستشفى مسرعة... لأبحث عمن يساعدنا في إنقاذ مطر من إغماءتها...
في لحظة دخولي إلى المستشفى رأيت أحد المستخدمين يقف بجانب سرير الإسعاف... فطلبت منه مساعدتي بنقل مطر... لكني وجدت خالد يمددها على ذات السرير ويدفع به سريعاً سائلا المستخدم...:"أين أجد الطبيب المناوب؟!.."
فأجاب المستخدم بلهجة عربية ركيكة...:"في الممر الذي على اليمين..."
ذهبنا مسرعين والمستخدم برفقتنا... عندما أخذنا اليمين رأيت طبيبة تقف في منتصف الممر... فذهبت ناحيتها مسرعة... :"أيتها الطبيبة أرجوك ساعدينا..."
نظرت إلى خالد والسرير الذي يدفعه هو والمستخدم وأخيه حبيب... فانطلقت هي بدورها لتمسك بالسرير وتدخلهم إلى غرفة المعاينة...
كان قلبي يخفق بشدة وهي تسألنا عما حدث لها... ولم أستطع الإجابة... وكذلك خالد لم يستطع أن يجيبها بشيء... نظرت لنا الطبيبة باستغراب... لكنها أكملت عملها دون أن تنطق بشيء...
ثم طلبت من الممرضة أن تأخذها إلى غرفة عمومية لتكون تحت الملاحظة مدة أربع وعشرين ساعة... وقد نقلت سريعاً...
كنا سنخرج خلفها... لكن استوقفتنا الطبيبة سائلة...:"مهلاً لحظة!... لم تخبرانِي عما حدث للفتاة؟!.. ومن تكون؟!... ومن تكونون بالنسبة لها؟!.."
توقفنا أنا وخالد في مكاننا يتطلع أحدنا للآخر بتوتر وارتباك...
فقلت لها وأنا أتقدم بجانب مكتبها الذي تجلس خلفه... :"إنها مطر!... ويمكنك أن تقولي عنها مطراً أعاد الحياة لنا... وأعطتنا البسمة مع الدمعة... فهي صديقة عزيزة... وأخت غالية... وهي منا ونحن منها..."
كانت الطبيبة تنظر لي باستغراب... فكلامي هذا خرج من جوفي دون شعور... لكنها الحقيقة... فسألتني... :" وما هو اسمها لأدونه في السجل؟!.."
فقال لها خالد... :"كما قالت لك!... اسمها مطر!!!."
عقدت حاجبيها في تساؤل...:"مطر؟!... اسمٌ غريب... غالباً ما يكون اسم رجل... أخبرني ما اسم والدها واسم عائلتها؟.."
نظرت لخالد... وأنا أقول في نفسي ماذا سيقول الآن؟... لكنه نظر لي وقد أحسست بأنه يسأل نفسه ذات السؤال!!!..
والطبيبة قد شعرت بما يجول في نفسينا... فقالت...:"ألا تعرفان عنها أكثر من اسمها؟!..."
فقلت والحروف تتعثر على لساني... :"إننا... إنها فاقدة الـ..."
قاطعتني بحدة...:"إنني أعلم بأنها فقدت وعيها... لكن أريد معلومات شخصية عنها... ولكن يبدو أن معرفتكم بها قليلة... لذلك سأنتظر حين تفيق..."
قاطعها خالد وهو يجلس على الكرسي الذي أمامي...:"لا... أرجوك لا!... إنها... لو أنك تستمعين لي حتى النهاية فقط..."
تركت قلمها على الطاولة لتشير له بالحديث... فقال خالد...:" إننا نعرفها منذ عشر سنين فقط... لكنها لا تتذكر شيئاً قبل معرفتها بنا... إنها فقدت ذاكرتها... وقد عثرت عليها مصابة في الطريق... لذلك نحن لا نعرف عنها سوى اسمها الذي اخترناه لها... أو بالأصح اخترته لها... وقد ظلت طوال العشر سنين معتقدة أنها أختي... فهي ربما قد تعرضت للاغتصاب من قبل أحدهم في زقاق مظلم... كنت أسير ذات يوم في الطريق لأسمع أنينها... الذي جعلني أحملها بين يدي وأجري فيها ناحية المشفى لكن القصف حال دون وصولي إلى الطبيب..."
عقدت الطبيبة حاجبيها وهي تقول ... :" حقاً... كان الله في عونها... في أي منطقة كانت الحادثة؟!..."
فسألها خالد...:"وهل هذا شيءٌ مهم؟!..."
هزت رأسها نافيه... :"ليس كثيراً... لكنها تبدو في مثل سني... ووجهها ليس غريباً عن ذاكرتي... وأيضاً هناك سبب آخر لسؤالي هذا... إن أجبتني!..."
نظرنا لبعضنا أنا وخالد... وعندما عادت نظرات خالد للطبيبة... قال...:"لقد كان في منطقة السلام السكنية... في زقاق قريب من مدرسة الأمل للفتيات..."
نهضت الطبيبة بهدوء واستغراب شديد... فسألتها...:"هل تعرفينها أيتها الطبيبة؟!..."
فقالت بتوتر...:" ربما نعم... وربما لا... فمن أعرفها سمعت بمقتلها قبل عشر سنين... في أحد أزقة منطقة السلام..."

| +* +* +* +* +* |




دخلت إلى البيت برفقة حوراء وقد كانت في غاية الفرح والسرور... فنحن منذ فترة طويلة لم نذهب لاستنشاق بعض الهواء والتنزه...
لكن شلتنا أصوات قادمة من جهة الصالة عن الحركة... حاولت تمييز الصوت لكن حوراء كانت أسرع مني لتهمس...:"أبي!..."
ثم انطلقت نحو الصالة... ومن خلفها انطلقت... دخلنا لنجد أبي وأمي يتناقشان بأمر ما... نظرت إلينا أمي لترحب بنا... :"هل عدتما؟!... انظروا من أتى إلينا..."
كانت ملامح أمي تبدو سعيدة... وأبي كانت السعادة تحاول السيطرة على ملامح وجهه لكنه كان حزيناً... ألقت حوراء بنفسها بين ذراعيه... وهي تقبله... وتتحمد له السلامة... وبعدها نظر لي أبي ماداً يده ناحيتي... نظرت له باستنكار... فقلت له...:"ما الذي تريده منا؟!... وما الذي دفعك للعودة إلينا بعد أن سجونك وانتشر خبرك في أنحاء البلاد... وتلطخ اسمك بالمنكر..."
أخذ أبي نفساً عميقاً وهو ينظر إليّ... :"تعبت طوال عمري لأجلكم.... وقد كنت معتقداً بأني بالشر والمنكر سأبني مستقبلكم... وها قد أتى اليوم الذي ندمت فيه أشد الندم على ما فعلته طوال تلك الفترة..."
وسكت لمدة دقيقة قبل أن يقول...:"وأتى اليوم الذي أراك به رجلاً تحاسبني على أخطائي... بدل أن أكون أنا من يحاسبك على أخطائك وزلاتك... حقاً أنا آسف يا وسام... وإني أعلم أنه بينك وبين نفسك تقول الأسف لا ينفع الآن... ولكني مستعد للتضحية من أجلك ومن أجل أختك..."
سمعت صوت أختي يرجوني...:"وسام!... المهم أنه نادم..."
وأمي تحاول أيضاً...:"بني!... إن أباك تعلم من أخطاءه... ونحن بشر نتعلم من أخطائنا دوماً..."
رأيت جملهم تشن هجوماً على جبال الغضب في داخلي... لأقول والكبرياء يغزوني...:"حتى أرى ذلك بنفسي... بالإذن منكم..."
وخرجت من الصالة لتلحق بي أختي...:"لماذا؟!... انظر إلى حاله من بعد السجن... كم هو نادم ومتحسر؟!... أرجوك يا وسام... عد إليه واطلب رضاه... فهو والدك ولست أنت..."
_:"والدي!... والدي يجب عليه أن يعرف خطأه... ألم تره هو وأمي ماذا كانا ينويان لأختينا؟!.. ألم تر معي الأموال التي جمعها من طريق الشر والحرام... إنني لن أسامحه على تلك الحياة والتربية ما لم أر بعيني تغييره..."
وخرجت مسرعاً من البيت... لأذهب إلى المستشفى... فأحمد هو من سيخفف عني ألم صدمات والدي...
حوراء العنيدة لم تتركني أذهب لوحدي...
| +* +* +* +* +* |

شجرة الكرز
06-02-2011, 05:02 PM
حكاية المطر...



مر اليوم بطوله ولازالت مطر في إغماءتها...
كانت عينا مريم لا تفارق وجهها... الذي يتقلب بين لحظة وأخرى وأنا ينتابني الخوف من تلك التقلبات... فقد كنت أخشى لحظة اللقاء والتي ستجعلني أخبرها بالحقيقة التي لن يتحملها قلبها الصغير...
طلبت من أخي حبيب أن يعود... فربما تطول حالة مطر... رفض في البداية لكني أقنعته أخيراً... وأعطاني عنوان سكنه وذهب...
حينما أتى وقت الصلاة ذهبت للمصلى وبعد أن أديت فرضيتي ودعائي عدت إلى مريم لتأخذ هي قسطاً من الراحة... فهي لم تفارق المكان أبداَ... وعندما عادت سألت عن مطر فأخبرتها أن لا جديد في الأمر...
وعندما أصبحت الساعة الثامنة مساءً... نهضت من الكرسي الذي أجلس عليه ساعات طويلة... :" ما الأمر؟!.. إلى أين أنت ذاهب؟!.."
_:"سأذهب للاستراحة... هل تريدين أن أحضر لك شيئاً معي؟!.."
نظرت إلى مطر قبل أن تجيب... :"سألحق بك بعد دقائق..."
خرجت من الغرفة والأفكار تجرفني واحدة تلو الأخرى... كيف سأخبر مطر بأنها تائهة؟؟.. وأننا لا نعرف من هم عائلتها...
حتى يومنا هذا لم نلتقِ بأحدٍ فقد أخته... أو ابنته... أو حتى حبيبته...
إنني حقاً تائه في أفكاري... كما مطر تائهة في أفكارها...
_:"آآآخ!... "
ابتعدت قليلاً لأنظر لمن اصطدمت به... فصعقت بمن أمامي... فتحت عيني على أوسعهما أريد أن أكتشف هل أنا في حلم أم واقع... ففاجأني صوتها مستفسراً... :"ما بك؟!.. ألا ترى أمامك؟!..."
ارتبكت وتلعثمت الحروف في فمي... :"إ... إ... إنـــني آسف... لم أقصد الإساءة... لكن ما الذي جعلك تنهضين من سريرك؟!.."
نظرت إليّ وفي عينيها تساؤل غريب... فسألتني...:"عفواً... سريري!..."
لقد أخافتني عليها كثيراً... فسألتها...:"هل تشكين من شيء يا مطر؟!.. كيف تركتك مريم تنهضين؟!.."
نظرت لي بعدم تصديق... ولم تظهر لي أي علامة للفهم... لكنها قالت وهي تحاول الابتعاد عني... :"يبدو أنك أخطأت... فأنا لست الفتاة التي تقصدها..."
هنا سمعت صوتاً يناديها...:"حوراء!..."
التفت إليه مطر ليسألني...:" ماذا تريد؟!..."
لم أعرف ماذا أجيبه... لكن الفتاة سبقتني... :"لقد اصطدم بي... فأراد أن يعتذر..."
أمسكها الفتى من كفها ومشى من أمامي... سمعتها تقول...:"يبدو أن هناك فتاة تشبهني اسمها مطر... واختلطت عليه الملامح..."
_:"كيف ذلك؟!... لا يوجد من تشبهك دون من رحلت..."
ماذا؟!... أي أن هناك من تشبه هذه الفتاة... أي أن مطر لديها أخت توأماً لها... وأهلها يعتقدون بأنها ماتت... أو ربما هاجرت أو هربت... فهو قد قال رحلت!...
انتبهت لنفسي وأنا أقف في وسط الممر... أفكر فيما رأيت وسمعت... إنهما توأمان... ولكن أين اختفت؟!... كانت الحقيقة على بعد بضعة سانتيميترات فقط.... واختفت...
حاولت أن أمشي في نفس اتجاههما... لعلي أجدهما.... ولكن للأسف... لا شيء....
توجهت ناحية الاستراحة لأحتسي كوباً من القهوة... لعلها تفتح لي باباً يهديني... ولكن لا فائدة... أحسست بعقلي يدور ويدور... كيف أجد تلك الفتاة مرة أخرى... هل أجلس عند البوابة وأنظر في وجه كل من يدخل ويخرج؟!...
أحسست بقبضة يد توضع على كتفي... ليهمس صاحبها... :"خطاك السوء..."
رفعت رأسي لأراه... ويتهلل وجهي برؤياه... :"محمد!... أهلا بك يا صاح..."
نهضت لأضمه بين ذراعيَ... :"كيف حالك يا خالد؟!.. كم اشتقت لكم...."
ابتسمت وأنا أنظر إليه... مددت له كرسي لأجلس بالكرسي المقابل له...:"تفضل رجاءً... أنا من اشتاق إليك... كيف هي أخباركم؟!..."
_:"نحن بخير... ولكن ما الذي أتى بك إلى المستشفى... هل حدث مكروه لعمار؟!.."
أشرت له بالنفي... قبل أن أقول...:"لا!... عمار في أفضل حال... ولكنها مطر..."
_:"أختك!..."
نظرت إليه بنظرة أوصلت له كل ما في قلبي من هموم... أوصلت له بعيني مصيبتي التي أحملها معي أينما ذهبت...
_:"ما الأمر؟!... لأول مرة أرى في عينيك بريق الهم... أخبرني فنحن إخوة..."
سحبت هواءً إلى جوفي... لعله ينقي قلبي من تلك الشوائب... :"إن مطر في إغماءة منذ الصباح... وأخشى أن تدخل في غيبوبة طويلة..."
وأخبرته بحكاية المطر معي... مما جعله يفتح ثغره كالأبله...
| +* +* +* +* +* |





خرجت غدير من الغرفة لتلقي بنفسها بين ذراعيّ علي... الذي بدأ يهدأ من روعها...
إنها حقاً مصيبة التي نحن فيها... كيف سيتقبل أحمد فقدان يديه؟!...
وقفت أمام النافذة لأرى ماذا سيفعل الطبيب مع أحمد وهل سيقنعه؟!.. أم أنهم سيكتفون بتنويمه كلما استيقظ...
_:"إنه قويّ!!.. لا تقلقي عليه..."
التفت إلى ياسين الذي أتى ليقف بجانبي... وكأنه أحس بما في قلبي من أمنيات... كنت أتمنى لو أنني أستطيع أضم نفسي بين ذراعيه!!!... ولكنه ليس... ليس بأخي... أو خطيبي... أو زوجي...
_:"أين وصلتي؟!.."
رمشت بعيني لأرى ياسين ينظر لي وعينيه تتحدث... لكني لم أفهم حديثها جيداً... ابتسمت له... فابتسم لي وقال...:"لا أريد من طفلتي أن تبكي مجدداً..."
تركني ونظر إلى أحمد الذي بدأ يهدأ وهو يستمع للطبيب... والفضل يعود لأبي فهو كان يهمس بآيات قرآنية لتهدأ من روح أحمد المجروحة...
آآآخ يا أخي الحبيب... كم مرة سيجرحك الزمن؟!...
التفت إلى غدير حتى أخبرها بأن أحمد قد هدأ... لكن خروج الطبيب حال دون ذلك... توجه ياسين للطبيب... بينما علي أمسك بكف غدير ليتوجه خلف ياسين... فكان ياسين أسرع للسؤال...:"كيف هي الأحوال أيها الطبيب؟!..."
ابتسم الطبيب...:"إنه أقوى مما كنت أتصور... الحمدلله... فهو قد هدأ الآن... وإن شاء الله أن لا تكون هناك مشاكل في المستقبل... غير أنه سيواجه صعوبة في ممارسة يومه بشكل طبيعي... أتمنى أن يكون هذا آخر أحزانكم!..."
شكروا الطبيب ليتركنا ويذهب لمتابعة عمله...
أما نحن فاستقبلنا أحمد وهو يخرج من العناية المشددة... بين أمي وأبي... ليأخذوه إلى غرفته الخاصة...
ولا أدري أحمد فيما كان يفكر... فقد كان ينظر في الفراغ... وعقله يعمل ويعمل... ونحن نمشي بجانبه نتحمد له السلامة لكنه لا يجيب بأي كلمة...
| +* +* +* +* +* |



أدخلوني إلى الغرفة المخصصة لي... وقد كنت أعاني شجاراً في نفسي... لم أستطع النظر في وجه أحدهم... فأنا أخشى أن أتفاجئ بالشفقة المرسومة على وجوههم...
فأنا الآن بلا ذراع... وبلا قلب... وبلا فائدة كذلك!!...
أحتاج لمن يعينني في أبسط الأمور...
أحسست بصوت يخرج فجأة من بين الواقفين حولي... :"إن الله لا يترك عباده..."
نظرت إلى علي الذي يضم غدير بين ذراعه... فابتسم لي وهو يتقدم...:"إن الله لا يترك عباده... إنك فتى صالح وإنسان لم تترك الله في أصعب محنك... فكيف الآن؟!.. لقد واجهت الأصعب من فقدان يديك... إن فقدان القلب شيء لا يتحمله أي إنسان... وانظر لحالك حتى اليوم كنت صابراً... منتظراً... والله لن يضيع أجر المحسنين..."
تأملت كلماته الطيبة... وقد وجدت طريقاً في جسدي المنهك... لتمدني ببعض الطاقة والحيوية... التفت إلى أمي التي تحاول إمساك عبراتها... ولسانها يهمس بالدعاء... ومنها إلى غدير التي كانت تحاول جاهداً عدم البكاء لكنها لم تنجح... وياسمين التي تقدمت مني لتلقي بنفسها على زاوية السرير والدموع تتحدث بدلاً منها...:"حمداً لله على سلامتك..."
ابتسمت لأنظر إلى أبي الذي كان يريد الانسحاب من المكان... فتجمعت قواي كلها لألتقط صوتي المتعب بصعوبة... :"أبي!..."
التفت إليّ وهو يبتسم ابتسامة واسعة... :"أمرك بني!..."
كلمة "أمرك" أنا من يجب علي قولها لأبي... وليس هو... لكن الوضع الذي مروا به خلال غيبوبتي صعباً عليهم كما يبدو... فقلت وأنا ألتقط الكلمات التقاطاً... :"أبي!.. أود الحديث معك..."
نظر أبي للجميع فهمها الجميع... فهموا بالخروج... لكني استوقفت... :" أمي!.. خالتي!... ... غدير!.. ريم!.. ... ياسمين!..."
نظرن لي جميعهن... فقال علي الذي كان آخر المنصرفين...:"اجتماع عائلي!... نردها لك في المستقبل..."
ابتسم له وهو يكمل مسيره نحو الخارج...
نظرت لهم ليجلسوا... وكأن أبي فهم ما كنت أريد الحديث به... فقال لي...:"أجل هذا الموضوع حتى تخرج من هنا..."
هززت رأسي رافضاً... وبدأت الحديث عن نفسي سابقاً... وعن نفسي في الوقت الحاضر... وعن حالتي التي أصبحت بها... تحدثت طويلاً... حتى شعرت بالتعب... لكن!... حينما وصلت للمعنى الأساسي من حديثي المطول هذا... قاطعني طرق الباب... الذي كشف عن ضيفة لم أتوقع رؤيتها في هذه الأيام...
| +* +* +* +* +* |



بناية النسيم السكنية
الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهيرة يوم الأربعاء السابع من مايو...
ماذا سأفعل بجلوسي هكذا؟!.. إنني هنا مقيدة!... يجب أن أذهب وأطمأن عليه... لكن!... لكن أبي حذرني من الذهاب إليهم ألف مرة... رغم تحذيراته المتكررة عصيته وذهبت مليون مرة...
وفي المرة الأخيرة كان غاضباً بشدة... وهددني بأنه سيغير معاملته معي...
وما يهمني؟!.. سأذهب لآخر مرة في حياتي... أريد رؤيته والحديث معه لآخر مرة على الأقل... أو حتى رؤيته من بعيد مثل المرة السابقة...
فتلك الحمقاء الصغيرة تنافسني كما كانت تفعل بـتــــ... يا إلهي!... وما شأن بتول بذلك!... لكنها ماتت... فهل صداقتنا ماتت كذلك؟!!..
إنني حقاً تائهة... لا أدري أرضي من؟!.. هل أرضي قلبي؟.. أم صديقتي؟.. أم أبي؟.. أم نفسي؟...
بعد خمس دقائق فقط... حملت حقيبة يدي... ونزلت إلى أسفل البناية... كنت أود أن أذهب إلى المشفى بسيارة أجرة... لكن ذلك السائق الغبي كان جالساً عند بوابة البناية بجانب الحارس... فلابد أن أبي قد عينه حارساً لي... لا سائقاً!!!!....
نهض وتقدم لي... بعد الترحيب سأل عن وجهتي... فقلت بصرامة...:" سأذهب معك... لكني أحذرك أن تخبر أبي عن وجهتي..."
_:"لكنك تعلمين أنه دائم السؤال عن جولاتك!.."
قلت له زاجرة...:"أخبره أي شيء... أخبره أني ذهبت إلى السوق... أو حتى لتناول الغداء في الخارج... اخترع لك أي شيء... أي شيء..."
هز رأسه بطواعية...:"أمرك آنستي..."
ركبت في السيارة معه... لينطلق بي باتجاه المستشفى التي يرقد بها أحمد... فكم أنا مشتاقة لرؤياه...
عندما وصلنا... اتجهت مباشرة إلى قسم العناية الفائقة... ثم إلى غرفة أحمد... لكنني وجدت فتاة ممدة على السرير... وبجانبها الممرضة تعاين حالتها...
تراجعت أنظر حولي بحثاً عمن يدلني على أحمد... إن عقلي يقول بأنه مات!... لكن قلبي يقول بأن قلبه لا زال ينبض بالحياة... خرجت من القسم لأتجه ناحية الاستقبال... فاصطدمت بأحدهم... التفت فكان ذلك الشاب الذي كان واقفاً يراقبني قبل أيام هنا... :"عذراً!... لم أقصد أن... ..."
قطعت حديثه...:"لا!.. لا داعي..."
ثم تركته لأكمل طريقي إلى فتيات الاستقبال... لكنه لحق بي ليسألني...:" عفواً! لقد التقينا قبل أيام... كنت تنظرين لابن خالي؟!.. فهل تعرفينه؟!.. أم أنك كنت تائهة كما أنت الآن؟!.."
لم أتحدث معه... ولم أنطق بشيء!... بل توقفت أمام موظفة الاستقبال وسألتها...:"عفواً أختي!... أود السؤال عن المريض أحمد مصطفى... الذي كان في العناية قبل أيام؟!..."
فصرخ الفتى الأبله...:"ألم أقل لك أنك تبحثين عن ابن خالي!!!... لا تتعبي نفسك يا آنسة سآخذها إليه..."
نظرت إليه غاضبة...:"وما شأنك بي يا هذا؟!.. هل تعرفني؟ أم أعرفك؟!..."
أحرجته أمام الموظفين في المشفى... فقال بهدوء...:" أعذريني!... اعتقدت أنك قريبة لهم..."
ثم ذهب في طريقه...
التفت إلى الموظفة فرأيتها تبتسم لي قبل أن تقول...:"إنه حقاً من أقرباء أحمد... وهذا رقم غرفته خمس مئة وستون... في قسم الجراحة بالطابق الخامس..."
شكرتها قبل أن أذهب لأبحث عن غرفة أحمد... وأنا أدور وأدور في الطابق الخامس... ندمت كثيراً على معاملتي لذلك الشاب... فقد كسرت ساقي وأنا أبحث عن الغرفة... كما أن المستشفيات الحكومية تغص بالأقسام والممرات... وأيضاً كثرة المراجعين والزوار خصوصاً في هذه الفترة الحرجة...
اممممممم يا إلهي!... هذا الممر دخلت إليه... وذاك أيضاً... إلى أي طريق أتجه؟؟...
وقفت حائرة في مفترق طرق... هل أسأل أحدهم؟!.. نعم سأسأل... توجهت لذلك الفتى الذي يقف عند إحدى النوافذ... وكم كنت بلهاء باختياري...
_:"لو سمحت!!..."
التفت الفتى الشاب... وإذا به ذات الفتى الذي التقيت به قبل قليل!... عندما نظر إليّ... عقد حاجبيه بعصبية ثم تركني وذهب...
صحت به...:"انتظر!... انتظر قليلاً..."
لم يعرنِ اهتماماً... بل واصل السير وأنا خلفه أحاول أن أسحب منه كلمة تدلني على الطريق... :"أرجوك يا أخ... فقط أريدك أن تشير لي على غرفة أحمد..."
لا فائدة ترجى منه... لذلك بقيت أسير خلف الصمت... حتى توقف عند باب أحد الغرف وهو يعطيني ظهره... فنظرت إلى الباب الذي على يميني... فكانت هناك لوحة معلقة عليه كتب عليها... خمس مئة وستون...
فقلت وأنا محرجة منه...:" شكراً لك!..."
ثم طرقت الباب طرقةً واحدة... فأذن لي بالدخول... حينما فتح لتظهر خلفه ريم... وهي تحدق بي ببلاهة...:"ما الذي أتى بك؟!..."
_:"عفواً... ماذا؟َ..."
هزت رأسها...:"انسي ذلك... تفضلي... أووه وسام!... أتود الدخول؟!.."
التفت لذلك الشاب الذي يقف خلفي... فأجابها...:"لا!... سأذهب للبقية... فيبدو أنه اجتماع عائلي..."
فابتسم ورحل... أشارت لي ريم بالدخول... ليغلق الباب خلفي... سلمت على الجميع... بما فيهم منافستي الحمقاء... ثم نهضت الخالة غيداء من مكانها لتسمح لي بالجلوس... رفضت بالبداية... لكنها أصرت لتجلس بجانب ياسمين وغدير...
نسيت أن أذكر بأن الموجودين هم الخالة والعم مصطفى... وغدير وريم... وأخيراً ياسمين مع الخالة فاطمة... لقد استنكرت وجودها هنا... فهذا الاجتماع عائلي وهي تدس أنفها فيه...
_:"كيف حالك يا أحمد؟!.. أرجو أن تكون قد استرددت صحتك..."
ابتسم بوهن وأجاب...:" الحمد لله على كل حال... وأنت؟!.."
أجبت بهدوء...:"بخير!... الحمد لله..."
بعد أن رأيت أن الهدوء قد ساد الغرفة... سألت خالتي غيداء مستفسرة...:" كيف حدث ذلك يا خالة؟!... لقد ساءني الخبر حينما سمعته..."
تنهدت الخالة وقالت...:"لقد حدث ما حدث يا ابنتي!... إنهم شباب طائشون!!.. يحب تقديم العون لمن يحتاجه..."
وجهت حديثي لأحمد... بأسلوب المزاح... :"يا الله يا أحمد!!... إن للناس ربها... فما شأنك بهم..."
لكن يبدو أن كلامي هذا لم يعجبه أبداً... فقال باستياء...:" إنني متعب ولا طاقة لي على الحديث الآن..."
_:"أحمد!..."
زجرته الخالة... لكني قلت لها... :"لا بأس خالتي!... سأذهب لأتركه يرتاح... فزيارة المريض لا تزيد عن دقيقتين فقط..."
وكنت أقصد بذلك ياسمين... التي لا أدري منذ متى وهي تقبع هنا أمامه... كنت أنوي أن أسلم عليهم ثانية لأرحل لكن حالما وضعت يدي بيد الخالة غيداء استوقفني صوته...:" انتظري!... والدي يريد أن يسألك سؤالاً..."
لقد غمرتني الفرحة حينما قال ذلك... تهلل وجهي مستبشراً... لكن العم مصطفى قال له...:" ليس هذا الوقت الملائم يا بني!..."
_:" بلى يا أبي!... إنه أنسب وقت... فربما ترتاح أنت من التفكير بمستقبلي..."
وضع العم مصطفى كفه على ذراع أحمد راجياً...:" ليس الآن يا أحمد..."
كانت كل العيون تنظر إلي بتساؤل... حتى أحمد نظرات التساؤل والغضب تملأ وجهه... فقلت لأنهي هذا النقاش... :"لا يهم يا عمي!... إن كانت هذه رغبة أحمد فأنا لا أمانع..."
نظر إلي عمي بقلق... وضل صامتا... وربما كان سيبقى في صمته دهراً كاملاً...لولا أن أحمد قطع الصمت قائلاً...:" اسمعي جيداً يا هدى!... إنني تعرضت لإصابة بليغة... ولكن قبل الحادث... كان أبي قد خيرني بين اثنتين... وأنت تعلمين بذلك...
ياسمين!.. لقد كنا نتحدث بهذا الأمر قبل قليل... ولولا دخول هدى لكنت أول من تسأل... لكن الآن!... سأسألكما طلباً... إنه ليس صغيراً... بل كبيراً جداً... فكل منكما فتاة في مقتبل عمرها تتمنى لو يكون فارس أحلامها كامل الأوصاف... وكل منكما حددت فارس أحلامها... وكفارس نبيل!... سأعطيكم مهلة للتفكير... مدتها ثلاث أيام..."
سكت في هذه اللحظة ليرى وقع كلامه علينا... كانت ياسمين أشبه بالقتيلة في هذه اللحظة... فلابد وأنها متيقنة من خسارتها في هذه المسابقة البسيطة... أما أنا فقلت له بلطف...:"لا تقلق!... التفكير لن يأخذ مني كل هذه الفترة... فإن أردت جوابي كان حاضراً أمامك..."
قبل أن يكمل حديثه... رمقنا بنظرة يخاف منها الوحوش...:" لكن الفارس في ذات يوم كان طائشاً... لدرجة أنه قتل أناسًا مجرمين... ليدافع عن والده... ولشدة حبه لوالده!... فقد يمناه... أو لنقل أنه فقد الإحساس بيمناه تماماً... والآن أتى اليوم الذي سيتم فيه تخيير الفتاتين... بدل أن يخير هو!... يا ترى من تكون الفتاة التي ستضحي بأحلامها؟؟!.. وقصورها التي بنتها في أفكارها؟!!.. لتعيش مدى حياتها مع رجل لا يستطيع أن يفعل أبسط شيء؟؟؟!!!... من منكما ستقوم بهذه المجازفة التي ستكتب في تاريخ الحب كما يقال؟؟؟..."
سكت لثوان ليرى ما سنفعله نحن الاثنتان... نظرت لياسمين فوجدتها تجفف دموعها... بينما أنا كنت مصدومة... وكأن لسعة كهربائية قد أصابتني... فأكمل قبل أن ننتبه لسكونه... :"رغم أنني أقولها لكما... إنني لا أبادل أياً منكما المشاعر... أنتما بالنسبة لي مثل ريم أختي... لكن هذه إرادة أبي وأمي!... وأنا لن أخذلهما... إن كانت هناك من توافق على هذا العرض... لكن بمعلومكما أن عاهتي هذه لن أشفى منها... وأنا الآن راضٍ بقضاء الله وقدره... لذلك أريد منكما إجابةً بعد ثلاث أيام... وإن كانت الإجابة بلا فلا داعي لقولها... فأنا سأعرف الرد مباشرة..."
خرت دموعي من مخبأها... لتكشف للجميع استسلامي... ويأسي... لا أصدق بأن هذا هو أحمد!!.. لا أصدق بأنه أصيب بعاهة مستديمة... حركت قدماي بصعوبة شديدة... أردت الخروج لكن صوته أوقفني... :"لن أتضايق من الرد أبداً... فربما... ربما لو كانت بتول الآن على قيد الحياة... لحملت قلبها وروحها ورحلت بعيداً عني!..."
هنا سمعت صوت ريم تصرخ به... :"يكفي!... أحمد يكفي أرجوك!!!... لقد قطعت قلبي أشلاءً... إن بتول لن تفعل ما ستفعله هدى أو حتى ياسمين!!.. لو كانت بتول هنا... لما تركت قواك تخور... إنها... إنها كانت تذوب بك عشقاً!!... لكنك كنت أبلهاً لتتخلى عنها... نعم كنت أبلهاً..."
بعد هذه الكلمة خرجت مسرعة من الغرفة... لتترك أحمد في حيرة من أمره... لأجمع أنا أشلاء صوتي الباكي...:"حقاً ما قالته!... لم تقل غير الحقيقة... فبتول... ... سأخبركم بشيء لا يعرفه أحدٌ غيري!... في اليوم الذي اختفت فيه بتول... كانت... كانت برفقتي!... تحدثت طويلاً عن خذلانك لها يا أحمد... أتت لتذرف عليك دموع قلبها... لقد كان حبها خسارة فيك... فأنا لم أرَ فتاةً طوال حياتي... منذ أن ولدت إلى هذا اليوم... لم أرَ!!!.. لم أرَ فتاة تعشق رجلاً بهذا الجنون... حتى اليوم أتخيل بأن قلبها لم يكن ينبض بداخلها... بل كان ينبض بين يديك... وأنت من رميته لتركله بقدمك... حبها... خسارة فيك يا أحمد!..."
بعد كلماتي تلك... خرجت من الغرفة لأذرف دمعتي بعيداً عنهم...
هو لا يستحق الحب الذي وهبته له بتول... وأيضاً حبي له... لا أدري كيف أختم هذه القصة معه!!!...
| +* +* +* +* +* |

شجرة الكرز
06-02-2011, 05:05 PM
السلام عليكم...

هذا هو النص الذي وعدتكم به...

أرجو أن ينال إعجابكم... ويكون رائعاً بقدر فترة التأخير عليكم...


أرجو المعذرة...

شمعة
29-03-2011, 09:23 AM
في انتظار ردودكم الغالية ...

بسمة ألم
05-04-2011, 02:47 AM
غاليتي غبت عنكم لفتره


وعدت فذهلت بروعة روايتكم


واشتقت لقراءة الاجزاء المتبقيه


فلا تحرمونا ذلك ولاتجعلو انتضارنا يطول


تحيه رقيقه برقة كاتبتا هذهِ الروايه


مودتي

عهودة
06-05-2011, 10:52 PM
يسلموو عالاجزاء الحلوووة كتييير