المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أهل البيت ( عليهم السلام ) والرعاية الشخصية للمستضعفين


ناصر البحراني
18-02-2001, 12:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

عندما وصل موسى بن عمران (ع) إلى ( ماء مدين ) وجد أمرأتين ترعيان الغنم وتنتظران مغادرة الرجال عن النبع ، لا تستطيعان السقي في مزاحمة السقي في مزاحمة الرجال .. فثارت الحمية في نفس الفتى الغريب المطارد ( موسى بن عمران ) فتولى سقي القطيع بلا عوض ، بل رغبة في الإحسان ..
وسجل القرآن الكريم شهامة بن عمران في مساعدة الضعيفتين كما سجل موقفه الشجاع وهو يتحدى جبروت واستكبار فرعون وقومه .. قال تعالى : (( ولما ورد ماء مدين وجد عندها أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان .. قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ... )) ، وهذا يعني أن رسالة السماء لا تنحصر على محاربة الظالمين والمستكبرين فقط .. بل وفي مساعدة الضعفاء أيضا ، ورفع ما أمكن من عذابهم وآلامهم .
وإذا لاحظنا حياة المصلحين الكبار وجدنا أن محبة الناس وخدمتهم هو من صميم رسالتهم ومهماتهم في الحياة .. فهم يعشقون خدمة الناس كما يعشقون هدايتهم وتعليمهم .. وكما كان الأنبياء كان أهل البيت (ع) .. فلقد كان اهتمامهم بالمستضعفين في المجتمع نابعا من إيمانهم العميق بالله واليوم الآخر .
ومن هنا جاءت كلماتهم وأحاديثهم لتؤكد سيرتهم وتقوم جميعا بدفع الناس نحو الأحسان والتعاون على الخير ورفع البؤس عن المستضعفين ،، فها هو التاريخ يروي لنا أن بيوت المدينة كانت تعيش من صدقات علي بن الحسين (ع) ولا تدري من أين تعيش ,, فلما مات علي بن الحسين ( زين العابدين ) فقدوا من كان يأتيهم .. فعلموا بأنه هو الذي كان يعيلهم .. فقالوا : فقدنا صدقة السر مذ فقدنا علي بن الحسين زين العابدين .. ليس ذلك فحسب وإنما كان أهل البيت (ع) يحافظون على شخصية الطرف الآخر ومشاعره الإنسانية حتى لا يشعر بالضعة والضعف .. يروي المحدثون : ان الحسن بن علي (ع) أتاه رجل في حاجة فقال له : اكتب حاجتك في رقعة وأرفعها .. ( ذلك حتى لا يريق ماء وجه الرجل ) .. وينقل لنا المؤرخون عن الحسين بن علي الشهيد (ع) أنه وجد على كاهله الشريف بعد وقعة الطف أثرا بليغا كأنه جرح عدة صوارم متقاربة ، وحيث عرف الشاهدون أنه ليس من أثر جرح عادي ، سألوا السجاد (ع) عن ذلك ؟؟ .. فقال : " هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين " ..
كما يطالعنا التاريخ في أزهى صوره عن أمام المستضعفين علي بن أبي طالب (ع) حيث روي أنه حين كان الحسنان (ع) يعودان من دفن أبيهما متوجهين نحو البيت .. تناهى إلى أسماعهما صوتا حزين ضعيف كان ينبعث من داخل خربة في طريقهم .. والإمامان (ع) اللذان كانا ربيبي مدرسة الوحي .. ويعتبران أنفسهما مسؤولين عن الضعفاء والمستضعفين .. أسرعوا إلى الدخول إلى تلك الخربة .. فوجدا فيها شيخا طاعنا في السن مقعدا وأعمى .. وقد تلوث بالقذارات .. وهو يئن ويبكي .. فبادروه في السؤال عن حاله ؟؟ .
فأجاب : " ترون أنني مقعد وأعمى .. وكان أحد رجال الله يزورني يوميا ً مرة واحدة .. ينظفني ، ويبدل ملابسي ، ويطعمنى وحتى أنه كان يضع اللقمة في فمي .. قال الشيخ الكلمة وخنقته عبرته ، وتأوه تأوها حزينا ثم أضاف : " ومضت ثلاثة أيام ولم يزرني .. أنا جائع جوعا شديدا فقد توسخت وتنجست أثوابي .. لم أعلم لماذا لم يزرني ذلك الرجل الجليل " ؟؟
فسأله الحسنان (ع) : " هل تعرف عنه علامة " ؟؟ .
أجاب الشيخ : " أنا أعمى .. ولم أشاهده بعيني حتى أعرّفكما بعلائمه .. لكني أعلم أنه كان يدخل علي لا يفتر عن ذكر الله وتسبيحه .. وأسمع أن كل شيء سبح بتسبيحه حتى ذرات تراب هذه الخربة "
هنا جرت دموع الحسنين (ع) وقالا : يا رجل !
إنه كان أبانا علي بن أبي طالب (ع) ونحن الآن رجعنا من دفنه ..
وإذا كانت السيرة وكتب التاريخ قد حوت الكثير الكثير من القصص والشواهد على مدى رعاية أهل البيت (ع) واهتمامهم شخصيا بالمستضعفين .. فإن القرآن الكريم قد تضمن بين دفتيه سورة كاملة هي سورة ( الإنسان) - ولك عزيزي القارئ أن تتدبر في مغزى التسمية - حيث رسمت لنا أفضل صور العطف والحب والإيثار يوم أن تصدق أصحاب الكساء عليهم السلام وهم صائمون .. على المسكين واليتيم والأسير .. على مدى ثلاث ليال متواليات لم يتجرع أهل الكساء خلالها غير الماء .. وما ذكرنا من نماذج وصور الأهتمام الشخصي بالمستضعفين في المجتمع من قبل أهل البيت (ع) يمثل في الحقيقة التطبيق الحي لتعاليم الإسلام وتشريعاته .. وإذا كان القرآن الكريم يسجل مواقف الرسول (ص) وأهل بيته (ع) .. ويشخصها في أخلاقهم تجاه الناس فلكي يقتدي الناس بها عبر الزمن وفي كل العصور .. والأمكنة ، فهل أقتدينا بهم ؟؟
..................................................
أخواني الأعزاء ..
ذكرت مجموعة أمثلة عن بعض أئمة الهدى عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا في أهتمامهم الشخصي في رعاية المستضعفين .. ولو كان الوقت يسعفني لذكرت لكل إمام موقف ومشهد .. ولهذا أدعوكم لسرد الأمثلة للإئمة المعصومين - الذين لم نذكرهم - عسى أن ننال شفاعتهم يوم الورود يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

------------------
الناس أعداء ما جهلوا