مشاهدة النسخة كاملة : اذا كان الله عالما بفعل ابليس فلم خلقه.......
كنعان
25-07-2002, 03:36 AM
س/اذا كان الله عالما بفعل ابليس فلم خلقه؟
س/ولم جعله مع الملائكه وهو مخلوق من نار؟
س/لم مكنه من خلقه هذا التمكين؟
س/ما هي الجنه التي دخلها ابليس وأغوا أدم أبو البشر؟وهل هي في السماء أم مادا؟
[أرجوا من الأخوه المشاركه.والأجابه للأستفاده والأفاده وشكرا.:D:D
أخوكم كنعـــ:Dــان [/SIZE]
SAD2009
30-07-2002, 02:02 PM
.-:***:-..-:***:-. اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين .-:***:-..-:***:-.
أبا بقاع
02-08-2002, 02:58 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
- في أحد التفاسير
أيَّة جنة؟!
لقد تحدثت الآيات الشريفة عن أن الله تعالى قد أسكن آدم وزوجه (عليهما السلام) الجنة.
فعن أية جنة يتحدث؟ هل هي جنة الخلد؟، أو هي جنة من جنان الدنيا، لها طبيعة خاصة بها، لا تنسجم مع طبيعة الحياة على الأرض؟.وهل هي جنة في السماء؟ أم هي في الأرض؟!
إن هذا البحث، لا نرى أننا نستطيع أن نفيض في الحديث فيه هنا، فنكتفي بالقول: إننا قد نجد في الآيات الكريمة، وفي بعض الروايات الشريفة ما يؤيد هذا الاحتمال الذي يقول: إنها من جنان الدنيا.. فلاحظ ما يلي:
ألف: قوله تعالى: {قلناإهبطوا منها} ([11]) له درجة من الظهور في أن الجميع كانوا في محل ما، ثم أخرجوا منه.. مما يعني أن إبليس لعنه الله قد كان مع آدم (عليه السلام) وحواء في داخل ذلك المكان الذي سماه الله: الجنة.
ب: قوله تعالى: {قال: اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو}([12]).
وقوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. قال فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون}([13]).. يدل على أن الجميع قد أنزلوا إلى الأرض، بعد أن لم يكونوا فيها.
ج: هناك بعض الروايات تقول: إن آدم (عليه السلام) حين أهبط من الجنة اهبط على الصفا، واهبطت حواء (عليها السلام) على المروة. وتلك الرواية نفسها تقول أيضاً:
"سئل الصادق عن جنة آدم (عليه السلام)، أمن جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة؟
فقال: كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً"([14]).
ولكن كونها من جنان الدنيا لا يلزم منه أن تكون في الأرض، فإن السماء الدنيا واسعة، ويمكن أن يكون في بعض كواكبها جنة لها حياة وحالات برزخية، وتطلع فيها الشمس والقمر..
من كلام السيد محمد حسين فضل الله :
عمـر إبليـس
س : يقال إن امتداد عمر إبليس هو مكافأة له للعمر الذي قضاه في عبادة الله، ويقدّر بستة آلاف سنة، فهل وجوده في هذه الحال هو نوع من العبثية باعتبار أنّ حياته مكرّسة للوسوسة في صدور الجن والإنس، وبالتالي فإن وجوده وبالٌ على خلق الله؟
ج : أولاً، إن القول إن الله أمهله حتى يعطيه ثواباً على عبادته غير ثابت، ولكن لله تعالى حكمة في خلق إبليس في أنه أراد للإنسان أن يعيش الصراع بين الخير والشر، ولذلك جعله مفطوراً على الخير وأرسل إليه الأنبياء بوحيه، وجعل الشيطان يوسوس له بالشر، ولكن الله خلق للإنسان عقلاً، وقال له: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتّبعك من الغاوين} [الحجر:42]. فالعباد الذين يحرّكون عقولهم وإيمانهم ويتحرّكون على أساس دراسة الأمور دراسة واعية، لا يستطيع الشيطان أن يؤثّر عليهم، ولذا فهو ليس وبالاً على الإنسان، ولكن مشكلتنا أننا مثل تنابلة السلطان، فبعضنا يريد أن يصبح كبيراً من دون أن يأتي بالعناصر التي تكبّره، ويبلغ الدرجات العالية من دون أن يواجه التحديات التي تواجهه، كما قال ذاك الشاعر:
تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بدّ دون الشهد من إبر النحل
ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً} [الإنسان:3]. فلقد خلق إبليس وزوّدنا بما نملك من سلاح لنواجه به كيد إبليس.
اتخاذا ابليس شماعة لأخطائنا:
س: إبليس هو ذلك العنصر الذي يمثل الشر كله ويحاول جاهداً بكل أسلوب أن يوقع الإنسان في الحيرة والمتاهات في سبيل أن يجعله حطبا لجنهم، لكن بعض الناس يحاولون ان يحملوه أخطائهم بحيث أنهم كلما اخطأوا خطيئة قالوا: لعن الله إبليس فهو السبب، فما هو تعليقكم؟
ج: إن الله يحدثنا عن إبليس عندما يقول{مثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني بريء منك}. أي لا تحملني مشكلتك {إني أخاف الله رب العالمين}[الحشر:16]. والأهم من ذلك هو أن الله يحدثنا عن مشاهد القيامة في القرآن فيقول {وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}[إبراهيم:21]. {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق}[إبراهيم:22]. كما في قوله تعالى{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شر يره}ل[الزلزلة:7ـ8]. {ووعدتكم فأخلفتم}. والله تعالى بين لكم هذا الشيء {لأن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}[فاطر:6].{وما كان لي عليكم من سلطان}. فلست أقدر أن أحول الإنسان المؤمن إلى كافر أو الإنسان الملتزم إلى فاسق فالله تعالى يقول {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}[الحجر:42]. {إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي}. في وقت اللهو والفساد والظلم {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم}[إبراهيم:22]. فأنا أرفض بأن تشركوني بالله وأنتم الذي تتحملون مسؤوليتكم في ذلك.
وفي تفسيره ورد ما يلي :
عنصرية إبليس وراء سقوطه
وتبدأ الآيات من جديد، لتضع الإنسان أمام بداية الخلق، ليعيش التصوّر الإسلامي عن تكريم الله له، وعن شخصية إبليس في خصائصه الذاتية، وفي طريقته في التفكير، وفي مخطّطاته من أجل إغواء الإنسان وإضلاله من خلال عقدة الكبرياء المتأصلة فيه، ثم في محاولاته الناجحة في البداية، في ما قام به من إثارة نقاط الضّعف في شخصية آدم ـ حتى أخرجه وزوجه من الجنة، ثم في عودة آدم إلى الله في عملية إنابة وتوبةٍ وانطلاقة تصحيحٍ، وموقف قوّة في حركة الصراع مع إبليس، وذلك من أجل أن يعيش الإنسان الوعي لدوره المتحرك في آفاق الصراع مع الشيطان في كل مجالات حياته... فكيف عالجت هذه الآيات القصة؟
{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} بدأ الله خلق الإنسان من طين، ثم صوّره حتى تكامل خلقه إنساناً سوياً يملك الصورة الجميلة والجسم المعتدل، والأجهزة الدقيقة التي تتحرك في نظامٍ محكمٍ متوازن، فتُحَرِّك فيه العقل والإرادة، اللّذين يستطيع من خلالهما أن يحمل مسؤولية نفسه، ومسؤولية الكون من حوله. ولما كان خلقه بهذه الصورة الفريدة، كان ذلك مظهراً لقدرة الله وعظمته، فأراد الله أن يمنحه الكرامة، ويحمّله المسؤولية، ويظهر لملائكته ما في هذا المخلوق من عناصر الإبداع ومظاهر القدرة؛ {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ} تحية له، وتعظيماً لله الذي خلقه. ولم يكن ذلك سجود عبادةٍ له، لأن الله لا يرضى لخلقه أن يعبدوا غيره، فكيف يتعبّدهم بذلك؟! بل كان سجود عبادةٍ لله وتحيةٍ لآدم {فَسَجَدُواْ}. واستجاب الملائكة للأمر الإلهي، لأنهم عاشوا العبودية له كأفضل ما تكون، فليس بينهم وبين الانقياد إلا أن يصدر إليهم الأمر أو النهي، لأن ذلك هو شأن العبد مع مولاه، فلا تساؤل ولا اعتراض.
{إِلاَ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} وكان إبليس يعيش مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم، بل كان من الجن؛ {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50] ورفض السجود، وتمرّد على الله.. وخاطبه الله بلهجة الإنكار، {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}؟! هل هناك غموض في طبيعة الأمر، أو هناك تصور بعدم شمول الخطاب له؟ لا شيء من هذا وذاك، لأن الأمر واضح في شموله للمجتمع كله، ولكن إبليس كان يعيش في وادٍ آخر، فقد كانت عنصريته تمنعه من أن يتنازل لعنصر آخر، وكان هاجسه ذاته لا ربه، فهي كل شيء بالنسبة إليه؛ أما علاقته بالله، فإنها تخضع لعلاقته بأنانية نفسه، فإذا ابتعدت عن تأكيد ذلك منه، ابتعد عنه؛ وهكذا كان جوابه: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ}، فكيف يسجد الأعلى للأسفل، والأفضل للمفضول، فعنصري أقوى من عنصره وأرفع درجة؛ {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } فأنا مخلوق من النار وهو مخلوق من الطين، والنار تفني الطين، فكيف أتواضع له؟!
وربما كان في ظن إبليس، أن هذا المنطق التحليلي لدوافع تمرده على السجود، يمكن أن ينفعه أو يشفع له عند الله، فيعفو عنه، ويقبل منه دفاعه… ولكن الله الذي ارتدى بالكبرياء رداءً لنفسه، ومنعه عن غيره، لأن كل من عداه هو مخلوق له محتقر في حاجته وفقره إليه… فمن أين يأتيهم الشعور بالكبر؟! لا سيما إذا كان التكبر على مخلوقٍ نال الكرامة من الله، مما يجعل من التكبُّر عليه تكبراً على طاعة الله وامتثال أوامره. ولهذا أصدر الله إليه الأمر بالهبوط من الجنة، {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} لأنها لا تفسح مجالها لمن يتكبّر فيها، ويشعر بالعلو والرفعة والعصيان... {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} وطرده الله من الجنة ليشعره بالسقوط والذل والصغار، لأن جو الجنة يلتقي بالعبودية المطلقة لله في كل شيء. وهكذا خرج إبليس من الجنة، ولكنه لم يستسلم لمصيره، بل ظل يعيش الحقد والانتقام في نفسه.. {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} وكان يبحث عن المنفذ الذي ينفذ منه لتحقيق غرضه. وربما عرف أنّ هناك مجالاً للحصول على بعض المطالب في ما يتعلق بالبقاء مع آدم في ظروفٍ معينةٍ وأمدٍ محدودٍ، فطلب من الله أن يمنحه الخلود في الدنيا إلى يوم القيامة، وأن يؤخر عقابه وموته.
{قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} وكان لله حكمةٌ في ذلك، فقد أراد للإنسان أن يعيش الإرادة الحرّة في عملية الاختيار من خلال الصراع الذي يخوضه في معركة الخير والشرّ. وكان لا بد للشرّ من عامل يثير نوازعه في نفس الإنسان في مقابل نوازع الخير في نفسه وكان الشيطان العامل الذي يحقق ذلك، ليوسوس وليزيّن، وليخدع ويخادع... وهكذا التقت رغبة الشيطان بحكمة الله، فأنظره الله {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }، قال تعالى: {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ*إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحجر:37 ـ 38]. وهنا كان الشيطان قد أحرز لنفسه غرضها، وحصل على وعد الله ـ والله لا يخلف وعده ـ فبدأ بالإعلان عن العوامل الخبيثة الحاقدة في نفسه.
* * *
إبليس يثأر لنفسه من الإنسان
{قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} والغواية تختزن معنى الضلال في مقابل الرشد. ولعل المراد: فبسبب إلقائك لي في الضلال، بإخراجك إياي من رحمتك، وطردي من جنتك، مما جعلني أجد نفسي في الاتجاه الواحد الذي يبتعد عن الهدى، فسأثأر لنفسي بإدخال كل هؤلاء الذين ينتسبون إلى هذا الذي طردتني من أجل موقفي منه بكل ما ملّكتني من وسائل الإضلال والغواية... {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} أي لألتزمنّ صراطك المستقيم في ما يمثله من وحيك وشرائعك، فأجلس فيه وأرصدُ كل السائرين عليه لأحوّلهم عن السير فيه، فأنحرف بهم ذات اليمين وذات الشمال، وأثير فيهم كل نوازع الشر والجريمة من خلال نقاط الضعف الكامنة في داخلهم، {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} فليست هناك جهة لا أملك حرية الدخول منها إلى أفكارهم ومشاعرهم وخطواتهم العملية، وعلاقاتهم البشرية، وكل أوضاعهم العامة والخاصة، لأنهم مكشوفون لي بكل آفاقهم الداخلية والخارجية؛ فلهم غرائز يمكن إثارتها، ولهم مطامع يمكن اللعب عليها، ولهم أهواء يمكن التحرك من خلالها. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} لأن أكثريتهم لا يصبرون على الحرمان والمعاناة والبعد عن الشهوات، ولا يواجهون المواقف بروح المسؤولية الجادة التي تحسب حساب النتائج الإيجابية أو السلبية، لما يقومون به من أعمال، وما يقفونه من مواقف؛ بل يسيرون على أساس مشاعر اللحظة الحاضرة التي يعيش معها الإنسان توتّر الغريزة، وسعار الشهوة، ونزق الانفعالات... وذلك من خلال نقاط الضعف، وبذلك يفقدون الرؤية الواضحة التي يستجيبون من خلالها لنداء الله في ما يأمر به أو ينهى عنه، في ما يمثل حالة الشكر العملي للنعمة الإلهية الواسعة التي أغدقها الله على الإنسان في أصل وجوده، وفي تفاصيله المتحركة بالخير في أكثر من اتجاه.
* * *
حزب إبليس في جهنم
ولكن الله يوجه إليه الخطاب بقوةٍ وشدّةٍ واحتقار، {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً} أي مذموماً، {مَّدْحُوراً} مطروداً بهوانٍ وإذلال {لَّمَن تَبِعَكَ} وسار على خطاك ورفض شكر النعمة، واستجاب لوساوسك وإغراءاتك... {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} فاعملوا ما شئتم، واعمل أنت في إضلالهم وليتخبطوا في ضلالهم... فماذا بعد ذلك؟ هل تشفي غيظك، هل يحققون رغباتهم؟! إنها النار التي تجمعكم جميعاً لتذوقوا العذاب المهين.
* * *
إبليس والقياس
جاء في الدر المنثور: «أخرج أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر بن محمد عن جده أن رسول الله(ص) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له: اسجد لآدم، فقال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس[1].
وجاء في الكافي بإسناده عن عيسى بن عبد الله القرشي «قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله ـ جعفر الصادق(ع)، فقال له: يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس، قال: نعم. قال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين»[2].
وجاء في كتاب علل الشرائع: «دخل أبو حنيفة على الإمام أبي عبد الله(ع) فقال له: «يا أبا حنيفة، بلغني أنك تقيس؟ قال: نعم، قال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر»[3].
إبليس والتكبر
جاء في الكافي عن علي بن الحسين(ع) في حديث: «وللمعاصي شعب، فأول ما عصى الله به الكبر معصية إبليس حين أبى واستكبر»[4].
إنّ قيمة هذا الحديث هي الإشارة إلى الأساس الذي دفع بإبليس إلى عصيان أمر الله في السجود لآِدم، فلم تكن المسألة مسألة إخلاصٍ في توحيد الله بحيث يمنعه من السجود لغيره، لأن السجود ليس عبادةً لآِدم وخضوعاً له، بل هو سجود لله في التعبير عن الإحساس بعظمته في خلقه، وتحية لآِدم في العناصر المميزة في ذاته. بل كانت المسألة مسألة إحساسٍ بالكبرياء الذاتي أو التفوق العنصري الذي يجعله مستغرقاً في مشاعره المعقّدة، على أساس أنه يملك من عناصر الامتياز ما لا يملكه هذا المخلوق الجديد، وذلك بالتفكير في القضية من جانب واحد وهو جانب العنصر الناري، الذي هو أقوى من العنصر الترابي، والغفلة عن العناصر الآخرى المميزة التي تتمثل في خلق آدم، حتى أن الترابية إذا كانت أضعف من النارية من بعض الجهات، فإنها تتميز بخصائص كثيرة في إغناء الحياة في عملية الخصب والنموّ والعمران ونحو ذلك؛ وعدم الالتفات إلى أن الله لم يجمع في أيّ موجود كل الخصائص، بل جعل لكل موجود خصائص معيّنةً تختلف عما جعله في الموجود الآخر، لأن تنوع الموجودات في خصائصها وعناصرها هو الذي يمنح النظام الكوني توازنه وتكامله من خلال اجتماع العناصر المتنوّعة في داخله.
وفي ضوء ذلك، نعرف أن الأنانية لا تمثل حالة وعي في الإنسان بلحاظ استغراقه في أعماق الذات، بل تمثّل حالة غفلة إنسانية عن سرّ التنوّع في عناصر الوجود، وعن اختلاف الجوانب في خصائص الذات، وعن البعد الفكري عن فهم الآخر في مميزاته الوجودية، تماماً كمن يقضي عمره في زاوية مغلقةٍ يستغرق فيها فيخيّل إليه أن العالم يتمثل في هذه الزاوية، لأنها هي التي عانت فيها تجربته الذاتية.
وهذه هي مشكلة الأنانيين الذين لا ينظرون إلى الناس الآخرين في فضائلهم المميزة، ولا ينظرون إلى أنفسهم في سلبياتهم الذاتية ولا يدخلون في مقارنةٍ واقعيةٍ إنسانيةٍ بين عناصرهم الشخصية وعناصر الآخرين، وبذلك تتحوّل الأنانية إلى كبرياء لتتحول الكبرياء إلى عقدةٍ في الذات توحي باتخاذ المواقف العدوانية ضد الآخر، لا سيّما إذا استطاع أن يبلغ الدرجات العليا في الحياة، وأن يتغلب عليه في الحصول على امتيازات واقعية في الواقع الإنساني.
وهذا هو الذي تمثله إبليس في موقفه من آدم وبنيه، فقد استفاد من حرية الحركة التي منحه الله إياها في التجوال في الجنة التي كان يقيم فيها آدم وزوجه، ومن نقاط الضعف البشري في شخصيته، ومن فقدانه للتجربة المتحركة في معرفة إبليس الذي لم يتيسّر لآِدم التعرف عليه بخصائصه الشريرة عن قرب.. وهكذا عمل على أن يرسم خطته في إبعاده عن رضوان الله وقربه منه، وذلك بالعمل على استغلال نهي الله لآدم وزوجه عن أكلهما من الشجرة لحكمة منه في ذلك، مما لم يثر فيهما أيّ ردِّ فعلٍ سلبيٍّ، فقد تقبلاه بكل رضى وطواعيةٍ وخضوعٍ وإذعان.وبدأ إبليس خطّته، فقد أقسم لهما إنه من الناصحين، ليبعث الثقة به في وجدانهما، لأنه ليس من الطبيعي أن يقسم بالله كاذباً لا سيّما أنهما كانا لايعرفان الكذب في التجربة الواقعية، ثم أنار في داخلهما أحلام الخلود والتحوّل إلى الشخصية الملائكية التي ربما كانا يملكان صورة جيّدة لها بحيث تنفتح عليها أحلامهما، وهكذا أخرجهما من الجنة إلى الأرض.
* * *
لماذا أمهل الله إبليس؟
وفكّر أن لا يقف عند هذا الحدّ، فإن هناك فرصةً جديدةً لآِدم وذريته أن يدخلوا الجنة إذا اتبعوا هدى الله، ولذلك فقد طلب من الله مُهلةً انتظاريةً يجمّد الله فيها عقوبته له في نطاقها، ومنحه الله هذه الفرصة المنشودة، إمّا تكريماً لعبادته التاريخية عندما كان في مجتمع الملائكة كما لو كان أحدهم، وإما ابتلاءً للإنسان واختباراً لحركة عقله وإرادته في الطاعة الإرادية القائمة على وقوفه أمام خياري الخير والشر، ليكون لإبليس، الشيطان، دوره في الوسوسة الداخلية المحركة للغرائز في اتجاه قلق الشرّ، وحركته في الإيحاء في إثارة الأحلام الخيالية والشهوات الجامحة، وتزيين الصورة القبيحة، وتقبيح الصورة الحسنة، وإطلاق الوعود المعسولة، ونصب الحبائل الشيطانية في طريق الهدى من أجل أن يسقطوا فيها فلا يمتدوا في مسيرتهم الإيمانية.. وهكذا أعلن خطته الإضلالية في حصار الإنسان بشهواته وأمانيه وحبائله وخدعه، ليحيط به من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله، ليمنعه من شكر الله قولاً وعملاً ومن السير في الخط المستقيم، ليبعده عن الجنة ويدخله النار، ليرضي بذلك حقده وعداوته ضد هذا الذي كرّمه الله عليه، ليسقط هذه الكرامة من ذريته، ليقعوا تحت تأثير غضب الله باستسلامهم لغروره وخداعه. ولكن الله يحذّر بني آدم أن لا يتّبعوا خطوات الشيطان حتى لا يخرجهم من الجنة كما أخرج أبويهم من الجنة، ويؤكد له أن عباده الصالحين الذين يتحركون من موقع عقولهم ووعيهم الإيماني وإرادتهم التقية، ليس له سلطان عليهم إلا أولئك الذين لهم قلوب لا يعقلون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، ولهم نقاط قوة لا يحركونها في حياتهم العملية، مما يترك تأثيره على أقوالهم وأفعالهم، فينحرفون عن الخط المستقيم، فهؤلاء لم يتحركوا في خط الانحراف من أجل سلطانه عليهم، بل من جهة أنهم أهملوا سلطان إنسانيتهم على حركتهم، واستضعفوا أنفسهم، وخضعوا لاستكباره في أجواء الغفلة، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
وهكذا كان هذا التكبّر الشيطاني على الله بالتمرد على أوامره ونواهيه، عِبر التكبر على آدم بامتناعه من السجود له، سبباً لكل هذه العدوانية على آدم وذريته، وكل هذه العقدة الحاقدة في شخصيته.
* * *
لا سبيل للشيطان إلى إرادة الإنسان
ولم تكن مشكلة البشر من خلال وجوده واستمراره وقدرته على الوسوسة والإثارة والتزيين والخداع، ممّا يقلب فيه المقاييس ويغير الصورة ويثير الأجواء القلقة في الإدراك الإنساني بل المشكلة لديهم من خلال إهمالهم لقدراتهم الفكرية والعقلية وأصالتهم الإنسانية، وقاعدتهم الإيمانية، وإرادتهم القوية، لأن الشيطان لا يملك أن يشلّ إرادة الإنسان، وأن يعطّل قدرته فالإنسان الذي خلقه الله ضعيفاً لا يعيش الضعف قضاءً محتوماً، وقدراً حاسماً، بل يملك أن يحوّل الضعف إلى قوة ببركة الوسائل المادية والغيبية التي حرّكها الله في حياته، فاذا أهمل ذلك، فقد اختار لنفسه الهلاك بإرادته واختياره، لا بسبب ضغط الشيطان عليه، وهذا هو الذي عبّرت عنه الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم:22].
فنحن نلاحظ في هذه الآية أن الشيطان يتخفف من عبء المسؤولية التي يحمّلها الخاطئون له ليذكِّرهم أن دوره ينتهي عند دعوته إليهم بوسائله المتنوعة، ولا يتعداه إلى السيطرة عليهم، فعليهم أن يتحملوا مسؤولية أنفسهم في الانحراف، لأن الله وعدهم وعد الحق، فلماذا لم يستجيبوا له ولم يثقوا به، وانه وعدهم فأخلفهم، وقد عرفهم الله صفة الشيطان في ذلك، فلماذا استجابوا له؟!
وهكذا نجد الشيطان ـ في هذا الحوار النهائي بينه وبين الإنسان الخاطىء ـ في صورة المخلوق الذي يواجه مصيره من دون أن يجد أحداً ممن اتبعه في ضلاله ناصراً له، كما يواجه أولئك مصيرهم من دون أن يملك نصرتهم.. لينكمش في النهاية المهلكة في زاوية من زوايا جهنم في ساحة الذل والهوان، فيسقط كبرياؤه وتتمزق أنانيته، ويبقى آدم والصالحون من ذريته في عزة الإيمان والإخلاص والطاعة لله، بعد أن حرّكوا إنسانيتهم في اتجاه الخير المنفتح دائماً عليه ـ تعالى ـ.
- أرجو أن يكون الجواب شافيا مع خالص تحياتي / أبو بقاع
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2010, Jelsoft Enterprises Ltd.