صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 12 من 20
  1. #1

    Lightbulb الفن الإسلامي ومظاهر الحضارة.( ح 6 )

    انقر هنا لمتابعةالحلقة الأولى

    انقر هنا لمتابعةالحلقة الثانية

    انقر هنا لمتابعةالحلقة الثالثة

    انقر هنا لمتابعةالحلقة الرابعة

    انقر هنا لمتابعةالحلقة الخامسة


    سوف نتحدث عن قرابة العقائد الدينية :
    إن الدارس للعقائد الدينية في الأقطار العربية في عهودها القديمة يعجب من تداخل أساطير الآلهة وتعدد وظائفها حتى لتبدو هذه العقائد شديدة الغموض في كثير من الأحيان . ولما كانت هذه العقائد نشأت في الأغلب في مجتمعات نظمت الري أو شعرت بحاجتها الشديدة إلى الماء ، كما أحست بأهمية الشمس والقمر والنجوم فقد ارتبطت أغلب هذه العقائد بهذه الظواهر الطبيعية ، ويقول الأستاذ ديلابورت إن الفكرة الأساسية في كل دين هي الاعتقاد في كئن متسام أو أكثر تلتزم به الإنسانية بواجبات معينة ، وقد آمن السومريون والأكديون بوجود عدد ضخم من المعبودات ، كانت جميعها كائنات سماوية وكان الرمز الذي يعبر به عن فكرة الإله يصور كنجم معناه الحقيقي سماء . على حين كانت مختلف النجوم تدل عليها العلاقة نفسها مكررة ثلاث مرات (*) ديلابورت : بلاد ما بين النهرين ص 165 .
    أما الأستاذ رشتون كولبورن فيقول كان كل من الإله أنكى ( أيا ) في العراق وأوزوريس في مصر يقومان على الماء ، وما فعله كل إله منهما للمحصولات أو لزيادة الأشياء فعله في الأرض وعلى الأرض . كان كل إله منهما من الآلهة الخالقة ، كان أنكى إله المحصولات كما كان إله المراعي . أما أوزوريس فكان إله الحنطة بخاصة ، وجاء علم اللاهوت المصري بتفاصيل حاذة عن كيفية جلب أوزوريس الحنطة إلى الوجود ، وكيف أنه هو ذاته القمح والماء على السواء ، ويعكس أنكى وأوزوريس الاختلاف بين مياه مواطن هذين المجتمعين . كان أنكى إله ماء النهر ولكنه بالمثل كان إله مياه الآبار والينابيع وماء المطر على السواء . وكان أوزوريس إله ماء النيل .(*) ريشتون كولوبرن : أصل المجتمعات المتحضرة ص 114 .
    وهكذا نجد نظاماً عقائديَّا متقارباً , ففي مصر نجد الثالوث أوزوريس وإيزيس وحوروس وفي العراق القديم نجد الثالوث أنو وأنليل واياه . وفــي جــنوب الجزيرة العربية نجد الثالثون من الكواكب ( الموقاه ) و ( ذات حميم ) و ( عشتر ) ، وفي العراق نجد ثالوثاً آخر من سن ( إله القمر ) ، وشماس ( إله الشمس ) وعشتر ( الزهرة ) ونجد الإله بعل في الشام يمثل الخصب ، ويطلق في مصر على الزراعة البكر فيقال نبات ( بعلى ) (*) ديلابورت : بلاد ما بين النهرين ص 165 وما بعدها ، أحمد فخري : دراسات في العالم العربي ص 163 .
    كما أن اللات هي عشتر (*) . رنيه ديسو : العرب في سوريا قبل الإسلام .
    ويضيف كوك أنه قد انتهى إلينا أقدم دليل مباشر من الأله الخاصة بالديانات القديمة من مصر وبابل ، وكلاهما بلد يدين برفاهيته وطبيعة ديانته لنظامه السياسي القديم ، نظام المدن المنفصلة ، ودول المدن التي تعتمد جميعها على تنظيم توزيع الماء . وكان دينا القطرين متشابهين في أشياء كثيرة (*) ستانلي أ . كوك : تاريخ العالم ، المجلد الأول ص 630 .
    نخرج من كل ذلك أن الأقاليم العربية ممتزجة ومتصلة منذ فجر التاريخ سواء أكان ذلك بسبب القرابة ووحدة الأصل الواضح في الجنس واللغة والعقائد ، أم التجارة المستمرة منذ أقدم العصور ، وما يتبعها من استيطان أو تزاوج .
    وبقي علينا أن نناقش نقطة أخرى من النقاط الهامة وهي أصل حضارة العراق القديم ، هل يعود الفضل فيها إلى الجنس السامي العربي أم الجنس الهندوأوربي .

    أصل حضارة العراق القديم :
    يكاد يجمع المؤرخون على أن الحضارة التي ازدهرت في بلاد ما بين النهرين ( العراق القديم ) في الألف الرابع قبل الميلاد في الحوض الأدنى للدجلة والفرات تعود إلى السومريين الذي يزعم أغلب المؤرخين أنهم من الجنس الطوراني ـ الهندوأوربي . بل قال أغلبهم أيضاً إنها أقدم الحضارات البشرية على الإطلاق .
    وقد لمس الأستاذ العقاد هذا التمييز فقال : يزعم المتشيعون للحضارة السومرية التي ازدهرت في أرض بابل قبل انتقال الساميين إليها أنها أقدم الحضارات البشرية على الإطلاق ولكنها على الأرجح نزعة من نزعات العنصرية التي تجعل بعض الكتاب الأوربيين يتجاوزون كل حضارة سامية إلى حضارة أخرى منسوبة إلى جنس آخر (*) . عباس محمود العقاد : الله ، ص 102 .

    وسوف نأتي في الحلقة ( 7 ) على آراء بعض المتشعين للأصل السومري الهندوأوربي ومناقشة تلك الآراء ..

    ------------------
    إن كنت تبحث عن شيء تبدي فيه بسالة فتأمل الفنون الجميلة !
    [ALIGN=LEFT][SIZE=1][هذا الموضوع تم تحريره بواسطة عبد الجليل شبيب بدر (في 24-01-2001).]

  2. #2

    Lightbulb

    نكمل معكم الحلقة السابعة من الفن الإسلامي والحضارة .. وسوف نتكلم عن آراء بعض المتشيعين للأصل السومري الهندوأوربي :
    يقول هنري برستد : ( أثبتت الكشوف الأثرية أن أقدم الحضارات الهامة في وادي الرافدين تطورت على يد قوم غير سامي الأصل ، لم نعرف جنسهم على وجه التحديد إلى الآن . وهم يسمون السومريين لأن المنطقة التي كانت لهم السيادة فيها تسمى سومر ، بدأت قبل 3500 ق . م (*) المصدر برستد : انتصار الحضارة ص 158 .
    أما و ولي فيقول : لسنا نعرف الوطن الأصلي للسومريين ، وكل ما نعرفه أنهم جاءوا من أرض جبلية في موضع ما بأواسط آسيا ، وأنهم كانوا منتشرين في مساحات واسعة ، حتى إن أقارب أولئك الذين سكنوا أرض الجزيرة فيما بعد كانوا يقيمون في ولايات الهند الشمالية الغربية ، ولا نعلم كيف نزحوا إلى أرض الجزيرة ، فهل جاءوا إليها مخترقين تلال عيلام ، أو جاءوا من البحر طائفين بالشاطئ الشرقي للخليج الفارسي ( العربي ) ، وهذا هو الراجح ، ومهما يكن من شيء فقد شقوا طريقهم إلى النصف الأسفل من الوادي الجديد ، واحتلوه احتلالا أدى إلى أن تسمى الأرض باسمهم أي أرض سومر (*) المصدر ليونارد وولي : تاريخ العالم ص 540 .

    ويغالي السير فلندرز بتري فيزعم أن حضارة البداري فيما قيل الأسرات في مصر تعود إلى حضارة نشأت في بلاد القوقاز ، ثم يقول أيضاً بالنسبة لتكوين الأسرة الأولى في مصر القديمة : إنه يحتمل أن تكون الغلبة لتجار من عيلام هبطوا من الخليج الفارسي حول بالد العرب ثم اتجهوا صعداً حول البحر الأحمر ، ولعل فريقا منهم شق طريقه إلى مصر العليا وفريقاً شق طريقه إلى السويس وتحالف مع عرب الشمال على غزو الدلتا وبذلك أنشئت مملكتان وحد بينهما مينا (*) المصدر فلندرز بتري ، الكشف عن الماضي المجهول : تاريخ العالم ، المجلد الأول ص 41 ، 42 . فكيف يتصور عالم كبير أن التجار جاءوا في حشود غزو كبيرة في البحر للاستيلاء على إقليم كبير كمصر ، والمعروف أنها كانت مزدحمة بالسكان في عصر الزراعة .
    ولسنا في حاجة إلى أن نعدد ما كتبه هؤلاء المتشيعون للأصول الهندوأوربية في أصل حضارة الشرق الأوسط القديم سواء بالنسبة للعراق القديم أم مصر .
    وسوف ننقاش هذه الآراء مستخلصين عناصر المناقشة مما كتبه المستشرقون والباحثون أيضاً .

    المدن الأولى في العراق القديم :
    يقول ديلابورت إنه كان يسكن السهل جنسان مختلفان ، ففي الجنوب سكان غير ساميين ، ربما وفدوا من الجبال الواقعة في شرق الدجلة ، وفي الشمال ساميون ربما يكون قد وفدوا من سوريا ولا نعرف من كان منهم أول الفوافدين ، وكل مايشير إليه التواتر لا يعدو أنه مدينة من الشمال أو مدينة من الجنوب ، أو مدينة أجنبية قد غزت مجموعة من المدن وأصبحت تمارس سلطة غير ثابته سرعان ما تزول وتفنى . وتشهد وثيقة من أقدم الوثائق بتدخل مسيليم حوالي 3000 ق . م (*) المصدر هامرتون : تاريخ العالم ، المجلد الأول ص 455 وما بعدها . أحد ملوكه كيش ، وهي مدينة تقع في الجزء الشمالي ( السامي ) بين أهل مدينة أوما وأهالي مدينة لا جاش وهما من مدن المجموعة الجنوبية ، ولا يمكننا أن نصل إلى أقدم من هذا بالنسبة للعصر التاريخ . (*) المصدر ل . ديلابورت : بلاد مابين النهرين ص 19 ـ 39 .
    أما السير ماريوت فيقول : تبدأ قصة بابل قبل أن تنشأ مدينة بابل ففي الوقت الذي يرتفع فيه الستار عن هذه البلاد نلمح بين ثنايها شعوباً ساميين وأقواماً سومريين ، لاندري هل كان قدومهم إلى هذه البلاد قبل الساميين أو لم يكن ، ولكنهم قد يكونون ذوي صلة بالدرافديين الذي سكنوا بلاد الهند ، وكانت مدنهم يحارب بعضا بعضاً فتارة تتغلب هذه وتارة تتغلب تلك .
    وقد حدد ديلابورت المدن السومرية أنها نيبور ، أور ، أوروك ، لارسا ، لاجاش ، ويضيف هامرتون لكح .
    كما حدد المدن السامية أنها . بابل ، سيبار ، كيش ، أوبيس ، اكشاك ، كوتا ، أكد ، أوآجاد ـ وهي التي أسسها سرجون الكبير في القرن 29 ق . م ، وأطلق اسمها على الشعب كله . ويضيف هامرتون معر (*) المصدر السير جون ماريوت : تاريخ العالم ص 455 .
    وجاء في قائمة ملوك وأسر بين النهرين ما يأتي : أسر ملوك تتدرج من الأساطير إلى الأخبار الصحيحة في صورة غير محسوسة ، مدونة في كيش ( السامية ) وأرك وأور ( السومرية ) وقد ثبت مما كشف من تماثيل ورءوس صوالج ونحوهما أن عددا من هؤلاء الملوك كانوا شخصيات تاريخية ، وكانت السيادة تنتقل من مدينة إلى أخرى ، وكـثــيـــراً مـــا كانت الأسر يعاصر بعضها بعضاً ، وكانت الغلبة لكيش ( السامية )* المصدر قائمة ملوك وأسر بلاد مابين النهرين : تاريخ العالم ، المجلد الأول ص 442 .
    وبدراسة هذه القائمة نجد أن أقدم الأسر هي الأسر السامية ، وأن مدونات الأسر السومرية تأتي بعدها بنحو قرن من الزمان على الأقل ، وأقدم مدينة في الترتيب الزمني لهذه القوائم أيضاً مدينة كيش السامية تأتي بعدها مدينة أور .
    وواضح من هذا العرض لمجموعة هذه الآراء أن الجنس السامي أسبق في استيطان بلاد ما بين النهرين من الجنس السومري ، وأن المنطقة كانت منطقة منازعات بين المدن ، وأن العنصر السامي كان هو العنصر الأقوى ، وبالتالي أكثر ثقافة وتماسكاً من الناحية الاجتماعية .
    أما المحاوات والمظان التي يسجلها بعض العلماء من احتمال أن يكون أصل السومريين مهاجرين من تلال عيلام أو من حوض السند فإنها لا تنفي أن الحضارة السومرية نشأت وترعرعت في أرض بالد النهرين ، وأن مرحلة التحول من جمع الطعام إلى إنتاج الطعام تمت في أرض الجزيرة ، ولا شك أن الأض التي سكنها السومريون كانت أرضاً رسوبية تكونت مما يحمله الدجلة والفرات من الطمي ، ومن ثم تكون أرضاً ذات أحراش كثيرة ، تحتاج مثل هذه الأرض إلى خبرة عالية لمتهيدها للزراعة ولتنظيم الري ، وبديهي أن تكون الأسبقية للسيطرة على النهر للسكان الذين يقطنون في أماكن قديمة لا تحتاج في تحضيرها للزراعة إلى جهد كبير .

    أصل الحضارة الزراعية :
    ويتساءل فلندرز بتري عن مكونات الحضارة في مكان ما والتشابه بينها وبين حضارة أخرى في مكان آخر قائلاً : على أن نظرتنا التي لا يمكن أن تحيط الآن إلا بجزئيات ضئيلة تورثنا صعاباً لا نستطيع معها أن نعرف كم من هذا التشابه في الثقافة يرجع إلى تطور كل قطر بذاته ، وكم منها يرجع إلى التجارة والاستعارة، وكم يرجع إلى حركات الشعوب وانتقالها من مكان إلى آخر (*) فلندرز بتري : الكشف عن الماضي المجهول ، تاريخ العالم ، مجلد 1 ص 39 .
    ولما يثبت لدي العلماء أن التحول من مرحلة جمع الطعام إلى مرحلة إنتاج الطعام قد تمت في سومر أو عيلام أو وسط آسيا . ويقول بري : علينا أن نبحث عن مكان آخر في منطقة البحر المتوسط ، ولما كانت المجتمعات الأولى قد ماست الري ، وليس هناك من سبب يجعلنا نميز أي منطقة في العالم عن مصر ، ذلك لأن النيل من جهة ، وتوافر الصوان من جهة أخرى ، يجعل مصر صاحبة الفضل في ابتكار الزراعة ـ وكما يقول الأستاذ Cherry ، إن النيل كان يلقن الناس عاماً بعد عام درساً في الري حيث إن فيضانه يتم في فترات صيفية رئيسية ، وينمو حب الشعير في الطمي المتخلف من انحسار المياه ، ثم يجمع ولا يصيبه التلف في الشتاء ، وهكذا دواليك ، مما سهل على المصريين التقاط الفكرة وتنظيمها ، ولا نستطيع أن نجد ظروفاً طبيعية مشابهة لذلك في حوض أي نهر من الأنهار الأخرى . ولا نجد ذلك في سومر ، لأن الصوان غير متوافر ، ولأننا لم نعثر على الحلقة السابقة لمرحلة الحضارة الزراعية ، فلا بد أن يكون أهل سومر قد وفدوا إلى المكان ومعهم خبرة الزراعة ، وكذلك لا يمكن أن يكون سكان حوض السند الذين كشفوا الزراعة ، لأن الحضارة الزراعية في هذا المكان أحدث كثيراً منها في سومر وفي مصر (*) المصدر و . ج . بري : نمو الحضارة ص 35 وما بعدها .
    ويخلص الأستا ( بري ) من ذلك إلى أن مصر هي التي علمت كل الشعوب المنتجة للطعام هذه الحرفة ، ويستند في تأكيد هذه الفكرة أيضاً ، بالإضافة إلى ماسبق ، كشف استعمال النحاس ، ثم اختراع الإزميل النحاسي (*) إليوت سميث : المصريون القدماء . الذي اعتب ثورة في تطوير الصناعة ، وكذلك صناعة السفن ذات القمرات التي جابوا بها البحار شمالا وجنوباً ، قبل الأسرات ، وبهذه الوسيلة اتصلوا بجميع أقاليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوربا .
    ومع أن دكتور لانجدن Langdon يعارض هذا التفسير ، لكنه في الوقت نفسه يسلم بأن الاتصال بين مصر وسومر قديم جداً عن طريق بُنت ( شرق أفريقيا وغرب الجزيرة العربية ) ، وماجان وملوحا ، مبحرين في البحرالأحمر والخليج العربي دائرين حول ساحل الجزيرة العربية الجنوبي . أو بالطريق الآخر عبر سينا حيث كانت مناجم النحاس والفيروز . ولا يبعد أن يكون سكان سيناء الناطقون بالسامية قد حملوا هذه الثقافة إلى أرض بابل (*) و . ج . بري : نمو الحضارة ، ص 56 ـ 60 ..
    ومهما يقال من أن هناك صلات بين حضارة السند والبنجاب القديمة ـ بعد الحفائر التي قام بها السير جون مارشال في موهنجو دارو وحضارة سومر (*) ج . هنري برستد : انتصار الحضارة ، ص 160 ، هامرتون ، تاريخ العالم المجلد الأول ص 454 ، فلا شك أن الحضارة السومرية أقدم عهداً ، ومن ثم ، تكون هي التي أثرت في حضارة السند ، ولا يقال بالعكس أبداً. فإذا قيل إن هناك هجرات تمت بعد الغزو الآري للهند حوالي 2500 ق . م وطرد السكان الأصليين ـ يغلب أن يكون من جنس الدرافدي المنتشر في الهند الحديثة ـ فاتجهوا إلى الشرق والغرب والجنوب . فإننا نقول إن هذه الهجرات إلى أرض بلاد ما بين النهرين ـ إذا كانت قد تمت ـ فتكون بعد نشوء الحضارة وتبلور شخصيتها في أرض بابل ، والأخذ بأسباب الحضارة الزراعية .

    خلاصة الرأي في أصل السومريين وحضارتهم :
    ونخلص من هذه الآراء المتعددة : أن الباحثين لم يستفروا بعد على أصل السومريين ومن أين جاءوا ، من اشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب ، ولكن المسائل التي تحتاج إلى تصحيح هي أنهم تعلموا الزراعة في أرض العراق ، سواء أكانت هذه الخبرة نشأت تلقائيًّا نتيجة ظروف البيئة وطبيعة النهر والأرض ، أم أنهم تعلموها من المصريين (*) بري : نمو الحضارة ؛ إليوت سميث : المصريون القدماء . ، أم من الساميين الذين كانوا يعيشون في الأرض المتاخمة لهم من أعلى (*) المصدر هنري فرانكفورت : مولد الحضارة في الشرق الأدني 1951 ( دراسات في العالم العربي ص 78 ) . والثابت كذلك ، أن المدن القديمة التي عرفناها في هذه الأرض كانت سامية وسومرية ، وكانت بعض المدن السامية أقدم من المدن السومرية ، وكانت السيادة في الأغلب الأعم للمدن السامية (*) دبلابورت : بلاد ما بين النهرين ؛ هامرتون : تاريح العالم م 1 ، قوائم ملوك واسر العراق القديم . وأن تعصب الباحثين العربيين للأصول غير السامية دفعهم باستمرار إلى إلقاء الأضواء على كل ماهو غير سامي ، ولست أدري كيف يستنبط الباحث أن المدن الضعيفة والحكام الضعفاء المغلوبين على أمرهم ـ في الغالب ـ هم الذين أقاموا صرح الحضارة ـ وأن الغالبين في ـ الأغلب ـ هم العاطلون منها ، ومن المسائل المتعذرة أن يستطيع باحث أن ينسب إلى جنس بذاته مخلفات هذه الحضارة المبكرة في هذه البقعة التي اختلطت فيها القوى وتصارعت قبل عصر التدوين بأزمنة طويلة . وليس من الأمانة التاريخة أن نقول إن الساميين اقتبسوا كل شيء ولم يكن عندهم شيء (*) المصدر ج . هنري برستد : انتصار الحضارة ص 179 ، وبخاصة إذا كان هذا الحكم قائماً على التناقض ، ومن أمثله هذا التناقض ، مايقوله هنري برستد : إن لوحــــــــــة الملك نرام ـ سين المعروفة باسم لوحة النصر ( متحف اللوفر ) وهي من عمل فنان سامي ، لا يشك أحد في أنها من أعظم الأعمال الفنية في العالم القديم ـ مستلهة من النحت السومري (*) د . محمود كامل : عروبتنا ص 29 .
    ومن غير الدخول في التعقيدات العلمية التي لم توصلنا إلى نتيجة حاسمة ، نستطيع أن نقول إن سكان المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط من جنس البحر الأبيض المتوسط ، وقد أٌقر كثير من العلماء ماذهب إليه إليوت سميث من أن المصريين والعرب ، بل السومريين أقارب ، ينتمون جميعاً إلى أسرة الجنس الأسمر ، وقد تخصص كل منهم على حدة بالإقامة الطويلة في وطنه المحلي الخاص .

    سوف نأتي في الحلقة الثامنة على مظاهر الحضارة في الأقاليم التي انتشر فيها الإسلام .

  3. #3

    Lightbulb


    مظاهر الحضارة في الأقاليم التي انتشر فيها الإسلام

    سبق أن أوضحنا فيما كتبناه في الحلقات السابقة . أن الأقاليم العربية تتمثل فيها الوحدة الفكرية والإقليمية منذ أقدم العصور ، وقى علينا أن نوضح أبرز الخصائص الحضارية ، وبخاصة فيما يتصل بالفن في الأقاليم العربية ، ليتيسر لنا بعد ذلك أن نتابع نمو هذه المظاهر الفنية وتكييفها مع الفلسفة والفكر الإسلامي .

    بعض المراكز الحضارية الأولى لمنتجي الغذاء في الوطن العربي :
    لا شك أن التحول من جمع الغذاء إلى إنتاج الغذاء كان ثورة تقدمية كبرى في تاريخ الحياة البشرية ، وقد ترتب على ذلك ظهور الحياة المستقرة وتكوين القرى ، ومن ثم ، بدأت الحضارة الحقيقية تظهر في أماكن هذا الاستقرار ، فعرف الناس إقامة المساكن من اللبن أو البوص ، ثم تغطيته بطبقة من الطين ، كما أنتجوا الفخار وزينوه برسوم وزخارف هندسية حيناً ، وبالطبيعة حيناً آخر ، وعرفوا كيف يخزنون الحبوب ويحافظون عليها للطعام أو الاستنبات ، وعرفوا كذلك إنتاج الأدوات النحاسية والصوانية الدقيقة ، ونسج الملابس وعمل السلال والحصر ، كما عرفوا صناعة التماثيل تحقيقاً لبعض الحوافز الطقرسية .

    ومن أقدم المراكز الحضارية التي كشفت في العالم القديم حضارة الفيوم ومرمده وغرب الدلتا في مصر وتل حسونة في وادي الدجلة شمال العراق ، والجديدة شمال سوريا .

    أما حضارة عصر ما قبل الأسرات في مصر ، أو حكومات المدن في بلاد العراق القديمة والشام ، أو ما قبل الحضارة المعينية في جنوب الجيزرة العربية ، أو في شمال أفريقيا ، فيصعب علينا في هذا الكتاب أن نتعرض لها ، ويكفي أن نتحدث عن طبيعة الفنون الحضارية الهامة التي ظهرت في المنطقة التي أزدهر فيها الإسلام بعد ذلك ، واقتبس منها بعض مظاهره الفنية .

    الحضارية المصرية :
    كان الفن في مصر القديمة فنا هندسيا في بيئة زراعية تأثر بها ، كما تأثر بالنظام الاقتصادي والاجتماعي والعقيدة الدينية ، فالنيل الذي يمتد من أقصاها إلى أقصاها ، والذي ينبع من مكان مجهول ، يرمز إلى الحياة التي يحملها ماؤه ، ويحيط به من الجانبين خط أخضر من النبات الحي ، خلف هذا الخط تمتد صحراء قاحلة لا نبات فيها ولا ماء . وتحدد الهضبة الشرقية والغربية هذه الخطوط الممتدة إلى مالا نهاية من الماء والخضرة والصحراء ، ولعل هذه الصورة الكلية للبيئة المصرية بالإضافة غلى دورة الفيضان الرتيبة ، ودورة الشمس اليومية والسنوية ، هي التي علمت المصري حساب السنين وأوحت إلية بعقيدة الخلود ، كما أنها أثرت في الصياغة الفنية للفنون التي ظهرت في بواكير العصر الفرعوني .

    وتخطيط المعابد يعتمد على الخط الممتد في طريق الكباش إلى قدس الأقداس ، مارَّا بالفناء السماوي إلى بهو الأعمدة ، يرمز إلى الطريق الطويل الذي يقود الإنسان من الحياة الدنيوية الفانية ، إلى الحياة الأخروية الباقية ، في رحلة شاقة يعتمد فيها على الإيمان والإخلاص والوفاء والخلق القويم ، وأن تنظيم المعبد المصري ، سواء أكان هذا التنظيم على امتداده أم في نسبه ، أم في النقوش التي ترسم على الجدران المنسبطة ـ كالصفحات المنشورة للكتابة ـ وتدرج هذه النقوش فيما تعالجة من موضوعات من الأرض إلى السقف ، كل ذلك يشعرنا شعوراً طاغياً بالنظرة الكونية التي تسيطر على المصري ، بحيث استهدف أن يجعل من هذا المعبد صورة معبرة كاملة عن هذه الفكرة .
    وأن ما وصل إليه الفنان المصري القديم ، من قيم عالية ، من حيث الاتزان والإبداع في الرسوم والنقوش الجدارية ، لم يعتمد فيها على معالجة الخطوط فقط ، وإنما اعتمد أيضاً على توزيع المساحات والقيم الضوئية ، مما يجعل الفن المصري القديم سابقاً لجميع الحضارات في الوصول إلى هذا المستوى التشكيلي البحت ، الذي يعتبر الهدف الأول لكثير من مدارس الفن المعاصر ، بالإضافة إلى المضمون الفكري الذي يتضمنه كل خط وكل سطح .

    ويقول الأستاذ رينيه ويج في تفسيره للنزعة الهندسية في الفن المصري : إن كل جماعة إنسانية عندها فكرة عن المكان ، مختلفة ، وعلى علاقة بالتجربة التي تدين بها لطريقتها في الحياة ، وتجربة السكان الخاصة بالزراعة ، وبخاصة في مصر ، حيث الأرض القابلة للزراعة محدودة جدًّا ، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالملكية والحقل . وينبغي أن تقسم السماحة القابلة للاستثمار إلى حصص محدودة ثابتة . وهذا أمر يتعلق بعلم المساحة الذي يتوقف بدوره على الهندسة . فلتقسيم المكان ، بحيث تحدد المتلكات دون تضييع للأرض ، لا بد من اللجوء إلى الأشكال الهندسية ، وبقدر الإمكان إلى الأشكال المتوازية حتى تكون ، مترابطة . وهكذا ولدت الهندسية التي لم يكن عند الصيادين قبل التاريخ منها غير فكرة أولية جداً وعرضية تقريباً ، وكان من نصيب المدنية الزراعية أن تنبى أساسها وتحققها علميًّا. (*) رينه ويج : مصر ملتقى الشرق والغرب ص 39 .

    ولا شك أن المصري أحب بيئته حبًّا عميقاً ، بما تزخر به من طير وحيوان ونبات ، هذا الحب لهذه الطبيعة الغنية ، أكسبه نظرة واقعية مدققة ، يدرك بها التفصيلات والخصائص المميزة إدراكاً واعياً . وما من شك في أن الواقعية في الفن المصري تختلف عن الواقعية في الفن الإغريقي مثلا .. فهي في الفن المصري واقعية كونية هندسية ، وفي الفن الإغريقي واقعية فردية محدودة ، فعلى الرغم من أن الفنان المصري يدقق في رسم الحيوان والنبات والطير ليؤكد خصائصها الذاتية ، فإنه أيضاً كان يكيفها تكييفاً زخرفيًّا ، ويستبعد كثيراً من التفصيلات للوصول إلى طابع بسيط نقي وبليغ ، كما أن تأكيده للخط الممتد ، إنما هو رمز صوفي للاتجاه المستمر نحو الحياة الأخرى المقدورة على الإنسان المصري ، والتي هي غاية آماله وشوقه ، ويقول الدكتور أنور شكري : وقد مكث الفنان المصري يمثل الأشياء من أخص مظاهرها دون اعتبار لما يظهر أو يختفي منها لعين الرائي ، إذ لم يكن يعنيه أن يسجل لحظة معينة من وجهة نظر محدودة ، قدر ما كان يعنيه أن ينشئ صورة خالدة أقرب إلى الأصل الحقيقي بما تصوره من خصائص ذاتية .(*) دكتور أنور شكري : الفن المصري القديم .
    ومرة أخرى يقول رينه ويج : هذا الفن المصري كان من أوائل الفنون التي جرؤت على التبسيطات الكبرى في التجسيم .. حتى إن الرسام التكعيبي أتدريه لوت ، في سنواته الأخيرة تأثر تأثراً بالغاً بالفن المصري ، وأدرك ما فيه من تشابه مع محاولات الفن الحديث ، وكرس له كتاباً .

    كل هذا يوضح أن من أبرز صفات الحضارة المصرية القديمة أنها قامت على أساس نظرة المصري على أنه جزء من كل مقدس وضرورة مجاهدة النفس ، ومايستلزمه ذلك من طقوس دينية ومعايير أخلاقية رفيعة .

    وكانت العمارة المصرية ، بما حققته من الثبات والاستقرار والخلود ، هي الإطار الكبير الذي ضم جميع أنواع الفنون التشكيلية التي مارسها المصري وأصبحت بما تحتويه من أسرار ، رمزاً للمصريين يتجمعون حولها كأنهم قلب واحد ، وأمل احد ، إلى غاية واحدة .
    ومن هنا ، نشعر بأن الفن المصري القديم ، سواء من حيث طابعه الهندسي أم حبه للطبيعة ، قد امتد جوهره خلال الفن القبطي ، ثم الإسلامي ، وقد ربط بين هذه المراحل الثلاث طابع هندسي أصيل ؛ ومنذ الفتح الإغريقي لمصر 332 ق . م ، ثم الفتح الروماني 30ق .م بدأ التبادل بين الحضارة المصرية والحضارة الإغريقية متمثلا ذلك في مدرسة الإسكندرية والفلسفة الرواقية والصور الشخصية التي أنتجتها القيوم ، وهي صور فردية ذات نظرات حالمة تستشف ما وراء الأفق البعيد ، وكان هذا تمهيداً طبيعيًّا لظهور المسيحية . (*) أبو صالح الألفي : تاريخ الفن العام .

    أما عن الفن القبطي وهو الفن الذي كان سائداً في مصر عند الفتح العربي فيعتبر حلقة اتصال بين الفنون المصرية القديمة والفن الإسلامي ، وبديهي أن يأخذ الكثير من عناصره من الفن المصري أولا ثم من فن الإسكندرية ثانياً مع بعض التأثيرات البيزنطية والساسانية ، وقد برزت شخصية الفن القبطي خلال القرن الخامس الميلادي بعد أن انفصلت الكنيسة القبطية عن الكنيسة البيزنطية ، وكان نضجه بين القرنين الخامس والسابع الميلادي .

    وقد بدأ الفن القبطي مضطهداً فاتجه إلى الرمز ، وإلى النظر داخل النفس والقيم الروحية التي تغني عن النظر في الدنيا أملاً في الخلاص ، واتخذ من بعض العلامات والأشكال في الحضارة القديمة رموزاً أسبغ عليها فكراً روحياً جديداً .

    ويلاحظ أن الفن القبطي كان فنًّا شعبيًّا ، ذلك لأن المسيحية دخلت مصر قبل أن تصبح الدين الرسمي للدولة الرومانية . وقد نشأ هذا الفن بين جماعة من المصريين المضطهدين وبخاصة في الأقاليم بعيداً عن العاصمة ، ولم يكن أغلب الذين يمارسون الإنتاج الفني في أول الأمر من المتخصصين . فكثيراً ما كان الرهبان وأعوانهم يبنون وينجون ويزخرفون على أساس تقليد مايقع تحت أيديهم من منتجات مستوردة من بلاد أخرى .

    وكانت بعض الصناعات مزدهرة في العصر القبطي ، وكانت تقاليد تمتد إلى الحضارة المصرية يتوارثها الأبناء عن الآباء كفن النسيج والحفر في الخشب والعاج والتحف المعدنية .

    وسوف نتكلم في الحلقة المقبلة في حضارة العراق القديم والفن الأخميني والساساني وحضارة سوريا والحضارة في الجزيرة العربية ..


    ------------------
    إن كنت تبحث عن شيء تبدي فيه بسالة فتأمل الفنون الجميلة !

  4. #4

    Lightbulb

    حضارة العراق القديم :
    كانت الحضارة العراقية القديمة هبة الدجلة والفرات ، شأن الحضارات التي نشأت في وديان الأنهار الكبرى . والمياه في النهرين سريعة الجريان وبخاصة الدجلة ، وكانت المياه تنتشر في الوادي ، ولكي يتقي الإنسان أخطار الفيضان شيد مدناً على هضاب صناعية وبنى فوقها بيوتاً من القصيب ، واللبِن ، ومعابد من اللبِن ، وقد أمدته الطبيعة بالصلصال الجيد بوفرة يأتي مع فيضان النهر ، فكان يحرقه أو يكتفي بتجفيفه في الشمس ، كما كان يصنع منه أيضاً كل الأواني الفخارية اللازمة للاستعمال في الحياة المنزلية ، كالجرار والقدور والصحاف ، وكذلك اللوحات التي كان يسجل عليها أحداثه الجارية وعقود المعاملات على اختلافها بالخط المسماري .

    وكان لندرة الأحجار أثرها في توجيه الفن نحو استعمال الصلصال في المنشآت المعمارية على أوسع مدى حتى بعد أن انتشرت الحضارة في الأجزاء العليا من الوادي في أرض آشور ، حيث يكثر الحجر .

    وقد ظهر ميل واضح في هذه الحضارة إلى الهندسة سواء أكان ذلك متمثلاً في أبراج الزيجورات ذات الكتل المعمارية الصماء والتي كانت تقام على شكل هرم مدرج ، أم في إقامة المصاطب وتزويع المباني المختلفة عليها . أم في التنظيمات الزخرفية ذات الرسوم الحيوانية والآدمية والهندسية على جدران المعابد والقور .

    وكان صفاء السماء وإشراقها من الروائع التي خلقت الاهتمام بتتبع حركات النجوم والكواكب مما أدى إلى ارتقاء علم الفلك والتنجيم والعلوم الرياضية .

    وقد أثرت العمارة العراقية القديمة ذات التقاليد العريقة على العمارة الفارسية الأخمينية ثم البارثية والساسانية ثم الإسلامية وبخاصة في العصر العباسي .

    والفتحات ـ في أعلى المباني ـ قليلة وضيقة وهي في هذا تشبه النظام المصري القديم ، وكانت مسطحات القصور عظيمة الاتساع فقد بلغت مساحة قصر صارغون بخور ساباد نحو 100 ألف متر مربع . (*) المصدر : محمود فؤاد مرابط : الفنون الجميلة عند القدماء . ص 94 . ويحتوي القصر على ثلاثة أقسام : الأماكن المخصصة للسكن الخاص ثم الأمكان المخصصة للحفلات والاستقبال . والجزء الثالث هو المساكن الخاصة بالحاشية والمخازن والمرافق الأخرى . وكانت هذه الأقسام تتكون من مجموعات من الحجرات منظمة حول فناء . وملحق بالقصر زيجورات ويغلب أن يحصن المدخل بأبراج ضخمة .

    وكانت الحوائط سميكة يتراوح سمكها بين 3 ، 5 أمتار ، أما جدران القلاع فيزيد سمكها على ذلك ، واستعملت الدعائم في تقوية الحوائط من الخارج وكانت الأرضية مبلطة إما بالمرمر أو الطوب المحروق أو تغطى بطبقة من الطين .

    أما التغطية فقد استعمل فيها إلى جانت التغطية بالخشب الاقباء النصف الدائرية والقباب نصف الدائرية والبيضاوية . أما فتحات الأبواب فكانت تستعمل فيها العقود نصف الدائرية كما استخدمت الأقواس الثلاثية في مداخل القصور . (*) المصدر : هنري برستد : انتصار الحضارة ، ص 196 ، 221 ، 223 .

    وقد زينت الجدران فوق الأسوار وفي أعلى الحوائط بشرفات على شكل قطاع هرم مدرج أو قطاع الزيجورات ، أما الواجهات فقد زخرفت بفجوات عمودية غائرة متكررة ، وكثيراً ما كانت تغطي الحوائط بالقاشاني أو بالطوب المطلي بالمينا عليها نقوش بارزة تمثل السباع والثيران والحيوانات الخرافية . وكانت الأعمدة التي استعملت استعمالا محدوداً تقام من الطوب أو الخشب وتعطى في كثير من الأحيان . المصدر السابق .

    كل هذه الخصائص المعمارية الواضحة تذكرنا بالقصور الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي كقصر المشتى والخير الغربي وأخيضر وغيرها من القصور التي ينسبها أغلب المؤرخين في أصولها المعمارية إلى القصور الساسانية ، والحقيقة أن القصر الساساني استمد تخطيطخ وعناصره المعمارية الأساسية من العمارة العراقية القديمة .

    أما الزخارف والفنون التطبيقية فقد ازدهرت ازدهاراً عظيماً ، ولعل أول نموذج في العالم لاستعمال الفسيفساء كان في هذه البلاد ، حيث استعمل في رسم العناصر الزخرفية على بعض التحف قطع من الصدف واللازورد الأزرق القاتم على أرضية من القار المرصع باللازورد أيضاً . واستعمل التطعيم بالعاج والأبنوس في صناعة الأثاث ، وكانت صناعة المعادن النحاسية أو الفضية أو الذهبية متقدمة جداً ، ولعل هذا الفن من أبرز ما يميز فنون بلاد ما بين النهرين ، فزينت التحف المعدنية بأشكال حيوانية وزخرفية ، منها السباع والثيران والوعول والفهود والطيور الناشرة أجنحتها ولها رؤس فهود ، وقد انتقل هذا الأسلوب بعد ذلك إلى الفن الفارسي الأخميني ثم الساساني فيما بعد .
    وقد استعملت في الزخرفة زهرة اللوتس وبراعمها وكيزان الصنوبر والمراوح النخيلية وزهرة اللؤلؤ ذات الست عشرة بتلة والأشكال الهندسية كالمعينات والمثلثات والنجوم المثمنة .
    أما التماثيل فهي قليلة بعامة بسبب ندرة الأحجار في الجزء الجنوبي من الوادي حيث استقرت التقاليد بعد ذلك وامتدت طوال عصور حضارة بلاد ما بين النهرين ، واستعمل الحفر البارز على نطاق واسع حيث نرى في كل هذه الفنون الخائص التي تميز فنون الأقاليم العربية : وهي الرمز والتجريد والحقيقة الفكرية والأسلوب الزخرفي والدقة في الأداء .

  5. #5

    Lightbulb

    نتكلم اليوم عن الفن الأخميني والساساني :
    كانت بلاد الفرس قديماً تشمل إيران الحالية وأفغانستان وبلوخستان وهي هضبة كبيرة مرتفعة تحيط بها الجبال من جميع جهاتها تقريباً . وهي ملاصقة من الجهة الغربية لسهل الجزيرة ( بلاد ما بين النهرين ) . وسكان هذه البلاد سواء أكانوا من الميديين أم الفرس ينحدرون من الجنس الهندوأوربي ، ويعتنقون المزدية التي تقوم على الصراع بين الخير ممثلا في أهورا مزادا والشر ممثلا في أهريمان ، وقد وضع قواعد هذه العقيدة زرادشت ( القرن 6 ق . م ) في كتابه المسمى زندافستا . وكانوا يعبدون الإله ممثلا في لهب النار كرمز للصفاء والنقاء . ولا تعرف المزدية بناء المعابد ، لذلك اهتموا ببناء القصور .

    وأول ملوكها بعد توحيدها هو قورش 529 ـ 559 ق . م من بلاد عيلام الملاصقة لبلاد العراق .

    وقد أقتبس القرس كثيراً من فنونهم من البلاد المجاورة ، ويقول الكونت (( دي جوبينو )) إن الإيرانيين لم يبتكروا شيئاً جديداً في الفنون ، فسواء أكان في عصر الأخمينيين أم عصر الإشكانيين أم بعد ذلك عصر الساسانيين وحتى في العهد الإسلامي لم يكن للفرس طراز أو فن خاص بهم , بل إنهم اقتبسوا من غيرهم من الأمم ، وأمكنهم في النهاية أن يخرجوا من هذه الأذواق فنًّا نطلق عليه الفن الفارسي (*) المصدر دي جوبينو : تاريخ الفرس ؛ هنري برستد : انتصار الحضارة ص 65 ، 273 .

    وقد ازدهرت العمارة الفارسية الأخمينية منذ منتصف القرن السادس قبل الميلاد إلى فتح الإسكندر 324 ق . م . أي نحو قرنين من الزمان وكانت مراكز ازدهارها في الشريط الممتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي في الجهة الملاصقة لوادي الدجلة والفرات ، وقد اقتبس الفرس الكثير من خصائص ومميزات العمارة الميزوبوتامية كانساحات المرتفعة والقصور الضخمة المتسعة ، واستعمال الطوب في البناء على نطاق واسع على الرغم من وفرة الحجر الذي كان ، في الأغلب ، لا يستعمل إلا في الأركان والمداخل . كما استعملوا الطوب المزجج والمرسوم عليه أشكال آدمية وحيوانية في تغشية الحوائط من الداخل . ووضعت على مداخل القصور تماثيل الشاروبيم المجنحة المقتبسة من الفن الآشوري ، ولكنها كانت ذات أربع أرجل بدلا من خمس ، وكذلك الشرفات التي تعلو الحوائط ، أما مكونات القصر وأقسامه فتشبه إلى حد كبير ما يشتمل عليه القصر الآشوري .

    وفي الحليات ، استعملت العناصر والأشكال الهندسية البسيطة كالدائرة والمثلث والخط ( الخوصة ) والمعينات المتتالية والسبحة الآشورية المكونة من أقراص . أما الزخارف المستمدة من العناصر النباتية فقد استلهموا الفنون المصرية والميزوبوتامية والفينيقية كزهرة النيلوفر والمراوح النخيلية .

    وقد ازدهرت صناعة الفخار المزجج والتحف والأواني المعدنية وبخاصة التي تقوم على أشكال حيوانية ، وأضافوا إلى ما أكتسبوه من الحضارة العراقية .

    أما الدولة الساسانية ، فقد أسسها أردشير بن بابك في أوائل القرن الثالث الميلادي ، وأسس مدينتي فيروز أباد وسروستان ، وبنى ابنه شاهبور الأول قصر طيسفون وبه الإيوان الشهير الذي يطلق عليه اسم إيوان كسرى الذي ينسب إلى كسرى أنو شروان . وقد انتهت هذه الدولة عندما دخل العرب البلاد الفارسية ( 641 ميلادية ) .

    ويعتبر الفن الساساني إحياء للفن الأخميني ، وبعد فترة الحكم الإغريقي التي كانت الشعب يحاول دواماً التخلص منها .

    وقد أمتدت التقاليد الأخمينية في فن العمارة إلى الفن الساساني ، فنجد أن أهم المباني هي القصور التي تتكون من المسكن الخاص والمكان المخصص للمقابلات الرسمية ثم سكن الحاشية والخدم والمخازن . وكذلك كانت الواجهات في الأغلب صماء تعتمد في التهوية والإضاءة على الأفنية الداخلية ، وكان الطين المجفف في الشمس أو المحروق هو الخامة المفضلة في هذه المباني . وفي بعض الأحيان كانت تسعــمل الأحجار لبناء الحوائط ، والطوب المحروق لعمل الأقباء ( القبب ) ، وقد استعملت الأكتاف لتقوية الحوائط ، بحيث يتكون منها سلسلة من المحاريب مصفوفة بجانب بعضها . وكانت الأعمدة تبنى من الطوب على شكل مستدير وتعطى بطبقة من الجص . وقد استعمل العقد المستدير والمدبب والمستقيم لتغطية الفتحات .

    أما التغطية فقد استعمل فيها القبو نصف الدائري أو البيضاوي . ومن أعظم الأقباء التي خلفها لنا هذا الفن هو إيوان كسرى الذي يبلغ عرض فتحته نحو 25.86 متراً وعمقة 48 م وارتفاعة عن الأرض 32.50 متراً .

    وقد استعملت القباب لتغطية مساحات أكبر من تلك التي كانت تغطيها القبة الميزوبوتامية ، ولذلك فضلوا القبة البيضاوية .

    وتنتشر القصـــــور الساسانية في الحضر ( قصر هترا ) وطيسفون ( المدائن ) وفرسستان ( قصر سروستان ) وسوستان ( بقايا قصر طارق إيوان ) ولورستان ( قلعة كسرى ) وطاق بستان ، وكلها تأثرت بالعمارة العراقية القديمة .

    أمــــا التــأثــيرات الهليـــنســتــية فــتــجدها في مدينة سلوقيا وبكتريا ( أفغانستان الحالية مكانها مدينة بلخ ) ، حيث ترك الاستعمار السلوقي الإغريقي فناً يونانياً محرفاً ، وتعتبر الحليات المستعملة مضمحلة رديئة (*) المصدر محمود فؤاد مرابط : الفنون الجميلة عند القدماء .

    وقد استعمل في الزخارف الوريدات والمراوح النخلية والنجمة والدائرة إلى جانب استعمال الحيوانت الخرافية المركبة وبعض الحليات الهلينستية بعد تحريفها .

    ونظراً إلى أن حوائط القصور الساسانية القريبة من العراق تبنى بالطوب ، فقد كسا المهندس المعماري حيطانها بالجص الأبيض ، وكان يرسم عليها في بعض الأحيان صوراً بالألوان أو الفسيفساء ، وأهم الموضوعات التي طرقها المصور الساساني انتصار ملوك الفرس على أعدائهم .

    أما الفنون الأخرى ، كالنسيج والسجاد وأشغال المعادن ، فإن النماذج التي عثر عليها منها قليلة ، ولكنها تدل على أن الساسانيين ساروا في طريق الفن الأخميني المستمد أصلا من فن العراق القديم .

    وقد قامت دولة عربية على أطراف العراق أيام الساسانيين ، هي دولة المناذرة اللخميين ، وبدأ حكمخا حوالي القرن الثالث الميلادي تابعين في ولائهم للفرس ، واستقرت إقامتهم في الحيرة وما حولها على ضفة الفرات الغربية بالقرب من موقع الكوفة . وكان المناذرة على حضارة عظيمة وأقاموا المنشآت والقصور ، منها قصر الخورنق وقصر السدير ، وقد وصف العرب جمال هذه القصور وعظمتها في أسفارهم .

    وقد تأثر الفن الساساني تأثر كبيراً بالفن السوري ، بالإضافة إلى التأثير العراقي . فقد حمل الساسانيون كثيراً من السوريين المقيمين بمدن سوريا إلى إيران ، نقل في المرة الأولى سكان أنطاكية وبعض مدن أخرى في زمن شابور الأول ( 241 ـ 272 م ) وأسكنوا مدينة جنديسابور في خورستان ، وكانت الغاية من حمل سكان المدن السورية إلى إيران كأنهم أسرى ليعاونوا على ترقية الصناعة في إيران ولا سيما صناعة النسيج (*) المصدر : ف . بارتولد : تاريخ الحضارة الإسلامية ص 14 ..

  6. #6

    Lightbulb

    C حضارة سوريا :
    ونقصد هنا المعنى التاريخي لسوريا وهو الشام . وقد سبق أن أوضحنا أن إنسان العصر الحجري عاش في سوريا ، كما ذكرنا أن حضارة تل حلف على مقربة من منبع نهر الخابور من أقدم المراكز الحضارية قبل المرحلة التاريخية ، وقد عرفوا الفخار وإنشاء المباني من اللبن . وقد ظلت حضارة سوريا متصلة اتصالا وثيقاً بحضارة العراق من جهة ، وحضارة مصر من جهة أخرى ، نتيجة التبادل التجاري والوحدة الإقليمية ، وكذلك الوحدة السياسية ، في كثير من فترات التاريخ ، ويدل على ذلك ما كشفت عنه حفائر ماري (( تل حريري )) ـ وهي مدينة كانت مزهرة في عصر حمورابي ـ من بقايا قصر ملكي تبلغ مساحته نحو ستة أفدنه ونصف فدان ، وبه نحو 300 حجرة ، وجدران هذا القصر مزينة بالرسوم الملونة ، ونرى في هذا القصر نموذج القصور العراقية المتسعة واختلاطها بالتأثيرات المصرية . كما عثر في حفائر (( رأس شمرة )) على تحف ولوحات مكتوبة بلغات مختلفة تدل على العلاقة الوثيقة بين العراق ومصر وسوريا .
    وقد أصاب سوريا ما أصاب مصر والعراق من الغزو الفارسي ، ثم الإغريقي على يد الإسكندر ، ثم الفتح الروماني . وكانت أغلب المنشآت التي ظهرت في الفترة الرومانية ثم المسيحية هي الباقية في سوريا ، عند بزوغ نجم الحضارة الإسلامية . وكان لا عتراف قسطنطين بالمسيحية بمقتضى مرسوم ميلان 313 م ، ثم نقل عاصمته من روما إلى ضفاف البسفور ـ أعظم الأثر في إعطاء أهمية لمنطقة الشرق الأوسط وبخاصة في طبيعة الفنون التي ازدهرت في هذه المنطقة (*) المصدر : د / سعيد عبد الفتاح عاشور ، دراسات في تاريخ الشرق الأدنى في العصور الوسطى ص 188 .
    والمباني الدينية المسيحية بدأت في سوريا على شكل البازيليكا الرومانية ، ثم تطورت وأصبحت تسير متأثرة بالمدرسة الميزوبوتامية ، ولم يتجاوز التأثير الهلينستي مدينة أنطاكية ، لأن أغلب سكان البلاد الأخرى كانوا من العنصر السامي ، وقد استمروا على حبهم لتقاليدهم المعمارية التي ورثوها من بلاد ما بين النهرين ، وكان من أثر هذا الاتجاه أن استعملت الاقبية والقباب لتغطية الكنائس ، وكانت هذه الطرق غير موجودة في العمارة اليونانية . أما في العمارة الرومانية ، فكانت القبة تبنى على حائط مستدير كما نرى في قبة البانثيون (*) المصدر : دي فوجيه : العمارة في سوريا الوسطى ، ترجمة محمود فؤاد مرابط . وكان بناء القبة المستديرة لتغطية الغرفة المربعة سبباً في إيجاد البندنتيف الكروي لتحويل المربع إلى دائرة تقام عليها القبة ، كما نرى في الباب المزودج بالقدس ، وهو الأسلوب الذي أخذه الفن البيزنطي .
    ونجد الطابع المعماري في القصر الأبيض والقلعة الزرقاء وتنسب هذه المباني إلى الغساسنة الذي كانوا حلفاء للروم في الشام ، واضحاً في قصر سيلانو الذي بناه دقلديانوس وأقام فيه بعد نزوله عن العرش سنة 305 م ، ومن المعروف أن دقلديانوس قضى معظم حياته في الشرق ـ وقد بنى قصره المشار إليه معماريون شرقيون ، وحتى العمال كانوا من الشرق . ويعد هذا القصر خير مثال للتأثير الشرقي ـ وبخاصة الشامي في تكوين العمارة البيزنطية (*) المصدر : رينيه ديسو : العمارة في سوريا قبل الإسلام ص 40 .
    وكان تخطيط المنزل على الطريقة الشرقية ، فكان في وسطه فناء تحيط به غرف المنزل وجدرانه الخارجية خالية من النوافذ . أما في الأماكن التجارية المزدحمة ، فلا توجد أفنية ، وتكون للغرف نوافذ على الطريق ويركب لها أقفاص من الخشب ، يرى منها من بالمنزل ما يحدث في الطريق ، وهي الفكرة التي قامت عليها المشربيات في الفن الإسلامي بعد ذلك .. وهناك أنماط أخرى من المنازل استعملت في أماكن متفرقة من سوريا .
    وقد استعمل في زخرفة الحوائط الخارجية ، عناصر زخرفية من الطيور المتقابلة والأواني التي تخرج منها فروع النبات الملفوفة ، وأفرع الكروم وأوراقها وعناقيد العنب على الأسلوب الذي ساد في ميزوبوتاميا .
    وقد قامت المرحلة الأولى من الفن البيزنطي ، وبخاصة في عصر قسطنطين وجستنيان ، على أكتاف المهندسين والفنيين الشرقيين ، سواء أكان ذلك في المباني والمنشآت أم فروع الفن المختلفة (*) المصدر : دي فوجيه : العمارة في سوريا الوسطى ، ترجمة محمود فؤاد مرابط ص 062 ) .
    وقصارى القول ، أن الصبغة الشرقية غالبة على الفن السوري ، حتى في الزخارف المستنبطة أصلاً من الفن الهلينستي (*) المصدر : متحف فكتوريا والبرت ، كتيب مصور عن الفن البيزنطي .
    ولا يفوتنا أن نذكر أن الغساسنة استوطنوا في الشام منذ حوالي القرن الثالث الميلادي ، وأصلهم من اليمن من نسل قحطان ، هاجروا بسبب سيل العرم على الأرجح ، وأصبحوا عمالا على الشام لقياصرة الروم ، وكانت عاصمتهم بصرى في حوران ، واعتنقوا المسيحية ، وأقاموا كثيراً من القصور والقلاع والعمائر الأخرى . وينسب إليهم صرح الغدير ، والقصر الأبيض ، والقلعة الزرقاء ، وقصر النمارة ، ودير الكهف .. C

  7. #7

    Lightbulb


    الحضارة في الجزيرة العربية :

    حضارة الجزيرة العربية وبخاصة في الجنوب ، حضارة قديمة موغلة في القدم ، ويمكن أن يكون هذا الجنوب الخصيب هو مصدر الهجرات المتلاحقة لشمال البلاد العربية في الشام والعراق وسيناء ، ومصر من جنوبها . هذا فضلا عن الحركة التجارية التي قامت قبل العصور التاريخية والتي تمتد فيما نعلم إلى الألف الرابع قبل الميلاد .
    وأقدم الحضارات في جنوب الجزيرة العربية ، الحضارة المعينية وحاضرتها كانت في الجوف بين نجران وحضرموت ، وأهم مدنها معين والحزم والبيضاء والسوداء وكمنا . (*) المصدر د/ أحمد فخري : العالم العربي ، دراسات وبحوث ، ص 132 ، د/ جواد علي ، تاريخ العرب قبل الإسلام ج 1 ص 384 .

    وما يزال الباحثون يعثرون في بقايا هذه المدن القديمة على آثار المعابد ، وما على جدرانها من نقوش . والأحجار المكتوبة بالقلم المسند وعلى التماثيل النذرية والحلي والعملة القديمة والمبعثرة الآن في متاحف أوربا وأمريكا .

    وقد عاصرت مملكة معين مملكة قتيان وأوسان وحضرموت ، حيث عثر في الحريضة على بقايا كثيرة منها معبد للإله ( سن ) وهو إله القمر (*) المصدر السابق : ج 2 ص 65 . وكانت بعض تماثيلهم النذرية من الذهب (*) نفس المصدر ص 83 . وكانوا يقيمون القصور وبحصنون مدنهم بالأسوار .

    أما مملكة سبأ فتزيد شهرتها على الممالك السابقة ، وأهم مراكز حضارتها صرواح وفيها بقايا المعابد وكثير من النقوش الهامة .
    وأحدث الحضارات التي قامت قبل الإسلام في جنوب الجزيرة العربية ، الحضارة الحميرية ، وأهم مراكزها ظفار ومأرب وصنعاء ، ونجد بها بقايا المعابد والقصور والسدود ، وأكثر من أهتم من المؤرخين بوصف قصور اليمن الهمذاني في كتابه ( صفة جزيرة العرب ) و ( الإكليل ) وقد وصف قصر غمدان الذي يظن أنه يرجع إلى القرن الأول الميلادي ، ويؤخذ من هذا الوصف أنه كان مكوناً من عدة طبقات واستعمل في بناء أجزائه الرخام الشفاف والأساطين ، كما زينت بعض أركانه بتماثيل الأسود المصنوعة من النحاس وأبوابه من الساج المطعم بالأبنوس ، وزينت جدرانه بالستائر المعلقة بها أجراس صغيرة ، ومن هذه القصور أيضاً قصر ناعط وريده ومدر وصراح .

    ومن أشهر السدود سد مأرب الذي ورد ذكره في القرآن الكريم ، وهو عبارة عن حائط ضخم أقيم في عرض الوادي طوله نحو 800 ذراع وارتفاعه بضع عشرة ذراعاً وعرضه نحو 150 ذراعاً ، وقمة جسم السد على شكل هرم ، وفي طرفيه منافذ ينصرف منها الماء . ويؤخذ من النقوش التي عثر عليها في بعض أجزاء هذا السد إلى أنه بدئ في إنشائه في القرن الثامن ق . م . وقد ظل يؤدي وظيفته قرونا طويلة ، وتختلف الروايات في تاريخ تهدمه .

    وقد أثبتت الصور والدراسات التي قام بها الدكتور أحمد فخري الصلة الدقيقة بين الفنون التي كانت سائدة في جنوب الجزيرة العربية وفنون الحضارة البابلية بخاصة .
    وما نعرفه من أخبار الدول القديمة في وسط الجزيرة العربية لا يشفي غليلا . وقد ورد ذكر ثمود في القرآن الكريم ، كما ذكرت ثمود ضمن البلاد التي غلبها صرغون الآشوري 715 ق . م . في الحجاز ، ويؤخذ من الوصف أنها كانت بجوار مكة أي جنوب الحجر ، ويوجد بعض الآثار في الحجر ( مدائن صالح ) يسمى قصر البنت .

    أما الكعبة المشرفة في مكة المكرمة ، فكانت قبل ظهور الإسلام عبارة عن مكان مستطيل مساحته 32 × 20 ذراعاً محاط بأربعة جدران من الحجر ، ارتفاعها بضعة أذرع ، وداخل هذا الفناء بئر زمزم . هذا هو الوصف الذي أثبته الأستاذ كريزويل في كتابة العمارة الإسلامية المبكرة . استناداً إلى أقوال المقدسي والأزرقي . ويبدو من أقوال المؤرخين أن الكعبة كان يحيط بها الأصنام ، وكان بها من الداخل رسوم وتصاوير تمثل إبراهيم والسيدة مريم على ما رواه الأزرقي في أخبار مكة .

    وما تزال الجزيرة العربية في حاجة إلى مزيد من الأبحاث والدراسات لإلقاء الأضواء على ما كان بها من حضارة وعمران .


    القرابة الفنية بين البلاد العربية :

    هذا العرض السريع يوضح لنا أن البلاد العربية على اختلاف أماكنها ، كانت في تعبيرها عن روحها الكامن تتقارب فيها الصياغة الفنية ، من حيث تحقيقها لفكرة الإنسان العربي عن المكان والكون الذي يحيط به ، سواء أكان هذا الإنسان راعياً أم زارعاً . وبديهي أن وسائله في التعبير استمدها من صميم ما تجود به بيئته من صلصال أو حجر أو معدن ، ولا شك أنه حقق من خلال هذه الخامات فكرته عن المكان والمصير في غمائره ونحته وتصويرة ومنتجاته التطبيقية .
    ولقد شاءت المقادير خلال أحداث التاريخ الكبرى أن تزيد من هذا التقارب تمهيداً للوحدة الكبرى التي تحققت في ظل الإسلام . وتتمثل هذه الأحداث الكبرى في قيام الإمبراطورية الآشورية ، حيث تجمعت الشعوب الواقعة في الناحية الشرقية من البحر الأبيض المتوسط ، وخضعت لسلطات حاكم واحد ، فاتصلت ببعضها البعض اتصالا وثيقاً مستمراً صبغها كلها بصبغة متشابهة ، وأصبح لبلاد الشرق الأدنى للمرة الأولى في تاريخها حضارة عامة بينها (*) المصدر هنري برستد : انتصار الحضارة ، ص 228 . وتحققت هذه الوحدة الفكرية بعد ذلك خلال الإمبراطورية الفارسية ، ثم في أثناء فترة الحكم الإغريقي والروماني .

    والمتبع لتاريخ المنطقة العربية ، في فترة سيطرة النفوذ الإغريقي ، يلاحظ أنها كانت تحاول جاهدة أن تتخلص من سلطان الحضارة الإغريقية ، وبخاصة ما كان منها غير مناسب للروح العربية . فالفنون التي ظهرت في هذه المنطقة قبل الحضارة الإغريقية وبعدها ، تدل على أنها لم تأخذ العناصر والوحدات الإغريقية أخذاً مسلماً به ، وإنما كانت تشكلها وتبدلها وتغير فيها بما يتلاءم وروح الحضارة العربية الأصيلة التي كانت تعيش في وجدان شعوبها (*) المصدر أبو صالح الألفي : تاريخ الفن العام ، ص 199 .

    ويقول ( اشبنجلر ) إن الحضارات تقوم مستقلة عن بعضها البعض تمام الاستقلال ، وكل منها تكون وحدة أو دائرة مقفلة ليس بينها وبين غيرها من الحضارات غير منافذ من نوع خاص لا تسمح ليس بنفوذ شيء لا يتلاءم وجوهر هذه الحضارة ، وما تسمح به لا يلبث أن تحيله إلى طبيعتها ( أي أن ما يرى من تشابه في بعض الصور والأوضاع بين حضارة وحضارة أخرى ، إن هو إلا تشابه في المظهر الخارجي ) المصدر د / عبدالرحمن بدوي ، اشبنجلر ص 102 .

    وقد انتشر الفن اليوناني في المنطقة العربية ، والتقى بالروح العربية وحاول إخضاعها ، وحاولت هي الأخرى التخلص منه ، وكان تعبير الروح العربية عن نفسها في هذا الصراع تعبيراً عن معارضتها للروح اليونانية بوسائل يونانية ، وكلما قوى شعور الروح العربية بذاتها دلت قليلا من وسائل التعبير ، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة ، فإن تاج العمود الكورنثي الذي يثوم على تجسيم ورقة الأكنتس واحترام مظهرها الطبيعي ، بحيث تحتفظ كل ورقة بكيانها المستقل ، عولج في المنطقة العربية بتخليص هذه الورقة من المظهر الطبيعي بتحويلها إلى شبكة من الخطوط والأشكال الزخرفية البحتة ، بحيث تملأ المسطحات كلها بطريقة غير عضوية ، ثم أضيف إلى ورقة الأكنتس وحدات زخرفيه آرمية هي ورق العنب وسعف النخل (*) المصدر السابق ص 134 .

    وينطبق هذا الاتجاه على التماثيل الآدمية والحيوانية ، وابتعادها بالتدريج في المنطقة العربية عن المطابقة العربية الحرفي للطبيعة المتمثلة في الأسلوب الإغريقي ، والاتجاه بها نحو الأسلوب الهندسي والتجريد ، والتعميم بدلا من الفردية .

    كل هذا يدل دلالة بالغة الأهمية ، على أن التأثير الهلينستي في الفنون العربية لم ينفذ إلى الروح العربية ،وأن وحدة الأمة العربية أخذت طريقها في الوضوح والكشف قبل ظهور الإسلام وانبثاق حضارة عربية اتسعت رقعتها بسرعة لا نظير لها في التاريخ .


    فلسفة الحَضارة العربيّة .

    علينا أن نناقش فيما يلي موقف الفنان العربي من الكون الذي يحيط به ، وكيف انعكست هذه النظرة على كل ما أنتجه من فنون ، بحيث تتيح لنا هذه المواقف أن نحاول تحديد معالم النظرية الجمالية للفن العربي .

    تفرد الحضارة :
    المعروف أن الحضارة تنشأ ، كما ينشأ الكائن الحي وليدة محملة بجميع صفاتها وطابعها المميز . وفي خلال مراحل نموها تظهر شخصيتها شيئا فشيئا ، وتترك طابعها الذي لا يمحي على الفن الذي تستحدثه (*) المصدر جون ديوي : الفن خبرة : ص 553 .

    وإن الفروق والخلافات التي نلاحظها بين فنون الحضارات المختلفة ، لا تتعلق بأية فروق في المقدرة التكنيكية ، وإنما ترجع هذه الهوة إلى خلاف في الموقف والرغبة والقصد .(*) المصدر هـ . ت . أ . هولم : تأملات .

    وهي أمور باطنية داخلة في صميم الطبيعة البشرية ، لدرجة أننا نتخذ على أساسها معايير الحكم على سائر الأعمال الفنية .. وأن هذا الموقف والرغبة والقصد تخلق علاقات وأنظمة وتقاليد تصبح جزءاً في صميم الطبيعة (*) المصدر جون ديوري : الفن خبرة : ص 557 ، مثلها مثل العالم المادي سواء بسواء .

    وبهذا المعنى لا تعد الطبيعة ( خارجية ) بل هي باطنة فنياً ، ونحن بدرنا فيها ومنها . ولكن هناك طرقاً عديدة أو أساليب متنوعة للمشاركة في الطبيعة ، وهذه الطرق أو الأساليب لا تميز الخبرات المنوعة لنفس الفرد فحسب ، بل هي تسم بطابعها أيضاً مواقف النزوع والحاجة والتحصيل التي تميز الحضارات في جانبها الجماعي ، ولأعمال الفنية إنما هي وسائل تنفذ عن طريقها ، بفضل ما تولده فينا من خيال وانفعالات ، إلى أشكال أخرى من الاتصال والمشاركة غير تلك التي نمتلكها بالعقل .

    تصور المكان في الحضارات العربية :

    ولسنا في حاجة إلى أن نثبت من جديد ، أن لكل حضارة نظرتها الخاصة إلى المكان ، والأقاليم العربية من قديم الزمان تتميز بالتنوع والوحدة .. ففيها منذ أقدم العصور المجتمعات الزراعية ومجتمعات الرعي ـ هذا التنوع هو الذي حقق وحدة فنية مركبة اكتملت اكتمالا عجيباً .

    وفي المجتمع الزراعي ـ في مصر والشام والعراق ـ بخاصة تقوم اهتمامات الناس على ملكية الأرض أو استغلالها ، ومن ثم تكون نظرتهم إلى الوجود الذي يحيط بهم ، هي انعكاس لهذه الاهتمامات ، وهي تقسم الأرض هندسياً إلى حصص ، يختص كل فرد بحصة منها يزرعها ويستغلها هو وأولاده وأحفاده ، فهي أمله ومصدر حياته ورزقه .

    فالإنسان الزراعي قد حُمِل على تصور المكان على أنه مستو يمكن تقسيمه إلى حصص . وقد استغل هذا المكان وفقاً لخطوط لقنته الشعور بالتوازي لأن خطوط الحرث في الحقل الذي على شكل مستطيل هي بالضرورة خطوط متوازية ، حتى تكون على مسافات متساوية ، وهذه الهندسية العملية قد فرضت تصوراً للمكان خاصاً بالشعوب الزراعية (*) المصدر رينيه ويج : مصر ملتقى الشرق والغرب ، ص 40 . هذه الهندسية الخاصة بالشعوب الزراعية ظلت مسيطرة على الفن ، فأدخلت العناصر الزخرفية أو التعبيرية ، سواء أكانت نباتية أم حيوانية أم آدمية داخل الأشكال الهندسية وارتبطت بها وفقدت الأشكال حرية الانتشار ... وبديهي أن هذا الاتجاه يدفع إلى تكييف الأشكال والعناصر تكييفا خاصاً ، كما يؤدي إلى نوع من التكرار . على أن المكان الحقيقي لا يقوم إلا على فكرة العمق ، فهو طول وعرض وعمق .. وكل مكان خلا من فكرة العمق أو لم تراع فيه فكرة العمق ، فهو مكان غير حقيقي (*) المصدر د/ عبد الرحمن بدوي : اشبنجلر ، ص 110 . والمكان هو الاتساع ، وهو الطبيعة ، والطبيعة ثابتة ذات صيغ رياضية . وتجربة الزراعية حية تستمد حيويتها من ملاحظته لحياة النبات ونموه يوماً بعد يوم .. وتجدد هذه الحياة واستمرارها ، وهذه الملاحظة التي استطاع الإنسان عن طريقها أن يصل إلى إدراك الوقائع والأحداث كما هي في حقيقتها ، أي بما هي عليه من حركة وحدوث يراعي فيه الزمان ، والزمان اتجاه ومصير .

    وقد اقتضى وصول الإنسان إلى مرحلة الزراعة ترويضاً للطبيعة التي يعيش فيها .. ليتحقق له الانتفاع بالماء والأرض ، ( ثم هو يلقى الحب ويرجو الثمار من الرب ) . هذا الرجاء يتطلب ترويضاً للطبيعة الداخلي في نفس الإنسان ، وتنظيماً خاصاً للمجتمع . ومن هنا قامت حضارة الشرق القديم على أساس النظرة الكونية .

    ولقد كانت النظرة الكونية عند الشعوب العربية القديمة غلابة .. ففي بلاد العراق استعملت الأقباء والقباب والعقود ، وبرع الناس في علوم الفلك .. وفي مصر القديمة كانت الرسوم والنقوش الزخرفية تمثل الماء وأسماكه ونباتاته في أسفل الجدران ، وتنتهي بتمثيل السماء والنجوم في السقوف ـ كما أن الكثير من الرسوم المصرية القديمة ترمز إلى هذا التكامل بين الأرض والسماء في دائرة كاملة ، وهي بديل من الناحية الفكرية للقبة التي انتشرت في العراق القديم ، ثم في بيزنطة ، وامتدت وتطورت في ظل الإسلام .

    على أن حياة الزراع من جهة أخرى تقتضيها ملاحظة الطبيعة ملاحظة دقيقة فيتابعها في حركتها مستشعراً الألفة والمحبة في كل ما يحيط به من نبات وطير وحيوان ، وهذا بالتالي يقوده إلى النظرة الواقعية ، وهي في صميمها تختلف عن النظرة الهندسية .. فإننا نلاحظ هذا في بعض جوانب فنون الشرق العربي القديم .. حرصاً على الواقع العلمي للمخلوقات التي سجلها ، فكشف لنا فيها عن حقائق ودقائق تدل على مدى ما كان يتميز به من ملاحظة دقيقة وحساسية مرهفة .. وقد تطورت النظرة الواقعية داخل الأسلوب الهندسي ، ولم تصل قط إلى الحرفية الفردية ، كما نراها في الفن الإغريقي مثلاً .

    وتتشابه المجتمعات الزراعية في الوطن العربي من حيث فنونها التشكيلية ، كما نرى في فنون العراق ومصر .. فترى طراز الأشكال نفسه والتكرار نفسه وأهمية المحاور الرأسية والأفقية التي تسود المكان الموجه على هيئة مربعات ، والقوانين نفسها التي تحكم الخلق الفني ، مما يؤيد نشأتها في نفسانية جماعية صادرة عن طريقه في الحياة (*). رنيه ويج : مصر ملتقى الشرق والغرب ، ص 42 .

    أما البيئة الثانية في الوطن العربي القديم فهي البيئة الصحراوية التي نعرفها في الجزيرة العربية وبادية الشام وصحراء مصر وشمال إفريقية ، وهي بيئة ينتقل فيها الإنسان حراً طليقاً يسعى وراء الكلأ والماء ، فالمكان أمامه مفتوح ليست له حدود .. والطرقات التي يسير فيها متنقلا من مكان إلى آخر ، طرقات متعرجة تسير في الوديان وتدور حول التلال ، كثيرة المنحنيات لا تكاد تعرف الخط المستقيم . ولهذا كان الخط ، عند الشعوب الرحل سيالا ( دواراً ) يتخذ انحناءاته ومجراه إلى مالا نهاية . وأهل الصحراء يشبهون في ذلك أهل البحار الذين لا يجدون أمامهم إلا الأمواج المتلاطمة . ولذلك كانت الخطوط التي تعبر عن فنون هذه الشعوب ديناميكية متحركة تشبه حركة الموج الدائبة والدوامات في إقبالها وارتدادها ، كما تشبه خطوط القواقع والأصداف والنباتات المائية والأخطبوط .

    والعربي من أهل الوبر ينتقل في بحر من الرمال لا يكاد يعرف له بداية ولا نهاية . وهو يشعر شعوراً متسلطاً بالسماء وما فيها من نجوم وأفلاك تجري لمستقر لها ـ يشعر بهذه القبة الزرقاء العظيمة التي تشمل الوجود كله .. يشعر بها في نهاره متتبعاً حركة الشمس ، وفي ليلة متتبعاً حركة النجوم التي تهديه سواء السبيل .. ولعل استعمال القباب على نطاق واسع في الفن الإسلامي كان انعكاساً لهذا الإحساس الطاغي لقبة السماء .

    والبرية وطن البدوي ، اعتاد على الحياة فيها وحيداً فصبغت روحه بالوقار ، وملأت خياله بكائنات لا يراها ولكنه يخشاها ، وتصور البدوي أن سلطة كل كائن من هذه الكائنات كانت تمتد على مكان محدود من هذا الكون المترامي الأطراف .. مثل بئر وما حوله من فراغ ، أما البئر التالية والتي لا تبعد أكثر من مسيرة يوم واحد ، فإنه كان تحت سلطان إله آخر لقبيلة أخرى (*) ، المصدر هنري برستد : انتصار الحضارة ، ص 155 . وهذا يعني أنه على الرغم من إحساسه باتساع الصحراء التي لا يرى نهاية امتدادها ، فإنه يشعر شعوراً باطنياً بأنها مقسمة إلى مناطق وحدود غير ملموسة ، ولكنها دائمة الحياة في نفسه ، ويعمل حسابها وتصرف بمقتضى هذا الإحساس .
    ولعل حياة الصحراء القاسية التي يحياها .. علمته الصبر وترويض النفس والإيمان بالقضاء والقدر ، والأخذ بمبادئ الأخلاق والعدل . وهناك تصور كلِّي آخر للوجود ، للزمان والمكان ، مرتبطة بإدراك الله سبحانه وتعالى في العقيدة الإسلامية .

    فالوجود وجودان : وجود الأبد .. ووجود الزمان .. ووجود الأبد لا نتصور فيه الحركة ، ووجود الزمان لا نتصوره بغير الحركة .. وإذا ثبت أحد الموجودين ثبوتاً لا شك فيه ، فالوجود الأبدي هو الثابت عقلاً ، وهو الذي يقبل التصور بغير إحالة في الذهن والخيال ، لأننا نذهب لنفرض أولا الوجود فنقع في الإحالة ، وكذلك نقع في الإحالة حين نذهب لنفرض له آخر . أو عمقاً أو امتداداً على نحو من الأنحاء .ولكننا لا نقع في إحالة ما إذا تصورنا الأبد بغير ابتداء ولا انتهاء ولا كيف ولا قياس على شيء من الأشياء .. وهكذا يؤمن المسلم بوجود الإله (*). عباس محمود العقاد : الفلسفة القرآنية ، ص 126 . (( قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد )) ـ (( هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم )) .
    هذا التصور الصوفي للزمان والمكان تصور مطلق بغير حدود ، امتزج في ضمير الفنان المسلم مع تصوره للمكان الذي يعيش فيه ويحيط به ، فكانت ثمرته تلك النظرة الكونية المكنونة ، وذلك التوقان الذي نلاحظه في أعماله الفنية وفي صيغه المختلفة التي عالج بها كل ما أنتجه من أعمال فنية ، سواء في العمارة أم الفنون الزخرفية .

    المحاكاة واللامحاكاة :
    لعل من أبرز الظواهر المميزة للفنون في كل حضارة من الحضارات ، الاتجاه إلى المحاكاة أو البعد عنها ـ والميل إلى المحاكاة أو البعد عنها ، وهي صفة طبيعية تتميز بها روح الحضارة التي تعبر عن نفسها .
    والفن الإغريقي في مقدمة الحضارات الكبرى التي اعتمدت على المحاكاة ، وبخاصة محاكاة الجسم الإنساني ، وصولا إلى تحقيق مثالية الحضارة التي تعتبر الإنسان مقياساً لكل شيء .. وكان عصر النهضة في أوربا استمراراً لهذه الفكرة في صياغة جديدة تتناسب والعقيدة المسيحية من جهة والنظام الاجتماعي الإقطاعي والرأسمالي من جهة أخرى . ويقول السير وليام أوربن في كتابة Out Line of Art : كان لتطور التيار الأساسي في فن التصوير الأوربي في الفترة بين جيوتو وآخر القرن التاسع عشر تطور نحو استكمال التعبير من مظاهر الأشكال الطبيعية (*) المصدر حامد سعيد : ثلاث محاضرات في الفن .

    وتقوم فكرة المحاكاة على أساس أن الطبيعة كائن ثابت جامد ، كل عنصر فيها كامل في نفسه .. ومن ثم أصبحت لغة الفن في ظل المحاكاة هي نقل الطبيعة وتجسيمها وصولا إلى أكمل صورها المادية .. وتقتضي هذه المثالية أن يدرك الفنان المكان على أنه حيز متسع يسمح بالحياة . ويتضح هذا المعنى فيما يقوله (( جون يري )) إن الفنون التشكيلية تبرز الجوانب المكانية باعتبارها مجالا للحركة والنشاط مع نقل صميم ماهية الحجم وقيام المسافات بين الأشياء ، تحقيقا لإبراز كيان هذه الأشياء في الفراغ (*) المصدر جون ديوري : الفن خبرة ، ص 348 و ما بعدها.

    هذه النظرية التي شرحها (( ديوري )) في بضع عشرة صفحة ـ إنما تؤكد وجهة النظر العقلية التي ترى أن الفن يقوم على المحاكاة بأكمل معانيها ، للحد الذي يقول فيه (( ديوري )) إن كل انعدام للحيز إنما هو إنكار للحياة نفسها .

    ويلاحظ أن هذه المثالية المرتبطة بالمحاكاة نمت في الفن الأوربي وحده ، حيث تزايدت العناية بالمنظور في الحجم واللون ، وأصبح الفن يعبر عن احساسات فردية ، بينما الفنون الكبيرة قبل هذا المكان محيطها ما وراء الفرد .. وكما سبق أن أوضحنا ـ تختلف نظرة الفنان إلى الطبيعة طبقاً لمثالية الحضارة التي ينتمي إليها .. وفي هذا يقول الدكتور زكي نجيب محمود ، محدداً للوقفات المختلفة التي يقفها الفنان إزاء الطبيعة : إن الصورة إما أن تكون مشيرة إلى شيء في الطبيعة الخارجية .. كأن نرسم منظراً طبيعياً أو فرداً من الناس أو جماعة منهم ، وما إلى ذلك من كائنات .. أو تكون الصورة مشيرة إلى شيء في طبيعة الفنان الداخلية من حيث ارتباط الخواطر في مجرى الشعور أو صلتها باللاشعور .. أو تكون الصورة كياناً مستقلا بنفسه مكتفيا بذاته .. فلا هو يشير إلى شيء بعينه في الطبيعة أو في الطبيعة الداخلية .. وهنا يكون ارتكاز العمل الفني على تكوينه البحت . وفي الحالة الأولى والثانية يكون عمل الفنان محاكاة لمصدر خارج عن طبيعة الأثر الفني نفسه .. فهو في الحالة الأولى يحاكي جزءاً من العالم الخارجي .. وفي الحالة الثانية تعبيراً على أساس أن الفنان يعبر فيها عن نفسه أساساً .. أي أنه يخرج شيئاً مما في نفسه على أي نحو يراه ملائماً لإحداث أثر نفسي في الرائي يشبه حالته .. أما في الحالة الثالثة ، فالأمر مختلف تماماً ، لأن الفنان هنا لا يحاكي شيئاً على الإطلاق ، بل هو يخلق تكوينه الفني خلقاً عديم الأشباه في كائنات العالم بأسرها (*) المصدر د/ زكي نجيب محمود : فلسفة وفن .

    وفي هذا المعنى يقول (( هربرت ريد )) مقسماً النشاط الفني الإنساني إلى أنماط مختلفة لذيه وتعبيرية وغرضيه إن الفن العضوي الحيوي الحسي هو فن الأحاسيس ، فن يغتبط بالنشاط ويهتم بإبراز حيوية الحيوان الأساسية ، أو ما نسميه العوامل المميزة له عن غيره ، ويضاده في الأسلوب الفن المجرد الذي لا يحفل بطبيعة الأشياء العضوية بل يميل إلى مسخها إرضاء لدافع آخر قد يكون دينيا أو رمزيا أو عقليا ، وقد يكون دافعاً لا شعورياً فقط (*) المصدر هربرت ريد : الفن والمجتمع ، ص 23 .
    وفي هذا المعنى نفسه يقول هربرت ريد مرة آخرى : هناك طريقتان متميزتان للتعبير ، الطريقة العضوية والطريقة الهندسية . ويقال إن هاتين الطريقتين المتعارضتين تفرضهما البيئات المختلفة . فعندما تكون القوى الطبيعية عدائية ، كما هو الحال في المناطق المتجمدة والصحاري الاستوائية ، يتخذ الفن شكل الهروب ، لا من فيضان الحياة نفسها ، ولكن من أي شيء يرمز لها ، فالمنحنى العضوي لكي نصل به إلى ابسط عناصره يعبتبر قاسياً ، لهذا يهندس الفنان كل شيء ، ويجعل كل شيء مخالفاً للطبيعة بقدر الإمكان ، ولكن العمل الفني يجب أن يكون فعالا ، يجذب انتباه الناظر ويحركه ويؤثر فيه ، لهذا فإن هندسة هذا الفن المجرد تكون آلية ولكنها تتحرك ، أما الفن العضوي فإنه يأخذ المنحى الطبيعي ويزيد من حيويته : إنه فن الشواطئ الدفيئة والأراضي المثمرة ، إنه فن التمتع بالحياة ، فالنباتات والحيوانات والمخلوقات البشرية كلها ترسم بعناية محببة (*) المصدر هربرت ريد : معنى الفن الفقرة 32 .

    ومع اختلاف وجهة النظر في التعبير عن الوجود ، يظل الدافع الجمالي ثابتاً في أساسه خلال هذا الطوفان الجارف من القوى وتضارب الأهداف ، مثله في ذلك كمثل الدافع الجنسي ، له تلك الصور المختلفة سواء أكانت لذية أم تعبيرية أم غرضية ، وتسود واحدة منها تارة وتسود الثانية تارة أخرى عصوراً كاملة ؛ بيد أن هذه الصور للدافع الجمالي تراجع إلى حقيقة واحدة ، لأن ماهية الفن وليدة قدرة دائبة في الإنسان نفسه لا تهن ، أو هي طابع معين ينطبع به الإحساس يدفع الإنسان إلى تشكيل الأشياء في صور أو رموز تكون جميلة عندما تتخذ شكلا متناسقاً وإيقاعاً (*) هربرت ريد : الفن والمجتمع ، ترجمة فتح الباب ، 69 .

  8. #8

    Lightbulb

    التقليد والتزيين :
    ويعبر بعض الفلاسفة عن المحاكاة بالتقليد أو التعبير ، وعن اللامحاكاة بالتزيين . ويقول اشبنجلر إن كل فن لغة للتعبير ، وهذا التعبير قد يتجه إلى الذات وقد يتجه إلى الغير . هذا التعبير إما أن يكون تقليداً أو تزيينا والدافع للتقليد هو وجود الغير ، مما يضطر الذات إلى المشاركة في تطور حياة هذا الغير المجاور ، أما التزيين فيدل على وجود ذات شاعرة بصفاتها الذاتية الخاصة وكيانها المستقل المطلق ، والتقليد يساير الحياة ويتابع الحركة ففيه طابع الزمان .

    أما التزيين فقد خلا من الزمان نهائياً لأنه خلا من الحياة ، واستحال إلى امتداد وثبات . لهذا كان لكل تقليد بداية ونهاية ، لأنه يجري مع الزمان ، بينما التزيين لا يعرف غير البقاء والاستمرار (*) اشبنجلر : د / عبد الرحمن بدوي ، ص 123 .

    أما ديوي فيقول : إذا كانت العلاقة بين التزييني والتعبيري قد بقيت مثار جدل طويل ، فربما كان في الإمكان حل هذه المشكلة بالنظر إليها في سياق التكامل القائم بين المادة والصورة ، والعنصر التعبيري يميل إلى جانب المعنى ، بينما يميل العنصر التزييني إلى جانب الحس ، والواقع أن لدى العينين تعطشاً للضوء واللون ، وعندما يتم إشباع الحاجة ، فهناك لا بد أن يتحقق نوع خاص من الرضا ، ومن بين الأشياء التي تشبع هذه الحاجة : الأوراق الملصقة على الجدران ، والسجاجيد وقماش الفرش ، والتلاعب العجيب للألوان المتغيرة في المساء والأزهار والزخارف العربية ، والألوان الزاهية إنما تؤدي دوراً مماثلا في فن التصوير . وحقيقة الأمر أن ما قد يكون صورة في إحدى المناسبات قد يكون مادة في مناسبات أخرى ، والعكس بالعكس .

    فاللون الذي يعد مادة بالنسبة إلى القوة التعبيرية لبعض الكيفيات والقيم ، يصبح صورة عند ما يستخدم لكي ينقل إلينا معاني اللطافة والتألق والانشراح ، ويستطر ديوي ليؤكد أنه لا يمكن فصل التزيين عن التعبير ، وأن الفارق بينهما هو مجرد فارق بين نبرة التأكيد : إلا أن تكون زينة فارغة ، ثم يقول : وحينما يتم انتقال الموضوعات من وساطة حضارية إلى وساطة حضارية أخرى فإن الطابع التزييني المميز لتلك الموضوعات لا بد من أن يكتسب قيمة جديدة . فلو نظرنا مثلا إلى السجاجيد والأواني الشرقية لوجدنا أن نماذجها كانت تنطوي في الأصل على قيمة دينية أو سياسية بوصفها رموزاً قبلية ـ تعبر عنها أشكال تزيينية شبه هندسية .

    ولكن المتأمل لهذه الموضوعات من أهل الغرب أعجز من أن يفطن إلى مثل هذه القيمة ، فإنها قد تثير لدينا في بعض الأحيان إحساساً كاذباً بوجود انفصال بين العنصر التزييني والعنصر التعبيري ، وكأن العناصر المحلية لم تكن سوى مجرد وساطة استطعنا عن طريقها أن ندفع حق الدخول ، وهكذا تبقى القيمة الذاتية الجوهرية للعمل الفني حتى بعد أن تكون عناصره المحلية قد انتزعت تماماً (*) المصدر جون ديوري : الفن خبرة ، ص 210 ، 215 ، 218 .


    خلاصة الرأي:
    ونخلص من هذا العرض ، إلى أن المحاكاة واللامحاكاة ، والتقليدي والتزييني ، والعضوي والهندسي ، إنما كلها تعبيرات عن نمطين أساسين من أنماط التعبير الإنساني ، مرتبطة أشد الارتباط بموقف الفنان ومجتمعة إزاء البيئة التي يعيش فيها .. وأن لكل من هذين النمطين قيمته الفنية العالية ، ولا نظن أن لأحدهما ميزة على الآخر .. ومع ذلك فإن الاتجاه المعاصر لتقدير الفن يقلل من قيمة العمل الفني الذي يعتمد على المحاكاة .. إذ ليست هناك مندوحة لمن أراد أن يدخل عالم الفن الحديث عن اطراح مفهوم الفن القديم الذي يقوم على المحاكاة اطراحاً تاماً .. ومفتاح الدخول إلى هذا العالم الفني الجديد .. هو ألا ننظر إلى الصورة على أنها صورة لشيء مما يتبدى للعين ـ هذا الرأي الذي يقوم عليه تقدير الفن المعاصر قد أتجه إليه أفلاطون .. حيث قال : إن جمال الأشكال ليس كما يظن معظم الناس جمال الجسم الحية ، أو جمال الصورة .. لكنه جمال الخطوط المستقيمة والدوائر وسائر الأشكال .. ذوات السطح أو ذوات الحجم على السواء .. المكونة من الخطوط والدوائر تكويناً نصوغه بالمخرطة والمسطرة .. فعندئذ لا يكون الحال ـ كما هي الحال في بقية الأشكال ـ جمالا نسبياً ، بل هو جمال ثابت مطلق (*) د ـ زكي نجيب محمود : فلسفة وفن .

    ويقودنا رأي أفلاطون كما يقودنا الرأي في الفن المعاصر إلى إدراك نوعين من الفن : نوع يقوم على المحاكاة يهدف إلى تجسيم الأشياء ومحاكاتها وتوزيع العناصر في الفراغ في ضوء قوانين المنظور والظل والنور .. ويقدم لنا نماذج للأشياء التي تحيط بنا .. والجمال في هذا لأضرب من الفن جمال فردي نسبي . أما النوع الآخر من الفن فيُسقطُ المحاكاة ناظراً إلى الوجود الخارجي ببصيرة تنفذ خلال الظواهر البادية للحس حيث الجوهر الباطن .. وبديهي أننا لا نجد هذين النوعين دائماً في أنقى صورهما ، وكثيراً ما نرى تقارباً أو تباعداً بين النظرتين طبقاً لطبيعة الحضارة وظروفها الاقتصادية والاجتماعية .

    والفنون العربية ـ في جملتها ـ لا تقوم على المحاكاة .. لأنها ترتبط بتصور العربي للمكان بيئياً وروحيا .. ينظر العربي إلى الأشياء نظرة تمسها مساً مباشراً وروحياً .. ينظر العربي إلى الأشياء نظرة تمسها مساً مباشراً يهز الوجدان ، ولا يبتعد عن هذه الأشياء بالتحليل الذي هو من وظائف العقل المنطقي الصرف .. إنه ينظر إلى الوجود يغمره إحساس بوجود الباطن وعدم الاكتفاء بظواهر الأشياء والإيمان بالقضاء والقدر وما يستلزمه ذلك من الصبر والرجاء والصدق .. ومن ثم كان الطابع المميز للفن العربي قبل الإسلام وبعده هو التجريد من المطلق وصولا إلى عناصر ليست لها أشباه ( ويخلق مالا تعلمون ) .

    ومهما يكن من شيء .. فقد أجمع الباحثون والفلاسفة والنقاد ، على أن لكل حضارة نظرتها الخاصة التي تنعكس في فنونها ، وأنه قد يكون من المتعذر إدراك المدلول الثقافي لفن حضارة معينة لأفراد ينتمون إلى حضارة أخرى ، طالما ظلوا بعيدين عن روح هذه الحضارة .. وأن المعيار الثابت لتذوق أي فن من الفنون مهما تختلف معاييره الثقافية هو الشكل المطلق والصياغة بما تشتمل عليه من تناغم ووحدة وإيقاع في الخط واللون والكتلة وملامس السطوح .

    المعاييرُ التي يقومُ عليها الفن الإسلامي
    أوضحنا في الدراسات السابقة أن الفن الإسلامي لم يستهدف محاكاة الطبيعة عند معالجة الموضوعات الفنية في مشروعاته المختلفة ، بسبب طبيعة كامنة في العربي تهديه إلى تحديد وضعه في هذا الكون العظيم ، كما أن بيئته سواء أكانت صحراوية أم زراعية جعلت لصياغته الفنية ملامح مميزة .

    وسنحاول أن نتناول بالدراسة الخصائص والمعايير التي أثرت ي الفن الإسلامي وأعطته طابعة المميز وشخصيته الفريدة .

    كراهية تصوير الكائنات الحية :
    كان رسم الكائنات الحية شائعاً في الوطن العربي قبل الإسلام . وكان يبتعد عن المحاكاة أو يقترب منها طبقاً للظروف المختلفة التي تكون سائدة . ولكنه لم يستهدف المحاكاة الحرفية التي نراها في الفن الإغريقي والروماني ثم في عصر النهضة في أوروبا ، لاختلاف أساسي في الهدف والغاية الاجتماعية من الفن ، بل إن الأقاليم العربية في فترة النفوذ الإغريقي ، حرصت على التخلص من سيطرة الفن الإغريقي والابتعاد عن أساليبه في تصوير الكائنات الحية والعناصر النباتية . ويؤكد هذا الرأي الأساتذة ل . برهير L. Brehier ، هـ . تراس H. Terrasse ، نيلسن Nielsen ، لامانس Lammans ، حيث يجمعون على القول بأن الآثار في الشرق الأدنى قبل ظهور الإسلام بحوالي ثلاثة قرون تنبئ عن ثورة على الروح الإغريقي في الفن ، وتثبت أن الأساليب الفنية التي تمخض عنها الفن الهليني في آسيا الصغرى والشام ومصر بدأت في البعد عن تصوير الإنسان والحيوان ، وعن العناية بتصوير الأجسام واحترام أصول التشريح ، وانصرفت إلى الموضوعات الزخرفية النباتية والهندسية ، فندرت صناعة التماثيل المخروطة ( المجسمة ) ورجع الفنانون في الشرق الأدنى إلى روح الأساليب الفنية التي ازدهرت فيه على يد الآشوريين والحيثيين ، ويعتقد هذا الفريق من العلماء من سلسلة تطور الفن في الشرق الأدنى . وأن الفن المسيحي في هذه الأقاليم قد مهد لتلك الحركة بالبعد عن الأصول الإغريقية (*) المصدر د/ زكي محمد حسن : التصوير عند العرب ص 138 حيث أورد المؤلف ثبتاً بأسماء المراجع التي تقول بهذا الرأي .

    وأشرق الإسلام بنوره على العالم . وقضى على عبادة الأصنام ، وما يتصل بها من عبادات . وكانت أبرز وسائل العقيدة الجديدة تحطيم هذه الأصنام وإزالتها ، إلى جانب العقيدة الوحدوية الربانية ، ومن ثم نشأت كراهية طبيعية لكل عمل يذكر بهذا الماضي البغيض ، وهذا الشرك بالله الواحد القهار ، ممثلا في هذه الأصنام .

    وعلى الرغم من أن القرآن الكريم لم يرد فيه نص صريح يمنع ممارسة تصوير الكائنات الحية ، فإن بعض الأحاديث النبوية جاءت بأن تصوير الكائنات الحية حرام شديد التحريم .

    وقد استقر رأي الكثيرين من المفسرين والفقهاء على أن القد من هذا التحريم هو إبعاد المسلمين عن عبادة الأصنام التي كانت سائدة عند كثير من القبائل العربية ، ولا يكون حراماً إذا قصد به الزينة المباحة . وقد أورد الدكتور زكي محمد حسن أوفى دراسة لهذه القضية ، سجل فيها وجهات النظر المختلفة ، نجدها في كتاب التصوير عند العرب للمرحوم تيمور (*) د / زكي محمد حسن : التصوير عند العرب ص 117 .
    ومن المستشرقين والعلماء المعاصرين من يعارض نظرية التحريم أصلا ، ومن هؤلاء الأستاذ كريزويل (*) كريزويل : العمارة الإسلامية المبكرة ج 1 ص 269 . ، والأب لامانس (*) هـ . لا مانس : المجلة الأسيوية مجلد سنة 1915 ص 239 . ، والأستاذ أرنولد (*) أرنولد : التصوير في الإسلام ص 7 .

    أما العلماء ، ورجال الدين العرب المعاصرون فإنهم يبيحون التصوير ما دام لا يصرف المسلمين عن العقيدة أو العمل . وفي ذلك يقول الإمام محمد عبده : ( وبالجملة يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم ، بعد التحقق أنه لا خطر منه على الدين لا من جهة العقيدة ولا من جهة العمل (*) الشيخ محمد عبده : فتوى عن الصور والتماثيل وفوائدها وحكمها ، الفنون الجميلة : لأحمد يوسف . وهناك أيضا المرحوم الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الأسبق فيقول في مقدمة كتبها للمعرض الفني الرابع لطلاب الأزهر عام 1964 م وفيه رسوم الكائنات الحية : فبينما ترى الريشة تمشي على الأرض مصورة معبرة ، إذ بها تحلق في السماء وما فيها من آيات وإبداع . إذ تراها تصور لك المطر الهاطل الذي يقدم الحياة لشجر نام وحيوان يحقق لنا المنافع (( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون )) ثم تراها تخط خطوط الليل ثم تفسح لصور النهار أن ينبلج على صفحاتها وأن يرينا معالم الأشياء ، وتحلق الريشة مع ما خلق الله سبحانه وتعالى من الشمس والقمر ، والجبال والمعالم والسيل والأنهار . وكأني بهذه المناظر الإلهية حين أراها في معارضنا تحدد لنا الكون ، سماءه وأرضه ، وشمسه وقمره ، ليله ونهاره وجباله وبحاره وأنهاره ، تحمل لنا آيات واضحة في الحلال والجمال ، ثم تروح بنا بعد ذلك كله إلى آثار العقول الحية الناضجة تبني لنا وتعمر ، وكأني بهذا يحلق بنا في سماء الدنيا ويمشي بنا في حياة بهيجة سارة ، ثم تذكرنا بما أعد الله للعاملين .

    وهناك رأي غريب قاله الأستاذ فييت (*) المصدر فييت وهوتكير : مساجد القاهرة ، ص 171 . وهو أن فزع المسلمين من التصوير مرده إلى اعتقادهم أن للصور قوى سحرية ، وأن الشعوب السامية كلها تخشى الصور ، وهذا رأي لا يخضع لأي منطق ، تاريخي أو علمي ـ والعقيد الإسلامية السمحة تعلو فوق هذه الخرافات .

    ونخرج من هذه الأقوال بأن العقيدة الإسلامية السمحة لم تحرم عمل الصور إذا كان الغرض منها الزينة المباحة أو إقرار حقيقة عملية أو شرعية ، ويهمنا أن ننوه بأن زخارف المساجد والمصاحف قد خلت تماماً من رسوم هذه الكائنات . وسنضرب لذلك بعض الأمثلة المستمدة من كتاب الله (*) أرنست كونل : الفن الإسلامي ص 1 ؛ ريتشارد إتينجهوزن : نبيه فارس ، تراث العرب ص 254 .

    1) الأيمان المطلق بعظمة الله سبحانه وتعالى .

    2) ضعف الإنسان وحاجته إلى النجاة .

    3) إن الله هو الخالق البارئ المصور .

    4) الجمال والزينة ـ هو موضوع الفن .

    5) الحث على العلم .

    6) الحث على العمل .

    مخالفة الطبيعة : ومخالفة الطبيعة تأكيد لمدلول اللامحاكاة ، والتي سبق أن أوضحنا أنها هي الاتجاه الذي كان سائداً في الإقليم العربية قبل الإسلام . ويقول الدكتور بشر فارس : إن خروج التصوير الإسلامي على أصول الهيئة البشرية ، إنما تستدعيه نية مستقرة في الطبع ، مبعثها الاستهانة بعظمة الإنسان المطلق ، كالإنسان الذي ركزه في قلب العالم فلاسفة اليونان . وأهل الفن والأدب في إيطاليا الناهضة ، أولئك الذين فخموا المنزلة البشرية ، ومجدوا العرى الوضاح في مصوراتهم ومنحوتاتهم ، فجاء الإنسان معهم جميعا مقياس الأشياء كلها كما قال (( برثاغورت )) ، ولا يسع الإسلام إلا أن ينكر هذا الشطط .(*) د/ بشر فارس : سر الزخرفة الإسلامية ، ص 19 .

    ويقول فييت : غدا الفن الإسلامي في مظاهر السائدة ، لا يهتم أصلا بنقل الحياة ، إنما ترمي نزعته العامة إلى تجريد المشاهد الحية في الطبيعة حتى لا يبقى منها إلا خطوطها الهندسية (*) جاستون فييت : مجلة المشرق ، المجل 34 سنة 36 ص 481 ـ 496 .

    والفنان المسلم يواجه الطبيعة لكي يتناول عناصرها ويفككها إلى عناصر أولية ، يعيد تركيبها من جديد في صياغة طروبة عذبة . وهو لا يفكر في محاكاة الطبيعة لأن هذا هدف لا يسعى إليه ولا يعنيه ، وأكثر ما يشبه الفن الإسلامي في ذلك بعض حركات الفن المعاصر ، فالفن التكعيبي مـثلا يقــوم عـلى صياغة إيقاعية جديدة للعناصر الطبيعية بعد تحليــــــــلها إلى سطوح وأحجام هندسية ، ومن زعماء هذه المدرسة (( بيكاسو )) و (( براك )) وكذلك الفن الوحشي الذي يقوم على تخليع وتبسيط الشكل الطبيعي إلى أقصى حد ممكن وتحويله إلى سطوح بسيطة تعتمد على الخط واللون ، ومن زعماء هذا الاتجاه ما تيس الذي تأثر كثيراً بالفن العربي في مراكش ، كما تأثر بالفن الياباني .

    والفارق بين الفنان المسلم والفنان المعاصر أن الفنان المسلم حقق فاعليته الفنية التي استشعرها في نفسه تعبيراً عن موقفه إزاء الطبيعة ، أما الفنان المعاصر فإنه يعبر عن فلسفة عقلية منطقية . والفنان المسلم يقدم لنا في رقة وأناقة وعذوبة صياغته الجديدة . أما الفنان المعاصر فكثيراً ما يقدم لنا أشكالا مشوهة لا تحقق الاستمتاع الجمالي واستشعار العذوبة التي نلمسها في الفن الإسلامي .

    تصوير المحال : وأن مخالفة الطبيعة واللامحاكاة تؤدي ، حتما ً وبخاصة بالنسبة للفنان المسلم الذي يهوي الاستطراد ، إلى خلق أشكال جديدة لا نظير لها في الطبيعة إطلاقاً ، وهنا نجد ارتباطاً واضحاً بين الأسطورة الشعبية وبين فنون التشكيل من حيث معالجة الأشكال الحيوانية المركبة أو الخرافية . ويبدو أن الفنان ـ مستعيناً بخياله الخصيب ـ عالج هذه العناصر الحيوانية على أساس أنه من الممكن أن تكون كذلك ، بصرف النظر عن شكلها الحاصل فعلا ، وهو في هذا يسير على هدى الآية القرآنية الكريمة (( ويخلق ما لا تعلمون )) .
    وإذا تتبعنا قصص ألف ليلة وليلة وهي تمثل المثالية والخيال الشعبي ، نجد نماذج كثيرة للأشكال التي تقع في دائرة المحال ، كالطيور ذات الوجوه الآدمية والخيل المجنحة ، ورجال من النحاس ، والحيوانات التي تتكلم ، وانتقال الصور الآدمية إلى صورة حيوانية ، ومن الواضح أن قصص ألف ليلة وليلة ترمز إلى مثالية خاصة هي الإحساس بوجود الباطن وعدم الاكتفاء بالظواهر ، بهرج الحياة ، وعجائب المخلوقات ، وحكم القدر ، وتقلب الحال . ونجد أمثلة كثيرة في الفن التشكيلي الإسلامي للطيور والحيوانات المركبة من الأشكال الخرافية لا نظير لها في الطبيعة ، وربما نجد نماذج من هذا الأسلوب ، الذي يعمد إلى عمل تراكيب لأشكال جديدة تستمد أجزاءها من حيوانات مختلفة أو صورة الإنسان ، في الفنون القديمة في مصر والعراق القديم وغيره من البلاد ، على أن هناك نوعا من التركيب والاستطراد ربما لا نجد له نظيرا في غير الفن الإسلامي ، الذي جعل أطراف الحيوان أو الطيور على شكل تفريعات وأوراق نباتية .

    وعندما يطل الفنان المسلم من نافذة خياله على هذا العالم الموهوم ، فإنه يعالج موضوعاته معالجة المنظرف الذي يغوص باحثاً عن أشكال جديدة لطيفة تبعث المسرة وتثير الخيال ، ذاكرا قوله تعالى : (( ويزيد في الخلق ما يشاء )) .

    تحول الخسيس إلى نفيس :

    كانت مسئولية الفنان أن يحقق مطالب المجتمع التي يستشعرها هو أيضا في أعماق نفسه ، وقد استطاع الفنان العربي الوصول إلى حلول ابتكارية حقق بها التوازن بين هذه المبادئ وبين الثراء العظيم الذي يعيش فيه الخلفاء والأمراء ، فأنتج الخزف ذا البريق المعدني وهو خزف يرسم عليه ويلون بعد الحرقة الأولى بالأكاسيد المعدنية ثم يحرق ثانية في درجة حرارة تبلغ حوالي من 600 إلى 800 درجة فهرنهيت ، وعندئذ تتحول الأكاسيد المعدنية باتحادها مع الدخان إلى طبقة معدنية رقيقة جداً ، ويصبح لون البريق المعدني المتخلف ذهبيا أو بنيا أو أحمر أو أخضر أو زيتونيا ، وقد كانت هذه الأواني الفاخرة تستعمل كبديل لأواني الذهب والفضة ، ويعتبر هذا النوع من الخزف من أرقى الأنواع وأجملها .

    ومن أمثلة الحلول الابتكارية التي توصل إليها الفنان العربي في تحقيق هذه المثالية زخرفة المحراب المصنوع بخامات الخشب أو الصلصال المزجج ، أو الجص ، وهي أرخص الخامات . وكان في استطاعة المسلمين ـ وبخاصة في فترات الازدهار ، حيث كانت تتدفق عليهم الأموال من كل مكان ، نتيجة ازدهار الاقتصاد العربي ـ أن يستعملوا في زخرفة المحاريب الذهب والفضة مع ترصيعها بالأحجار الكريمة ، ولكن الفنان المسلم تمكن من أن يجعل هذه الخامات الرخيصة التي استعملها بما أضفاه عليها من زخارف رائعة تناظر وتوزاي في جمالها وبهائها أغلى وأثمن الخامات بما أضافه إليها من زخارف دقيقة ، وبالمزاوجة بين الخامات للوصول إلى أعلى نتيجة جمالية ممكنة .

    ولدينا محاريب خزفية وخشبية وجصية ورخامية من أنفس المحاريب التي يمكن أن يتوصل إليها الإنسان .

    وقد خلفت الحضارة الإسلامية نماذج عظيمة القيمة من التحف والأثاث المعدني ـ وبخاصة من البرونز المكفت والمشغول بالزخارف الدقيقة التي تبلغ حد الإعجاز ، مما يدل على ما وصل إليه الفنان العربي من قدرات ابتكارية ومهارة وصبر وحبه لعمله ، مما يجعلنا نضعه في أرقى المستويات الفنية العالمية على مدى التاريخ البشري .

    الانصراف عن التجسيم والبروز :

    والملاحظ أيضا أن الفنون الإسلامية تبتعد عن التجسيم ابتعاداً واضح الأثر في كل ما أنتج فيها من أعمال ، لأنها لا تستهدف البحث عن البعد الثالث وهو العمق في الفنون الغربية ، ولكنها تبحث عن عمق آخر تختص به دون الفنون الأخرى وهو العمق الوجداني ، هذا العمق الذي نتمثله في قصص ألف ليلة وليلة ، حيث نرى مجموعة من القصص كل منها في داخل الأخرى ، كما نلاحظ ذلك في زخارف الأبواب وأنواع الزخارف الأخرى كالأطباق النجمية ، حيث تقودنا بعض الزخارف إلى زخارف أخرى في داخلها ثم تقودنا هذه بدورها إلى زخارف ثالثة ، بما يوحي للرائي أنه ينتقل من مستوى فكري إلى مستوى فكري آخر (*) أبو صالح الألفي : تاريخ الفن العام ص 205 .

    والفنان العربي في انصرافه عن تجسيم الأشياء ، والتجسيم المبالغ أو الوثيق ، تراه يقنع بأن يومض إلى النتوء والصورة التي فيها عُري لا يتمادى في إبراز ملامحها ، نبرة ولا وثبة ولا خرجه . فما كل هذه على التحقيق ، سوى إضافات واهية خارجية ، إنما هي مخايل (( زينة )) تلحق بفضول كون يحيط به الباطل (*) المصدر د/ بشر فارس : سر الزخرفة الإسلامية ص 18 .

    ويقول فييت إن الفنان المسلم ينصرف عادة عن النقش والحفر إلى التزويق السطحي الخالي من النتوء أو البروز (*) جاستون فييت مجلة المشرق سنة 1936م .

    وفي رأيي أن ما كتبه الباحثون في الفن الإسلامي عن تغطية جميع السطوح بالزخارف فزعاً من الفراغ إنما مرده في الحقيقة ، الرغبة في إذابة مادة الجسم بتوجيه النظر إلى الزخارف الغنية التي تغطيها .
    والرغبة في إذابة مادة الجسم وتحطيم وزنه وصلابته وإعطائه الخفة ، اتجاه تستهدفه النظرة الصوفية التي تميز فنون الشرق ، وقد حاول أن يسير في هذا الاتجاه نفسه بعض الفنانين في الغرب ، وكانت وسائل الوصول إلى هذا الطابع اللامادي استعمال النور واللون وبخاصة لون الذهب ، ولذلك استعمل الفنان المسلم الزخارف الدقيقة للوصول إلى هذه القبعة الفنية الصوفية.

    ويقول رينيه ويج محاولا أن يثبت أن الفن في الغرب غير محروم من القيمة الروحية التي تقوم على إذابة مادة الجسم : (( وكان الكارفادجو لا يستطيع التعبير عن حضور النور والإضاءة تعبيراً قوياً إلى بالفتك بالشكل وحرجه وتشويهه ، إنه يشوه الشكل ابتغاء إبراز عنف الإضاءة .. ومع ذلك فالغرب يظل متميزاً عن الشرق . فالشرق يرى أن النور هو بخاصة رمز العالم المتجر عن المادة ، العالم المتجرد عن المادة ، العالم المتجرد عن المنظور الفزيائي ، ولولا أنه يرى في النور لما كان مرئيا .. هناك يصبح النور رمزاً للروح .. ومن الشرق قد عبر عن ذلك .. والشرق نفذ في الغرب وبخاصة عن طريق بيزنطة ))(*) رينيه ويج : مصر ملتقى الشرق والغرب ، ص 17 ـ 24 .

    وفي سبيل هذه الغاية كان الفنان المسلم يغطي تماثيل الحيوان والطير بشبكة من الزخارف النباتية والهندسية والحيوانية ـ التي تمتص مادة الجسم ، ويتمثل ذلك في الصقر البرونزي ( متحف برلين ) والعقاب البرونزي من العصر الفاطمي .. وفي كلا المثالين نجد على صدر الصقر زخارف متعددة من الفروع النباتية والدوائر ، وفيها الحيوانات الصغيرة كالطيور والأرانب .. أما في تمثال عقاب (( بيزا )) فنرى زخارف محزوزة تمثل حيوانات صغيرة وكتابات عربية .

    واستعمال البريق المعدني في الخزف يحقق إذابة مادة الإناء .. ذلك لأن بريق الذهب له هذه الخاصية ، نتيجة لجذبة الشديد لانتباه الرائي .. وهو إلى جانب ذلك لون خارق للطبيعة لأن الألوان كلها طبيعية ، ولكن اللون الذهبي لا يشاهد أبداً في الطبيعة .

    وبالنسبة للزخارف المحفورة أو البارزة ، نلاحظ أن الفنان المسلم لم يبالغ لا في تعميق الحفر ولا في بروزه .. وظاهرة التسطيح التي نتبينها في الزخارف الإسلامية تنطبق على جميع الزخارف المنفذة في الخامات المختلفة ، في الفنون التطبيقية والفنون المعمارية .. ويصعب علينا أن نتبين صفة التسطيح التي أشرنا إليها ، إلا إذا وازناها بالزخارف في الفنون الغربية التي كانت تتصف بالبروز الشديد ، سواء أكانت زخارف نباتية أم حيوانية أم حشوات لموضوعات .. ولنضرب لذلك مثلا بزخارف واجهة البرثنون المكونة من موضوعات أسطورية ، والزخارف النباتية الرومانية ، والحشوات البرونزية لمعمودية فلورنسا للفنان جيبرتي .. هذه الزخارف تكاد تكون كاملة التجسيم .. وتبدو الموازنة واضحة إذا تذكرنا الحشوات الخشبية ذات الزخارف الحيوانية من العصر الفاطمي ، أو الزخارف البرونزية على الروابط الخشبية بين الأعمدة من العصر الأموي ، أو الزخارف الجصية من طراز سامرا .. ونستنتج من ذلك أن المثالية الغربية توجه الفنان إلى الاهتمام بطبيعة العنصر الذي يستعمله في الزخرفة الشرقية فتوجد الفنان العربي إلى تحويل هذا العنصر إلى (( زينة )) دون الاهتمام بمقومات الطبيعية .. وبديهي أن ما يقوم به الفنان العربي يحتاج إلى قدرات ابتكارية أكثر من القدرات التي يبذلها الفنان في عملية النقل أو المحاكاة .

    التنوع والوحدة :

    وهناك ظاهرة أخرى من الظواهر الهامة التي تبرز شخصية الفن الإسلامي ، وهي تقسيم السطح إلى مساحات ذات أشكال هندسية مختلفة .. داخل هذه الأشكال نجد الوحدات الزخرفية المستمدة من العناصر النباتية أو الأشكال الهندسية أو الحيوانية أو الخطية .. وقد يجتمع في المساحة الواحدة كل هذه الأنواع الزخرفية ، كما نلاحظ أيضاً الانتقال المفاجئ غير المتوقع من عناصر زخرفية ذات طبيعة خاصة ، إلى عناصر أخرى من أشكال الحيوان إلى أشكال الأزهار ، ومن الحيوان إلى الأرابسك ، ومن الخطوط الهندسية المستديرة إلى الخطوط المستقيمة .. وهكذا. (*) ريتشارد إتينجهوزن : تراث العرب ص 261 .
    ويقول (( فييت )) إن الفنان المسلم يطالعنا في جميع تفاصيل أثره ، على اجتهاد متواصل ، ينفي الاكتفاء بالمظهر الأول ، فهو سلسلة من الأوضاع الزخرفية ، يتقن الفنان كلا منها لنفسه ، ويصرف النظر عن مجموعة الكلي )) . (*) جاستون فييت : مجلة المشرق سنة 1936م .
    هذا الأسلوب العربي البحت في معالجة زخارف المساحات ، لا يستسيغه الناقد الغربي ، لأنه كما يقول (( فييت )) لا يخضع لقواعد الزخرفة الأكاديمية .. والحقيقة أننا نلمس في هذا الأسلوب التنوع والوحدة ، وهي من أهم صفات العمل الفني الناجح ، لأن كل وحدة من الوحدات الزخرفية داخل مساحة هندسية هي كاملة في ذاتها .. وهي أيضاً متكاملة مع سائر العناصر التي تجمعها المساحة الكلية .

    ونستطيع أن نزيد الأمر وضوحاً ، إذا بحثنا عن التناظر الموجود بين الأدب العربي والموسيقى ، وبين الفن التشكيلي .. ففي الأدب تتضمن القصيدة مشاهد متعددة . وصوراً متقابلة ، وقد لا تكون هناك صلة موضوعية بين أجزائها .. ومع ذلك فإنها في النهاية تتسق أجزاؤها في وحدة فنية كلية ، تثير فينا إحساساً جمالياً وتذوقاً لهذا اللون الفني الي قد لا يستسيغه الذوق الغربي .. وفي مقامات الحريري مثلا : نجد أن كل مقامه وحدة فنية قائمة بذاتها .. ولكننا مع ذلك نستشعر الوحدة في المقامات كلها ، حيث ترتبط جميعها بشخصية أبو زيد السروجي .
    ومثل ذلك نستطيع أن نقوله عن الموسيقى .. حيث يشعر الفنان الموسيقي بحاجته إلى الدورات الطويلة ، وإلى التنغيم في التواءات لا حد لها ، تظهر غالباً متوازية في سطحين ، وكأنها لحن ثنائي يرافق (( الصوت )) الأساسي . أما هذا الصوت فيتمايل ويختال مدة بين النبرات المتنوعة.

    القيم التشكيلية في الفن الإسلامي …

    أوضحنا فيما سبق بعض المعايير الهامة التي وجهت الفن الإسلامي ، وهي تقوم أساساً على موقف الفنان قبل الطبيعة وأما الله سبحانه وتعالى .. ثم ناقشنا بعض المظاهر التي كانت محصلة طبيعية للمواقف السابقة .. وأن فم الفن الإسلامي ومثاليته لا يمكن أن يتم إلا بعد فهم هذا الموقف فهماً ينطوي على الاندماج في ظروف الفنان المسلم ومجتمعه وبيئته .. ولعل هذه القاعدة هي السبب في أن الكثير من الكتاب والمؤرخين والباحثين لم يحسنوا الحكم على الفن الإسلامي ، لأن أحكامهم ـ كما سبق أن ذكرنا ـ قامت على معايير مختلفة تماماً .

    لذلك كان المعيار التشكيلي البحت هو الوسيلة التي تمكن الباحث من معرفة مظاهر الجمال التي يتميز بها أي فن من الفنون دون الاهتمام بمضمونه .. ويهمنا أن نستعرض بعض القيم التشكيلية الأساسية ، ونحاول قياس الفن الإسلامي على أساسها .. ولا يخلو أي عمل فني تشكيلي من بعض العناصر الفنية التشكيلية وهي : الخط والمساحة واللون والظل والنور وملامس السطوح والحيز .. وأن علاقة هذه العناصر بعضها بالبعض الآخر ، وما تشتمل عليه من إيقاع .. هي التي تعطي للعمل الفني صفة الجمال ، ذلك لأن الطبيعة نفسها لا تخلو من هذه العناصر .. وبروز بعضها في أشياء الطبيعة هو الذي يعطيها جمالها الذاتي ، وهي تخضع لقانون إلهي رياضي في تكوينها (*) المصدر أبو صالح الألفي : الموجز في تاريخ الفن العام ، ص 16 .

    ويفرق أفلاطون بين الشكل النسبي والشكل المطلق .. ويعني بالشكل النسبي كل شيء يكون جماله قائماً في طبيعة الأشياء ، ويكون تقليداً لهذه الأشياء الحية . أما الشكل المطلق فهو الهيكل الذي يحتوي على خطوط ومنحنيات وسطوح وأحجام مستخرجة من هذه الأشياء الحية ، عن طريق المساطر والمربعات والمساحات .. ويوازن هذا الجمال الثابت الطبيعي المطلق بنغمة صوتيه نقية ، ولا يكون جماله لنسبته إلى شيء آخر ، وإنما يستمد جماله من طبيعته المتقنة .. ولعل هذا التعريف ينطبق على أسلوب الفن الإسلامي .
    الخط :
    من أهم العناصر التشكيلية ، نظراً لصفاته الكامنة التي تتيح له القدرة على التعبير عن الحركة والكتلة ، وهو لا يعبر عن الحركة بمعناها المرتبط ببعض أشياء متحركة فقط ، وإنما بمعناها الجمالي الذي ينتج حركة ذاتية تلقائية تجعل الخط يتراقص في رونق مستقل عن أي غرض إنتاجي.

    وإذا تتبعنا وظيفة الخط في الفن الإسلامي .. نجد أنه يلعب دوراً أساسياً ، وبخاصة في العناصر الزخرفية ، ويكاد الخط يستعمل لذاته دون أن تكون له دلالة موضوعية ، إلا علاقته البعيدة في تأويل الساق والأوراق في النبات .. ونجد في منتجات الفن الإسلامي نمطين من أنماط الخط : الأول الخط المنحني الطياش الذي يدور هنا وهناك متجولا في حرية وانطلاق في حدود المساحة المخصصة للزخرفة وهو لا يخرج عليها ، ولكنه يعطي إحساساً بالمطلق والاستمرار إلى ما لا نهاية ـ يقف أحياناً وقفة قصيرة عند انتفاخه ولكن لا يلبث أن يستمر ، يثب أحياناً فوق الخطوط أو يمر تحتها أو يتجاوز معها ، فيه صفة السعي الدائب والانطلاق .
    (( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله )).

    وهناك نوع آخر من الخطوط وهو الخط الهندسي الذي تكون وظيفته تحديد مساحات تتكون منها حشوات ، تتجه نحو الدقة والصغر كلما ازدهر الفن .. وتضم هذه الحشوات أشكالا نجمية ، أو أشكالا مضلعة ذات زوايا ، أو دوائر .. والشائع أن الخط الهندسي يعطي إحساساً بالاستقرار والثبات ، ويقول (( فييت )) إن الزخرف الهندسي يردنا حتما إلى السكون والاستقرار (*) فييت : مجلة المشرق مجلد سنة 1936 م .

    ولكن هذه الخطوط في الحقيقة ديناميكية ذات اتجاه ، تعطي إحساساً بالحركة الصارمة ذات العزم الأكيد ، ذلك لأنها تقود النظر إلى داخل المساحة حيث الأرابسك الدوار .

    ويقوم الخط بوظيفة أخرى وهي سلب صفة التجسيم عن بعض الأشكال الآدمية والحيوانية أو الكتل وتحويلها إلى عصر زخرفي بحت يتصف بالخفة والرشاقة ، ومما يثير الإعجاب قدرة الفنان المسلم على الموازنة بين الخط اللين والخط الهندسي ، في تآلف عجيب ، مع اختلاف طبيعة كل نوع من هذه الخطوط ، وكان هذا مثار إعجاب جميع الباحثين والدارسين للفن الإسلامي .

    والخط المنحني الدوار يتميز دائماً بالرشاقة وإثارة لذة جمالية خاصة ،
    أما الخط الهندسي فله جمال من نوع آخر ـ جمال رياضي يستشعره العقل . فالمزاوجة بين الأسلوبين تعطي محصلة جمالية رائعة . ويقول رينيه ويج : هذا الفن الإسلامي قد عرف في زخارفه كيف يستفيد من هذا التأثير المزوج استفادة رائعة . وفي زخارف الخشب الفاطمية تعبير نموذجي عن هذا العلم الدقيق العالي : علم الخط ، تتحد الخوط المنحنية والمتموجة ، مع الخطوط المستقيمة ذات الزوايا التي تصور أشكالا هندسية بسيطة متداخلة : مثلثات ونجوم (*) رينيه ويج : مصر ملتقى الشرق والغرب ، ص 78 .

    وتتحدد صفة الخط بالإدارة والخامة التي ينفذ فيها ، فهو في أشكال المعادن غيره في أشكال الخشب ، غيره في الجص أو الخزف .. وهو في الزخارف النباتية غيره في الزخارف الهندسية .. وكل نوع من أنواع الخطوط له صفته وشخصيته التي تساهم في إعطاء الطابع المميز للفن الإسلامي .. وهكذا بسط الخط سلطانه وأكد ذاته وأعطانا من التنوع في مظاهر جمله المطلق ما لا نجده في فن من الفنون .

    اللون :
    واللون صفة طبيعية من صفات الأشياء ، ولا يمكن رؤية اللون في الظلام ، فهو مرتبط أشد الارتباط بالنور .. وإن مصدر جمال كثير من الأشياء مستمد من ألوانها .. دعنا نتذكر جمال الألوان في الأزهار ، وفي السماء عند الغروب ، وفي الطيور والأصادف والحشرات .. لذلك كان للألوان عذوبتها وجمالها الخاص .. وهناك استعمالات مختلفة للألوان في العمل الفني ، منها استعمال اللون لذاته أي لقيمته الجمالية الخاصة .. وهناك استخدام اللون استخداماً رمزياً ، وهو أسلوب بدائي ، اتبع في العصور التي كانت السيادة فيها لرجال الكنيسة ، حيث كان رداء السيدة العذراء يلون دائماً باللون الأزرق ، والعباءة باللون الأحمر . ويستعمل اللون أيضاً لمحاكاة النموذج وإبراز طبيعته وحجمه في الحيز المـكاني .. ويقــول (( هربرت ريد )) إن استعمال اللون بقصد تصوير الواقع ، يكون له اعتبار ثانوي (*) هربرت ريد : معنى الفن ، فقرة 26 ب .

    ويقول (( جون ديوي )) : والواقع أن لدى العينيين تعطشاً للضوء واللون (*) جون ديروي : الفن خبرة ، ص 210 . أما رسكن Raskin فيقول : إن البشر جميعاً متى تم تنظيمهم واعتدال مزاجهم يتمتعون بالألوان ، هذه الألوان التي تسبب الراحة الدائمة والبهجة الحقه للقلب البشري .. وقد أضيفت بسخاء على أرقى المخلوقات وصارت دليلاً رائعاً على الكمال فيها .

    واستعمال الألوان في الفن الإسلامي يؤدي وظيفة جمالية أساساً .. وتستعمل الألوان الزرقاء والخضراء والذهبية بكثرة .. إلى جانب مساحات محدودة من الألوان الحمراء ، والصفراء والبنية ، كما نشاهد في المنمنمات والتحف الزجاجية والخزف والقاشاني . واللون الأخضر والأزرق : ألوان السماء والماء والسهل الخصيب ، وهي ألوان باردة ، كما أنها ألوان الفضاء ، تسلب الأشياء أجسامها .. وتعطي إحساساً باللانهاية (*) اشبنجلر : عبد الرحمن بدوي ، ص 137 .

    وقد أخذ بعض الفنانين المحدثين باستعمال الألوان استعمالا جمالياً ، ومن هؤلاء الفنان الفرنسي (( ماتيس )) الذي تأثر بالألوان الإسلامية عند زيارته لشمال إفريقية .

    أما اللون الذهبي .. فقد استعمل بسخاء في الفن الإسلامي وهو لون يسلب الأشياء أجسامها .. لون له بريق سحري ، من شأنه أن يخرج الإنسان من الواقع الأرضي ويرفعه إلى السماء أو الجنة ، وهي غاية الغايات في العقيدة الإسلامية .. ويلاحظ أن اللون الذهبي ليس لوناً بالمعنى الصحيح لأنه لا يشاهد في الطبيعة .

    واستعمل الفنان المسلم ألوان الخامات الطبيعية استعمالا جمالياً .. نتيجة إبراز جمال لون الخامة والمزاوجة بين هذه الخامات ذات الألوان المختلفة .. كالخشب بألوانه وخاماته ، والأبنوس والعظم والعاج والرخام و البرونز والذهب والفضة .. وهكذا ..

    الظل والنور :
    ويؤدي اللون في كثير من الأحيان وظيفة النور .. ذلك لأن اللون يستعمل لذاته من جهة ، ومن جهة أخرى لأن الألوان التي تسعتمل ، ألوان نقية في الغالب ، فهي تعبر في كثير من الأحيان عن النور والظلمة ، دون أن تتعرض للكتلة والحجم وتوزيعها في الفراغ .. أما الظلا فهي تحدث في الأغلب الأعم من الأجزاء الزخرفية البارزة على الأرضية ، ويغلب ألا تكون هذه الظلال حادة أو قوية ، لأنها كثيراً ما تسقط عليها لمسات ضوئية من خلال الزخارف البارزة المخرمة .. ومن ثم فإن الظلال هنا لا تساعد على التجسيم ، وإنما وظيفتها جمالية تشكيلية ، تعطي النبرة والتنوع الجمالي الخالص فضلا عن أنها تساعد في توضيح مستويات السطوح المختلفة قليلة البروز .

    ملامس السطوح :
    والفن الإسلامي من أغنى الفنون في التنويع الموجود في سطوح المباني أو التحف أو الأعمال التطبيقية المختلفة ، والفنان المسلم يستفيد من كل خامة ومن كل زخرفة ، ومن كل لون في إغناء المسطح ، مستغلاً القيم اللمسية لسطوح الخامات الطبيعية ومنوعاً في اتساع العنصر الزخرفي أو دقته .. وفي الظلال التي تلقيها العناصر على الأرضية ، للوصول إلى أعلى قيمة جمالية من الملامس .

    الإيقاع :
    إن الإيقاع على فترات مألوفة متساوية .. ظاهرة مألوفة في طبيعة الإنسان نفسه ، فبين ضربات القلب انتظام ، وبين وحدات التنفس انتظام ، وبين النوم واليقظة انتظام ، ومن الواضح أن هذا الإيقاع الفطري فينا هو ما يجعلنا نتوقعه في مدركاتنا ، ونستريح إذا وجدناه .. ويصيبنا القلق إذا فقدناه .. ومن هنا كان الوزن في الشعر ، وكانت (( السيمترية )) في العمارة والتوازن الإيقاعي في التصوير والموسيقى (*) د / زكي نجيب محمود : فلسفة وفن . .. فالإنسان جزء من الطبيعة ، وخاضع لقوانينها ، وتفاعله مع بيئته ، هو المصدر ـ المباشر أو غير المباشر ـ لكل خبرة .. كما أن البيئة هي الأصل الذي تنبعث منه تلك الصدمات والمقاومات والمساعدات والاتزانات التي تكون الصورة حينما تتلاقى مع طاقات الكائن الحي على نحو ملائم .. والخاصية الأولى التي إذا توافرت في العالم المحيط بنا ، أمكن قيام الصور الفنية إنما هي الإيقاع ( Rhythm ) .. وما من شك أننا لو نظرنا إلى ضروب الإيقاع في الطبيعة لوجدنا أنها وثيقة الصلة بشروط بقاء الإنسان نفسه .. وهكذا أصبح الإيقاع ضرورة بيولوجية لحياة الإنسان ، واصبح كل عمل يؤديه لا بد أن يكون خاضعاً لنوع من الإيقاع .. فهو في أثناء عمله يقطع ويدق ويسحق وينقر ويشكل ، وكلها تمثل سلسلة من الإيقاعات ، فيها مشاركة لإيقاعات الطبيعة .. ولا بد أن تكون هناك إيقاعات كبرى هي الإيقاعات الكونية ، وإيقاعات صغرى هي الإيقاعات اليومية ، وهي جزء من الإيقاع الكبير ، تخضع للنظام الرتيب نفسه الذي يميز هذا الوجود .. ومعنى ذلك أن وراء الإيقاع في كل عمل فني يكمن ، كطبقة في أعماق اللاشعور ، ذلك النموذج الأصلي لعلاقات الكائن الحي ببيئته (*) جون ديوري : الفن خبرة ، ص 248 .
    وأن كل عنصر من عناصر العمل الفني : كالخط واللون والنور والظل وملامس السطوح والحيز .. لا بد أن يحقق نوعا من الإيقاع في ذاته ومع سائر العناصر الأخرى التي تكون وحدة العمل الفني ,
    والإيقاع في الفن الإسلامي يعتمد على التماثل والتناظر والتبادل ، كما يعتمد على الخط اللين والهندسي ، وتعدد المساحات في توزيعها وتنويعها .. والإيقاع الخطي متراقص يوحي بالمسرة .

    العناصر الزخرفية
    لعل من أبرز مميزان الفن الإسلامي أنه فن زخرفي فقد استفاد الفنان المسلم منك لما وقع عليه نظره من عناصر ، سواء أكانت نباتية أم حيوانية أم آدمية ، لتحقيق أهدافه الزخرفية ، أو ما ينشده من بيان وبديع وجناس ، فهو يكيف هذه العناصر ويبعدها عن صورتها الطبيعية للحد الذي يجعلنا ، في بعض الأحيان ، لا نستطيع أن نستدل على أصل هذه العناصر ومصادرها ، وهو لم يكتف بهذا فحسب ، ولكنه استغل الكتابة العربية أيضا بالنسق نفسه ، بل ركب هذه العناصر وزاوج بينها في كثير من الموضوعات ، وكأنما يأخذ ( من كل بستان زهرة ) فهو يريد أن يحشد في عمله الفني كل ما لديه من عناصر ووحدات ، ليخرج هذا العمل آية في الرونق والبهاء والجمال .

    وقد قسم الدكتور فريد شافعي تطور العناصر الزخرفية الإسلامية إلى أربع مراحل رئيسية :

    المرحلة الأولى من القرن السابع إلى التاسع الميلادي ، وهي المرحلة التي تأثرت فيها الزخارف الإسلامية بالفنون المحلية تأثراً كبيراً .. أما المرحلة الثانية فتمتد من القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر وفيها يكون الفن الإسلامي قد كون شخصيته المتميزة مع بقاء بعض التأثيرات المحلية ..

    المرحلة الثانية : فتمتد من القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر وفيها يكون الفن الإسلامي قد كون شخصيته المتميزة مع بقاء بعض التأثيرات المحلية ..

    المرحلة الثالثة : فتمتد من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر الميلادي ، وهي المرحلة التي تم فيها تبادل العناصر والأساليب الزخرفية على مدى واسع بسبب الغزو المغولي وتوالي الهجرات بين البلاد الإسلامية ، كما ظهرت بعض التأثيرات المغولية والصينية ..

    المرحلة الرابعة : وتبدأ من القرن السادس عشر وتمتد إلى القرن التاسع عشر من الطبيعة ، ثم بدأ التدهور نتيجة لضعف الحكام وسيطرة الأتراك واستبدادهم ، وظهور النفوذ الأوربي (*) المصدر دكتور فريد شافعي : الزخارف الكأسية البسيطة في الفن الإسلامي .
    ونحن في مثل هذا البحث العام لا نستطيع أن نتابع تفاصيل تطور العناصر الزخرفية في جميع ميادينها ، ولكنا نكتفي بأن نشير إلى هذه العناصر إشارة مجملة تبرز خصائصها الهامة .

  9. #9

    Lightbulb


    العناصر النباتية :
    إن الزخارف النباتية من أوضح المظاهر التي توضح ابتعاد الفنان المسلم عن محاكاة الطبيعة ونقلها نقلا حرفيا ، فهي في أكثر الأحيان عناصر زخرفية مجردة كل التجريد ، فلا نكاد نتبين من الفروع والأوراق إلا خطوطا منحنية أو ملتفة يتصل بعضها ببعض ، فتكون أشكالا حدودها منحنية ، وقد يظهر بينها زهور ووريقات لها فص أو فصان أو ثلاثة فصوص أو أكثر . وقد تخرج تلك الغصون من جذع شجرة أو ساق أو إناء . أو من أغصان أخرى ، وتمتد على هيئة أقواس أو ثنيات أو التواءات أو حلزونات في اطراد أو تتابع أو تشابك أو تقاطع ، وقد يجتمع فيها أكثر من حركة من الحركات السابقة ، وأهما الحلزونات أو الثنيات المتموجة بما يذكر بأغصان العنب وثنياتها وحركاته ، وتخرج من تلك الأغصان عناصر أغلبها أوراق أو زهور تتراوح بين القرب والبعد عن الطبيعة ، وتشغل الفراغ المحصور بين تلك الغصون . وتملأ المجموعة كلها المنطقة المراد زخرفتها (*)المصدر السابق . ( وزخارف الأرابيسك ) هي الزخارف المكونة من فروع نباتية وجذوع منثنية ومتشابكة ومتتابعة ، وتبدو ، بسبب شدة بعدها عن الطبيعة ، كأنها رسوم هندسية . وقد بدأت تبرز شخصية الزخارف النباتية المجردة منذ القرن التاسع في العصر العباسي ، وبخاصة في مدينة سامرا ، وقد انتشر هذا الضرب من الزخارف النباتية المجردة في مصر في العصر الطولوني ، وفي إيران ، كما نراها في جامع نايين .. وقد ظل أسلوب الزخارف النباتية ينمو إلى أن وصل إلى أقصى ازدهار في القرن الثالث عشر ، وقد انتشر استعمال هذا النوع من الزخارف في التحف المختلفة ، سواء أكانت من الخشب أو المعدن أم الزجاج أم الخزف ، كما استعملت في زخارف العمائر والصفحات المذهبة من الكتب .

    واستعمل الفنان المسلم زخارف نباتية أخرى أٌرب إلى أصلها الطبيعي من الزخارف السابقة .. ومن أهم أمثلتها عناقيد العنب وأوراقه وأوراق الأكانتس ، وأنواع مختلفة من الشجيرات والأوراق والأزهار ، ويختلف الاهتمام بهذا النوع من الزخارف القريبة من الطبيعة بين الأقاليم الإسلامية المختلفة ، فيزداد الاهتمام بها في إيران وتركيا ، وبخاصة منذ أواخر القرن الثالث عشر بسبب بعض التأثيرات المغولية والصينية ، وقد تسرب هذا التأثير إلى مصر وسورية ، فظهر على بعض التحف كالمشكاوات الزجاجية في العصر المملوكي ، وعلى القاشاني في آسيا الصغرى في القرن السادس عشر والسابع عشر .

    وخلاصة القول أن عالم النبات كان مصدر إلهام للفنان المسلم ، وكان تعبير هذا الفنان عن النبات يتراوح بين التجريد المطلق والتكوين المتحرر من كل أثر طبيعي وبين التزام أشكال الطبيعة التزاماً يكون قريباً نسبياً أو بعيداً حسب العصور والأقاليم .. وعلى الرغم من كل هذه الأساليب والاتجاهات ، فإننا نلاحظ أن هناك شخصية متميزة وإطاراً عاماً يجعلنا نحكم على أن هذا الزخرف من منتجات الفن الإسلامي .

    العناصر الهندسية :
    استعمل الإنسان الزخارف الهندسية في جميع الحضارات التي ظهرت منذ العصر الحجري إلى الآن .. ولا شك أن اهتمام الإنسان بالزخارف الهندسية مرده إلى سببين : الأول نزوع فطري نحو التجريد ، والثاني التوجيه الذي تفرضه الخامة والأداة في أثناء عملية الإنتاج . ويمكننا أن نقول إن نشأة الزخارف الهندسية لم تكن مسألة إرادية بقدر ما هي لا إرادية (*) د/ بشر فارس : سر الزخرفة الإسلامية ، ص 16

    ومهما يكن من شيء ، فإن الزخارف الهندسية أخذت في ظل الحضارة الإسلامية أهمية خاصة وشخصية فريدة لا نظير لها في أية حضارة من الحضارات ، فأصبحت في كثير من الأحيان العنصر الرئيسي الذي يعطي مساحات كبيرة ، يلعب الخط الهندسي فيها دوراً كالدور الذي يلعبه الخط المنحني في ( الأرابيسك ) . ويقول بشر فارس : (( وكلا النوعين ينفرش على المهاد ويكسو العصاب ، ويثب على الإفريز ويتناول العرض ، ويهجم على الفراغ ، وتبلغ به الهمة أن يتعرج حتى في الأكسية ، تلك نشوة مشت في الخط تنبئك أن أفق الغيب المستغلق دون المؤمن مشغلة دائمة لذوقه ))(*) هربرت ريد : الفن والمجتمع، ترجمة د. فتح الباب عبد الحليم ، ص 34

    وكان هم الفنان المسلم وشغله الشاغل ، أن يبحث عن تكوين جديد مبتكر يتولد من اشتباكات قواطع الزوايا أو مزاوجة الأشكال الهندسية ، لتحقيق مزيد من الجمال الرصين الذي يسبغه على التحف التي ينتجها ، ومن أمثلة الأشكال الهندسية التي استعملها : الدوائر المتماسة والمتجاورة والجدائل والخطوط المنكسرة والمتشابكة ، بالإضافة إلى أشكال المثلث والمربع والمعين والمخمس والمسدس .
    وعلى الرغم مما يبدو في الزخارف الهندسية الإسلامية من تعقيد ، فإنها في حقيقتها بسيطة تعتم على أصول وقواعد ، كان من بينها تقسيم المحيط إلى أجزاء متساوية ، ثم توصيل النقط بعضها ببعض للحصول على أشكال هندسية مختلفة ، وهذا يدل على عناية المسلمين بعلم الهندسة من الناحيتين النظرية والتطبيقية .
    ومن أبرز أنواع الزخارف الهندسية التي امتازت بها الفنون الإسلامية الأشكال النجمية متعددة الأضلاع والتي تشكل ما يسمى ( الأطباق النجمية ) . وقد انتشر هذا الضرب من الزخارف في مصر والشام في العصر المملوكي ، وفي العراق في العصر السلجوقي ، ثم امتد إلى بلاد المغرب العربي ، واستخدم في زخارف التحف الخشبية والمعدنية ، وفي الصفحات المذهبة في المصاحف والكتب ، وفي زخارف السقوف .

    ومن الملاحظات الجديرة بالاعتبار ، أن الزخارف الهندسية بعامة ، كانت أكثر انتشارا في مصر وسورية ، ولعل هذا يؤكد لنا الوحدة الفنية التي تمتد في فنون مصر منذ أقدم عصورها إلى الآن .
    ويجب أن نفرق بين الزخارف الهندسية التي تعتمد على الأشكال الهندسية وبين الأسلوب الهندسي في التعبير الفني ، إذ المقصود في المعنى الثاني إنتاج صور للظواهر الطبيعية ، هندسية الإخراج ، على حد تعبير هوبرت ريد ، ويقابل هذا الفن الهندسي الفن العضوي .

    عناصر الكائنات الحية :
    سبق أن أوضحنا أن الفنان المسلم لم يتجه إلى محاكاة أشياء الطبيعة ، وأنه عندما كان يرسم الكائنات الحية لم يكن يرسمها لذاتها ، وإنما كان يتخذ منها عناصر زخرفية يكيفها ويحورها ، بحيث يحقق أغراضه الجمالية البحتة .

    وقد أقبل المسلمون على استعمال الأشكال الحيوانية في زخارفهم إقبالا شديدا ، حتى ظن أنها لم تكن داخلة في نطاق الكراهية . وقد استعملت عناصر الكائنات الحية في زخارف الخشب والجص والنحاس والنسيج والبلور والخزف .. ويغلب أن توضع هذه العناصر داخل أشكال ومناطق هندسية ، وتوزيعها على أساس التقابل والتدابر ، ومن المناظر التي تظهر كثيراً على التحف الإسلامية ما يأتي :

    1) أشرطة بها طيور أو حيوانات من ذوات الأربع يتلو بعضها بعضاً.

    2) حيوانان أو طائران متدابران أو متقابلان وبينهما زخرفة ترمز إلى شجرة الخلد أو شجرة الحياة التي كانت معروفة عند الآشورين ، ثم انتقلت منهم إلى الفرس .

    3) حيوان ينقض على حيوان آخر .

    4) طائر جارح ينقض على حيوان أو طائر آخر .

    5) مناظر صيد فيها الصيادون والحيوانات والطيور .

    6) مناظر الحفلات الداخلية فيها الرقص والطرب .

    7) رسوم مجموعة من الطيور في تكوين زخرفي .

    وقد شاع استعمال الأشكال الخرافية المركبة ؛ كالطيور ذات الوجوه الآدمية ، والفرس ذي الوجه الآدمي ( البراق ) ، كما أنتج الفنانون المسلمون أواني معدنية على أشكال حيوانات . وقد نقل الغربيون عن المسلمين هذه الأواني في العصور الوسطى حيث عرفت باسم (( اكوامنين )) . وكانت على شكل حيوان أو طائر أو فارس ، وكان القساوسة يستعملونها في غسل أيديهم في أثناء الصلاة أو بعدها .

    ويلاحظ أن الكثير من رسوم هذه الطيور والحيوانات ، كانت تنتهي أطرافها بأشكال هندسية أو نباتية ، كما كانت تزخرف أجسامها بمثل هذه الزخارف أو بالكتابات إمعاناً في تحويلها إلى عناصر زخرفية ، وإبعاداً لها عن شكلها الطبيعي .

    وقد عرف المسلمون رسوم أنواع مختلفة من الحيوان : كالفيل والأسد والفهد والغزال والأرنب . وأنواع الطيور المختلفة .
    أما تزيين المخطوطات بالصور الصغيرة ، سواء أكانت رسوما توضيحية أم علمية ، فإننا سنعود إلى الحديث عنها عند بحث موضوع التصوير وفنون الكتاب .

    العناصر الكتابية :
    عُرفت الزخارف الخطية في بعض الحضارات السابقة للإسلام .. ولكن هذه الزخارف أخذت أهمية خاصة في ظل الإسلام ، ذلك لأن معجزة الإسلام الكبرى هي القرآن الكريم ، وهو كتاب سماوي فُصلت آياته ، أنزله الله سبحانه وتعالى عن طريق الوحي على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأصبحت تلاوة القرآن وكتابة آياته من أعظم الوسائل التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه .. ومن ثم كان من البداهة أن تحل الآيات القرآنية في المساجد محل الصور التي نراها في الكنائس .. وهكذا أصبحت مهنة الخطاط من أشرف المهن ، أليس الله سبحانه وتعالى هو الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم !

    وقد أدرك الفنانون المسلمون أن الخط العربي يتصف بالخصائص التي تجعل منه عنصراً زخرفيا طيعاً ، يحقق الأهداف الفنية ، وكثيرا ما استعمل الخط استعمالا زخرفيا بحتا دون الاهتمام بالمضمون المكتوب .

    والخط العربي على نوعين : الخط الكوفي ، وينسب إلى مدينة الكوفة ، وهو خط جاف يمتاز بزواياه القائمة ، والخط النسخي ، وهو خط لين مستدير الحروف . وكان مستعملا منذ البداية إلى جانب الخط الكوفي الذي بدأ على مظهر بسيط ، إما محفوراً حفراً عميقا أو ضئيلا ، وإما حفرا ناتئاً ضخم الحروف قصيرها ، ثم تطور نحو الرشاقة ؛ فطالت سوق حروفه العمودية وازدانت حنايا غيرها ، وبخاصة في أواخر الكلمات بالزخارف النباتية المتفرعة المتشابكة ، على أشكال أنيقة جميلة ، وقد كان هذا الزخرف النباتي في أول أمره امتدادا لأواخر الحروف ليتسق معها في مظهرها الجمالي في الطول والسمك .. وفي أواخر القرن العاشر بدأ النحاتون المسلمون في إضافة ابتكاريه جديدة ، فقد أخرجوا الفروع النباتية من جسم الحروف ، وكأنما تخرج من إناء متشعبة إلى شبكة من الخطوط والانحناءات ، ثم أضاف الفنانون إضافة جديدة عندما رتبوا موضوعاتهم الخطية على مستويين ، فظهرت الحروف الضخمة القوية محفورة حفراً على أرضية رقيقة من أوراق الأزهار والفروع المتشابكة ، وسمى هذا الخــــط ( الكوفي المزهر ).

    ومنذ القرن الثاني عشر الميلادي ، عم استخدام الخط النسخي ، وكان قبل ذلك لا يكاد يستعمل إلا في المخطوطات العادية ، فاستخدم في شواهد القبور والكتابات التاريخية ، وكان ذلك وسيلة من الوسائل التي لجأ إليها السنيون للقضاء على آثار الشيعة الفاطمية .

    واستعملت أشرطة الكتابة على التحف المختلفة ، وعلى العمائر تحت السقف لربط المستويات الرأسية بالمستويات الأفقية أو بالقبة .. كما ابتكر الخطاطون كتابة العبارات بالخط الكوفي المربع أو الكوفي المتداخل لتبدو على شكل حيوان أو طائر .

    والمعروف أنه كان للخطاطين المنزلة الأولى بين الفنانين ، إذ كان الخطاط هو الذي يحدد الفراغات التي يملؤها الرسام بالصور التوضيحية لتزيين الكتاب . وكان هواة الخط يتسابقون لشراء نماذج من خطوط مشاهير الخطاطين ، كما يحدث الآن بالنسبة للوحات التصوير .

  10. #10

    Lightbulb


    العمارة : ( الطرُز الإسلامية )

    إن من أهم صفات العمارة الجيدة ، التصميم الذي يشتمل على القيم الوظيفية والجمالية معا ، ومهما يكن المهندس المعماري مراعياً للقواعد الفنية ، ومهما يكن التنفيذ دقيقاً ، فإن جمال العمارة وكمالها يعتمد في كثير من جوانبه على شخصية الفنان والمثالية التي يريد أن يحققها .
    وللعمارة الإسلامية شخصيتها وطابعها المميز الذي تتبينه العين مباشرة ، سواء أكان ذلك نتيجة للتصميم الإجمالي أم العناصر المعمارية المميزة أم الزخارف المستعملة .
    وقد نبغ المهندس العربي في أعمال الهندسة المعمارية ، حيث وضع الرسوم والتفصيلات الدقيقة اللازمة للتنفيذ ، كما وضع الأرانيك والنماذج المجسمة ، إلى جانب المقايسات الابتدائية ، ولا شك أن كل هذا يحتاج منه إلى التعمق في علوم الهندسة والرياضة والميكانيكا ، وقد وضعت مؤلفات كثيرة في هذه العلوم ، كما سجل لنا التاريخ أسماء الكثيرين من نوابغ المهندسين العرب الذين وضعوا تصميمات المباني العربية العظيمة (*) المصدر حسن عبد الوهاب : الرسوم الهندسية للعمارة الإسلامية ـ ص 2 .
    وهناك أنواع كثيرة من المباني الإسلامية ـ سنحاول أن نتعرف فيما يلي على أهمها :
    المساجد :
    أصبح للمساجد الإسلامية نظام لا تخرج عنه ، مستمد في أساسه من المسجد الأول الذي أقامه النبي ( ص ) في المدينة ، ولمعظم المساجد جزء أوسط يسمى صحناً ، وهو سماوي في الغالب وتحيط به أروقة بها بوائك أكبرها رواق القبلة وفيه المحراب وعلى يمينه المنبر . ويحمل السقف عقود تقوم على أعمدة من الرخام أو الحجر ، أو على أكتاف من البناء . وقد استعملت المساجد كمراكز للتعلم منذ العصر الإسلامي الأول .
    ومنذ القرن الحادي عشر الميلادي أنشئت مدارس لتدريس علوم الدين على مذهب واحد أو على المذاهب الأربعة (*) المصدر د / سعاد ماهر محمد : مساجد مصر وأولياؤها الصالحون ص 21 . ، وكانت هذه المدارس مساجد في الوقت نفسه ، كما كان يلحق بالمبنى أماكن لسكني الطلبة والمدرسين . وكان تصميم المدرسة عبارة عن صحن سماوي تحيط به إيوانات بقدر عدد المذاهب التي تدرس ، وكانت مداخل المساكن تقع في أركان الصحن يصعد منها الطلاب إلى مساكنهم في الأدوار العلوية وفي بعض الأحيان كانت هذه المدارس تضم أضرحة منشئيها . وقد كثر إنشاء المساجد التي على نظام المدارس منذ القرن الثالث عشر في أغلب الأقطار الإسلامية .

    الأضرحة :
    وتسمى أيضا قبة أو تربة ، وهو البناء الذي يقام على رفات ولى أو حاكم ، ويوضع فوق القبر تركيبة من الخشب المنقوش أو من الرخام أو الحجر ، وأغلب ما كانت تبنى الأضرحة على شكل قبة أو أبراج أسطوانية ذات سقف مخروطي ، حسب البلاد التي تقام فيها ، وكثيراً ما ألحقت الأضرحة بالمساجد التي أقامها منشئ الضريح .
    الأربطة :
    نوع من الثكنات العسكرية التي يقيم فيها المجاهدون الذين يحمون حدود بلادهم بحد السيف . وقد انتشرت هذه الأربطة في جهات مختلفة وبخاصة في شمال أفريقيا . ويغلب أن يكون التخطيط على شكل المستطيل ، حوائطه القوية الخارجية مزوجة بأبراج ، وفي الداخل فناء تحيط به حجرات صغيرة للسكنى ، كما نجد به مسجداً ، أما التحصينات العسكرية فنجدها بكثرة في مختلف الأقطار ، سواء أكانت هذه التحصينات قلاعاً أم أسواراً للمدن أو القصور ، مزودة بأبراج ومزاغل ، ونجد أمثلة لهذه التحصينات في مصر والشام والمغرب .
    الخوانك والتكايا :
    والخانكاه هو البيت الذي يأوي إليه الصوفية للعبادة والنسك ، أما التكايا فقد انتشرت في العهد العثماني لإيواء الدراويش المنقطعين للعبادة .

    الأسبلة :
    وهي الأماكن التي يرتوي منها المارة عند العطش . وتقام مستقلة أو ملحقة بالمساجد أو الكتاتيب التي يتعلم فيها الصبية القراءة و الكتابة والحساب والقرآن الكريم .
    الخانات :
    وتسمى الوكالات ، وهي مخصصة لإقامة المسافرين وقوافل التجار ، وكانت ذات مداخل ضخمة وصحن تربط فيه الدواب ، وحواصل مفتوحة على الصحن لإيداع البضائع ، والأدوار العليا للسكن ، وتفتح الحوانيت على الشارع .
    الأسواق أو القياسر :
    وكانت ذات أهمية بالغة ، وتركز في أماكن معينة في المدينة ، وتمتاز بقبواتها العظيمة وعقودها الضخمة .
    الحمامات :
    كانت تنتشر في جميع المدن ، ويقسم الحمام إلى ثلاثة أقسام حسب درجة حرارة المياه . وكانت تسخن المياه بطريقة إيقاد النار تحت أرض البناء ، كما كانت المياه تجري في أنابيب في الجدران . وكانت حوائط الحمامات في الداخل تزين بالصور بقصد الترفيه عن المستحمين . وإدخال الراحة والسرور على نفوسهم .
    المساكن الخاصة :
    إن أغلب القصور والمنازل الإسلامية القديمة اندثرت تماماً ولم يبق إلا ما رواه المؤرخون وصور وحدائق ، وكانت القصور في الشام والعراق والأندلس عظيمة الاتساع ذات إيوانات وأعمدة وعقود ، وزخارف جصية وصور جدارية ونوافير .
    أما المنازل فلم يبق منها إلا نماذج قليلة . والمنزل من الخارج يكاد يكون خالياً من الفتحات إلا بعض النوافذ العالية لإدخال النور والهواء .
    ويتوسط المنزل صحن أو حوش سماوي يطل عيه ( تختبوش ) أو مقعد يجلس فيه صاحب المنزل في الصيف ، وفي الدور الأرضي نجد غرف المخازن والاصطبلات ، وفي الدور العلوي غرف النوم وقاعات الاستقبال ، وكلها تطل بنوافذ على الحوش ، وبعضها له خارجات من الخسب الخرط تسمى مشربيات .
    وأهم أجزاء الدار ( القاعة ) الكبرى في الطابق العلوي وهي غرفة مستطيلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، أوسطها مربع وأرضيته منخفضة عن أرضية الجزأين الآخرين ، وسقفه أعلى من سقفها ، ويسمى الجزء الأوسط ( درقاعة ) ويعرف الجزءان الآخران بالإيوانين ، أو بالديوان ، ويغـــطى سقــف الدرقــاعة بشخشيخة محلاة ( بالقماري ) أي المنافذ الجصية المزينة بعناصر نباتية أو خطية وتغطى بالزجاج الملون . وتكسى أرضية الدرقاعة بالفسيفساء ، وأحياناً يكون في وسطها فسقية . وفي القاعة خزانات خشبية مثبتة في الجدران . والسقف خشبي ومزخرف بالنقوش الملونة.

    العناصر المعمارية الإسلامية
    تشتمل العمائر الإسلامية على عناصر معمارية مميزة أهما ما يأتي :
    المآذن :
    ربما كانت المآذن من أهم العناصر المعمارية التي تعطي للمسجد شخصيته المتميزة ، ولم يكن للمساجد الأولى التي أنشئت في عهد النبي ( ص ) والخلفاء الراشدين ، مآذن . وأقدم نموذج للمآذن الأبراج التي كانت قائمة في المسجد الأموي بدمشق ، وكانت على شكل أبراج مربعة ، وقد انتقل هذا الطراز إلى شمال أفريقيا وسائر البلاد الإسلامية ، وأقدم المآذن القائمة الآن هي ( صومعة ) جامع سيدي عقبة بالقيروان التي شيدت في عهد هشام بن عبد الملك سنة 247هـ ـ 728م . وهي على شكل برج يبلغ ارتفاعه نحو 31 متراً ، ومكونه من ثلاثة طوابق كل طابق أصغر من الطابق الذي تحته ، وتحلي نهاية الطوابق شرفات ، وينتهي الطابق العلوي بقبة . وأقيم على مثال صومعة القيروان منارة الكتبية بمراكش ومئذنة المسجد الجامع بأشبيلية .
    وتعتبر القاهرة متحفاً للمآذن ذات الأشكال المختلفة ، ومن أقدم المآذن المصرية القائمة مئذنة مسجد أحمد بن طولون ، وهي ذات شكل فريد لا نظير له في مصر ، ويعود أغلب أجزائها إلى الإصلاحات التي أجراها السلطان ( لاجين ) سنة 1296م ، وتقع هذه المئذنة خارج المسجد ، وتتكون من جزء أسفل متعامد الجوانب يكاد يكون مربعاً ، ويبلغ ارتفاعه أكثر من نصف الارتفاع الكلي للمئذنة ، ويدور حول أوجه المربع سلم خارجي مكشوف ، ويعلو الجزء المربع جزء اسطواني يبلغ ارتفاعه ربع الارتفاع الكلي ، ويلتف حوله سلم دائري من الخارج أيضاً ، ويعلو ذلك طبقة اسطوانية ، وتشبه هذه المئذنة مئذنة مسجد سامرا الكبير التي تسمى ( الملوية ) (*) المصدر د / فريد شافهي : مئذنة مسجد ابن طولون ـ المجلد الرابع عشر الجزء 1 من مجلة كلية الآداب بالعراق ص 167 .
    ومنذ العصر الفاطمي بدأت المآذن المصرية تأخذ طابعا مميزا ، ومن أقدم المآذن الباقية من هذا العصر مئذنتا جامع الحاكم ، وقد أقيمتا فوق طرفي الواجهة البحرية ، وتقوم كل منهما فوق برج مكون من مكعبين أجوفين يعلو أحدهما الآخر ، الجزء العلوي منهما من العصر المملوكي والأسفل من العصر الفاطمي ، أما الطوابق المثمنة العليا فتعود إلى عصر المماليك ، ويعلو كلا من هاتين المئذنتين قبة على شكل مبخرة ، وتعتبر مئذنة الجيوشي من أقدم أمثلة المآذن المصرية المعروفة باسم مئذنة المبخرة ، وهذا النوع من المآذن استعمل حتى النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي ، حيث زادت العناية بالتفاصيل الزخرفية ورشاقة النسب (*) د / السيد محمود عبد العزيز سالم : المآذن المصرية ص 20 .
    وفي العصر الأيوبي كسيت القاعدة المربعة بزخارف جصية ، أما الجزء المثمن الذي يعلو هذه القاعدة فقد زخرف بعقود محارية منقوشة ، ثم نجد الخوذه المضلعة . وانتقل بناء هذا الطراز من الآجر إلى الحجر وعلى مقياس أكبر . ثم بنيت المئذنة كلها بالحجر وتعددت دوراتها إلى ثلاث ، وبلغ تطور المنارة الذروة في عصر المماليك الجراكسة . وفي مستهل القرن السادس عشر ظهر نوع من المنارات مربع القاعده له أكثر من قمـة ( مسجد الغوري ) 1504 م ، منارة ( الغوري بالأزهر ) 1510م (*) المصدر حسن عبد الوهاب : الحلقة الدراسية الأولى في التاريخ والآثار ص 103 .
    وفي فلسطين وجزيرة العرب شاع الطراز المصري المملوكي ثم الطراز العثماني ، وإذا تتبعنا مآذن سوريا القديمة لوجدنا أكثرها مربعاً ، كما نشاهد في مساجد دمشق لمعرة وحماة وحلب ، ثم أصبحت في العصر الفاطمي الأيوبي وأول المملوكي مربعة إلى الدورة الأولى ؛ ثم اسطوانية أو مثمنة البدن ، وتنتهي بخوذه كروية أو مخوصة .
    وفي العراق ، في العصر العباسي ، ظهر طراز المآذن المخروطية ذات المدارج الخارجية ( الملوية بسامر ) ثم شيدت المآذن المربعة والمثمنة والاسطوانية .
    وفي إيران كانت المآذن الأولى ، في الغالب ، مثمنة الشكل ثم انتشرت المآذن الاسطوانية منذ القرن الحادي عشر الميلادي ، وأصبحت تجمل بالزخارف الهندسية من نفس الطوب الذي بنيت به ، أو تكسى بالقاشاني ، ويستدق طرف المئذنة الإيرانية وتنتهي من أعلى بردهة تضليعات وعصابات تقوم على مقرنصات تعطيها شكل الفنار . ومنذ القرن الخامس عشر الميلادي كان لمعظم المساجد الإيرانية مئذنتان تحفان بالمدخل وتختفي قاعدة كل منهما خلفه ، وهذه المآذن خالية من الطبقات والنوافذ .
    وفي الهند شيدت المساجد في أول الأمر من غير مآذن ، ثم أضيفت المآذن الاسطوانية والتي تضيق كلما ارتفعت ، وتزينها شرفات وتضليعات ، ومنذ القرن الخامس الميلادي كان يحف بالمداخل مئذنات على الطــــريقة الإيرانية ، ومن أجمل المآذن الهــندية القديمة ( قطب منار ) في مسجد قوة الإسلام من القرن الثالث عشر الميلادي ، ويبلغ ارتفاع هذه المئذنة 72.5 متراً وقطر قاعدتها 14 متراً وبنيت طبقتها السفلية من الحجر ، والطبقتان العلويتان ، جددتا من الرخام الأبيض ، وتكسو هذه المئذنة الكتابة وأشرطة من الزخارف المعمارية (*) د . زكي محمد حسن : فنون الإسلام ص 150 .
    وفي آسيا الصغرى سارت المآذن على نسق مآذن مسجد أيا صوفيا ، فهي اسطوانية عالية ممشوقة تعلوها قمة مخروطية مدببة ، وزاد عدد المآذن في المساجد التركية حسب أهمية المسجد ، ووصل عدد المآذن في مسجد السلطان أحمد باستنبول إلى ست .
    القباب :
    كان استعمال القباب معروفاً في الأقاليم العربية قبل الإسلام ،كما عرفها الساسانيون والبيزنطيون . وأقبل المسلمون على استعمالها وبخاصة في الأضرحة ، وقد انتشرت القباب في العالم الإسلامي وأصبحت من الخصائص المميزة للعمارة الإسلامية .
    وتعتبر قبة الصخرة التي شيدها عبد الملك بن مروان 72 هـ 691 ـ 692 م من أقدم نماذج القباب الإسلامية . ويبلغ قطر هذه القبة 20.44 متراً مقامة على قاعدة مستديرة مكونة من أربع دعائم بين كل دعامتين ثلاثة أعمدة ، كلها تحمل ستة عشر عقداً مدبباً ، ويعلو العقود رقبة اسطوانية بها ست عشر نافذه ، وصنعت القبة من الخشب ثم غلفت بالرصاص . ويوجد نموذج آخر للقبة في العصر الأموي ، هو تلك القبة التي أقيمت على حجرة المياه الساخنة في قصير عمرا ، وهي حجرة مربعة تم الانتقال فيها من المربع إلى الدائرة بطريقة عمل أربعة مثلثات كروية في الأركان (*) د / كمال الدين سامح : العمارة الإسلامية في مصر ص 198 .
    وفي العصر العباسي نجد نموذجاً للقبة في مدخل مدينة بغداد المستديرة ، وتم الانتقال من المربع إلى الدائرة بطريقة عمل أربعة محاريب في الأركان .
    أما أبدع القباب فنجدها في مصر وسوريا ، وأقدمها في مصر يعود إلى العصر الفاطمي ، وكانت مقرنصاتها من حطة واحدة ثم تطورت إلى حطتين في القرن الثاني عشر الميلادي ، وأضيف إليها التضليع ، وفي العصر الأيوبي زادت الزخارف الجصية في قواعد القباب . وتمتاز القباب المصرية بارتفاعها وتناسق أجزائها ، والزخارف الفنية التي تغطي سطحها .
    وفي العصر المملوكي ظهرت أنواع كثيرة من القباب منها نصف الكروية والمضلعة والبيضاوية ، كما ظهرت قباب كبيرة ذات مناور ، منها قبة الشيخ عبد الله المنوفي ( نهاية القرن 13 م ) التي بنيت بمنور ، وبذلك يكون المهندس الذي أنشأها سبق برونلسكي الإيطالي 1420م ، الذي ينسب إليه ابتكار هذا النوع من القباب في مدينة البندقية (*) المصدر د/ كمال الدين سامح : العمارة الإسلامية في مصر ص 198 .
    وعرفت مصر القباب الخشبية ، ومن أجمل نماذجها قبة الإمام الشافعي التي أنشأها السلطان الأيوبي الملك العادل 1211م ، ثم غلفت بالرصاص وتمتاز بشرفاتها المسننة (*) المصدر حسن عبد الوهاب : الحلقة الدراسية الأولى في التاريخ والآثار ص 102 .
    وفي عصر المماليك الجراكسة بنيت القبة بالحجر ، وتنوعت زخارفها ما بين هندسية ومورقة ، كما غطيت رقاب بعض القباب بالقاشاني أو كسيت القبة كلها بالقاشاني .
    وفي المغرب تسمى القبة ( مربوط ) ، ونجد أغلب القباب على أشكال نصف كروية ، وفي تونس تعلو القبة المستديرة رقبة مثمنة مرتكزة على قاعدة مربعة ، وفي بلاد الجزائر نجد أضرحة ذات قباب بيضاوية قائمة فوق الهضاب .
    وفي الهند تكون القباب ذا رقاب قصيرة على شكل بيضاوي أو على شكل زهرة اللوتس ( تاج محل في أجراء ) . وفي إيران تأخذ القباب شكلا بيضاوياً أو بصليا وتغطى بالقاشاني . كما توجد في إيران قباب ذات رقاب طويلة ( سمرقند ) .
    أما الطراز التركي فقد استمد أشكال قبابه من طراز قبة أيا صوفيا ، وهي على شكل نصف الكرة ، ونجد قبة كبيرة سائدة تحيط بها أنصاف قباب ؛ وقد انتقل هذا التأثير إلى مصر في العمائر التي تنسب إلى العصر التركي العثماني .

  11. #11

    Lightbulb

    الأعمدة :
    لم يكن للمسلمين طراز خاص من الأعمدة في أول الأمر ، وكانوا يستعملون الأعمدة المنتزعة من المباني الرومانية القديمة .

    وبعد هذا الدور الأول بدأ يظهر العمود الإسلامي الذي أخذ بالتدريج شكلا يميزه عن الأعمدة في الطرز الأخرى . وكان أول هذه الأشكال أعمدة ذات تيجان ناقوسية أو رمانية نراها في أطلال قصر (( الجوسق الخاقاني )) في سامرا ، وفي مقياس الروضة تكتنف الفتحات المعقودة بعقود مدببة والمستعملة كمآخذ للمياه من النيل ، ثم في أركان الدعائم بمسجد أحمد بن طولون . وكان بدن العمود اسطوانيا ، ثم ابتكرت أعمدة أخرى ذات بدن مضلع قطاعة مثمن ، واستعمل في عمائر السلطان برقوق وفي جامع السلطان قايتباني الأعمدة التي تحمل الدكة والميضأة ، كما ابتكرت أعمدة أخرى ذات أبدن مضلعة تضليعا حلزونيا ، وكانت الأضلاع تزين في كثير من الأحيان بالزخارف النباتية الدقيقة .

    وفي السند استعملت أعمدة من الخشب المذهب ذات أبدان مضلعة ومزينة بمراي على هيئة مربعات كما نرى في قصر جهل ستون ، القرن السابع عشر الميلادي ، وظهر في الطراز العثماني نوع من الأعمدة امتاز بما في بدنه من (( خشخان )) أي تقوير متعرج أو على هيئة معينات .
    وكثيرا ما استعملت الأكتاف في العصر العباسي ، والطولوني في مصر ، ثم في بعض المساجد في العصر الفاطمي ، وكانت إيران تقبل على استعمال الأكتاف بدلا من الأعمدة . وكثيرا ما كانت تزين هذه الأكتاف بأعمدة في أركانه ( ابن طولون ـ سامرا ) .

    أما التيجان فقد ابتكر المسلمون أنواعا مختلفة ؛ منها الرماني ذو القطاع الدائري أو القطاع المثمن ، أو على شكل الهرم الناقص المقلوب أو الناقوس ، ويزخرف تاج العمود إما بصف من الوريقات أو بالمقرنصات أو الدلايات ( قصر الحمراء بغرناطة ) أما القاعدة فكانت على شكل ناقوس مقلوب . وأقدم التيجان الإسلامية التاج الناقوسي الذي ظهر أول مرة في (( باب العامة )) بقصر الجوســـق الخاقاني بسامرا وفي جامع المتوكل ثم في مقياس الروضة ( كقواعد للأعمدة ذات التيجان الكورنثية ) .

    العقود :
    استعمل المسلمون في عمائرهم أنواعا مختلفة من العقود حسب الأقاليم الإسلامية . وقد استعملت في أول الأمر العقود نصف الدائرية ثم العقد المدبب الذي ظهر في عقود مجاز المسجد الأموي بدمشق وقصير عمرا ، وفي باب العامة بقصر الجوسق الخاقاني بسامرا ، وقد انتشر هذا العقد في إيران ( مسجد الشاه بأصفهان ) وفي الهند ( مسجد الجامع بدلهي ) أما عقد نعل الفرس فهو عقد يرتفع مركزه عن رجلي العقد ويتألف من قطاع دائرة أكبر من نصفها .

    ويكثر استعمال هذا العقد في الأندلس وبلاد المغرب ، كما نجده في المسجد الطولوني حيث تزيد استجارة خفيفة في بداية العقد .
    أما عقد نعل الفرس المدبب ( المخموس ) : فهو عبارة عن قوس دائرتين ويرتد امتداه من أسفل عن خط امتدا كتفي العقد ، ويكثر استعمال هذا العقد في الأندلس وبلاد المغرب .

    أما العقد ذو الفصوص : فهو عبارة عن سلسلة من عقود صغــــيرة وأقواس متتالية ، ويكثر استعماله في بلاد المغرب والأندلس ( طليطلة وغرناطة )
    أما العقد المزين باطنه بالمقرنصات : فنجد أبدع الأمثلة في قصر الحمراء بغرناطة ، وفي بلاد المغرب ، وبخاصة في مدارس فاس وأضرحة سلاطين الأشرف ( مراكش ) .

    أما العقد ذو الثلاثة الفصوص : فيتكون من ثلاثة عقود صغيرة ، ونجد في مداخـــل المدارس والأسبلة في العصر المملوكي ( السلطان حسن ، مدرسة برقوق بالنحاسين ) .

    العقد الفارسي : عقد منخفض يتكون من خطين مستقيمين يتقابلان في الأعلى بزاوية منفرجة يتقوس طرفاها إلى أسفل عند ارتكازهما على كتفي الحائط ، وأطلق عليه اسم (( العقد الفارسي )) لأنه ظهر في بلاد الفرس وانتشر فيها ، ثم في تركيا والهند .

    العقد المستقيم : وهو عقد مكون من أحجار تشد بعضها بعضا ، أو من أحجار متداخلة ، وتكون خطا مستقيما ، وينتشر هذا النوع في أغلب البلاد الإسلامية .

    المداخل :
    اتبع في سوريا نظام المداخل الثلاثية المحورية ، وانتقل النظام إلى شمال أفريقيا والأندلس ومصر ( الظاهر بيبرس ) . وفي مصر توضع المداخل داخل جحور شاهقة عميقة تمتد في الغالب إلى ارتفاع البناء كله ، ويحف بالباب من الجانبين مكسلتان ؛ ويغلب أن تكون قمة الجحر ربع كروية محمولة على مقرنصات أو نصف قبة مخموسة .

    وتصنع الأبواب التي توضع في هذه المداخل من الخشب المزخرفة حشواته بالزخارف الدقيقة ، أو من الخشب المصفح بالنحاس المزخرف بأشكال هندسية أو نباتية .

    المقرنصات :
    تستعمل المقرنصات كعملية معمارية إنشائية ، أو كحلية زخرفية ، ففي الحالة الأولى تستعمل لتحويل الحجرة المربعة إلى دائرة عن طريق عمل طاقات Squinches أو محاريب في الأركان لتقوم فوقها رقبة القبة المستديرة أو المثمنة . وفي الحالة الثانية تستعمل كحلية زخرفية ترى في العمائر مُدلاة بعضها فوق بعض في واجهات المساجد والمآذن ، أو في تيجان بعض الأعمدة وفي الأسقف الخشبية ، وهي تدل على غرام المسلمين بالأشكال الهندسية ، والتفنن في استعماله لتحقيق أهداف زخرفية .

    طراز العصر الإسلامي المبكر

    سبق أن أوضحنا أن الطرز الفنية التي كانت سائدة في الأقاليم العربية ، التي وحد بينها الإسلام ، كانت طرزا محلية ، استطاعت أن تهضم التأثيرات الهلينستية التي وفدت إليها . فلما انتشر الإسلام في هذه البلاد ، قامت بها نهضة فنية ارتكزت على الفنون المحلية السائدة بها ، وأخذت تنمو وتتطور محققة أهداف العقيدة الجــديدة والمجتمع الجديد ، وكانت المباني البسيطة التي أنشأها النبي ( ص ) والخلفاء الراشدون من بعده مؤثرة ، إلى حد كبير ، في تخطيط المساجد وعناصرها المعمارية الأساسية التي ظهرت بعد ذلك في مختلف الأقاليم الإسلامية .

    المسجد الأول بالمدينة :
    وكان المسجد الأول الذي أقامه الرسول ( ص ) في المدينة غداة هجرته إليها ، يمثل البساطة والتقشف اللذين يميزان جوهر العقيدة الإسلامية . وكانت مساحة هذا المسجد تبلغ نحو 100 ذراع طولا في مثلها عرضا ، وارتفاع الحوائط 7 أذرع ، وفي الجانب الشمالي الغربي أقيمت مظلة على جذوع النخل ومغطاة بالسعف والطين . وفي الجانب الجنوبي الشرقي شيدت تسع حجرات كمسكن للنبي ( ص ) ، وكان للمسجد ثلاثة أبواب متعاقدة ، كما استعمل اللبن في البناء ، وفي السنة السابعة للهجرة أضاف النبي منبرا مكونا من ثلاث درجات بعد أن استشار الصحابة . وفي عهد عمر أصبحت مساحة المسجد 140 × 120 ذراعا واستعملت أعمدة من الخشب ، وفرشت الأرض بالحصباء وأصبح له 6 أبواب . وفي عهد عثمان وسع المسجد وأصبحت مساحته 150 × 160 ذراعا ، واستعملت أعمدة من الحجر ، كما بنيت الحوائط كذلك من الحجر ، والسقف من خشب الساج ، وظلت الزيادات والتحسينات تضاف على هذا المسجد العتيق في جميع العصور التالية (*) المصدر كريزويل : موجز عن العمارة الإسلامية المبكرة ، ص 3 .

    على أن الإصلاحات والزيادات التي قام بها الوليد في سنة 712 م جعلت منه نموذجا للجوامع ذات الصحن والأروقة بما أضفاه عليه من فخامة جعلته ذات أثر كبير في التطور الذي حدث بعد ذلك (*) المصدر كونل : الفن الإسلامي ، ص 6 .
    جامع البصر :

    شيدة عتبه بن غزوان بأمر الخيلفة عمر في سنة 14 هـ 635م على تخطيط مربع وأحاطه بأعواد العشب الجافة . ثم جدد بعد حريق البصرة في عهد ولاية أبي موسى الأشعري 16هـ ـ 637 م فأعاد بناء باللبن . وفي عهد زياد بن أبي سفيان أعاد بناءه بالآجر والجص عام 44هـ ـ 665م ، وجعل السقف من خشب الساج واستحضر له أعمدة من الأهواز وأقيمت به مقصورة ملاصقة للقبة بهاباب يوصل إلى دار الإمارة ، ويظن أنه كان لهذا المسجد منارة (*) المصدر : كريزويل : العمارة الإسلامية المبكرة ـ د . زكي حسن : فنون الإسلام ، ص 34 .

    جامع الكوفة :
    وضع أساس هذا المسجد في 17 هـ ـ 638 م وحددت مساحته بإلقاء سهم في الجهات الأربع . وقد أحيط بخندق بدلا من الحوائط , وفي جهة القبلة أقيمت مظلة على أعمدة أخذت من خرائب منزل من منازل الأمراء اللخميين بالحيرة . وجدد هذا المسجد في أيام زياد عام 50 هـ ـ 670 م الذي جلب له أعمدة من الأهواز ثبتت أجزاؤها في بعضها بالرصاص ، وكان ارتفاع سقف المسجد يبلغ نحو ثلاثين ذراعا تحمله الأعمدة مباشرة .

    جامع عمرو بالفساط :
    أقامه عمرو بن العاص في 21 هـ ـ 642 م . وكانت مساحته 50 × 30 ذراعا . وله ستة أبواب ، بابان في كل جانب عدا جانب القبلة ، ولم يكن له فناء داخلي وأعمدته من جذوع النخل ، وكانت الأرض مفروشة بالحصباء ،وقد توالت عليه الزيادات والتحسينات ، واضيفت عليه أربع صوامع ، ومنبر في عهد مسلمة بن مخل والي معاوية في 53 هـ ـ 673 م ، ثم أعاد بناءه الوالي قرة بن شريك في عام 92 هـ ـ 711 م واضاف إليه المحراب المجوف . وصحح اتجاه القبلة .


    ------------------
    إن كنت تبحث عن شيء تبدي فيه بسالة، فتأمل الفنون الجميلة !


  12. #12

    Post

    الطراز الأموي

    لما انتهى عهد الخلفاء الراشدين وانتقلت الخلافة إلى بني أمية ، وجعلوا مقرها الشام عام 41 هـ ـ 661م ـ بدأ الأمويون في التفكير في تشييد مساجد توازي في عظمتها الكنائس المسيحية ، بحيث تليق بعظمة المسلمين وحكمهم الجديد . وقد اعتمد المسلمون على الفنيين والصناع من أهل البلاد في إطار فلسفة العقيدة الجديدة . وقد اعتمد المسلمون على الفنيين والصناع من أهل البلاد في إطار فلسفة العقيدة الجديدة ، وهكذا نشأ الطراز الأموي الذي ظل يسود أغلب البلاد الإسلامية طوال ثلاثة القون الأولى للهجرة . وفي عهد عبد الملك بن مروان استحكم الخلاف بينه وبين عبد الله بن الزبير الذي كان حاكما مستقلا على الحجاز لا يخضع لسلطان الخليفة الأموي في دمشق .

    وفكر عبد الملك بن مروان في أن يقيم مسجدا فوق البقعة المقدسة ببيت المقدس ينافس به الكعبة ويصرف الناس عن الحج إليها اكتفاء بالحج إلى قبة الصخرة ، وكان يجيب المعترضين بالحديث (( لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاث ، المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسحد الأقصى )) .

    قبة الصخرة : من أبدع وأقدم العمائر الإسلامية التي خلفها الأمويون ، وقد وضع أساس البناء عبد الملك بن مروان في عام 72 هـ ـ 691 م . وضع تصميم قبة الصخرة ليلائم الطواف حول الصخر المقدسة ، وهي بناء من الحجر على تخطيط مثمن طول ضلعه نحو 120.5 م وارتفاع الحوائط من الخارج نحو 9.5 م ، وفي أعلى كل حائط من حوائط المثمن نوافذ ، وداخل المثمن الخارجي مثمن آخر داخلي ، وفي كل ضلع من اضلاعه ثلاثة عقود كلها محمولة على 16 عمودا وثمانية أكتاف ، وداخل المثمن الثاني دائرة من 12 عمودا وأربعة أكتاف ، وفوق الدائرة قبة عظيمة قطرها نحو 20.44 م مرفوعة على رقبة اسطوانية فتحت بها ست عشرة نافذة ، والقبة من الخشب تعطيها من الداخل طبقة من الجص ومن الخارج طبقة من الرصاص ، وللبناء أربعة أبواب متعامدة ، ذات سقيفة أمامية مقابلة للجهات الأصلية .

    ويبلغ عدد النوافذ في البناء 56 نافذة : منها خمس في كل واجهة من واجهات المثمن ، بالإضافة إلى 16 نافذة في رقبة القبة ، وكانت النوافذ مزخرفة بالرخام والزجاج الملون ، أما الشبابيك الواقعة فوق المداخل فقد كانت مزينة بأعمدة من البرونز .

    والأقواس الداخلية في البناء نصف دائرية ، ومثلا أقواس النوافذ ، والأعمدة المستعملة منتزعة من مبان قديمة ، ويلاحظ أنها مختلفة في طراز أبدانها وتيدجانها ، ويمكننا أن نميز خمسة أنواع منها ، واستعملت روابط خشبية مغلفة بالبرونز ومزخرفة بزخارف جميلة لربط الأعمدة بعضها ببعض .

    وقبة الصخرة عنية بزخارف الفسيفساء التي تزين كثيرا من جرانها ، وقوام هذه الزخارف الأشجار والفاكهة والأواني التي تخرج منها الفورع النباتية ، ورسوم الأهلة والنجوم ، وكان الجانب الخارجي من جدران البناء مغطى أيضا بالفسيفساء التي استبدلت بها لمحات من القاشاني على يد السلطان سلمان القانوني سنة 1545م .

    والحوائط من الداخل إلى ارتفاع أربعة أمتار ، وكذلك جميع الأكتاف مغشاة بالرخام ، أما الحوائط من الخارج فمقسمة إلى تجويفات رأسية بكل ضلع منها سبعة .. وتعتبر خارف الفسيفساء في قبة الصخرة أقدم نموذج للزخارف الأموية الأولى .

    وفي داخل القبة كتابة كوفية طولها نحو 240 مترا كتبت بماء الذهب على أرضية زرقاء . وفي أيام الأمون أدخلت بعض الإصلاحات على القبة ، وكان منها تعديل هذه الكتابة رغبة في نسبتها إلى المأمون ، ولكن الصانه الذي كتب اسم المأمون فاته أن يغير تاريخ البناء وهو 72 هـ .

    المسجد الأموي بدمشق :
    يعتبر المسجد الأموي من أعظم المساجد الإسلامية وأقدمها ، ومن أهم الآثار التي خلفها الأمويون . شيده الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بين عامي 88 ، 96هـ ـ 707 ، 714 م في بقعة كان فيها معبد وثني ؛ ثم حلت محله كنيسة القديس يوحنا . واستقدم له الفنيين والعمال من أنحاء العالم الإسلامي .

    يتكون المسجد من صحن كبير مستطيل ، تحيط به سقفية محمولة على أعمدة وأكتاف وفوق كل عقد نافذتان ، وإيوان رئيسي ماحته 136 × 37 م . ويتكون من ثلاثة أروقة موازية لحائط القبلة ، ويحمل اسقف عقود محمولة على أعمدة رخامية ، فوقها أقواس أصغر منها بارتفاع 15 متر ويقطع هذه الاروقة مجاز عمودي على حائط القبلة يبلغ ارتفاع سقفه 23 مترا ، وفي وسط رواق القبلة قبة حجرية أضيفت في عصر متأخر والسقف كله على شكل جمالون .

    وكان هذا المسجد مفروشا بالمرمر ، وكانت جدرانه مغشاة بالرخام إلى ارتفاع مترين تقريبا ، وفوق هذه اللوحات الرخامية صور وزخارف من الفسيفساء الملونة والمذهبة ، ما يزال بعضها في الرواق الغربي .

    يوجد في هذا الجامع 6 أنواع من الشبابيك الرخامية تعتبر المثل الأول للزخارف الهندسية الإسلامية . وللجامع ثلاث مآذن اثنتان في طرفي ضلعة الجنوبي ، واحدة مربعة الشكل ,الثانية مثمنة كالمآذن المصرية ، أما الثالثة ففي منتصف ضلعه الشمالي وهي مربعة الشكل .

    ومن أهم الإصلاحات التي أجريت في هذا المسجد ما تم في عصر الخليفة المأمون . وقد أثر هذا الجامع سواء من حيث التخطيط أم التنظيم المعماري ، أم الزخارف ، في جامع حلب وقصر الحير وفي مساجد شمال إفريقيا والأندلس .

    المسجد الأقصى :
    أما المسجد الأقصى (( بيت المقدس )) فقد تغير شكله عدة مرات ، فقد أنشئ أول مرة في عهد الخليفة عمر في 17 هـ ـ 638 م ثم أعيد بناؤه في أيام عبد الملك بن مروان حوالي 90هـ ـ 638م وكان قوامه أروقة موزاية للقبلة يعترضها رواق عريض . ثم أعاد إنشاه الخليفة العباسي المنصور 141هـ ـ 758م ، واستمرت تجري فيه التجديدات حيث تتعذر نسبته إلى الطراز الأموي .

    وهناك عدة قصور شيدة في التأريخ الإسلامي منها على سبيل المثال :
    قصير عمرا : وقصير عمرا ينسب إلى الوليد بن عبد الملك ، وقد استنتج كريزويل وبرشم أنه أنشئ بين عامي 712 ، 715 م ويقع قصير عمرا على بعد 50 ميلا شرق عمان . الأردن . وقد اهتم الخلفاء والأمراء الأمويون بإنشاء القصور عظيمة الاتساع في جهات متفرقة . ومن هذه القصور قصر هشام بن عبد الملك ويقع على الضفة الغربية من الأردن وعلى بعد خمسة كيلو مترات شمال أريحا ، وقصر الحير الشرقي والغربي ويقع القصر الغربي على بعد 60 ميلا شمال شرقي تدمر ، 80 ميلا جنوب الرصافة . وشيده هشام بن عبد الملك حوالي 110 هـ ـ 729 م

    قصر المشتى : وهذا القصر له أهمية خاصة لما دار حوله من جدل بين علماء الآثار خاصة بنسبته إلى العصر الأموي ، وقد استقر رأي الباحثين على أنه يعود إلى الوليد الثاني بين سنتي 123 / 133هـ ، 740/750م وتقع خرائب هذا القصر في البلقع حوالي 20 ميلا جنوب شرق عمان . ويبلغ طول ضلعه 144 م .

    الطراز الأموي الغربي

    جامع القيروان :
    عندما تم فتح العرب شمال أفريقيا أسس عقبة بن نافع مدينة القيروان ومسجدها في سنة 50 هـ 670 م ، ثم هدم المسجد وأعيد بناؤه سنة 76هـ 695 م ثم جدده وزاد فيه بشر بن صفوان بأمر الخليفة هشام 105 / 109هـ ـ 24/728 م ثم أضيفت إليه زيادات أخرى ي أيام زياد الله الأغلبي عام 221هـ ـ 836م ، وما يزال جزء من هذا المسجد يعود إلى أيان هشام .

    مسجد قرطبة :
    تم للعرب فتح الأندلس سنة 92 هـ 711م ، وعندما استقر الأمر لعبد الرحمن الداخل الذي هرب من وجه العباسيين بعد استيلأهم على الخلافة ، أنشأ مسجد قرطبة سنة 169 ـ 170هـ / 786 م .

    مميزات العمارة في الطراز الأموي

    كان المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام يتميز بالبساطة والتقشف والبعد عن الترف بكل مظاهره بعدا مبعثه القلب والإيمان بالله إيمانا عظيما ، ويظهر ذلك واضحا في المساجد الأولى التي أنشئت في المدينة والكوفة والبصرة والفسطاط ـ ضمن المدن التي أسست في أماكن خالية في هذا البلاد .

    وبتوالي الزمن أخذ حكام المسلمين يقيمون المنشآت العظيمة معتمدين على أهل البلاد التي يقيمون فيها هذه العمائر ، تأكيدا لعظمة الإسلام ودعما لحكمهم . وقد اعتمد الوليد على عمال من مصر وسوريا عندما أعاد بناء مسجد النبي بالمدينة في 7/709م . حيث أن أكثر البلاد تأثراً بالطراز الأموي منذ أول الأمر كانت شمال أفريقيا والأندلس . وبعد بضعة قرون ظهر طراز خاص مميز نطلق عليه الطراز المغربي (*) المصدر : كريزويل : موجز عن العمارة الإسلامية المبكرة ص 158 .

    الطراز العباسي

    عندما انتقلت الخلافة إلى بني العباس 132هـ 750 م نقلوا مقر الحكم إلى العراق ، وقد أدى ذلك إلى تغيرات جوهرية في أساليب الفن منها استعمال الآجر بدلا من الحجر والأكتاف بدلا من الأعمدة وفضلت الزخارف الجصية على الزخارف الحجرية ، واستعمل التخطيط المستطيل ، وهكذا نجد نمطا فنيا جديدا يختلف عن النمط الذي ساد العالم الإسلامي في ظل الخلافة الأموية . وقد أسسو دولة جديدة ومدينة جديدة .

    مدينة بغداد :
    وين عامي 145 ـ 149 هـ 762 ـ 766 م شيد المنصور مدينة بغداد وجعل تخطيطها مستديرا ولها أربعة مداخل رئيسية محورية ، ويبـلغ قطرها نحو 2710 م واستعمل في البناء قوالب من الطوب اللبن يبلغ وزن الطوبة نحو 200 رطل ، كما ساتخدم البوص كرباط ( قصب السكر ) بين المداميك ، وهي طريقة عراقية قديمة ـ وللمدينة سوران خارجيان .

    مدينة سامرا :
    وقي عام 221 هـ 836 م شيد المعتصم مدينة سامرا على الضفة اليمنى لنهر الدجله على بعد 100 ك شمال بغداد ، وقد هجرها المعتمد سنة 276 هـ ـ 883 م إلى بغداد ، وقد دبت الحياة ي سJامر نحو 50 عاما ، وأزيحت الأنقاض عن قصر الجوسق الخاقاني ( قصر المعتصم ) وظهر أن لهذا القصر الكبير وملحقاته مدخلا واحدا اسمه ( باب العامة ) ولا تزال أنقاضه قائمة .

    مسجد سامرا الكبير :
    بدأ في إنشائه المتوكل سنة 234هـ ـ 848 م ، وهو أعظم الجوامع الإسلامية مساحة إذ كان يتسع لأكثر من 100 ألف مصل ، تخطيطه على شكل مستطيل أبعاده ، 260× 180م (*) المصدر كونل : القن الإسلامي ص 25 . واستعمل في بنائه اللبن وبني سوره الخارجي بالطوب الأحمر الفاتح ، وزود بابراج تبلغ جملتها 40 برجا قطر كل منها أربعة أمتار ونص المتر ويبرز الواحد عن الجدار نحو مترين .

    قصر الأخيضر :
    من أهم القصور المحنة التي خلفها العباسيون وأعظمها أثرا في النفس ، وينسب إلى عيسى بن موسة 161هـ 778 م ، ويقع في الصحراء على بعد 120 ميلا جنوبي بغداد ، ويشتمل على سور خارجي على شكل مستطيل أبعاده 175×169م . به أربعة أبراج مستديرة بين كل برجين عشرة أبراج نصف دائرية هذه غير الأبراج التي تحف بالباب وفي وسط كل ضلع من الأضلاع بوابه .

    جامع أحمد بن طولون :
    أنشأه أحمد بن طولون سنة 263 ـ 265 هـ ، 876 ـ 879 م ويؤثر هذا المسجد في النفس بضخامته وبساطة تصميمه . ويتكون من صحن مشكوف مربع تقريبا ، في وسطه فسقية داخل بناء مربع التخطيط . تعلوه قبة محموله على صفوف من المقرنصات ، تحيط به من جوانبه الأربعة إيوانات أكبرها الإيوان الشرقي وهو إيوان القبلة . وكان للجامع 42 بابا 21 في جدار المسجد ، بالإضافة إلى أربعة أبواب صغيرة في جدار المحراب . أما الآن فالمفتوح من أبواب الأسوار خمسة في كل من السورين البحري والقبلي وبابان في الجدار الغربي . ويوجد في الجامع ستة محاريب بالإيوان الشرقي ، أحدها المحراب الأصلي الذي يجاور المنبر . وفي المسجد 128 نافذة مزخرفة بالجص المفرغ ذات أشكال هندسية بديعة . وتبلغ مساحة المسحد بالزيادات 162 × 162.46 مترا ومن غير الزيادات 122.26 ×140.33 مترا والمسجد كله مبني بالطوب الأحمر الداكن المغطى بطبقة سميكة من الملاط تعلوها طبقة أخرى بيضاء من الجص بها الزخارف المحفورة .


    ------------------
    إن كنت تبحث عن شيء تبدي فيه بسالة، فتأمل الفنون الجميلة !


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •