.


.... [ في وداع الحاج ]....

هانحن نجري وراء كلماتنا التي تتساقط يابسة صفراء ملتوية الأطراف كأوراق الخريف يطيرها عويل رياح الحزن، وتعصف بها الغيوم الرمادية التي جللتنا غداة رحيلك يا حاج.

نلملمها لا نريدها أن تشوه ساحة نداك الفستقية، علنا ننظم بها أكاليل نوح وآهات، ننفخ بها في ناي الحزن الذي سيظل رجعه يترنح في جنبات بلدتنا التي كسف نورها بفقدك. بلدتنا التي رسمت لها صورة في عيناك و أخذت بأيدينا لنرسمها معك، وعلمتنا كيف نحيل الدمعة بسمة، والآهة ضحكة، فأشعلت أصابعك شمعاً في ظلام أزقتها.

تأملناك طويلاً تتجرع شراباً مرا اسمه الصبر؛ شراباً تذلقه أفواهنا في عجلة حلقونا المندفعة لتذوق الشهد، فيفتر ثغرك باسماً في جلال وحكمة الشيوخ، (لا تكونوا كضوء الليف يشتعل سريعاً و يخمد سريعا)*.

كانت حكمة ظلت معلقة كقرط ماسي في أذني، (امضي ولا تنظري خلفك)*كانت كلماتك قليلة مركزة كإكسير الخلود تكفي قطرات منه لتمنح الحياة، بضع كلمات تحرك ديناميكية الروح فتدفعها هائمة في بحور الخير.

تتبعت أنين متشنج منتحب يأتي من تحت ضلوع الشارع الذي يخترق قلب بلدتنا، هناك كبد الذكرى أحرقها الشوق فاعتلى رؤوسنا شبح مكتب الجمعية الصغير الذي غرستْ فيه شتلة الخير و التي أورقتْ و أورفتْ تحت ظلالها ليس الأيامى واليتامى و المساكين بل رفرفتْ بجناحي الحب و الود على كل دار و كل أسرة في سيهات فاحتضنت آمالهم وآلامهم.

يوم ثلمت العقول المحنطة قناة حلمنا، شرعت لنا ذراعيك وبسطت لنا بالندى كفيك وآمنت بنا فآطلقت في بحور الخير أشرعتنا، كنت لحوحاً في العطاء؛ إلحاحاً يجفف قطرات الخجل عن جبيننا، ويرفع قامة ترددنا المتطأطئة، فينسدل خمار الحرج عن وجهنا. معك فقط يا حاج انعكست الآية فبدل إلحاحنا المعتاد في السؤال على أبواب غيرك، كنت أنت تأتي أبوابنا معاتباً عتاباً أبوياً دافئا، راجياً إلا نخفي في الخاطر أمنية أو رغبة ،ماداً إلينا ذراعيك..... فآآآه.. على تلك الأذرع التي اعتادت أن تكون ممتدة لأحشائنا كيف ارتدت ممدة على جنبيك.

سنذكرك ياحاج كلما اكتمل بدر حلم و التمع، سنراك ملاكاً تظهر في ضباب شتائنا، وغيمة ربيعية تحلق في سمانا، سنراك في سواعد جمعيتنا السمراء التي علمتها أن تحفر في الصخر بئراً للخير، وسيضوع عبير أثرك في موطئ كل قدم في ساحاتها، وستهفهف عليك نسمائم الرحمة كلما لوحت يداً في فضائها، ترسم أفكار الخير و سيهطل وابل السكينه على روحك كلما حرك نسيم شمالي ورق أشجارها وكلما شذا وضاع عبير أزهارها.

صور الأسود والأبيض كسرت زجاجها، وتمددت إطاراتها الخشبية متئوهة أحرق الحزن وفها، فارتعدت الروح في ثناياها، في إحداها تشير لشعلة خير تتراقص بتوءادة و في أخرى تقف مع رفاق الدرب تعلو وجهك بسمة النشوة التي يمنحها فعل الخير وهناك تشير لرؤية بعيدة كنجم لاح لك في ليلة صيفية صافية، تسترشد به في حين ظلت أعين لا تنظر إلا لموطئ قدمها، وفي أخرى وقفتَ في ساحة طفولتنا لكن ظفائرنا المشدودة ارتخت حزناً وانسدلت أيدينا الممسكة بالدمى، وكفنا نجمع حبات مسبحتك التي انفرطت وعشرات الأطفال ينتحبون لأن أيديهم انسلت من يدك فهم خائفون أن يضيعوا في الزحام.

أيها الحاج الحاج أيها الكبير الكبير سنقرأ تراتيل الذكرى و نتلو آياتها و نرسمك في دفاتر أطفالنا وستأتي ملاكاً في قصصهم قبل أن يناموا, فيا كوكباً كسفا و يا نوراً خبا ، ويا غيمة رحلت ما جف وابلها.



•من وصايا الحاج لي اثناء عملي معه.
ابنتكم / منى عبدالله الشافعي
18 جمادي الثانية 1426هـ
سيهات.